شهد لبنان تحولاً دراماتيكياً سريعاً، نتيجة الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران، حيث تحول لبنان من دولة تعمل على حصرية السلاح وفرض هيبة الجيش ورسم سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، إلى مذبح حرب مفتوحة لمعركة الإسناد العسكري التي لم يتخذها، بل تورط فيها بقرار "حزب الله" أحد أذرع إيران في المنطقة، حيث انقلب الارتهان لأجندات خارجية غير وطنية إلى نحر لبنان اقتصادياً واجتماعياً وسيادياً، فاليوم تنكشف حقيقة الأثمان الباهظة التي يدفعها المدنيون الضحايا لمسار طويل من التبعية الإيرانية وجعل الوطن ساحة لحروب الآخرين على أرضه، حيث يدفع لبنان بأسره بكل أطيافه ومكوناته مرة أخرى، ثمن مسار لم يختره وقرار لم يتخذه.
أولاً- اقتصاد مُنهك بين الانهيار والصمود
يعاني لبنان منذ عام 2019م، من أزمة اقتصادية خانقة أخذت منحى دراماتيكي، حيث صنفت ضمن أسوأ ثلاث أزمات عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر وفقاً لتقرير مرصد الاقتصاد اللبناني الصادر عن البنك الدولي، فقد تدهورت قيمة العملة اللبنانية الوطنية مقابل الدولار ، وفقدت 98 % من قيمتها، بالإضافة إلى أزمة كورونا، وتلاها تفجير المرفأ (مجزرة مرفأ بيروت4/8/2020م) وموجة الاضطرابات والهجرة، كل ذلك ساهم في تحول القطاع الاقتصادي إلى قطاع منهك، بالرغم من التحسن الطفيف 2023م، وتدفق الأموال من الخارج وتحسن القطاع السياحي، إلا أنه انقلب رأساً على عقب عندما فتح حزب الله جبهة إسناد لغزة في 8/10/2024م، ودخل لبنان في دوامة الحرب والخسائر اللامتناهية.
ثم أدخل لبنان مكرهاً مرة أخرى، في حرب إسناد لجبهة إيران انتقاماً بعد اغتيال المرشد علي خامنئي بقرار منفرد اتخذه حزب الله في 1/3/2026م ، بالرغم من جميع التحذيرات من الرئاسة والحكومة اللبنانية بعدم زج لبنان في حرب ليست حربه، إلا أن عقيدة ولاية الفقيه أبت إلا بجر لبنان نحو الانتحار الجماعي في ظل الوضع الاقتصادي المنهار أصلاً، خاصة بعد أن تكبّد اقتصاده في جولات سابقة خسائر تقدّر بنحو 14 مليار دولار، مع انكماش اقتصادي وفقدان مئات آلاف الوظائف، وبطبيعة الحال مع اندلاع الحرب الإقليمية على إيران ونتيجة ارتباطه غير الرسمي بمحور الصراع، تضاعفت الكلفة بشكل شبه حتمي، بفعل العمليات العسكرية داخل لبنان.
وبالرغم من "النداء الإنساني العاجل" الذي أطلقه رئيس الحكومة نواف سلام مع الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش من السراي الحكومي في 13/3/2026م، بقيمة 308 ملايين دولار لدعم لبنان، إلا أن الأزمة الاقتصادية تتجاوز العجز البنيوي لتصبح رهينة المساعدات الخارجية الأممية والأوروبية لتفادي الانهيار الكامل، وهذا ما ننتظره عندما تنتهي الحرب ويوضع ملف تمويل إعادة الإعمار التي باتت تتجاوز الـــــــ 30 مليار دولار.
ثانياً- كلفة إنسانية تتجاوز الأرقام والحسابات العسكرية
تدفع الإنسانية دوماً أثمان باهظة، ويتحول المدنيون إلى وقود لتغذية الحروب، ففي لبنان تحول الإنسان بين قتيل وجريح بين نازح وصامد بين مؤيد ومعارض إلى مجرد رقم. حيث تجاوزت الكلفة الإنسانية تهجير ونزوح أكثر من مليون شخص، أي ما يقارب خُمس السكان، مع تدمير عشرات آلاف المنازل في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، كما بلغت الحصيلة الإجمالية للحرب منذ 2 مارس حتى 15 مايو 2026م، وفق مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة اللبنانية 2951 شهيدًا و8988 جريحًا.
لقد شهدت هذه الجولة الجديدة من العمليات العسكرية تكرار لمشاهد النزوح الجماعي نحو وسط العاصمة بيروت والمناطق الشمالية، بالإضافة إلى تدمير آلاف المنازل ومحو جغرافي وتغيير ديموغرافي للعديد من القرى الجنوبية، مع اتساع رقعة أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي شملت مناطق واسعة من الجنوب اللبناني. وقد وُصفت الأزمة بأنها من أسرع موجات النزوح وأكثرها قسوة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
تترافق الكارثة الإنسانية في لبنان مع أزمة طاقة عالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع بأسعار الوقود، وتراجع في القدرة الشرائية أمام ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية، مما يعكس تداعيات الحرب على إيران وجبهة إسنادها التي تجاوزت الإطار الجيوسياسي، بل تحوّلت إلى أزمة معيشية يومية داخل كل بيت لبناني.
كما تحولت المباني السكنية والمدنية إلى دروع بشرية، يستخدمها ضباط وعناصر "الحرس الثوري الإيراني" وفيلق القدس وحزب الله للتمويه والتواري عن الأنظار، عبر استغلال الفنادق والمباني السكنية كدشمة عسكرية والدخول إليها عبر جوازات سفر لبنانية مزورة، مما فاقم الأزمة الإنسانية من (الحازمية، الروشة، عين سعادة، عرمون، الباشورة...) خسائر مدنية لا تقدر بثمن، وكان آخرها يوم الأربعاء الدموي 8/4/2026 م، حيث تحول لبنان بأسره إلى كرة نار نتيجة 100 غارة إسرائيلية بأقل من 10 دقائق بذريعة استهداف 100 عنصر من حزب الله في اجتماع زووم، فكانت المجزرة الإنسانية التي أعادت للأذهان عملية البيجر وانفجار مرفأ بيروت.
يضاف إلى كل ذلك على الصعيد الاجتماعي، أن الحرب أعادت التعاطف الشعبي والتضامن، إلا إنها عمّقت الانقسام الداخلي حول مسألة ربط لبنان بالمحور الإيراني وبخيارات حزب الله وسلاحه، إذ تصاعدت أصوات تعتبر أن البلاد تُدفع مجدداً إلى "حروب الآخرين"، وأن المدني اللبناني أصبح رهينة صراع إقليمي يتجاوز قدرته على الاحتمال والصمود، وبين فئة تعتبر أن المقاومة واجب ديني وفق أجندة ولاية الفقيه غير آبهة بحرق البلد، المهم لديها هو بقاء السلاح خارج منظومة الدولة في عقلية دوغمائية إلغائية، هذا الجدل انعكس أيضاً في النقاشات الشعبية والإعلامية العربية على منصات التواصل الاجتماعي، حتى بات فتيل الفتنة يشتعل ويضرب التماسك المجتمعي ويهدد بحرب أهلية.
وبالتالي، في كل مرة يتحول المدنيون ضحايا لحروب لم يقرروها، ويخسر لبنان رأس المال البشري نتيجة هجرة الأدمغة أو تفجير الأدمغة أو قرصنتها بأجندات غير وطنية.
ثالثاً- إبادة بيئية تهدد القطاع الزراعي والأمن الغذائي
لا تقلّ الخسائر البيئية خطورة عن نظيراتها الاقتصادية والإنسانية، إذ تُخلّف الحروب ندوباً طويلة الأمد في الطبيعة قد تستمر لسنوات بعد توقف القتال. في الحالة اللبنانية، أدت الغارات الإسرائيلية والحرائق الناتجة عنها إلى تدمير مساحات واسعة من الغابات والأحراج، خصوصاً في المناطق الجنوبية، مما ساهم في فقدان التنوع البيولوجي وتدهور التربة. كما أن استهداف البنى التحتية، من محطات كهرباء ومصانع، وعمليات رش المبيدات السامة المحرمة دولياً، أدت إلى تسرّب مواد سامة إلى الهواء والمياه، مهددة الصحة العامة بما في ذلك القطاع الزراعي والأمن الغذائي.
حيث حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة وفق "التحليل الاستشرافي للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" الذي صدر بالتعاون بين منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي من احتمال تفاقم انعدام الأمن الغذائي في لبنان على خلفية الحرب بين إسرائيل وحزب الله، متوقعة أن تطال الأزمة أكثر من مليون و200 ألف شخص خلال الأشهر المقبلة.
ويتوقّع وفقاً للبيان "أن يواجه نحو 1,24 مليون شخص أي ما يقارب واحدا من كل أربعة أفراد من السكان الذين شملهم التحليل مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي تُصنّف ضمن مرحلة الأزمة، وذلك خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس 2026".
وأشار البيان إلى أن ذلك يعد "تدهوراً ملحوظاً مقارنة بالفترة الممتدة من تشرين الثاني 2025م، إلى مارس 2026م، حيث قُدّر عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد بنحو 874 ألف شخص أي (حوالي 17% من السكان)”. وأرجع التحليل هذا التدهور إلى "تفاقم عدّة عوامل من أبرزها النزاع المتجدّد والنزوح والتحديات الاقتصادية المستمرة".
ومن جانبها، أشارت ممثلة منظمة الفاو في لبنان، "نورا عرابة حداد" إلى أن نتائج التحليل تؤكد أن الصدمات المتراكمة تعمل على تقويض سبل العيش الزراعية وتؤثر سلباً على الأمن الغذائي، "مما يسلط الضوء على الحاجة الماسة لتقديم مساعدات زراعية طارئة لدعم المزارعين والحيلولة دون حدوث المزيد من التدهور".
كما أشار وزير الزراعة اللبناني "نزار هاني" إلى أن نتائج التحليل "تؤكد خطورة المرحلة التي يمرّ بها لبنان، حيث يتقاطع النزاع مع الضغوط الاقتصادية ليضع الأمن الغذائي الوطني أمام تحديات غير مسبوقة".
وتتفاقم هذه الأضرار في بلد يعاني أصلاً من هشاشة بيئية وضعف في إدارة الموارد، حيث يصبح التعافي أكثر تعقيداً وكلفة. فتلويث الأنهار والمياه الجوفية، وتراكم الركام والمواد الخطرة، يضعان لبنان أمام أزمة بيئية صامتة قد تتحول إلى كارثة مستدامة. ومع غياب خطط طوارئ فعّالة، لا تبدو البيئة مجرد ضحية جانبية للحرب، بل إحدى أبرز ساحات الخسارة التي ستثقل كاهل الأجيال المقبلة.
ثالثاً- لبنان ساحة لانتصارات وهمية وخسائر كارثية
تحوّل لبنان في خضمّ الحرب الإقليمية إلى ساحة تُسوَّق فيها "انتصارات" إعلامية وهمية، فيما تتراكم على أرضه خسائر كارثية يصعب احتواؤها. فبين خطاب الفتنة والتخوين الذي يربط ما يجري بمكاسب لمحور تقوده إيران، وواقع ميداني يكشف دماراً واسعاً وانهياراً متسارعاً، تتّسع الفجوة بين السردية السياسية والحقيقة المعيشية (القرى المدمّرة، الاقتصاد المنهك، والنزوح الواسع، الاحتلال القائم...) كلها مؤشرات تدل على أن ما يُقدَّم كـ "إنجاز" لا ينعكس استقراراً أو حماية داخلية، بل يترجم استنزافاً مفتوحاً للدولة والمجتمع.
في هذا المشهد، لا يبدو لبنان طرفاً منتصراً بقدر ما هو ساحة تُسجَّل عليها نقاط لصالح الآخرين، فيما يدفع هو الكلفة كاملة. وهكذا، تصبح "الانتصارات" المعلنة أقرب إلى أوهام سياسية، مقابل خسائر حقيقية تُهدّد بنية الدولة ومستقبلها، وتضع اللبنانيين أمام معادلة قاسية: ضجيج المكاسب في الخارج، وصمت الانهيار في الداخل وتهديد السلم الأهلي بشعارات التخوين والصهيونية لكل شخص سيادي يحلم ببناء لبنان، حيث أضحت الوطنية جريمة والعمالة قضية.
كما تكشف الحرب حقيقة موقع لبنان الجيوسياسي في المعادلة الإقليمية، ليس لاعباً مستقلاً بل ساحة اشتباك، فاندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أدت إلى إعادة تفجير الجبهة اللبنانية تلقائياً، بوصفها امتداداً عسكرياً للمحور الإيراني بسبب ميليشيا حزب الله، هذه التبعية الحزبية تطرح إشكالية قاسية: هل كل تصعيد في طهران سيُترجم دماراً في بيروت والجنوب؟
فبحسب التقديرات الإيرانية الرسمية والتقارير الاقتصادية الدولية حتى نهاية أبريل 2026م، فإن الحصيلة الإجمالية لخسائر إيران الناتجة عن الحرب والعقوبات والحصار تُقدَّر بنحو 270 مليار دولار كخسائر أولية مباشرة، في حين يدفع لبنان كلفة لا تتناسب مع حجمه الجغرافي والإنساني أو قدرته، فوفقاً لتقديرات الحكومية اللبنانية وتقارير اقتصادية وإعلامية حتى نهاية أبريل 2026م، فإن خسائر لبنان الناتجة عن حرب 2026م، تُعدّ من الأكبر في تاريخه الحديث، وجاءت على الشكل الآتي:
- أكثر من 1.2 مليون نازح داخل لبنان، أي نحو 20% من السكان.
- تدمير أكثر من 40 ألف منزل بشكل كامل في الجنوب والبقاع والضاحية.
- أضرار بمئات المدارس والمستشفيات والبنى التحتية والجسور والطرق.
- خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تُقدّر بين 5 و7 مليارات دولار كمرحلة أولية، مع تقديرات أوسع تتحدث عن أرقام أعلى بكثير قد تتجاوز 20 مليار دولار إذا استمرت الحرب وإعادة الإعمار الكاملة.
- خسائر يومية للاقتصاد اللبناني قاربت 100 مليون دولار يومياً خلال ذروة الحرب.
- انكماش متوقع للناتج المحلي اللبناني بين 12 و16% خلال عام 2026م.
- تراجع شبه كامل للقطاع السياحي بنسبة وصلت إلى 95 % وفق تقديرات النقابات السياحية.
- سقوط أكثر من 2000 قتيل و8000جريح بين مدنيين ومقاتلين بحسب المعطيات المتداولة وتقارير الحرب المفتوحة.
- توسّع رقعة الدمار لتشمل نحو 14 % من مساحة لبنان عبر أوامر الإخلاء والقصف والتدمير للقرى الجنوبية.
وبالتالي هذا الواقع، يعكس اختلالاً عميقاً في مفهوم تغليب "المصلحة الوطنية" على "الأجندة الخارجية".
رابعاً- من الإسناد والاستنزاف إلى القرار السيادي
يشكّل الانتقال من "الإسناد" إلى "الاستنزاف السيادي" أخطر تجليات المرحلة الراهنة، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً بدعم محور إقليمي تقوده إيران، بل بتحوّل هذا الدعم إلى عامل استنزاف داخلي مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بقرارها مما أدى الى (تآكل سلطة الدولة، تعميق الانقسام الداخلي عبر حملات التخوين، إدخال لبنان في صراعات لا يملك أدوات إدارتها).
وفي هذا السياق، جاء قرار الحكومة اللبنانية التاريخي والجريء بحظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية واعتبارها خارجة عن القانون وتأكيد أن قرار السلم والحرب هو بيد الدولة اللبنانية حصراً ليعكس محاولة مستمرة لاستعادة جزء من السيادة المفقودة، بعد أن باتت البلاد منخرطة فعلياً في حرب مفتوحة لم تقرّرها مؤسساتها الدستورية.
لعل أبرز الخطوات التي بدأت تضع حداً للسطوة الإيرانية على لبنان، هو قرار وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية بطرد السفير الإيراني من لبنان واعتباره غير مرغوب به، بالإضافة إلى فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني خاصة بعدما حاولت إيران زج ورقة حزب الله في المفاوضات مع الجانب الأميركي في إسلام آباد، فكان القرار الرئاسي الحاسم والجازم من رئيس الجمهورية جوزيف عون في جلسة الحكومة 9/4/2026م: " أننا دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض، ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا، فنحن لنا القدرة والإمكانيات للتفاوض، وتالياً لا نريد أن يفاوض أي أحد عنا، هذا أمر لا نقبل به"، وترافق مع قرار الحكومة "بيروت منزوعة السلاح"، وتأكيد الرئيس عون على المبادرة التي أطلقها في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية لوقف النزف اليومي الحاصل.
وهذا الحدث ترافق مع موافقة الجانب الإسرائيلي على فصل الورقة اللبنانية عن المسار التفاوضي الأمريكي – الإيراني، وبالفعل هذا ما تحقق في أول لقاء يوم الثلاثاء 14/4/2026م، جمع سفيرة لبنان في واشنطن وسفير إسرائيل في واشنطن وسفير أمريكا في لبنان برعاية أمريكية في وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، وما تلاها من اجتماع بين الجانبين في 23/4/2026م، بالبيت الأبيض حضره الرئيس ترامب الذي أعلن عن تمديد وقف إطلاق النار لمدة 3 أسابيع تحضيراً لاستضافة رئيس الوزراء الإسرائيليّ نتنياهو، والرّئيس اللُّبنانيّ عون، مما يعكس حجم التحول الجذري في إدارة الصراع، إذ يعني عملياً الانتقال من ربط المسار اللبناني بحسابات إقليمية أوسع، لا سيما المرتبطة بـإيران، إلى محاولة استعادة استقلالية القرار التفاوضي. هذا الفصل لا يقتصر على كونه إجراءً تقنياً، بل يحمل أبعاداً سياسية وسيادية عميقة، حيث يسعى إلى إعادة تعريف موقع لبنان من ساحة ضمن محور إلى طرف يسعى لحماية مصالحه الوطنية المباشرة.
غير أن هذا التحول بالرغم من أهميته السياسية، يطرح تحديات معقّدة ويضع الدولة أمام اختبار في ظل التشابك العميق بين البعد الأمني والسياسي، أبرز هذه العقبات مدى قدرة الحكومة على فرض وتنفيذ قراراتها في ظل توازنات داخلية هشة ووجود قوى داخلية مرتبطة عضوياً وعقائدياً بالمحور الإقليمي، وفي مقدمتها حزب الله. فنجاح هذا المسار يتوقف على توازن دقيق بين الضغوط الدولية والإقليمية من جهة، وإرادة داخلية حقيقية لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة من جهة أخرى. حيث يصبح استرجاع السيادة بحد ذاته معركة داخلية لا تقل صعوبة عن المواجهة الخارجية. وبين الطموح بالتحرر من الارتباطات الخارجية وواقع التشابك القائم، يقف لبنان أمام مفترق طرق وقرار حاسم يحدد مستقبله: إما تكريس هذه المرحلة المفصلية في تاريخه كمدخل للإنقاذ، أو بقاؤه خطوة شكلية تصطدم بوقائع الارتهان والميدان.
كلفة الارتهان ونحر لبنان
ما تكبّده لبنان نتيجة الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران لا يمكن قراءته كخسارة ظرفية، بل كحصيلة مسار سياسي طويل لسطوة إيرانية على لبنان، فمن الإسناد العسكري والسياسي الذي تبناه حزب الله لمحور إقليمي، وتحويل لبنان إلى ساحة مواجهة لأجندة خارجية، وصولاً إلى دفع أثمان تفوق قدرته على التحمل، تبدو النتيجة واضحة: لبنان لم يربح في الحرب، ولم يكن شريكاً في قرارها، لكنه الخاسر الأكبر وحده من دفع كلفتها الباهظة كاملة.
وفي ظل غياب مراجعة حقيقية لهذا المسار، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما جرى هو ذروة الخسارة لانهيار ما سمي محور "المقاومة والممانعة"؟ أم مجرد بداية لولادة لبنان الجديد وبناء دولة مؤسسات وقانون تتمتع بالسيادة؟






