يشكّل الأمن البحري في القرن الحادي والعشرين أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني والإقليمي والدولي، نظراً لاعتماد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة على انسيابية سلاسل الإمداد البحرية. فالمضايق والممرات البحرية الاستراتيجية لم تعد مجرد مسارات للملاحة، بل أصبحت شرايين حيوية للطاقة والتجارة والغذاء والصناعة. وفي هذا السياق، تحتل المملكة العربية السعودية موقعاً جيوسياسياً فريداً بإشرافها على ساحلين طويلين على البحر الأحمر والخليج العربي، وبقربها المباشر من مضيقي هرمز وباب المندب، وهما من أكثر الممرات حساسية في العالم.
تتقاطع في هذه المنطقة اعتبارات الأمن البحري مع صراعات إقليمية، وتنافس قوى كبرى، وتهديدات غير تقليدية، من القرصنة إلى الهجمات بالطائرات المسيّرة، بما يفرض مقاربة سعودية شاملة ومتعددة الأبعاد لضمان الاستقرار وردع التهديدات.
وإذا كنا في الماضي نسوق التحليلات ونسرد النقاط الهامة في أهمية المضايق المائية فقد بتنا في أيامنا هذه نرى بأنفسنا رأي العين الصراعات القائمة على السيطرة على المضائق والممرات البحرية ونرى الاستخدام المسيء لهذه التركيبة من المسطحات المائية من قبل دول ومنظمات تسعى لفرض رؤيتها وجلب المنافع لها مقابل الإضرار بمصالح الآخرين مهما كانت مهمة ومشروعة.
منذ اندلعت الثورة الإسلامية في إيران 1979م، وهي تلوح باستخدام مضيق هرمز وتهدد بالتحكم فيه وإغلاقه مع معرفتها بتعارض ذلك مع القانون الدولي وما خصص في هذا الجانب من حيث قوانين البحار والمضايق وأحقية العبور ونتيجة العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران اعتباراً من يوم 28 فبراير 2026 م، سارعت إيران عبر حرسها الثوري إلى إعلان إغلاق مضيق هرمز وذلك عبر استهداف بعض الناقلات التي تعبر والتأثير على أخرى والتهديد بقصفها ومطالبتها بوقف الحركة ، أدى ذلك كردات فعل أولية إلى ارتفاع في أسعار الطاقة حين تعدت أسعار النفط حاجز الـ 115 دولارًا . وفي خطوات مشابهة قامت جماعة الحوثي باليمن إبان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023م، حيث قامت الجماعة ضمن خطة أذرع إيران في ذلك الوقت بتنشيط ما يسمى جبهات الإسناد حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثي في اليمن ، كان الدور الحوثي يتمثل في التأثير على حركة الملاحة في مضيق باب المندب وخليج عدن بداية بالاستهداف المباشر للسفن والقطع البحرية العابرة من هذا المسار والتابعة لإسرائيل بالتحديد ثم تصاعد الأمر إلى استهداف عدد من السفن والناقلات الغربية وبغض النظر عن التفاصيل الموسعة لتلك الفترة من حرب غزة فقد أدت هذه الإجراءات من قبل الحوثي إلى عزوف كثير من الشركات عن سلوك هذا المسار بحثاً عن الأمن وتحولت كثير من حركة الملاحة إلى رأس الرجاء الصالح بالالتفاف على القارة الإفريقية بالكامل وتلافي العبور عبر مضيق باب المندب وقناة السويس، كانت محصلة تلك الأحداث بغض النظر عن تفاصيلها ارتفاع تكاليف الشحن على مستوى العالم وخسائر اقتصادية لجميع الأطراف إضافة إلى خسائر مباشرة لدولة مصر العربية بسبب التراجع التشغيلي الحاد لقناة السويس .
الأهمية الاستراتيجية للمضايق والممرات البحرية
تمثل الممرات المائية المحيطة بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية جزءاً من أهم الممرات المائية في العالم حيث يمر عبر البحر الأحمر والخليج العربي نسبة كبيرة من تجارة العالم، خاصة صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج والمتجهة إلى آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. ويعد البحر الأحمر حلقة وصل هامة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر منفذين في غاية الحساسية وهما قناة السويس والتي تقع تحت السيادة المصرية وتقوم بإدارة المرور بها إضافة إلى مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر وهو ممر دولي لا يخضع لسيطرة طرف محدد.
أما مضيق هرمز، فيمثل بوابة الخليج العربي إلى العالم ولا يوجد أيضًا طرف محدد يقوم بالسيطرة عليه أو إدارته.
يعتبر الخليج العربي خزان وقود العالم نظراً لتركيز تصدير نسبة عالية من شحنات البترول والغاز والمشتقات الأخرى من بلدان المصدر إلى الدول المستفيدة في آسيا وأوروبا والقارتين الأمريكيتين وتمر كل تلك الشحنات بمضيق هرمز الذي دائماً ما تهدد إيران بإغلاقه وقد تسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة فعلياً على تدفق الشحنات في المضيق بل وتوقفها من قبل الكثير من المستفيدين من عبور المضيق نتيجة التلويح الإيراني بالمنع أو التدخل الفعلي لمنع عبور الناقلات.
ولا يقل البحر الأحمر بممرية الحيويين شمالاً وجنوباً عن الخليج العربي فهو الخيار الاقتصادي الأمثل لسلاسل الإمداد بين دول الخليج العربي وأوروبا والأمريكيتين إضافة إلى الربط الفعال بين الأسواق الآسيوية والأوروبية. وقد وضحنا تأثير التدخلات الحوثية في خليج عدن ومضيق باب المندب على حركة الملاحة الدولية خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السنتين الماضيتين.
التهديدات والمخاطر في هذين الممرين المائيين الحيويين تتمثل في المخاطرة الجسيمة التي تقابلها الناقلات العابرة بسبب الاستهداف بالنيران المباشرة المختلفة من صواريخ ومقذوفات إضافة إلى نشر بعض الألغام البحرية. تؤدي هذه الاعتداءات إلى رفع تكاليف الشحن نتيجة تغيير مسارات النقل البحري إلى مسارات بديلة أبعد مسافة كما يؤثر ارتفاع المخاطر في تكاليف التأمين الذي بدوره يرفع من تكاليف الشحن، الأثر النهائي ارتفاعات حادة في التكاليف تؤدي إلى آثار اقتصادية لا يمكن معالجة آثارها إلا في مدى زمني طويل.
من الطبيعي نتيجة وقوع المملكة العربية السعودية بين هذين المسطحين المائيين أن تحظى بالكثير من مزاياهما في الظروف الطبيعية لكنها تواجه هذه التحديات في الأزمات مما يتطلب منها المساهمة في الحلول المتخذة لمقاومتها فتساهم دائماً في التحالفات الأمنية التي تستهدف تأمين الممرات المائية وتستخدم مواردها وقواتها البحرية في حفظ الأمن على حدودها المائية والتقليل من المخاطر المحيطة ومن تأثير التهديدات المحيطة ، إضافة إلى الحلول الأمنية تمارس الحكومة السعودية منذ الستينات الميلادية دوراً حيوياً في الاتفاقيات والمساعي التي تهدف لأمن الملاحة في الممرات البحرية المحيطة ومحاولة إبعاد هذه الممرات عن النفوذ الأجنبي بمعالجة الأسباب الداعية لتلك التدخلات .
من الجانب الاقتصادي قامت السعودية في خطوة رائعة نتيجة التهديدات بغلق مضيق هرمز إبان الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات من القرن الماضي، قامت المملكة العربية السعودية بمد مشاريع الأنابيب بين الشاطئين الشرقي والغربي وذلك لنقل كميات تجارية من البترول من مصادر الإنتاج في المنطقة الشرقية إلى الغرب على البحر الأحمر في ميناء ينبع لغرض التصدير في حال تسببت بعض القيود في إعاقة حركة الناقلات عن طريق مضيق هرمز.
لا يخفى على المتابع بأن أدوات الصراع وأدوات التأثير في أمن البحار والمضائق المائية تتغير مع الزمن ومع التقدم التكنولوجي ومع الوضع السياسي للدول المحيطة بتلك الممرات .يختلف التهديد نوعاً ما بين مضيق باب المندب ومضيق هرمز فمعظم التهديدات في مضيق هرمز مصدرها إيران دولة ذات كيان اعتباري في المجتمع الدولي لكنها تمارس الكثير من البلطجة والابتزاز بحق جيرانها من دول الخليج العربية وبقية دول العالم وهي تمارس هذا الدور منذ قيام ثورتها التي تدعوها بالإسلامية ، تمارس ذلك التهديد أو تفعله كما في الأيام الأخيرة فعلاً أو رد فعل على ما تتعرض له من ضغوطات وهجمات . وتمارس ذلك بعدد من الوسائل القديمة أو الجديدة بين إطلاق الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة والألغام البحرية التي يمكن نشرها إضافة إلى هجمات الزوارق السريعة.
في مضيق باب المندب يختلف التهديد وفقاً لمصدره فهنالك التهديدات الحوثية المستنسخة من الوسائل التي تستخدمها امّ حركات التمرد والانفصال إيران حيث يستخدمون الزوارق السريعة والمقذوفات البحرية والألغام البحرية والطائرات المسيرة ، يدخل على الخط هنا طرف آخر نَشِطَ دوره منذ بداية الألفية الجديدة وهم القراصنة فقد وجدوا في بيئة خليج عدن ومضيق باب المندب الشروط المثالية لنشوء وتقوية حركات القرصنة فهم ينطلقون من شواطئ دول أصبحت تعرف عند المحللين السياسيين بالدول الفاشلة وهي مجموعة من دول القرن الإفريقي واليمن أصبحت فيها سلطة الدولة على أراضيها هشة وبسط نفوذ القانون محدودًا للغاية فأصبح من السهل القفز إلى مزاولة القرصنة والتهريب كوسائل للنفع والابتزاز وتأمين المعيشة بعيدًا عن مشروعية هذه الأعمال ، يقف وراء هذه العصابات ويغذي نشاطهم قوى أخرى ومخابرات يخدمها مثل هذا الوضع القلق.
نتيجة لتلك التهديدات دائمًا ما تتنادى الدول لتكوين تحالفات تهدف إلى عمليات بحرية لحماية خطوط الملاحة البحرية وتأمين عبور الناقلات ووصولها إلى وجهاتها متجاوزة النقاط الحرجة والمهددات المنتشرة في بعض المناطق البحرية التي تستخدمه تلك المصادر المهددة للأمن. حضور هذه القوى الأجنبية إلى البحار المحيطة باستمرار ليس بالضرورة عنصر أمان لكنه ينقلب مع الوقت إلى تواجد عسكري مثير للريبة فهو يفتح أعين الطامعين إلى أهمية بعض المناطق ويغذي لديها طموح السيطرة والبقاء كما قد يجلب أطرافًا غير مرغوب في حضورها، فإسرائيل على سبيل المثال قد تشارك في قوات لتأمين جزء من أساطيلها وحركات التجارة الذاهبة إلى موانئها أو المغادرة منها ولكن أطماعها التوسعية لابد من أخذها بالحسبان.
فضلاً عن ضعف وتضعضع بعض دول القرن الإفريقي والبحر الأحمر كالصومال والسودان وإرتريا وجيبوتي واليمن وما يسببه ذلك من خلل أمني في البر والبحر ووجود أطراف خارجية مستغلة تستفيد من مثل هذه الأجواء للحصول على مكاسب لن تحصل عليها إلا في مثل هذه الظروف ، عندما أعلن إقليم أرض الصومال انفصاله من طرف واحد عن جمهورية الصومال سارع المنتفعون باستثمار هذا المشهد حيث قامت إثيوبيا بعقد اتفاقية تستطيع من خلالها الحصول على منفذ مائي على البحر الأحمر سعياً لتجاوز عقدتها التاريخية كدولة حبيسة، في وقت لاحق قامت إسرائيل بالاعتراف باستقلال أرض الصومال عن جمهورية الصومال وهو الاعتراف الدولي الوحيد بهذا الكيان المتمرد .
رؤية المملكة العربية السعودية لتعزيز الأمن البحري
تؤمن المملكة العربية السعودية كدولة فاعلة في المنطقة وكدولة بناء وتنمية بالأهمية الاقتصادية والبيئية للممرات والمضائق المحيطة بها كما لا تغفل الدور السياسي والاستراتيجي والأمني لهذه المسطحات وتعقيداتها وكثرة الطامعين والمترصدين لاقتناص مصالحهم على حساب أصحاب الحقوق الأصيلة من الدول المتشاطئة للبحر الأحمر والخليج العربي.
من هذا المنطلق تنطلق رؤية المملكة العربية السعودية لأمن الممرات والمضايق المائية المحيطة لتحقيق المنافع الاقتصادية للدول المطلة عليها ولتحقيق الأمن الذي يخدم تلك الدول وينعكس على رفاهية ساكنيها وإبعاد التهديدات الأمنية ودفع الضرر قدر المستطاع.
يمكن بلورة تلك الرؤية للمملكة العربية السعودية في عدد من النقاط سيتم عرضها بشكل موجز
- الأمن الجماعي الإقليمي
تعزيز التعاون بين الدول المتشاطئة للبحر الأحمر والخليج العربي عبر أطر مؤسسية للحوار والتنسيق الأمني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم الدوريات المشتركة. الأمن البحري لا يمكن تحقيقه بجهد أحادي، وقد تحركت المملكة العربية السعودية منذ وقت مبكر لتحقيق الأمن في البحر الأحمر فتم توقيع ميثاق جده كأول مبادرة لوضع إطار أمني للبحر الأحمر بين المملكة العربية السعودية ومصر وفي العام 1972م، عقد مؤتمر في جده أيضًا لوضع نظام للأمن في البحر الأحمر تبعه على مدى السنوات اللاحقة مؤتمرات ومبادرات لنفس الغرض.
لاحقاً شهدت الرياض تحركات مكثفة لتعزيز أمن البحر الأحمر، أبرزها استضافة اجتماعات ومؤتمرات في أبريل 2019م، تمهيداً لتأسيس كيان إقليمي للدول المتشاطئة، بهدف مواجهة التدخلات الخارجية، حماية الملاحة الدولية، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين الدول السبع المتشاطئة (السعودية، مصر، السودان، جيبوتي، الصومال، اليمن، والأردن).
- الحاجة للردع المتوازن
يتطلب الردع البحري تطوير قدرات دفاعية متقدمة، تشمل أنظمة مراقبة بحرية متكاملة، وطائرات استطلاع، وأنظمة دفاع جوي وبحري قادرة على مواجهة التهديدات غير المتكافئة. الردع هنا ليس تصعيداً، بل رسالة واضحة بأن استهداف الملاحة سيقابل برد حاسم. والردع يسبقه قياس فعال ودراسات مستفيضة لنمط التهديدات حجمها ومصادرها وتحولاتها وذلك ليكون الردع ملائماً.
- معالجة جذور الأزمات
لا يمكن ضمان أمن باب المندب دون معالجة النزاعات في اليمن، ولا يمكن استقرار القرن الإفريقي دون دعم التنمية والاستقرار السياسي فيه. الرؤية السعودية تميل إلى دعم الحلول السياسية والتنموية لتجفيف منابع التهديد، حيث لا تألو المملكة العربية السعودية جهداً في دعم استقرار الدول المحيطة بالبحر الأحمر وذلك بدعم استقرار الحكومات ومناهضة الحركات المتمردة غير الشرعية التي تستنزف موارد تلك الدول وتكون معاول هدم للكيانات الوطنية مقابل تحقيق مصالح أطراف خارجية مستغلة.
- حماية سلاسل الإمداد
برزت في السنوات الأخيرة أهمية متعاظمة لسلاسل الإمداد حول العالم وتتطلب تنويع مسارات التصدير، وتطوير البنية التحتية للموانئ، وإنشاء مخزونات استراتيجية، وتطوير الصناعات البحرية الوطنية، كلها عناصر تعزز القدرة على الصمود أمام الأزمات.
- تقليل الاستقطاب والتدخل الخارجي
تعزيز الحوار الإقليمي وبناء الثقة بين دول المنطقة يحد من فرص استغلال القوى الخارجية للتوترات. كلما زادت قدرة دول الإقليم على إدارة أمنها بنفسها، تراجع مبرر التدخل الخارجي لا يتحقق ذلك من خلال وجود كيانات ومنظمات دون الدولة وتفعل أدوارًا مناطة بالدول فدعم الدول غير المستقرة كالسودان والصومال واليمن هي ضرورة وليست ترفاً وهي للمصلحة العامة للدول الإقليمية وليست للاستغلال المباشر.
إن أمن المضايق والممرات البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي ليس قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار العالمي. فالعالم المعاصر يعتمد على شبكة مترابطة من سلاسل الإمداد، وأي خلل في إحدى حلقاتها ينعكس سريعاً على الجميع.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يشكّل الأمن البحري امتداداً مباشراً لأمنها الوطني ولمستقبلها الاقتصادي. ومن هنا تأتي أهمية تبني رؤية شاملة تجمع بين الردع العسكري المتوازن، والتعاون الإقليمي، والحلول السياسية، والتنمية المستدامة، والتقنيات الحديثة.
إن تثبيت الاستقرار في مضيقي هرمز وباب المندب، وتأمين البحر الأحمر والخليج العربي، يتطلب إرادة سياسية جماعية، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، توازن بين حماية المصالح الوطنية وتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.






