array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 221

أهمية تبني عقيدة أمنية خليجية تقوم على «الاستقلالية الاستراتيجية والردع الذاتي»

الأربعاء، 29 نيسان/أبريل 2026

يشهد مفهوم الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي تحولات عميقة ومفصلية في ظل بيئة جيوسياسية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم الاستقرار، بات من الممكن توصيفها استراتيجياً بمفهوم «الإقليم المتحرك». ويعكس هذا المفهوم حالة التسارع في تبدل موازين القوى، وتغير أنماط التحالفات، وتزايد حدة الصراعات ذات الطابع المركب في منطقة الشرق الأوسط. وضمن هذا السياق، لم يعد الأمن الوطني الخليجي مقتصراً على تأمين الحدود البرية التقليدية، بل انتقل مركز الثقل الجيو‑الاستراتيجي إلى المجال البحري، حيث أضحت البحار والممرات الملاحية الحيوية ساحات رئيسية للتنافس الدولي وصراع الإرادات بين القوى الإقليمية والدولية.

تستمد هذه الدراسة أهميتها من الموقع الجغرافي الفريد لدول مجلس التعاون، الذي يضعها في قلب التفاعلات الجيوسياسية العالمية، لاسيما إشرافها على أهم شرايين الملاحة الدولية. ويأتي في مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل العصب الرئيسي لتدفقات الطاقة العالمية، وامتداده غرباً نحو مضيق باب المندب والبحر الأحمر، باعتبارهما حلقة الوصل الحيوية للتجارة بين الشرق والغرب. وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتحول بعض أنماط الصراع من حروب غير مباشرة إلى مواجهات مكشوفة، تحولت هذه الممرات من مسارات عبور آمنة إلى نقاط اختناق استراتيجية ذات تأثيرات تتجاوز الإقليم إلى النظام الاقتصادي العالمي.

وانطلاقاً من ذلك، تهدف هذه الورقة إلى تفكيك مشهد التهديدات الاستراتيجية والهجينة التي تواجه الأمن البحري الخليجي، وتحليل تداعيات صراع الإرادات الإقليمي والدولي على الممرات الملاحية الحيوية، واستشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة، وصولاً إلى استخلاص الدروس المستفادة وتقديم رؤية استراتيجية متكاملة لحماية السيادة البحرية وضمان استدامة الاستقرار الإقليمي.

الفصل الأول: صراع الإرادات (الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران) وانعكاساته الخليجية

أولاً: اختزال المشهد – مكاسب الأطراف وخسائر الإقليم شهدت المواجهة بين التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، وإيران تحولاً نوعياً، حيث انتقلت من نمط «حرب الظل» والعمليات غير المباشرة إلى مستويات أعلى من الصدام العسكري ذي الانعكاسات الإقليمية الواسعة، ولا سيما في المجال البحري. ففي حين تسعى واشنطن وتل أبيب إلى إعادة ترسيخ معادلات الردع التقليدي وتحييد الأذرع الإقليمية لإيران، تعتمد طهران على عقيدة «الردع غير المتماثل» (Asymmetric Deterrence)، مستثمرةً موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في نقاط الاختناق البحرية الحساسة, وعلى الرغم من أن مكاسب الأطراف المنخرطة في هذا الصراع تبدو ذات طابع تكتيكي ومحدود زمنياً، مثل استعراض القوة أو تحسين شروط التفاوض السياسي، فإن الكلفة الاستراتيجية الأثقل لا تقع على عاتق هذه الأطراف بقدر ما تتحملها دول مجلس التعاون الخليجي، التي تجد نفسها في قلب تداعيات صراع لم تكن طرفاً مباشراً فيه، لكنها تتحمل آثاره الاقتصادية والأمنية.

ثانياً: الانعكاسات المباشرة ومعضلة شلل الممرات أفرز هذا التصعيد واقعاً جديداً تمثّل في تزايد عسكرة مضيق هرمز وامتداداته نحو باب المندب والبحر الأحمر، وتحولها إلى أدوات ضغط جيوسياسي ذات تأثير مباشر على حركة الملاحة الدولية. ولم يعد التهديد مقتصراً على سيناريوهات نظرية، بل تجسّد في اضطرابات فعلية أصابت سلاسل الإمداد الفورية (Just‑in‑Time)، وأضعفت انسيابية التجارة العالمية، ودفعت أعداداً متزايدة من السفن التجارية وناقلات الطاقة إلى تغيير مساراتها أو التوقف المؤقت تفادياً لمخاطر الاشتباك.

ثالثاً: الخسائر الاقتصادية والأمنية لدول مجلس التعاون أدى هذا الاختناق المتزايد في الممرات البحرية إلى تداعيات اقتصادية وأمنية متعددة الأبعاد على دول الخليج، تمثلت في الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، بما انعكس مباشرة على أسعار الصادرات النفطية والواردات الأساسية. كما أضعف ارتهان أمن الطاقة لصراع دولي مفتوح من صورة دول الخليج كمورد موثوق ومستقر للطاقة العالمية، في حين أدى التواجد المكثف للقوى البحرية الأجنبية إلى تعقيد المشهد العملياتي وتقليص هامش المناورة الاستراتيجية لدول المجلس.

رابعاً: المآلات المستقبلية على الرؤى التنموية يمثل استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم» واستنزاف الموارد في متطلبات أمنية طارئة تهديداً مباشراً لخطط التحول الاقتصادي والتنمية المستدامة في دول مجلس التعاون، حيث أصبح الأمن البحري شرطاً بنيوياً لجذب الاستثمارات الأجنبية وضمان استقرار المناطق الاقتصادية والمشاريع اللوجستية الكبرى.

الفصل الثاني: التهديدات الهجينة والتقنيات الناشئة في المجال البحري

لم يعد الصراع على الممرات المائية الحيوية مقتصراً على المواجهات العسكرية التقليدية، بل توسع ليشمل أبعاداً تكنولوجية معقدة أفرزت ما يُعرف بـ «التهديدات الهجينة». وتشكل الفضاءات الرقمية اليوم أحد أكثر مكونات الأمن البحري هشاشة، في ظل الاعتماد المتزايد للناقلات العملاقة والموانئ الذكية في دول الخليج على شبكات الاتصال والأنظمة المؤتمتة. وتبرز في هذا السياق خطورة الهجمات السيبرانية، ولا سيما تكتيكات التشويش والتلاعب بأنظمة الملاحة وتحديد المواقع (GPS Spoofing)، واختراق أنظمة التعرف الآلي للسفن (AIS)، التي تُستخدم غالباً ضمن عمليات «المنطقة الرمادية» لتضليل السفن التجارية أو تسهيل احتجازها. وفي المقابل، شهد المسرح البحري الخليجي تصاعداً ملحوظاً في استخدام الطائرات المسيرة والزوارق غير المأهولة، ما منح الفاعلين من غير الدول قدرات هجومية غير متماثلة تهدد خطوط الملاحة والأساطيل النظامية. ويفرض هذا واقعاً على دول مجلس التعاون ضرورة تبني الذكاء الاصطناعي بوصفه خياراً استراتيجياً في إدارة الأمن البحري، من خلال دمج أنظمة التحليل التنبؤي والإنذار المبكر، وبناء منظومات ردع بحرية ذكية قادرة على رصد التهديدات واحتوائها قبل وصولها إلى نقاط الاختناق الاستراتيجية.

الفصل الثالث: السيناريوهات المتوقعة والخيارات المتاحة لدول مجلس التعاون

في ظل التشابك المعقد للمصالح الإقليمية وتصاعد حدة المواجهة في إطار «الإقليم المتحرك»، تجاوزت الأحداث مرحلة الاستشراف النظري لتفرض واقعاً ميدانياً ملموساً. وتجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي يفرض ضرورة تفعيل مجموعة من الخيارات السيادية لحماية مصالحها الحيوية، بعيداً عن الارتهان لمسارات الصراع الدائر بين القوى المتنافسة.

أولاً: مسارات الصراع.. من المنطقة الرمادية إلى الانزلاق للصدام الشامل حتى وقت قريب، كانت مآلات المواجهة في الممرات المائية الحيوية تتأرجح بين سيناريوهات الاستنزاف والمواجهة المفتوحة. إلا أن التطورات الدراماتيكية المتسارعة في أواخر مارس ومطلع أبريل 2026م، أثبتت انزلاق الأطراف المنخرطة في الصراع —ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى— من تكتيكات «المنطقة الرمادية» نحو مسار الصدام الشامل.

وقد تجسد هذا التحول الاستراتيجي في الشلل التام الذي أصاب حركة الملاحة في مضيق هرمز، حيث أظهرت البيانات الملاحية توقفاً شبه كامل للتدفقات الاستراتيجية من شحنات النفط الخام، والغاز الطبيعي المسال، والأسمدة، وترافق ذلك مع إعلان كبريات شركات الشحن العالمية تعليق عملياتها في المنطقة تفادياً لمخاطر الاشتباك المباشر.

لم يعد إغلاق المضايق أو تقييد الملاحة فيها مجرد ورقة للابتزاز الجيوسياسي، بل تحول إلى أزمة دولية خانقة استدعت حراكاً أممياً طارئاً، تجلى في التدخل العاجل لمجلس الأمن الدولي (أبريل 2026م) في محاولة لاحتواء تداعيات هذا الشلل الملاحي على الاقتصاد العالمي. وفي ضوء هذا الواقع، بات لزاماً على دول الخليج تسريع الانتقال إلى الخيارات البديلة، حيث لم يعد من الممكن التعويل على انفراجات سياسية قريبة.

ثانياً: الخيارات الجيواقتصادية وتجاوز نقاط الاختناق في مواجهة معضلة الشلل الاستراتيجي للمضايق البحرية، تبرز أهمية تسريع تفعيل الخيارات الجيواقتصادية البديلة، وفي مقدمتها استراتيجية «الالتفاف الملاحي». ويتجسد ذلك في تعزيز القدرات التشغيلية لشبكات أنابيب النفط والغاز التي تتجاوز مضيق هرمز، مثل خط أنابيب «شرق–غرب» في المملكة العربية السعودية، وخط أنابيب «أدكوب» في دولة الإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى بحر العرب. وإلى جانب ذلك، يمثل تطوير «الجسور البرية» وشبكات السكك الحديدية الإقليمية التي تربط موانئ الخليج بالموانئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط خياراً استراتيجياً مكمّلاً، يهدف إلى ضمان استدامة سلاسل الإمداد التجارية وتقليص الاعتماد على المسارات البحرية المعرّضة للتهديد.

ثالثاً: التكامل الدفاعي والقيادة الموحدة على الصعيد العسكري، تفرض البيئة الأمنية الراهنة ضرورة تفعيل عملي ومتقدم لاتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون، والانتقال بها من إطار التنسيق السياسي إلى مستوى الاندماج العملياتي. ويبرز في هذا السياق الدور المحوري للقيادة العسكرية الموحدة في تسريع دمج منظومات الإنذار المبكر، وتوحيد شبكات الدفاع الجوي والبحري الخليجية ضمن منظومة متكاملة. إن بناء مظلة أمنية خليجية قادرة على العمل بقدر أعلى من الاستقلالية الاستراتيجية عن التحالفات الدولية المتقلبة يشكل ركيزة أساسية لردع التهديدات الهجينة، وحماية السيادة البحرية، وضمان أمن الممرات الحيوية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

الفصل الرابع: الحلول المثلى وإعمال القانون الدولي

لا يكفي لدول مجلس التعاون الخليجي الاعتماد على التدابير الدفاعية والخيارات الجيواقتصادية وحدها في مواجهة عسكرة الممرات المائية الحيوية، بل تبرز ضرورة تفعيل مسار موازٍ يقوم على «الردع القانوني والدبلوماسي»، بما يضفي شرعية دولية على التحركات الخليجية، ويحدّ من توظيف المضايق البحرية كورقة ضغط سياسي في سياق الصراعات الإقليمية والدولية. وتمثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الإطار القانوني الأهم لتنظيم استخدام المضايق الدولية وضمان تحييدها عن منطق القوة والابتزاز الجيوسياسي.

أولاً: التكييف القانوني لحماية «المرور العابر » يُعد مضيق هرمز وباب المندب من الممرات الملاحية الدولية التي تخضع لنظام «المرور العابر» وفقاً لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وتبرز هنا الأهمية الاستراتيجية لتفعيل المادة (38) من الاتفاقية، التي تكفل حق المرور العابر السريع والمتواصل لجميع السفن والطائرات دون عوائق، باعتبار هذا الحق جزءاً لا يتجزأ من النظام القانوني للملاحة الدولية. كما تشكل المادة (44) ركيزة قانونية مكملة، إذ تحظر صراحةً على الدول المشاطئة للمضايق إعاقة هذا المرور أو تعليقه تحت أي مبرر، بما في ذلك الذرائع الأمنية أو السياسية.

ثانياً: مواجهة تكتيكات المنطقة الرمادية قانونياً تستغل بعض الأطراف الفجوات والتعقيدات في القانون الدولي لتنفيذ أعمال عدائية منخفضة الحدة تحت مظلة ما يُعرف بـ «المنطقة الرمادية»، مثل احتجاز السفن التجارية، أو استهدافها بذريعة انتهاكات سيادية أو بيئية. ويتطلب هذا تحركاً خليجياً فاعلاً لبلورة توافق دولي يعيد توصيف هذه الممارسات ضمن أطر قانونية أكثر صرامة، كاعتبارها أشكالاً من القرصنة المعاصرة أو الإرهاب البحري.

ثالثاً: تحييد المضايق وبناء مظلة أمنية مشروعة تمثل قيادة حراك دبلوماسي خليجي منظم في أروقة الأمم المتحدة أحد المسارات الاستراتيجية لتحييد الممرات الملاحية الحيوية عن الصراعات السياسية والعسكرية. ويهدف هذا الحراك إلى الدفع نحو تفاهمات أو قرارات دولية تؤكد الطابع الدولي للمضايق، وتحدّ من محاولات عسكرتها، بما يعزز مفهوم السيادة البحرية الخليجية المسؤولة، ويضمن حماية المصالح الاستراتيجية في إطار نظام دولي قائم على القواعد.

الخاتمة: الدروس المستفادة والرؤية المستقبلية

أظهرت التحولات الجيوسياسية المتسارعة في إطار «الإقليم المتحرك» أن الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي لم يعد خيارًا قابلاً للتفويض الكامل أو الارتهان المطلق للتحالفات الدولية التقليدية. فقد كشفت أزمة عسكرة الممرات المائية، ولا سيما في مضيق هرمز والبحر الأحمر، عن هشاشة الاعتماد الأحادي على مسارات بحرية تقع في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية، وما يترتب على ذلك من مخاطر استراتيجية واقتصادية ممتدة تمس صلب الرؤى التنموية الخليجية.

أولاً: الدروس المستفادة يتمثل الدرس الاستراتيجي الأبرز في إدراك أن «المظلات الأمنية الخارجية» تخضع بالضرورة لحسابات المصالح المتغيرة للقوى الكبرى، بما قد يترك دول الإقليم عرضة للتهديدات الهجينة وحروب المنطقة الرمادية. كما أكدت الأزمة أن الأمن البحري لم يعد مسألة دفاعية تقليدية، بل غدا أحد المرتكزات الحيوية لاستدامة سلاسل الإمداد العالمية، وضمان موثوقية دول الخليج كمزود رئيسي للطاقة، وحماية مسارات التحول الاقتصادي طويل الأمد.

ثانياً: الرؤية المستقبلية وخارطة الطريق استنادًا إلى هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تبني عقيدة أمنية خليجية أكثر استقلالية، تقوم على مبدأ «الاستقلالية الاستراتيجية والردع الذاتي». وترتكز هذه الرؤية على مسارين متكاملين:

  • الأول: الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج الدفاعي، عبر تسريع توطين الصناعات العسكرية البحرية، مع التركيز على تطوير الأنظمة غير المأهولة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح بناء قدرات ردع غير متماثلة تتفوق تكنولوجيًا على مصادر التهديد وتتناسب مع تعقيدات المسرح البحري.
  • الثاني: تعزيز الاندماج العملياتي وتكامل القدرات الدفاعية، من خلال تفعيل القيادة العسكرية الموحدة وتشكيل قوة مهام بحرية خليجية مشتركة، تمتلك الجاهزية العالية لتأمين الممرات الملاحية الحيوية وحماية السيادة البحرية لدول المجلس.

وفي المحصلة، فإن قدرة دول مجلس التعاون على حماية سيادتها تكمن في صياغة هندسة أمنية شاملة، تدمج بين الردع العسكري الذاتي، والمناورة الجيواقتصادية، وإعمال أدوات القانون الدولي. وبهذا النهج، لا تكون دول الخليج مجرد متلقٍ لتفاعلات الإقليم، بل فاعلًا رئيسيًا في صياغة استقراره وإدارة توازناته.

مقالات لنفس الكاتب