array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 221

تنويع منافذ التصدير ليس خيارًا اقتصاديًا بل جزءًا من العقيدة الأمنية وضرورة لتجنب أزمات قادمة

الأربعاء، 29 نيسان/أبريل 2026

يعيش العالم منذ عقد ونيف من الزمن عمومًا وخلال السنوات الخمس الأخيرة خصوصًا حالة زلزالية من التغيرات العسكرية والسياسية غير المسبوقة، تتمثل بكثير من التحولات والتطورات الاستراتيجية العميقة التي انعكست وتنعكس على غالبية دول العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر أكثرها تأثرًا بهذه التغيرات كونها الأكثر أهمية، واليوم ومع اندلاع الحرب (الأمريكية / الإسرائيلية – الإيرانية ) أصبح تأثير هذه التغيرات والتحولات أكثر خاصة أن أهم ما يميز هذه الحرب هو انتقالها السريع من مرحلة (الردع المتبادل) أي تكبيد كل طرف منهما للآخر أشد الخسائر وإلحاق أكثر الضرر إلى مرحلة الاشتباك المفتوح (متعدد المستويات)، وهذا يعكس خللا عميقا في ميزان توازنات النظام العالمي وقد ظهر هذا من خلال ما جرى من تغير سريع وغير مسبوق لمراحل تطور الحرب التي بدأت بضربات دقيقة وواسعه وشديدة استهدفت أغلب البنية التحتية العسكرية، بل حتى أن أول وأهم استهدافها شمل غالبية قيادات النظام الإيراني يضاف إلى استهدافها لمراكز السيطرة ومنصات إطلاق الصواريخ والقواعد الجوية ووسائط الدفاع الجوي إلى درجة السيطرة الجوية وإنهاك سلاح الجو وشل قدراته وبالتالي فقد حققت العملية الجوية المشتركة الأولى التفوق الجوي الذي يتيح لبقية صنوف الطيران الأمريكية والإسرائيلية في الضربات اللاحقة بالعمل بسهولة في الأجواء الإيرانية .

رغم أن رد الفعل الإيراني على العملية الجوية الأولى (الأمريكية / إسرائيلية) كان يمثل حدة في الرد من خلال تشكيل كثافة من المسيرات والصواريخ البالستية والتي استهدفت بها عدة قواعد أمريكية في المنطقة القريبة وأهداف في إسرائيل لكنه رغم ذلك كان الرد الإيراني غير متكافئ (فرق كبير بين حجم ونوع الذخائر والأسلحة المستخدمة ) خاصة أنه اعتمد نفس طريقة الرد التي استخدمها في يونيو الماضي في حربه ضد إسرائيل والتي تضمنت تشكيل كثافة من المسيرات والصواريخ المختلفة لتجاوز قدرات الاعتراض لوسائط الدفاع الجوي الإسرائيلي. إلا أن هذه الطريقة لم تحقق تلك الخسائر التي كانت تخطط لها القيادة الإيرانية حتى أنها لم تغير شيء من الشروط الأمريكية، بل دفعت الطرف الأمريكي إلى رفع مستوى أشكال العمل العسكري باستخدام قاذفات متطورة وذخائر حديثة وهكذا بدأت بينهما طريقة السقوف المتحركة والتي أظهرت ارتفاعًا كبيرًا للسقوف الأمريكية بينما كان ارتفاع السقوف الإيرانية بانخفاض وهذا أدى إلى رفع سقف الطلبات الأمريكية من العملية وظهر الفرق في القدرات العسكرية بين الطرفين حيث ظهر انخفاض عدد الصواريخ التي تطلقها إيران يوميًا قياسًا بما قبلها من الأيام، بينما زادت طريقة ونسبة التدمير التي تحدثه الضربات الأمريكية على الأراضي الإيرانية، وهكذا تحول مسرح المواجهة من اتجاهات استراتيجية محدودة الأبعاد ( حتى بعد 2000كم) إلى مناطق قارية مفتوحة الأبعاد أكثر من 2500كم وذلك بعد أن بدأت إيران باستهداف كل القواعد الأمريكية في المنطقة القريبة وحتى البعيدة (دييغو غارسيا – قبرص ) وحتى دول المنطقة، ثم بدأت أدوات إيرانية في العراق ولبنان واليمن بالعمل حسب الأوامر الإيرانية، وهكذا تطورت الأمور العسكرية وتوسعت الحرب وبدا التصعيد يؤدي إلى التصعيد (لعبة السقوف المتحركة) وظهر جليًا قساوة السقوف الأمريكية وهشاشة السقوف الإيرانية، وهنا تغيرت قوانين اللعبة العسكرية وتغيرت النتائج وتقييم الأعمال التي تتعلق بحجم الضربات المتبادلة والخسائر المتكبدة من الطرفين (المباشرة وغير المباشرة) بل أصبح تقييم النتائج التي يترتب عليها القرارات اللاحقة يتعلق بطبيعة التحول الذي أصاب بنية الأمن الإقليمي وخاصة مع دخول مسارات الطاقة وسلوك الدول المجاورة لإيران وهذا  يمثل البعد الأهم في مراحل تطور الحرب التي انتقلت من مرحلة الردع المتبادل بين الطرفين في المرحلة الأولى إلى مرحلة الاشتباك المفتوح (متعدد المستويات والأشكال)، وإلى مرحلة تبادل الضربات الاختبارية مع ترقب القرارات السياسية أو تدخل الأطراف الحيادية وهكذا يمكن القول إن هذه الحرب التي بدأت بشكل دراماتيكي ثم ما لبثت أن تطورت إلى أشكال مختلفة من التكتيك والاستراتيجية والتي يمكن تقسيمها إلى مراحل على الشكل التالي :

المرحلة الأولى: تمثلت بمواجهات وضربات دقيقة واستهداف بنية تحتية عسكرية ومراكز قيادة وسيطرة مختلفة وقسم من منصات إطلاق الصواريخ إلى حد إنهاء شبه كامل لأحد أنواع القوات المسلحة الإيرانية (القوى الجوية والدفاع الجوي).

المرحلة الثانية: هنا انتقلت إيران إلى استراتيجية الرد غير المتكافئ باستخدام طريقة العمل العسكري التي استخدمتها في حرب يونيو الماضي مع إسرائيل والتي تضمنت تشكيل كثافات نارية من المسيرات والصواريخ أكبر من قدرات الصد للدفاع الجوي الإسرائيلي كما قررت من اللحظة الأولى توسيع مساحة الحرب بعد أن أدركت من أول رد فعل لها أن قدرات إسرائيل في الصد أصبحت أقوى مما كانت عليه في يونيو الماضي فبادرت إيران مباشرة لاستخدام الورقة الثانية من أوراقها وهي توسيع رقعة الحرب باستهداف دول الجوار العربي ورغم ذلك فشلت إيران في تحقيق ما تريد من زج دول الخليج في الصراع فكشفت ورقتها الثالثة في استخدام مضيق هرمز لتشكيل ضغط دولي، لكن ومع كل محاولة إيرانية فاشلة لإثبات وجودها كدولة قوية أو تخفيف خسارتها إلى أقل حد ممكن بدأت باستراتيجية جديدة فكان الرد الأمريكي لها بالمرصاد وهكذا دخلت الحرب مرحلة جديدة من العمل العسكري .

المرحلة الثالثة: حيث أصبحت الضربات بين الطرفين تتأرجح بين تصعيد تارة وتخفيف تارة أخرى، وهي واحدة من حيث العنوان للطرفين لكنها تختلف من حيث الواقع بينهما (حرب استنزاف طويلة) فقد كانت الضربات الأمريكية على إيران تمثل مبدأ التأثير المستمر على إيران لاستنزاف قدراتها وإنهاكها ونتيجة هذا هو انخفاض نسبة إطلاق الصواريخ من إيران بينما تمثل التصعيد الإيراني بضربات خفيفة كأنها رسالة تقول للطرف الأمريكي إننا مازلنا نحافظ على بقائنا على قيد الحياة أي إنه كان تصعيد لا يقارن بالتصعيد الأمريكي وقد تميزت هذه المرحلة بتنفيذ الطرفان لهجمات سيبرانية تم فيها استهداف البنية الاقتصادية في إيران وإسرائيل بينما غابت استراتيجية الحسم السريع خاصة من قبل أمريكا التي وجدت في مبدأ إنهاك الخصم الإيراني وتقليص قدراته القتالية على الاستمرار، وفي المقابل اعتمدت إيران الصبر الطويل بغض النظر عن طريقة وحجم الرد الذي تتبعه وعن نتائجه المهم أن ردها يقول إننا موجودون.

بمكن القول إن العمل العسكري للطرفين خلال هذه المراحل تضمن مجموعه واسعه من طرق وأشكال التكتيك والاستراتيجية المختلفة:

  • اعتمدت أمريكا استراتيجية تنفيذ عملية جوية وصاروخية مشتركة وتحقيق صدمة تؤدي إلى إرباك القيادة الإيرانية وإدخال إيران في حالة من الفوضى العارمة، وذلك من خلال تنفيذ ضربات جوية مكثفة ضمن ما يسمى (البنية العملياتية والمجموعات الضاربة) التي تضمنت أكثر من 100 طائرة من أنواع مختلفة بما فيها طائرات التأمين المختلفة (طائرات القيادة والإنذار والسيطرة – طائرات الإرضاع الجوي – طائرات الإنقاذ – طائرات التشويش – طائرات ربط الاتصال)، وأيضًا المقاتلات القاذفة والمقاتلات المرافقة التي تؤمن محاور الطيران استهدفت مراكز القوى الرئيسية.
  • ركزت المقاتلات الإسرائيلية على توجيه ضربات استباقية ودقيقة بما يسمى (رقصة الردع الدقيقة) لفتح محاور دخول وخروج إلى عمق الأراضي الإيرانية وتجميد المطارات لتأمين سلامة الطيران الضارب طيلة تنفيذ العملية الجوية.
  • اعتمدت إيران على عقيدة الرد غير المتكافئ التي تقوم على توزيع قدرات التأثير على الخصم بدل تركيزها، وقد لوحظ أن القصف الصاروخي الإيراني الذي استهدف عددًا من دول المنطقة، ومن الطبيعي أن هذه الاستراتيجية هي استراتيجية لا تغير شيء في معادلة القوة، وهنا سارعت إيران لإشراك أدواتها في القتال مباشرة لأنها لم تستطع تحقيق أي خرق في معادلة توازن القوة (حزب الله والحشد الشعبي أولا ثم الحوثي مؤخرًا).

تدرك إيران منذ البداية تفوق القدرات العسكرية للطرف الأول عليها، ولذلك اختارت الاستراتيجية التي ذكرتها بهدف إطالة أمد الحرب وكسب ردود فعل الدول على الأقل بسبب عامل الطاقة الذي أثار رعبًا في كثير من دول العالم أو غالبيتها (والواقع أن تخطيط القيادة الإيرانية منذ البداية كان التخطيط للمحافظة على بقاء القيادة حتى لوكان الثمن تدمير البلاد).

حسب الواقع الذي تم خلال الشهر الأول من هذه الحرب فإن هدف القيادة الإيرانية هو النتيجة الحقيقية فقد تم تدمير إيران الدولة وبقيت إيران النظام مريضًا، فخسائر إيران أكثر من إحصائها وفي المقابل فالطرف الأمريكي لم يربح ببساطة لم يتم تحقيق أي من الأهداف السياسية التي تم وضعها (نووي – صواريخ – إسقاط نظام) دول تضررت مباشرة ودول تعرضت للضرر بشكل غير مباشر وشعب إيراني بقي مقهورًا محكومًا بنظام ظالم  أدوات إرهابية مازالت تعيث فسادًا في المنطقة  منظمات دولية معطلة  تخوف عالمي من انقطاع الطاقة دمار في كثير من المناطق المجاورة  وضرورة لإعادة حسابات الدول وخاصة المجاورة لإيران وضرورة لإعادة صياغة قوانين المنظمات الدولية وخاصة مجلس الأمن والأمم المتحدة.

إن كانت هذه هي نتائج شهر من الأعمال القتالية الضارية فماذا عن التطورات المحتملة في قادم الأيام فهناك احتمال لتوقف القتال والبدء بمفاوضات وربما هناك استمرار للقتال وتوسيع مسرح الأعمال والأطراف المشاركة وماذا عن الخسائر التي تعرضت لها دول الخليج العربي من جراء الهجمات الإيرانية؟

فمع دخول الحرب شهرها الثاني، لم تعد المسألة تتعلق فقط بحجم الضربات المتبادلة، أو بالخسائر العسكرية المباشرة، بل بطبيعة التحول الذي أصاب بنية الأمن الإقليمي، ومسارات الطاقة، وحسابات الردع، وسلوك الدول العربية المجاورة لإيران. هذا هو البعد الأهم في الحرب الراهنة، لأن الشرق الأوسط لا يواجه مجرد جولة تصعيد، بل يواجه اختبارًا قاسيًا لمعادلاته الأمنية والاقتصادية والسياسية. وأول انعكاس إقليمي واضح تمثل في انتقال الحرب من مسرحها المباشر إلى المجال الخليجي.

بهذا الانتقال، لم تعد دول الخليج مجرد مراقب قلق فقط، بل أصبحت جزءًا من مسرح الخطر المباشر، حتى وإن لم تكن طرفًا مقاتلًا في أصل الحرب. وتكشف هذه النقلة عن حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن أمن الخليج لم يعد منفصلًا عن أي مواجهة كبرى بين إسرائيل وإيران، أو بين واشنطن وطهران. فكل ضربة تطال البنية الاستراتيجية الإيرانية، خاصة في قطاع الطاقة أو الدفاع، تفتح احتمال الرد الإيراني على الجوار العربي، بوصفه المجال الأقرب والأكثر قابلية للتأثير. وهذا يعني أن الجغرافيا الخليجية باتت تدفع ثمن موقعها، حتى عندما تحاول بعض دولها التزام الحذر السياسي أو التمسك بمسافة محسوبة من الصراع.

وهناك أيضًا انعكاس هام وربما يعتبر الأخطر، وهو الانكشاف العميق لهشاشة أمن الطاقة الإقليمي. فقد أدى الصراع إلى تعطيل واسع في الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي أدى إلى إرباك صادرات وإنتاج الغاز الطبيعي المسال، وأوجد عددًا من المسائل المعقدة وخلق عددًا من ردود الفعل العالمية على ما يجري وربما هذا أحد أوراق إيران التي خططت لاستعمالها.

هذه التطورات الحاصلة تؤكد أن الحرب لم تضرب الأمن العسكري فقط، بل أصابت قلب الاقتصاد الإقليمي والدولي معًا وهنا يمكن القول إن أحد الدروس الإقليمية المباشرة للحرب هو أن تنويع منافذ التصدير لم يعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح جزءًا من العقيدة الأمنية للدول المنتجة والضرورة الملحة والسريعة لتجنب أي أزمات قادمة يمكن أن تحصل واعتقد أن أحد أهم التطورات الحاصلة والتي كان لها تأثير كبير على الإقليم هو توسع الحرب التي أرادتها إيران وبالتالي زيادة التهديد للإقليم وهذا يعني إعادة تقييم منظمات الدفاع وآليات الإنذار ووضع خطط لحماية السكان و المنشئات والمؤسسات وأدوات الإنتاج .

والسؤال الأخير إن كانت أمريكا قد حددت أهدافها في الحرب بمنع إيران من امتلاك النووي وصناعة الصواريخ المتطورة فماذا حققت خلال هذه الحرب؟

وإذا كانت أهداف إسرائيل في الحرب هي إزالة التهديد الاستراتيجي الإيراني بشكل جذري ومنع أي تفوق مستقبلي أيضًا السؤال ماذا حققت من هذا؟

وإذا كانت إيران تريد الحفاظ على نظامها السياسي ومنع فرض واقع إقليمي جديد يقيد نفوذها وطموحاتها فماذا حققت؟ وهنا يمكن القول إنه لا شيء قد تحقق إلى الآن من هذا خلال شهر فهل ينتظر العالم شهور والواقع أن ما تعرض له العالم وخاصة منطقتنا العربية التي لم تشارك في هذه الحرب كثير من الضرر وأيضًا أغلب دول العالم قد تعرضت لخسائر دون أن يكون لها ناقة أو جمل في هذه الحرب!

فهل نقول إنه آن الأوان لنا نحن العرب في هذا الإقليم أن ننتبه لما يجب أن نقوم به سريعًا من تشكيل منظومة دفاعية وإعادة تفعيل قوة عربية أو إقليمية فاعلة تسمح لنا بالارتباط بدول العالم الفاعلة بشكل متساوي ويكون لنا صيغة أو معادلة إقليمية للتعاون والتعايش وتحويل المحنة إلى منحة من أجل الاستقرار والتنمية، وتنظيم العلاقات مع القوى الكبرى والإقليمية لمنع الاستقطاب، وتثبت هوية ونفوذ المنطقة في ظل تشكل نظام دولي جديد يعتمد على القوة.

مقالات لنفس الكاتب