الأهمية الاستراتيجية للمواقع تنبع من تأثيرها في مجريات الأحداث الدولية أو أجزاء منها. وتأتي في مقدمة هذه المواقع الممرات المائية، التي تربط القارات والمحيطات بطرق رئيسة للتجارة الدولية ونقل الطاقة والتحركات العسكرية. وحسب بيانات المؤسسات الدولية إنّ ما بين 80%- 90% من حجم التجارة الدولية اليوم ينقل عبر الممرات البحرية. وإنّ هذه الممرات من ناحية العدد هي قليلة لكنّها بالغة التأثير في الاقتصاد العالمي والأمن والسلم الدوليين. من أهمّ هذه الممرات والمضائق: جبل طارق، ملقا، رأس الرجاء الصالح قناة بنما، مضيق بيرينغ إلخ- وأمّا المضائق والممرات ذات الصلة بالشرق الأوسط والقرن الإفريقي تشمل مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان، وينقل عبره ما بين 20% - 25% من إجمالي صادرات الطاقة العالمية، باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب ويمر عبره من 12% إلى 15% من حجم التجارة الدولية، قناة السويس ممر مائي صناعي مهم يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط بأقصر طرق ملاحية، مضيق البوسفور الذي يربط البحر الأسود ببحر مرمرة. عموماً إنّ أهمية هذه المضائق والممرات المائية تكمن في تحكمها في نقاط الاختناق الجيوسياسية والجيو- اقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على أسعار الطاقة والسلع المختلفة، وعلى استقرار الأمن والسلم الدوليين. فقد شهد مضيق باب المندب خلال السنوات الماضية تحديات أمنية متصاعدة. أبرزها ظاهرة القرصنة والجرائم البحرية، هجوم الحوثيين على السفن المرتبطة بإسرائيل تضامنًا مع غزة والرد المضاد من إسرائيل وأمريكا وبريطانيا، وتزايد التنافس الإقليمي والدولي للسيطرة في أحد أهم نقاط اختناق بحرية في البحر الأحمر وخليج عدن ذات التأثير المباشر في حركة التجارة الدولية، وفي تحركات العسكرية وقطعها البحرية من مراكزها الأصلية ومناطق انتشارها في أجزاء مختلفة من العالم. وإنّ تلك الإرادات المتصارعة جعلت منطقة جنوب البحر الأحمر على حافة صراع إقليمي ودولي، الأمر الذي انعكس سلباً على أمن هذا الممر الملاحي الحيوي وتباعاً على سلاسل الإمداد والتوريد للاقتصاد العالمي. على سبيل المثال إنّ التداخل بين الأمن البحري وعدم الاستقرار السياسي في عامي 2024- 2025م في المنطقة أدى إلى تراجع حاد للتدفقات التجارية عبر هذا الممر، بسبب تغيير الخطوط الملاحية إلى طرق أخرى أطول وأكثر كلفة ، الأمر الذي أثّر سلباً في التجارة الدولية وفي الشركات المرتبطة بهذا المجال في المنطقة مثل قناة السويس التي انخفضت إيراداتها ما بين 50% إلى 60% نتيجة للتوترات في جنوب البحر الأحمر .وانطلاقاً مما سبق إنّ المنطقة ليست فقط ممرًا ملاحيًا، بل عامل تأثير مباشر في الأسواق العالمية وعلى استقرار الدول في الإقليم والأمن والسلم الدوليين بشكل عام، وجزء من ضبط توازنات القوى الدولية والإقليمية ، بعبارة أخرى أنّ تأثير الجيوسياسية لهذه المنطقة يتعدى حدودها الجغرافية ليشمل النطاق الإفريقي والأوروبي والآسيوي. وهو ما يفسر تزايد اهتمام القوى الدولية والإقليمية بهذه المنطقة بالاستمرار كهدف استراتيجي ونقطة ارتكاز لتوسيع النفوذ. كل هذه الأمور وغيرها مجتمعة جعلت المنطقة ساحة مفتوحة لتشابكات القوى الدولية والإقليمية. وبمقابل هذا التنافس الشديد من القوى الدولية والإقليمية فإنّ غالبية دول منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تعاني من عدم الاستقرار السياسي والأمني والضعف في مختلف الجوانب التنموية. بل أوضاعها في خلال السنوات الماضية في تفاقم مستمر بسب الصراعات الداخلية المزمنة في اليمن، الصومال، السودان، إثيوبيا وتشابكها مع الصراعات الأخرى في الإقليم مثل الحرب في غزة، مختلف الجوانب- الإسرائيلية الأمريكية ومع صراعات بعض القوى الإقليمية الأخرى إلخ-وبسبب هذا التدافع للقوى المختلفة نتجت في الفترة الأخيرة في المنطقة تحولات وتطوّرات بعضها إيجابية كالاستثمارات في المشاريع الاستراتيجية، وأخرى سلبية مثل تغذية شبكة الصراعات والأزمات المعقّدة فيها. وفي ضوء تلك المعطيات لم تعد منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر مجرد أقصر طريق ملاحي للتجارة الدولية بل تحولت إلى مركز ثقل استراتيجي وساحة تنافس معقّد بين القوى الكبرى والإقليمية.
الفاعلون في القرن الإفريقي والبحر الأحمر
إنّ التفاعلات بين الفاعلين على المستوى المحلي، الإقليمي، الدولي متشابكة أدّت إلى عدم الاستقرار وشكّلت التهديدات والمخاطر الأمنية المشاهدة اليوم في المنطقة وممراتها المائية. محلياً إن عدم الاستقرار في دول القرن الإفريقي المؤثّرة في مضيق باب المندب والممرات الأخرى، يعود إلى أسباب تتعلق بإسلوب الحكم والاختلالات في توزيع الثروة والسلطة؛ نزاعات داخلية، ظاهرة نزاعات انفصالية لبعض الأقاليم ، وقضايا أخرى مرتبطة بترسيم الحدود بين الدول، المناخ والتصحر ،الصراع بين دول المنبع والمصب للنيل ،رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر دون مراعاة القوانين الدولية، التدخل الخارجي؛ هذه الأمور وغيرها مجتمعة أدّت إلى عدم الاستقرار في المنطقة وظهور لاعبين آخرين خارج المؤسسات التقليدية كالقراصنة ، الميليشيات، الحركات الانفصالية المسلّحة، الجماعات المتطرفة إلخ – الذين جعلوا الوضع الأمني في الممرات المائية في الإقليم أشدّ تعقيدًا وأكثر تهديدًا. وإن شبكة التهديدات هذه ستستمر مالم يحصل لها معالجات في مصادرها.
أمّا على المستوى الإقليمي فإن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تشهد تنافس إرادات للقوى الإقليمية، فاستراتيجية مصر في هذه المنطقة دائما قائمة على تأمين أمن البحر الأحمر ومياه النيل. وتركيا تسعى لإيجاد موطئ قدم لها في هذه المنطقة ومن ثمّ بسط نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي ومزاحمة منافسيها في المنطقة. أمّا إسرائيل فتعدّ منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن من عمق أمنها القومي لتأمين طرق ملاحتها التجارية والعسكرية العابرة عبر هذه الممرات الحيوية. إلا أنّ اهتمامها بهذه المنطقة قد تزايد خلال العامين الماضيين على خلفية التنافس الحاد التي تشهده هذه المنطقة بين مختلف القوى نتيجة المتغيّرات الجيوسياسية التي طرأت على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن، وتصاعد عمليات الحوثيين للمصالح الإسرائيلية فيها. وضمن هذا السياق يأتي الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وتسعى وراء ذلك للسيطرة على ميناء بربرة الاستراتيجي المطل على باب المندب والمقابل لميناء الحديدة على الضفة الأخرى. الأمر الذي سيمكّنها من مواجهة القوى اليمنية عن قرب وتعزيز نفوذها في جنوب البحر الأحمر، ومزاحمة منافسيها في الإقليم مثل إيران، تركيا، مصر، السعودية، وإن سياساتها أيضًا تتقاطع مع دلالات الجغرافية الاستراتيجية وتنافس القوى الكبرى على ممرات التجارة والطاقة، وصراع الاعترافات من عدمه بكيانات جديدة في الخارطة السياسية في الإقليم. وتداعيات هذا الحدث على منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر سيكون بالغ التأثير.
ومن القوى الأخرى ذات التأثير في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر القوى الخليجية (دول مجلس التعاون الخليجي). التي يربطها مع الضفة الأخرى جسور التواصل الثقافي والاقتصادي والديني والسياسي والأمني، وارتباط مصير ضفتي البحر الأحمر استقرارًا أو اضطرابًا، بعبارة أخرى تشابه الضفتين في البلاء والعافية عبر التاريخ. فالدول الخليجية في الوقت الحالي تلعب دورًا مهمًا في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وكانت ومازالت سندًا وداعمًا لقضايا شعوب منطقة القرن الإفريقي في مختلف المجالات، فهي تساهم في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية والقروض الميّسرة، وتنشط في الوساطة في حل الأزمات وتخفيف التوترات في المنطقة، كما أنّها سوق عمل لقطاعات كبيرة من شعوب منطقة القرن الإفريقي إلخ-. وتكثّف من تبادلها التجاري، وتستثمر المليارات في مشاريع استراتيجية متنوّعة. بما فيها استثمارات كبيرة في الموانئ وسلاسل الإمداد والقواعد اللوجستية على طول موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي. كما لوحظ في الفترات الأخيرة أيضًا تزايد حضورها العسكري والتفاهمات الأمنية مع الفاعلين في القرن الإفريقي. بغرض الحفاظ على أمنها بمفهومه الشامل وأمن البحر الأحمر وطرق التجارة فيه. لكن في المقابل إنّ مقاربات دول الخليج تختلف من دولة لأخرى، وتتباين مواقفها في قضايا مهمة في المنطقة، مثل أزمة السودان، الصومال، اليمن إلخ-كما أن بعض الدول الخليجية موقفها غير واضح من المشاريع الرامية في ترسيم خرائط سياسية جديدة في المنطقة. وهو ما يعكس عدم وجود استراتيجية خليجية موحدة تجاه تلك المنطقة الحساسة لأمنها القومي، بل في الفترة الأخيرة ظهور تنافس قوي بينها في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وأنّ تصاعد التنافس بينها سينعكس سلبًا على مجمل استقرار المنطقة وخطوط الملاحة، وفي تطويق التهديدات الأمنية المحتملة في المنطقة ، فهناك حاجة للانطلاق من مبدأ التكامل والمصالح المشتركة وفقًا لمقتضيات المصلحة العامة، وحسن التعامل مع التحولات التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر على وقع تصاعد التنافس للقوى الدولية والإقليمية الرامية للسيطرة على الموارد وطرق الملاحة التجارية، وإعادة تشكيل موازين القوى فيها. وعلى المستوى الدولي فإنّ حضور القوى الكبرى هو العنصر الحاسم في مجريات الأحداث في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فالولايات المتحدة في الوقت الحالي تتمحوّر سياساتها في البحر الأحمر حول ضمان حرية الملاحة وأمن الطاقة وتأمين سلاسل الإمداد والعقد اللوجستية من مضيق باب المندب، قناة السويس، هرمز، البوسفور، جبل طارق إلخ-- والحد من النفوذ الصيني في المنطقة، وتعزيز الوجود العسكري لردع التهديدات الأمنية كالقراصنة والإرهاب والحوثيين وغيرهم، مستخدمة استراتيجية العمليات الاستباقية أو اللاحقة بالسلاح الجوي والطائرات المسيرة المسلحة بأحدث أنظمة المراقبة والتجهيزات التكنولوجية. أمّا سياسات الصين في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تركز في الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية كالموانئ والسكك الحديدية، تأمين الطرق البحرية والشراكات التجارية، جعل المنطقة جزءًا من مبادرة الحزام. وتقديم نموذج صيني يدمج بين التنمية الاقتصادية والتعاون الأمني. كما للصين حضور أمني وعسكري نشط في المنطقة. الأمر الذي يعزّز نفوذها في غرب المحيط الهندي وتأمين سلاسل توريدها العالمية.
هذا التدافع المكثّف بين القوى المختلفة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، نتج عنه تحولات وتطوّرات بعضها إيجابية كالاستثمارات في المشاريع الاستراتيجية، وأخرى سلبية جعلت المنطقة مرهونة لتجاذبات واستقطابات تلك القوى و تغذية الصراعات المحلية لتداخلها مع تلك التجاذبات، الأمر الذي ترك المنطقة بالاستمرار تعاني من الهشاشة السياسية والاقتصاديّة والأمنية ، وارتفاع عناصر التهديد المختلفة في ممراتها المائية الذي شكّل هاجسًا أمنيًّا للتجارة الدولية العابرة بها، وذلك بالنظر لما تحتله هذه المنطقة من أهمية في الممرات البحرية الدولية. هذه الأمور وغيرها جعلت المنطقة تكتظ بقواعد عسكرية وبقطاعات عسكرية بحرية من شتى بقاع العالم، بحجّة تأمين الملاحة فيها. وإن ّ عسكرة المنطقة بهذه الطريقة لا ريب يشكّل مصدر تهديد واقعي ومحتمل لاستقرار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. على العموم يمكن إجمال التفاعلات المؤثّرة في أمن مضيق باب المندب والبحر الأحمر على نحو التالي:
أولاً – إنّ الموقع الاستراتيجي للقرن الإفريقي والبحر الأحمر، جعلهما ضمن دائرة الصراع في الموارد والنفوذ للقوى الدولية المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والصين وحلفائهما، والقوى الإقليمية المتمثلة في دول الخليج السعودية والإمارات وقطر، ومصر، إسرائيل، إيران، تركيا. والتي أصبح لهذه القوى حضور عسكري وأمني واستثمارات ضخمة في مشاريع ستراتيجية. وعلاقات متشابكة مع الفاعلين في المؤسسات الرسمية ومع اللاعبين خارجها. فلا شك سيكون للقوى الدولية والإقليمية دور مؤثّر في المنطقة استقرارًا أو اضطرابًا.
ثانيًا- عدم الاستقرار في اليمن والصومال والسودان، يشكّل تهديدًا لاستقرار المنطقة وأمن الملاحة فيها .فكانت أعمال القراصنة ضد السفن التجارية تنطلق من الصومال والهجمات الحوثية على سفن أمريكية وإسرائيلية في باب المندب من اليمن، وقد تكون هذه المناطق في المستقبل مرتع لعناصر تهديدات أخرى، وفي حالة عجزت تلك البلدان في إعادة بناء الدولة الوطنية، وحل المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والأمنية إلخ... فإن تزايد شبكات التهديد أمر متوقع مثل خطر تزايد الجماعات المتطرفة العابرة للقارات، وشبكات الجريمة المنظمة مثل شبكات تجارة السلاح، المخدّرات، القرصنة إلخ.. تجعل المنطقة بؤرة تهدد السلم والأمن الدوليين. وأكثر تهديدًا لأمن التجارة الدولية العابرة بالبحر الأحمر والأمن البحري العالمي برمته.
ثالثًا - إنّ المتغيّرات الجيوسياسية في جنوب البحر الأحمر لم تعد معزولة بل هي جزء من سياق أوسع من صراع توازنات النفوذ للقوى الإقليمية والدولية، صاحب ذلك تحولات في أنماط التحالفات وتباينات في أولويات الأمن والمقاربات الاقتصادية للقوى الفاعلة، وتباعاً ظهور محاور متنافسة على أمن الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، محور يدعم إعادة موازين القوة وترسيم خرائط سياسية جديدة في المنطقة بما يخدم مصالحه. ومحور آخر يدعو للحفاظ على الخرائط السياسية الراهنة، وفي هذا الإطار يمكن فهم إمداد الصراعات الداخلية في اليمن والصومال والسودان وليبيا وغيرها. وإذا لم يحصل حسم بؤر الصراعات في تلك الدول وتمكّين الدولة الوطنية فيها. فإن معادلات التفكيك والتركيب ستسود في الإقليم وستفتح الباب لانفصالات متتالية في الإقليم وفوضى في كل المجالات بما فيها أمن الممرات المائية والمضائق.
استراتيجية حماية الممرات المائية
تعتبر هذه الممرات أحد أهم ركائز الاقتصاد العالمي، والأمن فيها يؤدي إلى انسياب طبيعي لسلاسل الإمداد واستقرار أسعار السلع وتكاليف الشحن والتأمين، بمعنى آخر استقرار اقتصادي وسياسي في العالم. وحتى يحصل ذلك يتطلب التنسيق بين الدول المشاطئة وتعزيز التعاون مع القوى الإقليمية والدولية لحماية هذه الممرات الحيوية من مختلف التهديدات، باستخدام آليات هجينة من الأدوات التقليدية كالقوات البحرية ودوريات سريعة التدخل لمواجهة التهديدات إلخ- إلى جانب استخدام أفضل ما توصلت إليه التجهيزات التكنولوجية مع تطبيق المبادئ والقوانين الدولية المستقرة في هذا المجال. ومثله أيضًا الاهتمام بالسياسات الوقائية وإدارة المخاطر لحماية المناخ ومواجهة الكوارث الطبيعية في البحر وممراته.





