لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي يومًا طرفًا في قرار الحرب بين المحور (الأمريكي -الإسرائيلي) وإيران، بل وجدت نفسها تزج في صراعات لم تسعَ إليها، فبعد عقود من تبني سياسة التهدئة ولعب دور الوسيط بين القوى المتصارعة، تحولت دول المجلس إلى ساحة معركة لا "ناقة لها فيها ولا جمل" وأصبحت تتلقى الضربات دون أن تكون جزءاً من المواجهة المباشرة. ورغم أنها تبنت منذ البداية موقفًا معارضًا للحرب مفضلة تبني المسارات الدبلوماسية كخيار رئيسي لاحتواء التوترات مع إيران، فإن اندلاع الصراع كشف محدودية قدرة هذه الجهود على منع التصعيد. فقد سعت دول المجلس إلى تجنب أي ردود فعل كارثية قد تطال أراضيها وممراتها المائية وتؤثر سلبًا في مساراتها السياسية والاقتصادية، إلا أن تطورات الحرب تجاوزت تلك المساعي، لتفرض واقعًا جديدًا يتطلب إعادة تقيم شاملة لسياسة الأمن القومي وإدارة المخاطر.
فمع انطلاق الضربات الأمريكيّة / الإسرائيليّة ضد إيران في فبراير 2026م، واجهت دول المجلس اختبارًا أمنيا غير مسبوق في تاريخها الحديث، إذ شنّت إيران هجمات واسعة النطاق طالت جميع الدول ولم تقتصر على المنشآت العسكرية الأمريكية، كما ادعت، بل امتدت لتطال عمق المناطق السكنية والمرافق الحيوية، بما في ذلك المطارات الدولية والشركات الوطنية والأجنبية والمؤسسات الإدارية والخدمية. فقد وجِّهت إيران حوالي 83% من ضرباتها نحو الأراضي الخليجية، في حين لم تتجاوز حصة إسرائيل 17% منها. وتعكس هذه المعادلة رؤية إيرانية تهدف إلى استخدام البيئة الخليجية كأداة ضغط لرفع ثمن الدعم الإقليمي للعمليات الأمريكية، وتجنب المواجهة المباشرة مع القوى الأمريكية والإسرائيلية، وذلك عبر تحويل الدول الخليجية إلى ساحة لتصريف الصراع.
أدى استهداف العمق الخليجي إلى الإضرار بالثقة المتبادلة التي سعت دول مجلس التعاون على بنائها على مدى السنوات الأخيرة، وقوضت سياسة " النأي بالنفس" عن تبعات الحروب العسكرية التي كانت تنتهجها دولها، فقد بددت هذه الضربات المباشرة وهم الحصانة السياسية والجغرافية. وتسبب التصعيد في تحول المزاج الشعبي العام، إذ تعزز لدى مواطني دول المجلس شعور متنام بأنّ القواعد الأمريكية لم تعد تمثل درعًا واقيًا، بل أصبحت تشكل عبئاً أمنياً جر دول المجلس إلى مواجهة لا دخل لهم فيها.
ألقت تلك الحرب بظلالها القاتمة على المشهد الاقتصادي الخليجي متجاوزة الخسائر المباشرة إلى ضرب ركائز الاستقرار المالي واللوجستي. وتمثلت القضية الأكثر تأثيراً في إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يتدفق عبره نحو 33 % من صادرات النفط العالميّة. ولم تتوقف أبعاد هذا الإغلاق على الصادرات الهيدروكربونية، بل امتدت لتشمل تعطل سلاسل الإمداد بعرقلة حركة الشحن للسلع غير المرتبطة بالطاقة والتي يُشكل جزءاً أساسياً من عصب التنوع الاقتصادي للدول الخليجية، مع زيادة تكاليف الشحن ورسوم التأمين. ولم يقتصر الأمر على إغلاق المضيق بل امتد إلى الاضطراب الذي حصل في المجال الجوّي وأدى في كثير من الأحيان إلى إغلاقه وإلغاء العديد من الرحلات الجوّية. لقد أضرت الضربة الإيرانية التي طالت جميع دول المجلس أيضًا، بسمعة الدول الخليجية كملاذٍ هادئ للإقامة، وآمن للاستثمار الأجنبي، وكمركزٍ نابض للحركة الجوّية العالمية.
- الانعكاسات الاقتصادية على دول المجلس
استهدفت الضّربات الإيرانيّة مفاصل النشاط الاقتصادي لدول المجلس وبنيته اللوجستية بشكل مباشر، مما ألحق أضرارًا جسيمة بمنشآت الطاقة والمطارات المدنية والموانئ البحرية. وأدت الضربات أيضًا إلى عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يعبر من خلاله نحو خُمس إمدادات النّفط الخام والغاز العالميّة. فعلى الصعيد الاقتصادي، قدّرت شركة ريستاد إنرجي تكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة في قطاع الطاقة بما يتجاوز 25 مليار دولار، فضلاً عن خسائر تتراوح بين 18 و20 مليار دولار من عائدات النفط والغاز جراء إغلاق المضيق. والأشد وطأةً أن التعافي من بعض هذه الأضرار قد يمتد لسنوات بصرف النظر عن الإمكانات المالية المتاحة، إذ قد تحتاج إعادة تشغيل مجمع رأس لفان في قطر إلى نحو خمس سنوات كاملة.
وتتوقع التقارير الحديثة تباطؤ معدل النمو في دول مجلس التعاون إلى 1.3 % في عام 2026م، مقارنة بـ 4.4% في 2025 نتيجة التوترات الجيوسياسية، فعلى الرغم من أن توقعات النمو الاقتصادي لدول المجلس في عام 2025م، أشارت إلى تحقيق نمو استثنائي وصل إلى 5.2% في الربع الثالث من العام نفسه، مدفوعًا بتطور القطاعات غير النفطية، والإصلاحات الهيكلية، وتسارع الابتكار الرقمي، فإن التطورات الحالية غيرت المشهد الاقتصادي. ووفقًا لأحدث إصدار من تقرير " المستجدات الاقتصادية لدول الخليج" – إصدار خريف 2025م، كان من المتوقع أن ينمو اقتصاد الإمارات العربية المتحدة بنسبة 4.8%، والمملكة العربية السعودية بنسبة 3.8%، والبحرين بنسبة 3.5%، وعُمان بنسبة 3.1%، وقطر بنسبة 2.8%، والكويت بنسبة 2.7%. إلا أنه اندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية- الإسرائيلية ترتب عليها أزمة اجتماعية واقتصادية حادة في جميع دول المجلس. أدى ذلك إلى تراجع التوقعات بشكل ملحوظ، وانخفاض معدلات النمو. وتشير التوقعات إلى أن معظم اقتصادات دول مجلس التعاون ستدخل في مرحلة ركود اقتصادي خلال النصف الأول من عام 2026 م. وذلك مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وما تسببت فيه من تعطيل لصادرات الطاقة، واضطراب في تدفقات التجارة وتراجع في النشاط الاقتصادي المحلي. وبحسب تقرير صادر عن أكسفورد إيكونوميكس، فقد تم تخفيض توقعات النمو للمنطقة بشكل حاد. حيث يتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 0.2٪ خلال هذا العام، بالمقارنة بتوقعات ما قبل الحرب التي كانت تشير إلى نمو يبلغ 4.4٪. ويعكس هذا الانكماش مزيجًا من العوامل، أبرزها انخفاض إنتاج النفط، وضعف الصادرات، وتراجع السياحة، وتراجع الطلب المحلي. ومع إغلاق المجال الجوي، وتعطل التجارة البحرية في مضيق هرمز، وتصاعد التهديدات المباشرة للأمن، تواجه المنطقة انكماشًا اقتصاديًا واسعا ينعكس على مستويات الإنتاج، وعلى الحياة اليومية وعلى بيئة الأعمال وإدارة الشركات.
وحيث أن غالبية دول المجلس تعتمد على النقل عبر مضيق هرمز لتصدير معظم إنتاجها من النفط والغاز- إذ يمر يتدفق عبره حوالي 14.7 مليون متر يوميا، أي ما يعادل 20٪ من إمدادات النفط العالمية-، فأن أي تعطيل في حركة الصادرات سيكون له تداعيات اقتصادية واسعة على المنطقة. ومن المتوقع أن يختلف حجم التأثير الاقتصادي بين دول المجلس تبعا لقدرة كل دولة على الحفاظ على تدفق صادراتها وإعادة توجيهها. فالدول الأكثر اعتمادًا على مضيق هرمز – مثل ذلك قطر والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة (إلى حد ما) – ستكون أكثر عرضة للضرر، نظرًا لمحدودية قدراتها التخزينية، وما يترتب على ذلك من اضطراها لخفض الإنتاج مع توقف الصادرات. وتعد قطر الأكثر تضررًا نظرًا لاعتمادها الكبير على الغاز الطبيعي المسال (LNG)، الذي يمثل حوالي 80٪ من إيراداتها التصديرية الهيدروكربونية. كما أن ارتفاع تكلفة تخزين الغاز الطبيعي المسال، تجعل تخفيضات الإنتاج خيارًا أكثر تفضيلًا خلال فترات تعطل التصدير، وهو ما ينطبق بدرجات متفاوتة على البحرين والكويت. وعلى النقيض من ذلك، يتوقع أن تحقق عمان والسعودية أداء أفضل نسبيا، بفضل قدرتهما على تجاوز مضيق هرمز أو إعادة توجيه صادراتهما.
وبناء على ذلك فمن المتوقع أن يتباين التراجع في معدلات النمو فيما بين دول المجلس في عام 2026 م. وتشير التقديرات إلى أن قطر ستكون الأكثر تأثيرًا، إذ قد ينخفض النمو في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 7.25 نقاط مئوية نتيجة التراجع الكبير في صادرات الغاز الذي يمثل العمود الفقري لاقتصادها. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية بين الدول الأكثر تضررًا، حيث يتوقع أن يتم خفض معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي لديها بنحو 3.3 نقطة في المتوسط، نتيجة التراجع في صادراتها النفطية، والتأثير السلبي على القطاعات الاقتصادية الأخرى. وعلى الرغم من امتلاكك الإمارات خيار استخدام خط أنابيب حبشان-الفجيرة. كمسار بديل لتجاوز مضيق هرمز، إلا أن قدرة هذا الخط محدودة، إذ لا يمكنه نقل سوى 0.4 ميجابايت في اليوم، وهو ما يعني عدم القدرة على تصدير 1.7 ميجابايت في اليوم من إجمالي الكميات المعتادة.
وتواجه كل من البحرين والكويت تحديات مماثلة، إذ يتوقع أن تشهد انخفاضًا في صادرات النفط خلال فترة الحرب، الأمر الذي انعكس على توقعات النمو. فقد تم خفض توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي للبحرين بمقدار 1.1 نقطة والكويت بمقدار نقطة واحدة نتيجة محدودية قدرتهما على تجاوز مضيق هرمز. أما السعودية ورغم اعتمادها الكبير على صادرات النفط، فأنها تتمتع بخيارات أوسع لإعادة توجيه الإمدادات، بالإضافة لعدم تأثر مجالها الجوي بالعمليات العسكرية، لذلك جاء خفض توقعات النمو محدودًا نسبيًا عند نقطة 0.5 مئوية. وفي المقابل من المتوقع أن تكون عمان الأقل تأثرًا بالأحداث الجارية، إذ أن جزءًا كبيرًا من صادراتها يتم عبر موانئ تقع خارج مضيق هرمز، مما يقلل من مخاطر الإغلاق أو تعطل الملاحة. كما أن مجالها الجوي لم يتأثر بالعمليات العسكرية، حيث تستمر مسقط في إدارة حركة نشطة من الرحلات الخاصة المستأجرة من وإلى المنطقة وهو ما يخفف حدة التأثيرات الاقتصادية المباشرة.
ويعد قطاع السفر والسياحة من القطاعات الهامة ضمن استراتيجيات دول مجلس التعاون الهادفة للتنويع الاقتصادي بعيدًا عن الهيدروكربونات. وقد أسهمت الاستثمارات الكبيرة في الفنادق وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الترابط بين مختلف الوجهات الإقليمية والدولية في دعم نمو القطاع وتعظيم عوائده في السنوات الأخيرة. غير أن الحرب ألقت بظلالها على القطاع، نتيجة إغلاق المجال الجوي وتوقف الرحلات القادمة والمغادرة في غالبية دول المجلس. فقد تم إغلاق المجال الجوي فوق كل من الكويت والبحرين وقطر، بينما قيدت دولة الإمارات جزءًا كبيرًا من رحلات الطيران. وفي المقابل لم تتأثر كل من السعودية وعمان بشكل كبير، إذ بقيت حركة الطيران لديهما أكثر استقرارًا. وتشير التقديرات أن دول المجلس ستشهد انخفاضًا بنسبة 11٪ في عدد الركاب القادمين في عام 2026، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 19 نقطة عن توقعات قبل الحرب. ومن ثم فإن تبعات الحرب حتمًا ستكون كبيرة على القطاع خصوصًا لو علمنا أن مساهمات قطاع السياحة في الناتج المحلي لكل من قطر والبحرين والإمارات تجاوزت 12% في 2024. أما الكويت وعمان والسعودية، ورغم أن مساهمة السياحة في اقتصاداتها أقل نسبيًا، فإن جميعها لديها طموحات كبيرة لتطوير القطاع وتعزيز دوره في النمو الاقتصادي المستقبلي.
على الصّعيد الآخر، كشفَتِ البيانات الرقمية عن خسائر واسعة النطاق، نتيجة تضرر المطارات وإغلاق الأجواء الخليجيّة، حيث أدى ذلك إلى إلغاء أكثر من أربعة آلاف رحلة جويّة يوميَّاً، وقد تكبَّدَتْ كبرى شركات الطّيران الإقليميّة خسائر بمليارات الدّولارات نتيجة التوقف شبه الكامل لحركة الطيران. وفي الوقت نفسه، شهدت حجوزات الفنادق تراجعًا حادًا في أغلب دول المجلس، رغم الاستثمارات الكبيرة التي ضخت خلال السنوات الماضية لتطوير البنية السياحية، واستقطاب الاستثمارات العالمية وتحويل المدن الخليجية إلى مراكز سياحية إقليمية وعالمية.
وأشارت التقارير أيضًا إلى أنه رغم أن بعض دول مجلس التعاون الخليجي ستشهد تحسنًا ملحوظًا في أوضاعها المالية العامة، فإن هذه المكاسب ستقتصر فقط على تلك القادرة على الاستمرار في تصدير النفط بأسعار مرتفعة. وفي المقابل، من المرجح أن تواجه دول أخرى تدهورًا في أرصدتها المالية نتيجة تعطل الصادرات، وتراجع الإيرادات. ومن المتوقع أن تسجل عمان أقوى تحسن في ميزانيتها، يليه تعديل إضافي قدره 6.8 نقطة مئوية في 2026 و3.2 نقطة إضافية في 2027، ومن المتوقع أيضًا أن تشهد السعودية مكاسب ملحوظة في إيرادات الحكومة نتيجة تدفق صادراتها النفطية.
كما انعكست تداعيات الحرب بشكل واضح أيضًا على قطاع الشحن البحري في دول المجلس، وأصبح ميناء جبل علي في دبي مؤشرًا حساسًا لهذه الاضطرابات، حيث ارتفعت تكلفة الشحن، وازدادت مدة النقل، ووفق رويترز، ألغت شركات تأمين بحري رئيسية تغطيات "مخاطر الحرب" للسفن العاملة في المياه الإيرانية ومحيط الخليج، ابتدأ من 5 مارس 2026م. ويعني ذلك عمليًا أن جزءًا من الأسطول التجاري سيواجه كلفة تأمين أعلى أو شروط تغطية أشد، مما يرفع تكلفة الرحلة الواحدة ويزيد من نزعة إعادة توجيه المسارات أو تجنب نقاط التوتر. ومن شأن ارتفاع كلفة الشحن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الاستيراد، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على القطاعات المعتمدة على التدفق السلس للسلع، بدءًا من الصناعات التحولية وصولًا إلى تجارة التجزئة.
- الدروس المستفادة من هذه الحرب والخيارات
أثبتت الحرب أنّ الدول الخليجية لا يمكنّها تجاهل احتمال اندلاع حرب أخرى، مع ما تحمله من تداعيات كارثية على اقتصادها المحلّي. ويحتم ذلك اتّخاذ تدابير لتعزيز المرونة الاقتصادية الإقليمية، بدءاً من تطوير قدرات صناعية محلّية في القطاعات الحيويّة مثل الغذاء والدفاع، مروراً بتنويع شبكات التوريد للمواد الأولية والمكوّنات الأساسية، وصولاً إلى توسيع البنية التحتية اللوجستية الإقليمية، مع توفير البدائل الاحتياطية المناسبة والقادرة على العمل في حالة الطوارئ. كما تبرز الحاجة إلى إنشاء مخزونات وطنية تكفل حماية المنطقة من الاضطرابات الواسعة النطاق في سلاسل التوريد. مع ضرورة إعادة تقييم ممارسات إدارة التوريد القائمة على مبدأ “التوريد عند الحاجة” بحيث تتم مراعاة مخاطر الانقطاع المحتملة. وعلى المدى البعيد، يتمثّل السبيل الأكثر فاعلية للحد من المخاطر الاقتصادية المرتبطة بتعطل ناقلات النفط في تسريع فصل الاقتصاد عن الصادرات الهيدروكربونية، وذلك بتعزيز مصادر الدخل البديلة. ويُفضَّل أن تتخذ هذه التدابير في إطار تعاون إقليمي مشترك، وهو ما لن يتحقّق إلاّ إذا تمكنت دول المنطقة من تجاوز الخلافات السياسية والاقتصادية المستمرّة، لا سيّما بين أكبر اقتصادين في الخليج العربي: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة.
لقد أصبحت الحاجة ملحة إلى إحياء روح التعاون المشترك ضمن مجلس التعاون الخليجي، وخاصةً في مجالَي الدفاع والاقتصاد، وقد تكون من النتائج الإيجابية غير المباشرة لهذه الحرب أنها أعادت إحياء الحافز لتجاوز الانقسامات والخلافات داخل المجلس، بما يمكن دوله من مواجهة المخاطر الخارجية بصورة جماعية. ويتطلب ذلك تنسيقًا أعمق في الإجراءات الاقتصادية، يشمل تطوير القدرات الصناعية المحلّية، وإنشاء مخزونات استراتيجيّة وتعزيز البنية التحتية وتنويع شبكات التوريد لضمان استمرارية تدفق السلع الحيوية في وقت الأزمات.
وفي الوقت نفسه، تبرز أهمية تنسيق العلاقات الدبلوماسية العالمية داخل مجلس التعاون الخليجي مع شركائها الدوليين، بما في ذلك الولايات المتّحدة وإيران وأعضاء مجموعة البريكس وغيرها، بهدف تعظيم النفوذ الإقليمي وتخفيف المخاطر مما يجعل التوازن الدبلوماسي ضرورة استراتيجية. وتبرز الحاجة الملحة إلى ضرورة بناء منظومة دفاع خليجي مشتركة، تقوم على مأسسة التعاون الخليجي في استراتيجيات الردع، وزيادة الاستثمار في القدرات الدفاعية، إدراكا لحقيقة أن القوة الناعمة لدول الخليج تحتاج قوة صلبة تحميها، دون الانزلاق إلى الاستفزاز أو العسكرة أو الوقوع في فخ تغيير الأولويات وفقًا لرغبات الخصوم وخياراتهم(برهومة:2026). وبذلك يصبح التعاون الخليجي المشترك على الصعيد السياسي، والاقتصادي والأمني شرطًا أساسيًا لتعزيز الاستقرار والقدرة على مواجهة التحديات الخارجية.
وختامًا على الرغم من تبعات الحرب والتوترات العسكرية الراهنة في المنطقة، لا تزال دول مجلس التعاون تحتفظ بمقومات اقتصادية صلبة تجعلها من أكثر مناطق العالم جذبًا للاستثمارات. ويعود التماسك الذي تظهره المنطقة إلى قاعدة الاستقرار المالي المتينة التي تتمتع بها دوله، والبنية التحتية ذات المعاير العالمية المتطورة، والمشاريع التنموية العملاقة التي تمنح المنطقة قدرة كبيرة على تجاوز الأزمات.






