تُعدّ حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران عام 2026م، تصعيدًا حادًا للصراعات الجيوسياسية طويلة الأمد في الشرق الأوسط، وحدثًا نموذجيًا متشابكًا مع التنافس على الهيمنة العالمية، والصراعات الأمنية الإقليمية، والتنافس على موارد الطاقة. لقد زعزعت هذه الحرب التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط لعقود، وكان لها أثرٌ بالغٌ على إمدادات الطاقة العالمية، والنظام التجاري الدولي، والوضع الجيوسياسي الدولي، بل وحتى على العلاقات بين الدول الكبيرة. تستعرض هذه المقالة بشكل منهجي المراحل التطورية والعمليات الأساسية للحرب الأمريكية / الإسرائيلية ضد إيران، وتحلل بعمق دوافع ومكاسب وخسائر الأطراف المشاركة والجهات المعنية، وتقدم تنبؤًا علميًا بالنتيجة النهائية للحرب، وتحلل بشكل شامل الآثار المتعددة للحرب على أمن الطاقة الصيني، والتجارة الخارجية، والعلاقات الدولية والإقليمية. كما توضح هذه الدراسة الموقف الصيني الأساسي والخيارات المتاحة في هذا الصراع، وتشرح دور الصين البنّاء في الوساطة لحل الحرب والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وتحلل مسارًا واضحًا لحماية مصالح الصين والوفاء بمسؤولياتها.
أولًا: تطورات الحرب الأمريكية / الإسرائيلية ضد إيران ومسارها
لم يكن الصراع العسكري الأمريكي / الإسرائيلي ضد إيران حدثًا مفاجئًا أو عرضيًا، بل كان نتيجة تراكم عوامل متعددة على المدى الطويل، بما في ذلك المواجهة الاستراتيجية بين أمريكا وإيران، والتناقضات الوجودية والأمنية بينهما، وطموحات واشنطن للهيمنة العالمية. ومرّت الحرب بمراحل، حيث تحولت تدريجيًا من حرب خاطفة إلى صراع شامل، وصولًا إلى طريق مسدود استراتيجي. وقد أثرت كل مرحلة بشكل كبير على مسار الحرب والوضع الإقليمي.
المرحلة الأولى: مرحلة الهجوم الخاطف المشترك
بدأت الحرب بهجوم خاطف دقيق مشترك أمريكي ـ إسرائيلي. بهدف شلّ القدرات العسكرية والاستراتيجية الإيرانية الأساسية بسرعة من خلال ضربات جوية قصيرة المدى وعالية الكثافة. نشرت أمريكا مجموعتين ضاربتين من حاملات الطائرات، بالتنسيق مع قوات جوية إسرائيلية نخبوية، مستخدمةً مقاتلات شبحية متطورة وصواريخ كروز وطائرات مسيرة لشن ضربات دقيقة في جميع الأحوال الجوية ضد أهداف رئيسية داخل إيران، بما في ذلك منشآت نووية وقواعد أبحاث وإنتاج صواريخ ومركز قيادة الحرس الثوري ومواقع أنظمة الدفاع الجوي ومراكز تصدير الطاقة الحيوية. وبفضل تفوقهما الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي الساحق، سعت أمريكا وإسرائيل إلى شلّ قدرات إيران بتوجيه ضربات بعيدة المدى، وتفكيك هيكل قيادتها العسكرية، وتحقيق نصر سريع، متجنبتين حربًا برية طويلة الأمد.
خلال هذه المرحلة، كانت إيران في موقف دفاعي. فقد كان نظام دفاعها الجوي غير فعال في مواجهة الضربات الجوية عالية التقنية. وتعرضت المنشآت العسكرية الرئيسية في إيران لأضرار جسيمة، وتضررت بعض البنية التحتية المتعلقة بالبرنامج النووي، وتأثر نظام قيادتها رفيع المستوى. لم تفقد إيران قدرتها على الرد بشكل كامل وشنت لاحقًا هجومًا صاروخيًا مضادًا محدود النطاق، ونفذت ردًا محدودًا على بعض الأهداف العسكرية داخل إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، مما شكل بداية ظهور الطابع التصادمي للحرب.
المرحلة الثانية: الهجوم المضاد الإيراني الشامل والتنسيق بالوكالة. في مواجهة هجمات مكثفة متواصلة، عدّلت إيران استراتيجيتها بسرعة، وانتقلت من الدفاع السلبي إلى هجوم مضاد شامل. في الوقت نفسه، فعّلت آلية تنسيق مسلح إقليمية بالوكالة، مما أدى إلى تصعيد الحرب بسرعة من مواجهة مباشرة إلى سلسلة من الصراعات الإقليمية. ركّزت إيران صواريخها الباليستية وطائراتها الانتحارية المسيّرة لشن هجمات مكثفة على مدن وقواعد عسكرية إسرائيلية رئيسية، بالإضافة إلى منشآت عسكرية أمريكية في دول الخليج العربي، مع التركيز على الانتشار العسكري الأمريكي والإسرائيلي والمواقع الاستراتيجية، في محاولة لكبح جماح الزخم الهجومي من خلال الهجمات المضادة. في غضون ذلك، ردّ حلفاء إيران، بمن فيهم حزب الله، والحوثيون، والميليشيات العراقية، بشنّ هجمات من اتجاهات مختلفة على أهداف إسرائيلية وأمريكية. وتدهورت الملاحة في البحر الأحمر والوضع الأمني في منطقة الخليج العربي بشكل حاد، وتعرّضت سلامة الملاحة في مضيق هرمز لتهديد مباشر. في هذه المرحلة، تجاوزت الحرب مجرد الضربات الجوية، وامتدت إلى البر والبحر. فشلت الخطة الأولية للولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق نصر سريع، مما أجبرهما على توسيع نطاق انتشارهما العسكري لمواجهة الحصار الشامل الذي تفرضه إيران ووكلاؤها.
المرحلة الثالثة: الجمود الاستراتيجي والخلافات الناشئة. مع استمرار الحرب، برزت الخلافات الاستراتيجية بين أمريكا وإسرائيل تدريجيًا، مما أدى إلى جمود استراتيجي شامل. كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو إضعاف القدرات العسكرية والنووية لإيران، والحفاظ على هيمنتها وسيادة الطاقة في الشرق الأوسط، وتجنب استنزاف قوتها الوطنية بشكل مفرط، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية وسياسية داخلية. من جهة أخرى، نظرت إسرائيل إلى إيران باعتبارها تهديدًا وجوديًا، وأصرّت على تدمير قدراتها النووية تدميرًا كاملًا، وإضعاف نفوذها الإقليمي، بل وسعت إلى تغيير النظام، ولم تكن مستعدة لوقف إطلاق النار بسهولة. وفي الوقت نفسه، ازدادت حدة المشاعر المناهضة للحرب داخل الولايات المتحدة. وقد فاقم من مأزق الولايات المتحدة، التي لم تكن قادرة على تحمل تكاليف القتال أو الانسحاب، الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري نتيجة الحرب المطولة، وارتفاع أسعار النفط الذي تسبب في ضغوط تضخمية داخلية، والخلافات بين الكونغرس والحكومة بشأن التزامات الحرب، ورفض الحلفاء الأوروبيون الانخراط بشكل كبير. أما إيران، فرغم تكبدها خسائر عسكرية واقتصادية فادحة، إلا أن التماسك الوطني كان في أعلى مستوياته، وظل النظام مستقرًا، واستغلت مزاياها الجغرافية والوطنية لمواصلة حرب الاستنزاف ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، رافضة قبول شروط وقف إطلاق نار غير متكافئة. لم يتمكن أي من الطرفين من تحقيق نصر حاسم، ودخلت الحرب في حالة جمود مطولة، مع تزايد الدعوات إلى وساطة دولية.
المرحلة الرابعة: الوساطة متعددة الأطراف ومفاوضات وقف إطلاق النار
استمرت الآثار السلبية للحرب الممتدة، كأزمة الطاقة العالمية واضطرابات التجارة الدولية، في الانتشار. ودعا المجتمع الدولي على نطاق واسع إلى مفاوضات لوقف إطلاق النار، حيث شجعت الدول الكبيرة كالصين وروسيا الوساطة متعددة الأطراف بنشاط. كما كثفت منظمات دولية وإقليمية كالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية جهودها في الوساطة. وتحت ضغط داخلي ورأي عام دولي، اضطرت أمريكا وإسرائيل إلى إبداء استعدادهما للتفاوض. ووافقت إيران، مع تمسكها بموقفها الأساسي، على المشاركة في الحوار متعدد الأطراف. وتحولت الحرب ً من مواجهة عسكرية إلى مناورات دبلوماسية، وبدأت مفاوضات وقف إطلاق النار الرسمية مرحلة جديدة رغم هشاشتها. وأصبح التوصل إلى حل سياسي للحرب النتيجة الأرجح.
ثانيًا. تحليل دوافع ومكاسب وخسائر الأطراف المشاركة
(أ) الولايات المتحدة: مدفوعة بقوة مزدوجة: الحفاظ على الهيمنة والتنافس على المصالح. يعد الدافع الأساسي للحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد إيران هو الحفاظ على موقعها المهيمن في الشرق الأوسط، وكبح النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، وتفكيك "محور المقاومة" في الشرق الأوسط الذي تتمركز فيه إيران، وضمان هيمنة الولايات المتحدة على طاقة الشرق الأوسط، وتوطيد النظام النقدي الدولي الذي يربط الدولار بالنفط. وفي الوقت نفسه، سعت الولايات المتحدة، من خلال ضرب إيران، إلى ردع القوى الأخرى المعادية لها في الشرق الأوسط، وتشتيت الصراعات السياسية والاقتصادية الداخلية، وتلبية مصالح المجمع الصناعي العسكري. علاوة على ذلك، كان منع تقدم البرنامج النووي الإيراني والقضاء على التهديدات الأمنية الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط دافعًا مهمًا أيضًا.
أما مكاسب الولايات المتحدة على المدى القصير، فقد ألحقت الولايات المتحدة أضرارًا جسيمة بالمنشآت العسكرية الإيرانية وقدراتها النووية، وأضعفت قدرة إيران على الردع الإقليمي، وعززت تحالفها مع إسرائيل مؤقتًا، وقوت وجودها العسكري في الشرق الأوسط. ومن خلال السيطرة على وضع الطاقة في الشرق الأوسط، اكتسبت الولايات المتحدة درجة معينة من التحكم في أسعار الطاقة العالمية، بينما استغلت الحرب في الوقت نفسه لتحفيز تطوير صناعتها العسكرية المحلية.
وبالنسبة للخسائر الأمريكية، كما نعرف أن الحرب المطولة استهلكت نفقات عسكرية هائلة، مما زاد العبء المالي؛ وتفاقم التضخم المحلي بسبب ارتفاع أسعار النفط، مما زاد الضغط على سبل عيش الناس وزاد من حدة الانقسامات الاجتماعية؛ وتضررت المصداقية الدولية بشدة، حيث شُنّت الحرب دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، مما أثار إدانة واسعة النطاق من المجتمع الدولي وتسبب في توتر العلاقات مع أوروبا والقوى الصاعدة؛ وتصاعدت المشاعر المعادية لأمريكا في الشرق الأوسط، مما شكل تهديدًا أمنيًا مستمرًا للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وقيدت الأوضاع في الشرق الأوسط الموارد الاستراتيجية، مما أثر على استراتيجيتها العالمية.
(٢) إسرائيل: المطالب الأساسية للبقاء والأمن والهيمنة الإقليمية. لطالما اعتبرت إسرائيل إيران تهديدها الرئيسي للبقاء، لاعتقادها بأن برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية تُعرّض أمنها القومي للخطر بشكل مباشر. سعت إسرائيل إلى تدمير المنشآت النووية الإيرانية ومنظومة الصواريخ تدميراً كاملاً من خلال الحرب، والقضاء على هذا التهديد الأمني المباشر؛ وفي الوقت نفسه، كان من شأن مهاجمة إيران إضعاف القوى الوكيلة لها، مثل حزب الله والحوثيين، مما يُخفف الضغط الأمني حول إسرائيل ويُعزز هيمنتها العسكرية في الشرق الأوسط؛ علاوة على ذلك، استغلت الحكومة اليمينية في إسرائيل الحرب لبناء توافق داخلي، وتحويل الأنظار عن التناقضات الداخلية، مثل الإصلاح القضائي والتنمية الاقتصادية، وتوطيد موقعها في السلطة.
على صعيد المكاسب الإسرائيلية، تلقت القدرات العسكرية والنووية الإيرانية ضربة قوية، مما قلل بشكل كبير من التهديد العسكري المباشر لإسرائيل؛ كما تعززت قدرة إسرائيل على الردع العسكري في الشرق الأوسط، وتحسنت البيئة الأمنية المحيطة بها على المدى القصير؛ وكسبت الحكومة تأييداً شعبياً داخلياً من خلال الحرب، مما عزز مكانتها في الحكم.
ومن جانب آخر، تعرضت إسرائيل لهجمات متكررة على أراضيها بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، مما أسفر عن خسائر بشرية ومادية فادحة، وأدى إلى حالة من الذعر الأمني بين السكان؛ وتدهورت العلاقات مع الدول العربية في الشرق الأوسط بشكل أكبر، مما أعاق بشدة عملية تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل التي كانت متقدمة سابقًا؛ وأدت الحرب إلى ركود في التنمية الاقتصادية الداخلية، وارتفاع حاد في الإنفاق العسكري، واعتماد مفرط على الدعم العسكري الأمريكي، وتراجع في الاستقلال الاستراتيجي.
(3) إيران: هجوم مضاد سلبي في صراع السيادة والبقاء. كان الدافع الأساسي لإيران هو الدفاع عن السيادة الوطنية، والسلامة الإقليمية، وأمن النظام؛ ومقاومة العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي ومحاولات تغيير النظام؛ وحماية المصالح الأساسية للتنمية الوطنية؛ وحماية الحقوق والمصالح المشروعة لبرنامجها النووي، حيث لطالما أصرت إيران على أن برنامجها النووي سلمي، وتعارض استخدام القوى الخارجية للقضية النووية ذريعةً لشن الحرب. وفي الوقت نفسه، بناء توافق داخلي، وتوحيد جميع القوى لمقاومة الأعداء الخارجيين، وحماية الكرامة الوطنية، وضمان الحقوق الأساسية لصادرات الطاقة والتنمية الاقتصادية.
كما نعرف أن إيران نجحت في إحباط محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق نصر سريع، والحفاظ على استقرار النظام والسيادة الوطنية، وإحباط المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية للإطاحة بالنظام الإيراني؛ عززت الحرب التماسك الوطني ووطدت شرعية النظام؛ ومن خلال التعاون المسلح بالوكالة، وسعت نفوذها في الشرق الأوسط وكسبت دعم القوى المناهضة للولايات المتحدة في المنطقة؛ كما زادت من الاهتمام الدولي بالإنصاف والعدالة في الشرق الأوسط، ورفعت الدعوات ضد العمل العسكري الأحادي.
كذلك قد تعرضت المنشآت العسكرية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية في إيران لأضرار جسيمة؛ واستُنزفت القوة والمعدات العسكرية بشكل كبير؛ وتوقفت صادرات النفط بشكل شبه كامل؛ وتلقى اقتصادها ضربة قاصمة؛ وارتفع التضخم المحلي بشكل حاد؛ وتدهورت معيشة الناس؛ وحدث نقص حاد في الإمدادات. قُتل أو جُرح العديد من كبار الضباط العسكريين، مما أسفر عن خسائر بشرية فادحة؛ وتدهور الوضع الدولي أكثر، في ظلّ العقوبات الأحادية المتزايدة الشدة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وانحسرت مساحة التعاون الدولي بشكل ملحوظ.
- دول الخليج العربي وأوروبا تحاول تحقيق موازنة المصالح في ظلّ التوترات. تجد دول الخليج العربي نفسها عالقة في خضم المواجهة الأمريكية الإيرانية، إذ تعتمد على الحماية الأمنية الأمريكية بينما يساورها القلق في الوقت نفسه حيال تأثير الحرب على بلدانها وصادراتها من الطاقة. ويتمثل دافعها الأساسي في حماية أمنها القومي ومصالحها في مجال الطاقة، وتجنب الانحياز لأي طرف.
- على الرغم من أن الدول الأوروبية لم تشارك بشكل مباشر في الحرب، إلا أنها تأثرت بها بشدة. وكان دافعها الحفاظ على أمنها الطاقي واستقرارها الإقليمي، وتجنب تداعيات الحرب التي قد تُؤدي إلى أزمات لاجئين وطاقة. من جهة، اكتسبت بعض الدول نفوذًا دوليًا من خلال التوسط في الحرب، لكن الخسائر كانت أشدّ وطأة.
ثالثًا: النتائج المتوقعة للحرب
لا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق هدفهما المتمثل في هزيمة إيران هزيمة كاملة وإسقاط نظامها. فإيران تمتلك مساحة شاسعة وتضاريس معقدة، مما يمنحها ميزة طبيعية في القتال على أرضها. ولن تتمكن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية من تفكيك المقاومة الإيرانية بشكل جذري. فالحرب البرية ستؤدي حتماً إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو أمر لا تستطيع الولايات المتحدة ولا إسرائيل تحمله. من جهة أخرى، إيران عاجزة أيضاً عن طرد القوات الأمريكية والإسرائيلية من الشرق الأوسط.
لذلك، سيتم حل الحرب في نهاية المطاف من خلال وساطة متعددة الأطراف من قبل المجتمع الدولي، مما سيؤدي إلى اتفاق وقف إطلاق نار محدود، ستتوقف الولايات المتحدة وإسرائيل عن توجيه ضربات عسكرية ضد إيران، وتتعهدان بعدم السعي لتغيير النظام، وتحترمان السيادة الإيرانية. ستُعلّق إيران بعض أنشطتها المتعلقة باليورانيوم عالي التخصيب، وستقبل إشرافًا معقولًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وستتوقف عن تقديم الدعم العسكري المباشر للقوات الوكيلة لها في المنطقة؛ وفي الوقت نفسه، سيسعى المجتمع الدولي لرفع بعض العقوبات على إيران. وستبقى الخلافات الجوهرية قائمة بين أمريكا وإيران، وبين إسرائيل وإيران. وسيدخل الشرق الأوسط في حالة توازن استراتيجي قائم على "وقف إطلاق النار لا السلام"، وسيستمر التنافس الإقليمي.
رابعًا: الآثار المتعددة للحرب على العالم والصين
(أ) التأثير على إمدادات الطاقة العالمية. يُعدّ مضيق هرمز أهم ممر مائي لنقل الطاقة في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية. تُعطّل الحرب حركة الملاحة عبر المضيق بشكل مباشر، مما يؤدي إلى فجوة كبيرة في إمدادات النفط العالمية، وارتفاع مستمر في أسعار النفط العالمية، وتقلبات حادة في أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي. أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى ضغوط تضخمية عالمية، مما تسبب في زيادة كبيرة في تكاليف استيراد الطاقة للعديد من الدول، وأبرز نقص الطاقة، وأجبر على إعادة هيكلة مشهد الطاقة العالمي، وعجّل بتنويع مصادر الطاقة، وزاد من وتيرة تطوير الطاقة النظيفة.
(٢) التأثير على التجارة الدولية. تُفاقم الحرب المخاطر الأمنية في طرق الشحن الدولية الرئيسية، مثل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط والخليج العربي، وتزيد بشكل ملحوظ من تكاليف الشحن العالمية، وترفع أسعار شحن الحاويات، وتُطيل دورات نقل البضائع، وتزيد من معدلات التأخير، وتُخلّ بشدة بالنظام التجاري الدولي.
(3) التأثير على العلاقات الدولية والإقليمية. أدت الحرب إلى تفاقم التوترات في تنافس القوى العظمى، وزادت من حدة الخلافات بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة كالصين وروسيا، ورفعت من خطر المواجهات العالمية القائمة على التكتلات والجماعات.
(4) التأثيرات الرئيسية على الصين. تُعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، والشرق الأوسط هو مصدرها الرئيسي لواردات النفط. وقد أدت الحرب إلى زيادة كبيرة في تكاليف الصين لاستيراد النفط، مما يهدد استقرار الإمدادات. على المدى القصير، تواجه واردات الطاقة الصينية ضغوطًا من تقلبات الأسعار وزيادة مخاطر النقل؛ وعلى المدى الطويل، تجبر هذه الأزمة الصين على تسريع تحول هيكل الطاقة لديها، وزيادة استكشاف وتطوير النفط والغاز محليًا، وتوسيع قنوات استيراد الطاقة المتنوعة من روسيا وآسيا الوسطى وإفريقيا وغيرها من البلدان.
أما على مستوى التجارة الخارجية، فقد أثرت اضطرابات الشحن العالمية وتباطؤ التجارة الدولية بشكل مباشر على صادرات الصين إلى الشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا.
وعلى مستوى العلاقات الدولية والإقليمية والمصالح الخارجية، فرضت الحرب تحديات جديدة على استراتيجية الصين الدبلوماسية في الشرق الأوسط. كان لا بد من إعادة التوازن إلى العلاقات الودية والتعاونية بين الصين وإيران وإسرائيل ودول الخليج العربي. اشتدت المنافسة بين الصين وأمريكا في الشرق الأوسط، وباتت محاولات واشنطن جرّ الصين إلى الصراعات الإقليمية وتشويه موقفها الدبلوماسي أكثر وضوحًا. مع ذلك، حظي موقف الصين المحايد والتزامها بتعزيز محادثات السلام باعتراف واسع النطاق من المجتمع الدولي، ولا سيما دول الشرق الأوسط، مما عزز نفوذها وقدرتها على التأثير في الخطاب الدولي. وتتعرض الشركات الصينية التمويل ومشاريعها في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن المواطنين الصينيين المقيمين فيها، للخطر جراء الحرب. وقد اضطرت بعض المشاريع إلى التوقف، وتواجه الأصول خطر الخسارة. وقد ازداد الضغط لحماية المصالح الخارجية بشكل ملحوظ، مما أجبر الصين على تحسين آليات حماية مصالحها الخارجية وتعزيز قدراتها على الإنذار المبكر بالمخاطر الخارجية والاستجابة للطوارئ.
خامساً: موقف الصين وخياراتها ودورها في هذه الحرب
لطالما التزمت الصين بسياسة خارجية مستقلة وسلمية، تستند إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، منحازةً إلى جانب الإنصاف والعدالة والسلام والاستقرار، ومحددةً موقفها الأساسي بوضوح: أولاً، تعارض الصين بشدة أي دولة تشن عملاً عسكرياً أحادياً دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، وتحترم سيادة إيران واستقلالها ووحدة أراضيها، وتعارض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو محاولات تغيير الأنظمة تحت أي ذريعة؛ ثانياً، تُصر الصين على أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد الممكن لحل النزاع، وتدعو الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف إطلاق النار فوراً، وإيران إلى ضبط النفس، وجميع الأطراف إلى حل خلافاتها عبر حوار متكافئ ومفاوضات متعددة الأطراف، متخليةً عن منطق الربح والخسارة؛ ثالثاً، تلتزم الصين بالحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة العالمية وسلامة الملاحة البحرية الدولية، وضمان انسيابية حركة الصناعات وسلاسل التوريد في الشرق الأوسط والعالم؛ رابعًا، تُنفّذ الصين بنشاط مبادرات الأمن والتنمية العالمية، وتُقدّم المساعدات الإنسانية للمناطق التي مزّقتها الحروب، وتحمي سلامة المدنيين، وتُعزّز إعادة الإعمار والتنمية السلمية في المنطقة بعد الحروب. وقد التزمت الصين باستمرار بمبدأ عدم الانحياز وعدم المواجهة، فلم تُحابِ الولايات المتحدة وإسرائيل، ولم تُقدّم دعمًا أعمى لإيران. ويتماشى موقفها، الذي يُعطي الأولوية دائمًا للسلام والاستقرار الإقليميين والمصالح العالمية المشتركة، مع التوقعات العامة للمجتمع الدولي، ويتوافق مع المصالح الوطنية الصينية وفلسفتها الدبلوماسية.
أما في مجال المساعدات الإنسانية، تمكنت الصين من خلال منظمات دولية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، تقديم مساعدات إنسانية طارئة، تشمل الغذاء والدواء والمعدات الطبية ومياه الشرب، إلى إيران ودولها المتجاورة المتضررة من الحرب للتخفيف من أزمة المعيشة للمدنيين؛ والمساعدة في إجلاء الرعايا الأجانب من المناطق التي مزقتها الحرب، وحماية سلامة المدنيين والبنية التحتية المدنية، والتصدي لأي عنف ضد المدنيين، وإظهار المسؤولية الإنسانية.
وقد تم تفعيل آلية الحماية القنصلية الطارئة لإجلاء المواطنين الصينيين والمقيمين الأجانب من إيران وغيرها من المناطق عالية الخطورة في الشرق الأوسط على وجه السرعة.
الخلاصة
كانت الحرب الأمريكية / الإسرائيلية ضد إيران نتاجًا لتداخل الهيمنة والتناقضات الأمنية الإقليمية. لم يقتصر أثر هذا الصراع على إحداث كارثة عميقة في الشرق الأوسط فحسب، بل امتدّ ليشمل تأثيرات بعيدة المدى على الطاقة والتجارة والأنماط الجيوسياسية العالمية. إن موقف الصين وإجراءاتها في هذه الحرب - اختيار الحياد، وتعزيز السلام، ورفض الانحياز لأي طرف، والعمل البراغماتي على تحقيق السلام، وحماية المصالح المشتركة - لا تُعدّ بأي حال من الأحوال تقاعسًا سلبيًا، بل هي خيار استراتيجي عقلاني قائم على المبادئ الدبلوماسية والمصالح الوطنية والاستقرار العالمي. وهذا يعكس مسؤولية دولة كبيرة.
تؤمن الصين إيمانًا راسخًا بأن القوة لا تستطيع حلّ التناقضات الجوهرية، وأن الحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد لحلّ النزاعات. في هذه الحرب، طبّقت الصين التعددية عمليًا، وعزّزت الحلول السياسية، ودعمت العدالة والإنصاف الدوليين من خلال إجراءات ملموسة. لم يقتصر هذا على حماية مصالحها الوطنية إلى أقصى حدّ، بل أسهم أيضًا إسهامًا كبيرًا في السلام والاستقرار الإقليميين والتنمية العالمية. لقد أتاحت هذه الأزمة رؤى عميقة حول استراتيجية الصين الدبلوماسية، وأمنها الطاقي، وحماية مصالحها الخارجية. ففي المستقبل، يتعين على الصين تعزيز دبلوماسيتها السلمية المستقبلية في الشرق الأوسط، وتقوية قدراتها على إدارة الأزمات، وتسريع تحول هيكلها الطاقي، وتحسين آليات حماية مصالحها الخارجية، والحفاظ على اتزانها الاستراتيجي في خضم التغيرات الدولية المعقدة. ويجب عليها ألا تتدخل بشكل أعمى في الصراعات الخارجية، وألا تتخلى عن مسؤولياتها كدولة كبيرة، وأن تظل دائمًا “فاعلة في بناء السلام العالمي، ومساهمة في التنمية العالمية، ومدافعة عن النظام الدولي.”
إن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط مرهونان بالجهود المشتركة للمجتمع الدولي. ولن يتحقق السلام والاستقرار الدائمان في المنطقة إلا بالتخلي عن التفكير في الهيمنة، والالتزام بالحوار والتشاور، وتعزيز المنفعة المتبادلة والتعاون المثمر للجميع. وستواصل الصين التمسك بمفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، والمشاركة الفعالة في جهود السلام وإعادة الإعمار والتنمية في الشرق الأوسط، والمساهمة باستمرار بحكمتها وقوتها في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والعالم.






