array(1) { [0]=> object(stdClass)#14443 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 219

لن يكتمل الأمن القومي للدولة إلا بتحييد أخطار ما وراء عمقها الاستراتيجي بعيدًا عن حدودها

السبت، 28 شباط/فبراير 2026

  • كل دولة، تعتبر معضلة الأمن، هماً وطنياً، خاصة ذلك الذي يأتي خطره من البيئة الخارجية، غير المنضبطة، إن لم تكن فوضوية، إلى حدٍ كبير، كما قد يراها البعض. في مجتمع لا تتوفر فيه سلطة مركزية، تتحكم في سلوك أعضائه، تسود حالة من التوتر وعدم الاستقرار، لغياب آليات فعالة لحفظ التوازن الإقليمي والدولي، افتقاراً لوجود سلطة إقليمية ودولية مركزية قاهرة، تفرض سيطرتها على مجتمع الدول، التي يحاول كل عضو فيه استخدام موارده الخاصة، وإن أمكن الحصول على موارد خارجية لخدمة مصالحه والذود عن أمنه الوطني. في النهاية: مشكلة أمن الدولة القومي، ببعديه الداخلي والخارجي، هو أولاّ وأخيراً مسؤولية وطنية عليا تقع على عاتق سلطات الدولة السيادية.

فوضوية بيئة مسرح السياسة الدولية

مسرح عمل السياسة الخارجية غير مسرح السياسة الداخلية. المجتمع المحلي (الدولة)، تحكمه مؤسسات سيادية تمتلك ناصية القوة الجبرية الغالبة، بسلطات سيادية (مادية) قاهرة، كفيلة بالقيام بمسؤولية الأمن، داخلياّ، باحتكار مؤسسات الدولة السيادية، لأدوات القهر والإجبار، مع إرادة سياسية قادرة وماضية وحاسمة، باحتكارها لعناصر القوة الضاربة، بمصدريها (الناعم والصلب). حكومة الدولة، تمتلك سيفَ المعزِ وذهبِهِ. لا توجد أي مجموعة أو فئة أو تيار سياسي، غير رسمي، داخل الدولة، يمكن أن ينافس احتكار مؤسسات الدولة للقوة وحق استخدامها، انعكاساّ للسيادة، ولفرض الأمن داخل المجتمع.

آليات التوازن على مسرح السياسة الدولية

القول بعدم وجود سلطة مركزية (أممية) قادرة وفاعلة ذات إرادة سياسية لفرض سيطرتها على مجتمع الدول، لا يعني القول بفوضوية، مسرح السياسة الدولية. هناك آليات للتوازن، تعتمد على متغير القوة، تحفظ إلى حدٍ كبير توازن مسرح السياسة الدولية، وتضمن استقراره، لو كان في كثيرٍ من الأحيان هشاّ، إلا أنه توازن للقوى، يبعد عن مسرح السياسة الدولية، في كثيرٍ من الأحيان، السقوط في الفوضى العارمة، كما هو حال نشوب الحروب.

هناك مؤسسات دولية، وإن كانت لا ترقى لأكثر كفاءة وفاعلية في مجتمع الدولة المحلي، إلا أنها كفيلة أن تحظى باحترام الدول الأعضاء، طالما أنها تلتقي مع مصالحها السيادية، ولا تعرض أمنها الوطني، لخطر واضح وناجز. بالقطع لا يمكن اعتبار الأمم المتحدة بمؤسسات منظماتها السياسية المتخصصة الأممية، مثل مجلس الأمن والجمعية العامة، سلطة دولية حقيقية قادرة على فرض إرادتها على الدول الأعضاء، لأن عملها، وفق الميثاق، يجب ألا يكون على حساب سيادة الدول الأعضاء واستقلال قرارها الوطني.. وكذلك مؤسسات المنظمات الإقليمية، التي لم تصل إلى كونها مؤسسات فوق إقليمية، تتجاوز سلطتها، في بعض المواضيع، مثل حالة التكامل الإقليمي.. وتلك المؤسسات الإقليمية المختصة بتطبيق ومتابعة معاهدات عدم الاعتداء والدفاع المشترك الثنائية أو الجماعية، تلك التي توقعها الدول، بين بعضها البعض.

مع ذلك الدول( تلجأ إلى هذه المنظمات الدولية والإقليمية، بإرادتها السياسية) لخدمة مصالحها، بهدف تخفيف استراتيجي لواقع حالة التوتر وعدم الاستقرار على الساحة الإقليمية والدولية، دون المساومة على حقوقها السيادية.. وكذلك بغرض الحصول على ما تراه الدولة العضو في المنظمات الدولية والإقليمية، نصيبها من موارد البيئة الخارجية، المحدودة والوافرة معاّ، حيث يتصدر الأمن القومي ذروة سنام القيمة الأمنية المضافة، التي قد تحصل عليها الدولة من البيئة الخارجية، إقليمية أو دولية، لخدمة مصالحها القومية ودعم قدراتها الذاتية الدفاعية.  

مسرح البيئة الخارجية الإقليمية، إذن: ليس فوضوياّ، كما قد يعتقد البعض، بل توجد به آليات لحفظ توازنه، تنبع أولاّ وأخيراّ من متغير القوة الذي تحتكره الدول الأعضاء، كرمز لسيادتها الوطنية، وتخدم من خلاله مصالحها، تجنباّ لحالة عدم الاستقرار، التي تطغى على مسرح السياسة الدولية. الدول، كقاعدة عامة، وإن حرصت على تنمية قدراتها الدفاعية، إلا أنها تدير سياستها الخارجية، ككيانات عاقلة رشيدة، توازن بين أدوات سياستها الخارجية، بما يخدم مصلحتها، بأقل تكلفة ممكنة وبأعلى عائد متوقع، لا الاستسلام لغواية حركة الصراع، التي هي من طبيعة مسرح السياسة الدولية.

حتى أن الدول، في سبيل خدمة مصالحها الخارجية ومتطلبات أمنها القومي، تلجأ أحياناّ إلى المساومة على بعض مظاهر سيادتها، عندما تنضم للمنظمات الدولية، خدمةّ أولاّ وأخيراّ لمصالحها القومية، مثل مسؤولية الدفاع عن حياض إقليمها وسلامة أراضيه. مبدأ السيادة المطلقة للدول، فيه الكثير من المثالية الرومانسية، أكثر مما فيه من الواقعية الحقيقية، وهذا ينطبق حتى على القوى العظمى في النظام الدولي. نرى الدول، وهي بكامل لياقتها السيادية، تلجأ للانضمام إلى الأحلاف العسكرية والتكتلات الإقليمية والدولية، تطلعاّ للاستفادة من موارد أمنية مضافة تجدها في البيئة الإقليمية والدولية، قد تعجز عن توفرها من قبل مواردها الذاتية، المحدودة بطبيعتها.. أو أن توفرها يكلفها الكثير، ويكون على حساب أولويات تنموية ضرورية. من أجل ذلك تُقدم الدول على عقد التحالفات العسكرية واتفاقات التكامل الإقليمي، دون المساومة على سيادتها الوطنية، طالما أنها تنطلق في عضويتها للكيانات الإقليمية والدولية، سعياّ وراء القيمة الأمنية والتنموية المضافة، التي ترى المؤسسات السياسية الخارجية للدولة، أنها ضرورية من الناحية الاستراتيجية.

العمق الاستراتيجي ما وراء الحدود الدولية

اهتمام الدولة بمجالها الحيوي الإقليمي الملاصق لحدودها الدولية مع جيرانها، سواء من أجل تدعيم إمكاناتها الدفاعية.. أو من خلال اتباع استراتيجية جوار تعظم من إمكاناتها الدفاعية، بإقامة علاقات جوار مصلحية سلمية، فإن الأمن القومي الفاعل يحتاج إلى الاهتمام بالعمق الاستراتيجي للدولة، بعيداّ عن حدودها الدولية، على طول تخوم مجالها الحيوي، في العمق بعيداّ عن حدودها الدولية المعترف بها من قبل جيرانها والعالم. الدول النافذة إقليمياّ، وكذا تلك النافذة على مستوى مسرح السياسة الدولية عالمياّ، تكمن مصالحها الأمنية بعيداّ عن حدود إقليمها، فيما يعرف بالعمق الاستراتيجي، في دائرة تخومها الدفاعية، بعيداّ عن حِمَى إقليمها، الذي تمارس فيه سيادة وطنية مطلقة.

لنأخذ في منطقتنا العربية مِصْرَ، على سبيل المثال. ترى هل تشعر مصر بالأمن، إذا ما حصرت استراتيجيتها الدفاعية على طول نهر النيل حيث يقطن أغلبية سكانها، ترى هل تشعر مصر عندها بالأمن. بالطبع لا. إذا ما أخذنا في عين الاعتبار أن الخطر الأمني على مصر تاريخياّ يأتي من ناحية الشرق، فإن نهاية حدودها الدولية بنهاية التقاء قارة إفريقيا بقارة آسيا، عند حدود شبه جزيرة سيناء شرقاّ، فإن ذلك لم يكن يشكل تاريخياّ عمقاّ استراتيجياّ يمكن أن يوفر لمصر شعوراّ بالأمن، رغم إمكانات شبه جزيرة سيناء الدفاعية الطبيعية، بعيداّ عن التكتل السكاني على طول ضفاف نهر النيل. مصر تاريخياّ رسمت حدود تخومها الآمنة شرقاّ في قلب منطقة الشام، بما في ذلك فلسطين ولبنان عميقاّ داخل منطقة الهلال الخصيب، بل حتى شمالاّ في عمق هضبة الأناضول: معركة قونية الفاصلة مع الأتراك (٢١ ديسمبر ١٨٣٢م).

بالإضافة إلى أن: أول معاهدة سلام موثقة كتابة، تلك التي أبرمتها مصر مع الحيثيين، في عهد رمسيس الثاني كانت معاهدة قادش (١٢٥٨ – ١٢٥٩ ق.م). بموجب هذه المعاهدة أكدت مصر أن حدودها الآمنة، ومن ثَمّ عمقها الاستراتيجي، يصل لقلب منطقة الشام، بعيداّ شرقاّ من ضفاف النيل، حيث عاصمة مصر وحواضرها. تكرر ذلك عندما هزمت مصر التتار في معركة عين جالوت، قرب مدينة نابلس الفلسطينية (٣ سبتمبر ١٢٦٠م). جنوباّ: كانت حدود مصر الفرعونيّة الآمنة، وبالتالي عمقها الاستراتيجي، تمتد إلى منابع نهر النيل، حتى وُثِقت حقوق مصر التاريخية في مياه النيل عام ١٩٢٩م، في اتفاقية تقسيم مياه النهر بين مصر، وأُوغننا وتنزانيا وإثيوبيا. مؤخرًا، في حرب أكتوبر ١٩٧٣م، فرضت مصر إحكاماّ بحرياّ جنوب البحر الأحمر، للحؤول دون أن يكون لإسرائيل إطلالة لأعالي البحار، عن طريق البحر الأحمر، إمعاناّ في تشديد الحصار على إسرائيل، خدمةّ في تحقيق حرب رمضان ١٣٩٣ هجرية.

هذا على المستوى الإقليمي، أما على المستوى الدولي، فإن الدول الكبرى دوماّ ترسم حدودها الآمنة، بعيداّ عن حدود إقليمها الدولية. الولايات المتحدة ترسم حدودها الآمنة خارج نطاق حدودها الإقليمية وعمق مجالها الاستراتيجي، خارج نطاق مجالها الحيوي في قارات العالم الجديد الثلاث، وهو ما جاء في مذهب مونرو ١٨٢٣م، عندما حَرمّت واشنطن على القوى الكبرى في العالم القديم الاقتراب من حِمى عمقها الإستراتيجي في العالم الجديد، بقاراته الثلاث. وللتأكيد على الأهمية الاستراتيجية لفكرة الحدود الآمنة، مقارنة بالحدود الدولية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عملت الولايات المتحدة على نشر قواعد عسكرية لها، حشدت بها آلاف الجنود الأمريكيين وسلحتها بالعتاد التقليدي وغير التقليدي.. ونشرت أسطول استراتيجي ضخم في بحار العالم ومحيطاته. كل ذلك مدفوعاّ بهوس توفير أمضى قوة ردع ممكنة لطمأنة واشنطن على أمنها القومي، حرصاّ ألا يطال إقليمها أو يقترب منه اختراق أمني يمكن عن طريقه أن يصل أي شرر من أي حرب كونية، قد تنشب، في أي لحظة.

كما أن الولايات المتحدة في عهد ولاية الرئيس ترامب الثانية الحالية تساوم أخلص حلفائها من أجل تنفيذ استراتيجية أمريكا أولاّ حيث ترى أن من ضرورات أمنها القومي ألا تشارك قارة أمريكا الشمالية مع أي دولة أخرى، حتى ولو كانت هذه الدولة جارتها التاريخية الجيوسياسية (كندا). بل أن واشنطن، في تفسيرها لأمنها تسعى لأن تَنْقَضَ على حلفائها التقليدين في أوروبا، عن طريق إسقاط جيوسياسي عليهم من الشمال الغربي بالمطالبة بضم جرينلاند لتّطْبِقَ على العالم القديم من خلال فرض سيطرتها على المحيط الأطلسي شمالاّ، وحتى القارة المتجمدة الجنوبية. وغرباّ تسعى الولايات المتحدة أن يكون المحيط الهادي باتساع امتداده من سواحلها الغربية، عميقاّ في المحيط الهادي، حتى سواحل المحيط الشرقية، مضحيةّ بحلفائها الآسيويين، الذين لن يكونوا، من الناحية الاستراتيجية، بأعز من حلفائها الاستراتيجيين، في أوروبا.

في تصور واشنطن الاستراتيجي، لأمنها القومي، وفي سبيل استعادة عظمة الولايات المتحدة من جديد، لا تسعى لفرض هيمنة كونية على العالم، كما هو الحال في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، التي أخذت بها عقب الحرب الكونية الثانية.. وترضى، بدلاّ عن ذلك، في سبيل دعمها لأمنها القومي، أن تتخلص من عبء الدفاع عن حلفائها في العالم القديم في أوروبا وآسيا، لصالح مَنْ كانوا ومازالوا منافسيها على مكانة الهيمنة الكونية الرفيعة (روسيا الاتحادية والصين) وترضى باقتسام الهيمنة الكونية، مع قوى منافسة تقليدية لها، بدلاّ من أن تدخل معهم في صراع مُكْلف، لقاء القبول بثوابت استراتيجيتها الأمنية الجديدة، بأن يكون الجميع بعيداّ عن البر الأمريكي في العالم الجديد، ومجال الولايات المتحدة الجيوسياسي الحيوي،  مقابل أن تترك واشنطن لمنافسيها اللدودين (الصين وروسيا الاتحادية) اللعب في مجالهما الحيوي في العالم القديم.    

الخاتمة

البيئة الخارجيّة لمسرح السياسة الدولية، كما أنها بالإمكان أن توفر قيمة أمنية مضافة للدولة، لا يمكن أبداّ لمؤسسات صناعة السياسة الخارجية للدولة، إلا وتتوجس حذراّ من مخاطر محتملة تأتي من هذه البيئة الخارجية، التي بطبيعتها تموج في بحر عاصف لا يمكن توقع هبوبها ولا الأمان من غدرها. كما لا يمكن الشعور بالأمن في حالة تفعيل علاقات تكامل إقليمي مع الجيران الإقليميين.. أو إنشاء علاقات تحالف مع قوى خارجية.. أو الانضمام إلى أي تكتل إقليمي أو دولي، بحثاّ عن أمانٍ غير مضمون، يستند إلى حسن نوايا غير صادقة وتوقع تكامل إقليمي أو دفاع أمني مشترك، قد يتضح مع مرور الوقت أو خضوعه لاختبارات تقيس مدى متانته الاستراتيجية، كونه غير مجدٍ مع الوقت، من قبل شركاء إقليميين أو دوليين محتملين.

أولاّ وأخيراّ: الأمن القومي للدولة، هو مسؤولية وطنية حساسة ورفيعة تهتم بها مؤسسات صناعة القرار العليا، بالذات التي لها صلة بضرورات وحساسية الأمن الوطني، وخدمة مصالح الدولة على مسرح السياسة الدولية، المنوط التعامل معها من قبل مؤسسات السياسة الخارجية. ولما تتمتع به البيئتين الإقليمية والدولية من أهمية استراتيجية عليا ومُكلِفة، تجد الدولة في موارد تلك البيئتين قيمة أمنية مضافة، إما في درء أي خطر على أمنها القومي، أو تحييد أي خطر استراتيجي يأتي من الخارج، والتعامل مع هذين الاحتمالين بفاعلية وكفاءة وأقل تكلفة ممكنة وبعائد أكبر، مما يدخر موارد حقيقية أو محتملة من الدخل لضخها في الإنفاق على مشاريع التنمية المحلية.

هناك، إذن: ارتباط وثيق بين أمن الدولة الوطني، واستقرار محيطها الإقليمي، التي ترسم الدولة في تخوم عمقها الاستراتيجي فيما يعرف بالحدود الآمنة. هذه الخاصية الإقليمية، بل الاستراتيجية العليا توفر لبعض الدول الكبرى، ميزة استراتيجية عليا، تتعامل معها الدول النافذة إقليمياّ وتلك المؤثرة أممياّ لتوفير أقصى مستويات الأمن القومي للدولة القومية الحديثة. لن يكتمل صرح الأمن القومي للدولة، إلا بعد تحييد أي خطر على أمن الدولة القومي، من محيط ما وراء عمقها الاستراتيجي، بعيداّ عن حدودها الدولية المرسومة على أطلس الدول. طالما الدولة، بإمكانها خلق مجال حيوي إقليمي، ما وراء حدودها الدولية المعترف بها من قبل جيرانها الإقليميين وخصومها أو منافسيها الأبعدين، فإن الدولة تحقق مستوى رفيع من القدرات الوطنية الدفاعية، تعزز به طموحاتها الدفاعية الوطنية، لتضمن أقصى درجات الأمن القومي لها.. وكذلك مكانة إقليمية مهابة، ونفوذاّ دولياّ مؤثرًا. كل ذلك يصب في دعم إمكاناتها الدفاعية، ذوداّ عن حِمى أمنها القومي، وخدمة مصالحها القومية، في داخل وعمق البيئة الخارجية للنظام الدولي.

مقالات لنفس الكاتب