array(1) { [0]=> object(stdClass)#14650 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 220

حماية المكتسبات الاقتصادية محور رئيسي ضمن استراتيجية الردع لدول مجلس

الإثنين، 30 آذار/مارس 2026

يمثل أمن وسلامة المضايق والممرات البحرية عاملًا رئيسيًا في تحقيق الاستقرار وتعزيز النمو في النظام الاقتصادي العالمي، حيث تمر عبر هذه الممرات ما يقارب 80% من إجمالي التجارة الدولية. تكمن أهمية هذه النقاط البحرية في دعم سلاسل التوريد العالمية وضمان توفير السلع الاستراتيجية والمواد الغذائية والمعادن والنفط والغاز والمواد الخام اللازمة للعمليات الصناعية. إن مسؤولية حماية هذه الممرات تقع بشكل أساسي على عاتق الدول المشاطئة لها، وفي حال تعذر قدرتها على الوفاء بمتطلبات الأمن قد تقتضي الحاجة تدخل أطراف دولية كبرى، مما يؤدي غالبًا إلى تعارض مصالح وتصاعد التوترات بين القوى الإقليمية والدولية. وبالنظر إلى التطورات الأخيرة في منطقة الخليج العربي والتهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، يقدم هذا المقال تحليلًا لأبرز المخاطر الاقتصادية الناتجة عن التوترات في المضايق والممرات البحرية وتأثيرها على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، مع التركيز على الاقتصاد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للطاقة وأحد أكبر الأسواق التجارية عالميًا. كما يستعرض المقال تأثير تلك التوترات على أسواق الطاقة والمال والتأمين البحري، بالإضافة إلى استراتيجيات دول المنطقة لضمان استمرار تدفق الصادرات والواردات الحيوية.

تواجه اقتصادات منطقة الشرق الأوسط آثارًا مباشرة للتوترات الجيوسياسية نظرًا لاعتمادها الكبير على حركة الملاحة عبر أهم المضايق والممرات البحرية مثل مضيق ملقا الذي يعبره قرابة 25% من التجارة البحرية العالمية ويربط اقتصاديات الخليج بنظيراتها في شرق وجنوب شرق آسيا. أما مضيق هرمز فيشهد مرور نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أي حوالي 17 مليون برميل يوميًا تنتجها دول الخليج وتصدّرها للأسواق الدولية، ليصبح بذلك أحد أكثر الممرات البحرية أهميةً عالميًا. كما يلعب مضيق باب المندب وقناة السويس دورًا محوريًا في تسهيل حركة التجارة العالمية وربط اقتصادات الشرق الأوسط بالأسواق الدولية؛ إذ يمر عبر باب المندب حوالي 10% من التجارة العالمية، بما في ذلك نحو 4.8 مليون برميل نفط يوميًا، وتسهم قناة السويس في نقل حوالي 12% من التجارة العالمية، حيث تعبرها سنويًا قرابة 20,000 سفينة، ما يعزز حركة التجارة بين آسيا وأوروبا بشكل خاص.

تأثير التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية

تلعب المضايق والممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط دورًا جوهريًا في استقرار سلاسل الإمداد العالمية وحركة التجارة الدولية، إذ يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يزيد عن 20% من تجارة النفط البحرية العالمية. ووفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية لعام 2026م، يعد مضيق هرمز شريانًا رئيسيًا للطاقة، ويؤدي أي تعطل للملاحة فيه إلى تهديد مباشر للأسواق الدولية، ما ينعكس على قرارات الدول والشركات بشأن سياسيات الاستيراد والتصدير والاستثمار وتطوير البنية التحتية للطاقة.

أثبتت الأحداث التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط مؤخرًا أن التوترات الجيوسياسية مثل تصاعد النزاعات والقرصنة البحرية خلال حرب غزة 2023-2025م، أدت بالفعل إلى تغييرات فورية في سياسيات الدول والشركات. فعلى سبيل المثال، قامت شركات الشحن وشركات الطاقة العالمية بتحويل مسارات الشحن إلى مسارات آمنة وتكثيف المراقبة البحرية، بينما عدلت الحكومات سياسات التصدير والاستيراد، وزادت المخزون الاستيراتيجي من النفط والسلع الاستيراتيجية، وأعادت النظر في اتفاقياتها التجارية بهدف تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للمخاطر. وتوثق تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن هذه الإجراءات جاءت استجابة لتعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما دفع الدول والشركات إلى البحث عن بدائل أكثر أمنًا.

ظهرت استجابة شركات الشحن الكبري للتوترات والأزمة الحالية في مضيق هرمز بعد الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026م، وتهديدات إيران بإغلاق المضيق إلى اتخاذ إجراءات احترازية فورية مثل اعتماد أنظمة تتبع السفن عبر الأقمار الصناعية لتعزير أمن الأساطيل، ورفع مستويات التأمين البحري لتقليل المخاطر المالية، واعتماد مسارات بديلة لمضيق هرمز ومضيق باب المندب عبر رأس الرجاء الصالح. ووفقًا لبيانات شركات شحن عملاقة مثل شركة ميرسك الدنمركية، تاتي هذه الإجراءات ضمن استراتيجيتها لادارة المخاطر، على الرغم من أن هذه الإجراءات أكثر كلفة وعبء تشغيلي ولوجيستي على معظم شركات الشحن الدولية.

التأثيرات الاقتصادية للتوترات في منطقة الشرق الأوسط

أدت الأزمات المتكررة في المضايق البحرية إلى قيام العديد من الدول باعادة تقييم سياسيتها التجارية والاستثمارية في منطقة الشرق الأوسط، وتقليص الاستثمارات غير الحيوية قرب مناطق التوترات، وزيادة احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، والاتجاه نحو التوسع في استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة.  وأشارت بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2026م، إلى أن استمرار الأزمات والتوترات الجيوسياسية لفترات طويلة غالبًا ما يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة، عجز في الموازنات العامة، تراجع الاستثمارات العامة في مشاريع البنية التحتية، بالإضافة إلى تزايد معدلات التضخم وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي.

فإذا أخذنا في الاعتبار أن مضيق هرمز شهد عبور 20 مليون برميل نفط يوميًا بقيمة سنوية 600 مليار دولار حسب تقديرات هيئة الطاقة الأمريكية لعام 2025م، فإن تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة-إسرائيل وإيران لمدة تتراوح بين 75 و90 يومًا قد يكلف دول الخليج العربي خسائر مالية تصل إلى ما يقارب 150 مليار دولار نتيجة انخفاض في إيرادات النفط فقط، دون احتساب لآي خسائر مالية أو مادية أخرى بسبب الحرب.  أما في الدول المستوردة للنفط، ستكون التكلفة المالية باهظة أيضًا نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، ما يضاعف فاتورة الواردات، ويؤدي إلى تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وزيادة معدلات الفقر نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية والنقل.

انعكاس التوترات الإقليمية على أسواق الطاقة والمال والتأمين على النقل البحري

شهدت أسواق الطاقة ارتفاعًا ملحوظًا منذ عام 2020م، حيث أدى الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026م، إلى تعطيل الملاحة وتوقف عمليات الشحن وتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز. ووفقًا لبيانات رويترز والعربية بزنس، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 24%، كما سجل خام تكساس الأمريكي زيادة تقارب 30%، وهي أعلى معدلات زيادة منذ أبريل 2020م. سجل خام برنت سعر 90 دولارًا للبرميل في 6 مارس 2026م، فيما بلغ سعر خام غرب تكساس 87.4 دولار للبرميل. وفي حال تصاعد وتيرة الحرب، من المتوقع أن تواجه الأسواق أزمة ممتدة تدفع الدول إلى البحث عن مصادر بديلة للنفط الخليجي وتعزيز احتياطياتها الاستراتيجية، مما يؤدي إلى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار حتى 150 دولارًا للبرميل وفقًا لتصريحات وزير الطاقة القطري. واستجابة لهذه التطورات، قررت مجموعة أوبك بلس رفع الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا بدءًا من أبريل 2026، بالإضافة إلى تنسيق عمليات السحب من الاحتياطيات لضمان استقرار السوق.

شهدت أسواق المال تقلبات ملحوظة نتيجة التوترات الناجمة عن النزاع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، مما انعكس على المؤشرات المالية العالمية وأسعار الصرف وتدفقات الاستثمارات. قامت هيئة أسواق المال الكويتية بتعليق التداول في بورصة الكويت بهدف حماية مصالح المستثمرين وضمان عدالة السوق. كما سجلت الأسواق الإماراتية تراجعًا إثر تعرض الدولة لهجمات من جانب إيران، وتراجعت ثقة المستثمرين مع خروج رؤوس الأموال قصيرة الأجل. ومن المنتظر أن تواجه بعض دول المنطقة مثل مصر انخفاضًا في التدفقات الدولارية، مما قد يؤدي إلى ضغوط على العملة المحلية وارتفاع مستويات التضخم بفعل زيادة أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما يمثل تحديًا للسياسات النقدية ويحد من قدرة البنوك المركزية على دعم النمو الاقتصادي.

مع تصاعد المخاطر الأمنية في منطقة مضيق هرمز، ارتفعت أسعار التغطية التأمينية للسفن المارة عبر المضيق بنسبة تصل إلى 50%. قبل اندلاع الحرب، كانت تكلفة التأمين تمثل نحو 0.25% من قيمة استبدال السفينة؛ على سبيل المثال، بلغت تكلفة تأمين سفينة قيمتها 100 مليون دولار ما يقارب 250 ألف دولار للرحلة الواحدة. بعد الأزمة، تراوحت تكلفة التأمين لكل رحلة بين 375 ألف و500 ألف دولار، وتعكس هذه الزيادة طبيعة وحجم المخاطر المحتملة مثل إغلاق المضيق أو تعرض السفن لهجمات من جهات غير رسمية. عقب إصابة أربع سفن بالقرب من المضيق، اتجه العديد من مالكي السفن إلى إعادة تقييم سياساتهم لإدارة المخاطر المتعلقة بهذا الممر البحري الحيوي. كما ظهرت آثار تلك المخاطر في ارتفاع تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة من الشرق الأوسط إلى الصين بما يزيد عن 400 ألف دولار.

الأسباب وراء هذه التوترات الإقليمية ومدى قابليتها للاتساع أو التطويق

أما فيما يتعلق بأسباب التحديات، فهي تتوزع بين عوامل تاريخية، سياسية، اقتصادية وثقافية. فعلى المستوى التاريخي، شهدت منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بوجه عام صراعات امتدت عبر التاريخ بين الفرس والعرب، وبين السنة والشيعة، إضافة إلى الإرث الاستعماري الطويل بين الاستعمار الغربي المسيحي والدول الإسلامية في المنطقة. وعلى المستوى السياسي، يعزز تضارب المصالح بين القوى الإقليمية والدولية حالة عدم الاستقرار، حيث تسعى كل دولة لبسط نفوذها على الممرات البحرية الحيوية. اقتصادياً، تزداد حدة التوترات بسبب الاحتياطيات الضخمة من النفط والغاز وظهور معادن نادرة مثل الليثيوم، ما يدفع القوى الكبرى إلى السعي للسيطرة على المنطقة. ثقافياً وعقائدياً، يصعب تجاهل الإرث التاريخي الذي يشكل خلفية الصراع، خاصة مع ظهور تحالفات جديدة تهدف للسيطرة على ثروات الخليج.

وبالنظر إلى طبيعة التحديات، فإنها قابلة للاتساع أو التطويق بحسب قدرة الدول المطلة على الممرات على حل خلافاتها السياسية وبناء نظام أمن إقليمي فعال. في حال تعذر ذلك، تتجه بعض الدول للاستعانة بقوى عظمى لإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها، بينما يسعى البعض الآخر لتطوير قدرات نووية وعسكرية متقدمة. ويتطلب تطويق التحديات التعاون الإقليمي الحقيقي، وإيجاد آليات للحوار وحلول سياسية عادلة تراعي مصالح جميع الأطراف، إضافة إلى تعزيز القدرات الوطنية في المجالات الدفاعية والأمنية.

أليات تعامل دول المنطقة مع هذه التحديات

أما فيما يتعلق بحلول التحديات الأمنية والاقتصادية، فقد اتبعت دول الخليج العربي استراتيجيات عملية لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة. فمثلاً، قامت المملكة العربية السعودية بإنشاء خط أنابيب النفط شرق-غرب بطول 1200 كلم، قادر على نقل 5 ملايين برميل يومياً من حقولها الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، مما يضمن استمرار تدفق الصادرات حتى في حال إغلاق مضيق هرمز. كذلك أنشأت الإمارات خط أنابيب يربط حقولها الداخلية بميناء الفجيرة على بحر عمان بسعة لا تقل عن 1.5 مليون برميل يومياً، لتوفير منفذ بديل للنفط.

علاوة على ذلك، تواصل سلطنة عمان والكويت الاستثمار في تطوير محطة OQ - مشروع مشترك بين البلدين - التي تهدف إلى تخزين وتصدير النفط في منطقة الدقم. يوفر هذا المشروع فرصة لربط دول مثل الكويت والبحرين وقطر بالمحطة عبر شبكة أنابيب، ويعتبر من المشاريع الإستراتيجية القابلة للتنفيذ خلال فترة زمنية وجيزة بالنظر إلى توفر الموارد المالية والإمكانات اللوجستية والتكنولوجية المطلوبة. مع ذلك، يظل القرار السياسي العامل الحاسم لضمان الاستقرار وتفادي المخاطر المحتملة. وتشير البيانات إلى أن هذه الحلول الثلاث قد أسهمت في الحد من المخاطر وتعزيز الأمن الاقتصادي لدول الخليج العربي.

يبرز تعقيد الموقف العسكري والأمني في منطقة الخليج الحاجة إلى تطوير آليات سياسية وأمنية مبتكرة تضمن حماية الأمن القومي الخليجي بشكل أفضل، بعيداً عن الاعتماد الكلي على القوى الخارجية. لقد أثبتت الأحداث الأخيرة - مثل الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي ورد فعل إيران القوي تجاه القواعد العسكرية في دول الخليج - فشل الترتيبات الأمنية التقليدية القائمة على الحماية الأمريكية، ما يدعو إلى إعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي. يجب التركيز على بناء قدرات عسكرية وأمنية وطنية قادرة على معالجة هشاشة الأمن الإقليمي، وتجنب الدخول في تحالفات واتفاقيات غير واضحة الأهداف. كما أن تعزيز التعاون بين الدول المتشاطئة وتطوير الشراكات الإقليمية وفق مصالح مشتركة سيعزز الاستقرار ويقلل التدخلات الخارجية.

 في الختام

وفي ضوء التحليل السابق، يتضح أن التحديات الإقليمية في الممرات البحرية ليست وليدة لحظة، بل نتاج تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية وثقافية معقدة. ومع ذلك، فإن الحلول العملية التي اتبعتها دول الخليج، مثل خطوط الأنابيب ومشاريع التخزين، إضافة إلى تطوير القدرات الوطنية والتعاون الإقليمي، تمثل خطوات فعالة نحو تحقيق الاستقرار والسلام والأمن الاقتصادي. وبناءً على ذلك، يجب مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز الحوار السياسي، وتطوير منظومة ردع ذاتية وإقليمية تضمن استمرار تدفق الطاقة وتقليل حدة التدخلات الخارجية، بما يخدم مصالح المنطقة والعالم.

من منظور اقتصادي، يتعين التأكيد على أهمية تجنب الدخول في نزاعات خاصة الحرب الحالية التي قد تؤدي إلى تدمير الإنجازات المتحققة على مدار السنوات، لا سيما ما يتعلق بالبنية التحتية الحديثة والقواعد الصناعية المتقدمة التي تضم قطاعات وصناعات استراتيجية مثل البتروكيماويات والكيماويات والأسمدة والحديد والصلب والألومنيوم، إضافة إلى منظومة صحية وتعليمية متطورة واقتصاد متنوع يرتكز على المعرفة والابتكار. أصبحت حماية هذه المكتسبات الاقتصادية اليوم مساوية في أهميتها لحماية الأمن القومي الخليجي، مما جعل الجانب الاقتصادي محورًا رئيسيًا ضمن استراتيجية الردع التي تسعى دول الخليج لتطويرها بفعالية أكبر.

مقالات لنفس الكاتب