array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 221

تحديات الخليج تتجاوز الأمن لبناء استراتيجية عربية في عالم تتشكل فضاءاته

الأربعاء، 29 نيسان/أبريل 2026

أعادت الحرب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط مؤخرًا بين أمريكا وإسرائيل من طرف وإيران من طرف آخر السؤال حول التحديات الجيوسياسية والأمنية التي تحيط بمنطقة الخليج العربي كواحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، إذ على الرغم من صغر مساحته يظل الخليج العربي بدوله الستة المملكة العربية السعودية، البحرين، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، قطر وسلطنة عمان في قلب الاهتمام العالمي وذلك من موقعه الاستراتيجي الذي يقع في قلب تقاطع الممرات المائية الدولية التي تمر منها التجارة الدولية، كما أنه يشرف على مضيق هرمز الذي أثبتت هذه الحرب مدى أهميته ليس كممر مائي فقط ولكن باعتباره وسيلة استراتيجية يمكن توظيفها لقلب المعادلات الأمنية والاقتصادية، وهو ما يؤكد أن الممرات البحرية باتت أداة مهمة في تشكيل السياسة وإعادة تركيب القوة بين الدول، وهي حقيقة تثبت أن الجغرافيا السياسية لهذه المنطقة واحدة من عوامل الثراء التي تمتلكها هذه المنطقة.

 وليس الجغرافيا السياسية وحدها التي تجعل المنطقة مهمة ولكن ومنذ اكتشاف النفط صارت هذه الدول في الأولوية في مسارات الاقتصاد العالمي ذلك أنها تمتلك نصف احتياطات العالم من النفط وتصدر ما يصل إلى 25% من جملة الإنتاج العالمي منه يوميًا، وفي السنوات الأخيرة اتجهت إلى تنويع اقتصاداتها، فالسعودية مثلًا يتوقع صندوق النقد الدولي أن تحقق نموًا سنويًا يتجاوز 5% في القطاعات غير النفطية على المدى المتوسط، خاصة وأنها انفتحت على السياحة والصناعات الكبري مدفوعة برؤية 2030 الطموحة، كما أن مشاركة المرأة تضاعفت من 17% إلى 35% وانخفضت نسبة البطالة إلى أقل مستوى منذ سنوات، هذه المؤشرات تعيد التأكيد على أهمية منطقة الخليج في السياسة الدولية.

 الخليج والنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية:

  بعد الحرب العالمية الثانية تشكل نظام دولي جديد قائم على التنافس بين المعسكرين الغربي الرأسمالي الذي تزعمته الولايات المتحدة الأمريكية، والمعسكر الشرقي الاشتراكي الذي قاده الاتحاد السوفيتي، ضمن تلك المعادلة الدولية صعدت الولايات المتحدة من اهتمامها بمنطقة الخليج سعيًا منها لمحاصرة النفوذ السوفيتي، وإلى تأمين مصادر الطاقة العالمية.

وجاء صعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى قيادة المنطقة بعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس عام 1971م، حينها سارعت أمريكا لملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه ذلك الانسحاب، معتمدة في ذلك الوقت على ما عرف بسياسة الركيزتين، وهما المملكة العربية السعودية وإيران في عهد الشاه لضمان استمرار الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

وبعد سقوط نظام الشاه وقيام الثورة الإيرانية اختل ذلك التوازن الذي بنيت عليه السياسة الأمريكية حين تحولت إيران من الحليف إلى موقع العدو الذي يتبنى خطابًا معاديًا للولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة من ناحية، ومن ناحية أخرى أحيا صعود الدولة الشيعية في إيران بعض التوترات المذهبية في المنطقة، ومنذ ذلك الوقت أصبحت المنطقة محلًا للتوترات الإقليمية والدولية، وزاد هذا الأمر تعقيدًا دخول إسرائيل ضمن منظومة الأمن كأولوية أخرى للسياسة الأمريكية في المنطقة.

وبينما كانت المنطقة ودولها يحاولان استيعاب التغيرات التي تجري في إيران اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، حيث أظهرت مدى هشاشة التوازنات الإقليمية من جهة، والحاجة إلى تأمين الممرات المائية من قوى خارج المنطقة من جهة أخرى، وما أن انتهت تلك الحرب حتي جاء الغزو العراقي للكويت عام 1990م، ليشكل نقطة تحول أخرى في هذه المنطقة المهمة من العالم، إذ أدى ذلك الغزو إلى تدخل دولي واسع قادته الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير الكويت، وقد قادت تلك الأحداث إلى إعادة هندسة النظام الأمني الخليجي للسنوات اللاحقة .

 وكان من نتائج حرب الخليج تلك توسيع مظلة التعاون الأمني مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وقعت معظم دوله اتفاقيات دفاع معها واستضافت قواعد عسكرية وقوات بحرية وجوية  بهدف ضمان ردع أي تهديدات إقليمية، ولكن وكما رأينا فإن الأحداث العظام لا تتوقف عن المنطقة إذ كلما تأقلمت دولها على وضع أمني وسياسي مستحدث وقع من التحديات ما يجعلها بحاجة إلى إعادة تكييف استراتيجياتها تبعًا للمتغير من الظروف، ومن أبرز مظاهر هذه التحولات صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية كبرى، بجانب عودة روسيا إلى المشهد الدولي محاولة استعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي ومزاحمة في المعادلة الاستراتيجية الدولية، وقد انعكست هذه التحولات علي منطقة الخليج التي صارت مجالًا مفتوحًا للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين هذه القوى المتنافسة، وهو الأمر الذي دفع دول الخليج لتبني سياسة أكثر تنوعًا في علاقاتها الدولية، فبجانب شراكتها التقليدية مع الولايات المتحدة توسعت علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا ومع قوى إقليمية أخرى، وبحسب تقرير صادر عن مركز بحوث آسيا ومقره في لندن أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لدول الخليج متجاوزة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معًا، فقد بلغ حجم تجارتها مع الخليج خلال العام 2024م، حوالي 257  مليار دولار أمريكي بينما بلغ حجم التجارة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حوالي 256 مليار دولار، وتوقع التقرير أن يقفز الرقم إلى 375 مليار دولار أمريكي بحلول العام 2028م، وتكتسب هذه الأرقام أهميتها في ظل التنافس الصيني / الأمريكي في أكثر من مجال وخاصة في مجال الطاقة الذي يبرز فيه الخليج كلاعب مؤثر ، كما أن الحرب التي تجري حاليًا تحيي هذا التنافس في هذه المنطقة المهمة ، علي أن التأثير الصيني لم يتوقف في المجال التجاري والاستثماري فقط ، ولكنه بدأ يظهر بصورة جلية في ملفات لطالما كانت تستأثر بها الولايات المتحدة وتؤثر فيها، وفي هذا الإطار يمكن التذكير بالدور البارز الذي اطلعت به الصين في الاتفاق السعودي / الإيراني عام 2023م، والذي توج بإعادة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، واعتبر هذا الاتفاق خطوة كبيرة نحو استعادة التوازن الإقليمي وذلك لما تمثله الدولتان من ثقل إقليمي وتأثير في الملفات الساخنة في المنطقة، كما أنه أرسل رسالة واضحة مفادها أن الصين أصبحت لاعبًا مهمًا في مجال تسوية النزاعات والوساطة بين الدول، الأمر الذي كان حكرًا على الدول الغربية لفترة طويلة.

 الأمن بين التوازن الإقليمي والضمانات الدولية:

  وفي ضوء هذه المستجدات المهمة وما أفرزته الحرب الحالية من تحديات أمنية واستراتيجية على دول الخليج، تطل معادلتان مهمتان لهذه الدول، الأولى هي محاولة تحقيق التوازن الإقليمي والثانية خاصة بكيفية التعامل مع الضمانات الدولية لمساعدة الاستقرار في هذا الفضاء الخليجي.

فعلى المستوى الإقليمي كانت سياسة دول الخليج تقليل التوترات في المنطقة بل سعت إلى تجنيب المنطقة مزيدًا من الحروب خاصة الحرب الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لأنها كانت واعية بحجم المخاطر التي ستترتب عليها وعلى الأمن والاقتصاد العالميين على السواء، وحتى بعد نشوب الحرب ووقوع العدوان عليها واستمراره ظلت سياسة ضبط النفس وعدم التصعيد هي الراجحة من واقع الإدراك أن الصراعات المفتوحة يمكن أن تكون مكلفة لجميع الأطراف.

 أما على المستوى الدولي ومع أن الشراكات الأمنية والدفاعية مع الولايات المتحدة والدول الغربية لا تزال مهمة في منظومة الأمن الخليجي، ولكن الحرب الحالية طرحت عديد الأسئلة حول هذا الملف، حيث تذرعت طهران بوجود الأهداف الأميركية لتنفيذ هجمات في دول الخليج، ولذلك فإن هذا الملف سيبرز بعد الحرب ليكون واحدة من الملفات التي من المتوقع أن تركز عليها دول الخليج وهي تعكف على تقييم التجربة المريرة التي عاشتها خلال أيام الحرب.

والتحدي الأساسي يكمن في كيفية الجمع بين هذين البعدين دون الوقوع في تناقضات استراتيجية، فالتقارب مع الجار القريب من أجل الأمن يجب ألا يضعف الضمانات الدولية، وفي نفس الوقت يجب ألا يؤثر ذلك على التحالفات الاستراتيجية لضمان التعاون الدفاعي والاستفادة من التقدم التكنلوجي.

 وبالتأكيد فإن منظومة الأمن لدول الخليج لا تتوقف فقط عند قضايا الدفاع والحرب، ولكن يظل الملف الاقتصادي ملفًا مهمًا جدًا في منظومة إحداث التوازن الاستراتيجي المطلوب، لأن الدول التي تمتلك اقتصادًا قويًا ومتنوعًا هي التي بإمكانها امتلاك القدرة على مواجهة التحديات.

 أدركت دول الخليج هذه الحقيقة في السنوات الأخيرة حين بدأت في تنفيذ استراتيجيات اقتصادية بعيدة المدى تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وقد شملت هذه الاستراتيجيات الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا والسياحة والصناعة والخدمات المالية، وهناك تحد آخر ليس غائبًا عن خبراء التخطيط الاقتصادي في هذه الدول وهو أن التحولات في مجال الطاقة وخاصة التوجه نحو الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، دفع دول الخليج إلى التفكير في مستقبل اقتصادي مختلف، لأن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الوطني.

الخليج في عالم متعدد الأقطاب:

 من الواضح أن النظام الدولي الذي استقرت قواعده بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم يمضي نحو تحولات عميقة، وقد جاءت كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في قمة دافوس تأكيدًا لهذه الحقيقة حيث صرح بوضوح بأن النظام الذي اعتادت عليه الدول الغربية قد ولى إلى غير رجعة، خاصة بعد التوجهات الشرسة من إدارة ترامب ضد حلفائها التقليديين في الاتحاد الأوروبي، هذا التطور يفرض على دول الخليج تحديات وفرصًا في الوقت نفسه، إذ أنه يتيح لها تنويع الشراكات الدولية وعدم الاعتماد على قوة واحدة، ولكنه في الوقت نفسه قد يحول المنطقة إلى ساحة للتنافس الدولي، وهو ما يفرض على دول الخليج مواصلة سياستها المرنة القادرة على إدارة التوازنات الدولية، فقد أبرزت هذه الدول وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ديبلوماسية ذكية قادرة على إدارة التحالفات بشكل متوازن يستوعب حجم التعقيدات الدولية ويعي أهمية المحافظة على الاستقرار في المنطقة.

كما أن هذه التطورات تأتي في أعقاب الحرب التي تجري حاليًا في المنطقة، ولا شك أن نتائجها لن تقتصر على أطرافها المباشرين فقط، ولكنها بالتأكيد ستمتد لتشمل فضاءً واسعًا يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، وسيشمل كذلك أمن البحر الأحمر والتفاعلات التي كانت تحدث فيه قبل الحرب على خلفية الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند، والتوتر المصري الإثيوبي المستمر ، كما أن آثار هذه الحرب ستعمل على إعادة ترتيب حضور الأقطاب الدولية في المنطقة، فلن تكون الصين ضيفًا ساكنًا وهو يرى أن مصالحه يطالها التهديد، وروسيا كذلك تعلم علم اليقين أن توازنات القوة في هذه المنطقة ستؤثر عليها مباشرة، ومن ناحية أخرى فقد أثارت الحرب نقاشًا في الدوائر الأكاديمية حول الوجود الأمريكي والتساؤل حول عما ينبغي أن يكون عليه مستقبلًا، وكل هذه القضايا المتداخلة ستكون حاضرة في تشكيل منظومة الأمن بعد الحرب، وستكون الولايات المتحدة والصين وروسيا حاضرة بقوة في هذا المجال، وهو ما يفرض على دول الخليج التعامل بقدر كبير من الحذر في ظل  التنافس المتوقع وخاصة بعد الحرب .

ثم ماذا بعد:

  يقف الخليج عند مفترق طرق تاريخي تتداخل فيه تحولات النظام الدولي مع التحولات التي يشهدها الإقليم نفسه، فالعالم يمضي باتجاه تعددية قطبية تتوزع فيها مراكز القوة إلى مناطق مختلفة من العالم، أما منطقة الخليج نفسها فإنها تجتاز مرحلة إعادة تشكل لموازين القوة والتأثير، فقد أضاف نجاح باكستان في قيادة الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران رصيدًا إيجابيًا لدورها في المنطقة، وفي هذا يجب التذكير بالتحركات التي شهدتها المنطقة قبل الحرب على خلفية التوتر في اليمن، وشملت تلك التحركات تركيا وقطر ومصر وباكستان نفسها وبالتأكيد المملكة العربية السعودية، وفي محاذاة هذا المحور ظهرت الهند بعلاقاتها الراسخة مع إسرائيل في المشهد الخليجي مستثمرة التفاعلات التي تلت التوتر في ملف اليمن .

وفي قلب هذه التفاعلات تظل منطقة الخليج واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيرًا بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات، وبفضل مواردها الهائلة من الطاقة التي لا يزال الاقتصاد العالمي يعتمد عليها بدرجة كبيرة، ولكل ذلك فإن أمن الخليج خلال المستقبل المنظور سيرتكز على الخيارات التالية:

 أولا: ستظل الأولوية الأساسية هي المحافظة على الاستقرار في المنطقة في ظل وضع معقد بشكل كبير، فقد أثبتت التجربة أن استمرار الحروب حول دول الخليج سيؤثر عليها بصور مباشرة، وفي الحرب الأخيرة وصلت النيران إلى قلب الخليج، ولولا الحكمة الكبيرة التي تعاملت بها مع هذا التطور الأخير لدخلت المنطقة في مجهول كارثي لا يعلم مداه إلا الله.

ثانيًا: تحتاج دول الخليج إلى التوازن الدقيق بين تحالفاتها الدولية المتداخلة بين الأمن والاقتصاد وبين التعامل مع جوارها الإقليمي، وتحديدا إيران وإسرائيل بما لا يخل بمعادلة الاستقرار أولا وتحقيق السلام المستدام ُثانيًا.

ثالثًا: لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن البيت العربي متصدع لدرجة بعيدة، وآلياته متكلسة ومتراجعة، وأن التنازع داخل الصف العربي قد بلغ مدًا مخيفًا، ولمواجهة تداعيات تشكل نظام دولي جديد يحتاج العرب أن يختاروا طبيعة النظام الذي يخدم مصالحهم، ولن يكون ذلك إلا عبر توافق عربي شامل يعيد لآليات العمل العربي فاعليتها، وقبل ذلك إعادة تعريف التضامن العربي في عالم متغير ومتجدد، وبالتأكيد فإن دول الخليج بتأثيرها الكبير قادرة على قيادة مثل هذه المبادرة.

  يبقى القول إن التحدي الذي يواجه دول الخليج لا يقتصر فقط في تأمين أمنها ولكن يكمن في بناء رؤية استراتيجية بعيدة المدى تستنهض قدرة العرب جميعًا، وتعمل على المحافظة على دورهم في العالم الذي تتشكل فضاءاته حاليًا.

مقالات لنفس الكاتب