array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 222

تمتلك الدولة الحديثة قوة لا تُقاس بالعدة والعتاد للحفاظ على استقلالها وسيادتها وذودها عن مصالحها

الأحد، 31 أيار 2026

الحرب الأخيرة، في منطقة الخليج العربي، بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، أفرزت متغيرات. وقائع على الأرض، وربما تُحدث تحولات عميقة في قيم ومؤسسات النظام الدولي، من حيث إحداث تغييرات جذرية في بؤر وأقطاب مكانة الهيمنة الكونية، بدءاً وليس انتهاءً من منطقة الشرق الأوسط، وبالذات منطقة الخليج العربي. لكن من أبرز تبعات هذه الحرب التأكيد على وضع الدولة القومية الحديثة، التي تعود نشأتها الأولى إلى منتصف القرن السابع عشر بموجب مقررات مؤتمر صلح وستفاليا ١٦٤٨م، الذي أنهى الحروب الدينية في أوروبا، التي استمرت ثلاثين عاماً (١٦١٨-١٦٤٨م). أرسى جملة معاهدات ومنها مبدأ السيادة الوطنية للدول والمساواة فيما بينها. ووضعت أسس النظام الدولي القائم على عضوية الدولة القومية الحديثة، المستقلة وذات السيادة، موكلاً إياها احتكار القوة واستخدامها، لحماية أمنها والذود عن إقليمها ووحدة أراضيها، وأعطاها وحدها حق الدفاع عن نفسها، بما في ذلك حق اللجوء للحرب، ليس للتوسع، ولكن للدفاع والحفاظ على وحدة ترابها الوطني، واستقلال قرارها.

تعزيز مكانة الدولة القومية الحديثة

في الوقت الذي تتطور فيه تحديات لمكانة ووضع الدولة القومية الحديثة تصل لحد التشكيك في مشروعيتها والجدل حول وجودية وكينونة خيارها القومي، في النظامين الإقليمي والدولي.. والتساؤل حول مستوى كفاءتها وفاعليتها السياسية والأمنية، مقارنة بخيارات أخرى، مثل: صروح التكامل الإقليمي الكبرى.. والعودة لتجربة الأمة الواسع والمتنوع وتاريخية.. الإمبراطوريات التي تقتات على التوسع والتغلغل خارج نطاق مركزها الإقليمي، على أسس تاريخية أو قومية أو دينية. بالإضافة إلى التحديات الداخلية لاستبدال نموذج الحكومة الوطنية، بجماعات عرقية أو دينية أو قبلية غير منظمة، تتحدى مكانة السلطة الوطنية في الدولة (الحكومة)، التي تؤسّس شرعيتها على إرادة الناس وخياراتهم، وتظل مؤسساتها ورموزها السياسية، تحت مراقبة ومحاسبة دقيقة، من قبل منظمات المجتمع المدني الكفؤة الفعالة العاكسة لإرادة الناس الحرة وخياراتهم السياسية المستقلة، وفقاّ لميولهم السياسية ومستوى توقعاتهم من مخرجات النظام السياسي القائم.

هذا بالإضافة إلى ظهور تنظيمات غير نظامية، داخل الدولة القومية الحديثة، تقوم على عقيدة معاداة ومناهضة الدولة، بوصفها الخطر الرئيس على الحريات الفردية والجماعية، حتى ولو زعمت أن شرعية وجودها تقوم من أجل صيانة الحقوق الطبيعية والمكتسبة لأفراد الجماعة السياسية (الشعب).  

رغم هذه التحديات والصعاب الداخلية والخارجية لم تظهر القوة الحقيقية لنموذج الدولة القومية الحديثة، منذ إنشائها عقب صلح وستفاليا ١٦٤٨م، إلى اليوم، كما أظهرته حرب الخليج الرابعة الأخيرة، التي كانت شعلة فتيلتها الأولى أحداث السابع من أكتوبر ٢٠٢٤م، عندما أهوت المقاومة الفلسطينية بـ "السلام" الهش، وحالت دون إتمام مظاهر زيفه، بسيادة ما يُطلق عليه مشروع أبراهام، تتويجا لهيمنة إسرائيل على المنطقة، على المستوى الجيوسياسي الأوسع، بإقامة إسرائيل الكبرى.

ليس هذا التوسع الجغرافي لمشروع إسرائيل الكبرى يروي ضمنا الشراهة التوسعية للدولة العبرية، ولن يوقف مطامع إسرائيل التوسعية، تطبيقاً لمقولة المؤسس الأول للدولة العبرية  ديفيد بنوجرين (١٨٨٣-١٩٧٣م) عندما قال: الدولة التي لا تتوسع تموت!  معادلة نشاز تتحدى أسس وقيم الدولة القومية الحديثة، التي تقوم على سيادة الدولة بترسيخ مبدأ الدفاع عن النفس، لحفظ حمى الدول، لا التوسع الإقليمي على حساب سيادة الدول الأخرى، الذي هو المبرر الوحيد الذي أقره القانون الدولي، للجوء إلى القوة خيار الحرب، لتسوية ما ينشأ من خلافات بين أعضاء النظام الدولي لا العودة لحق الغزو، كأساس لنشأة الدول وتوسعها.  

أي استخدام للقوة خارج هذا النطاق الضيق لمشروعية الحرب السياسية والأخلاقية المحصور تحديداً في مبدأ الدفاع المشروع للدولة عن النفس، لا يمكن تبرير أي استخدام أرعن للقوة لمجرد التوسع، فحق الغزو أوقف العمل به عملياً وقانونياً وسياسياً وأخلاقياً، بانتهاء الحروب الكونية الحديثة؛ الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٥م) والحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥م).

منذ صلح وستفاليا، الذي أنشأ الدولة القومية الحديثة، وحتى اليوم، يُعتبر الكيان الإقليمي للدولة حمىّ مقدساً، حتى الحروب العظمى، غير قادرة على العبث بالكيان الإقليمي للدولة. كل حرب نشبت تقريباً، منذ ذلك الوقت، تُرجع الحدود الجغرافية للدول، إلى خطوطها الأولى التي بدأت منها الحرب، دون أي تعديلات جوهرية في مساحة أقاليم الدول المتحاربة، أو تلك الذي فرض عليها وضعها الجيوسياسي، أن تكون ضمن خطوط النار المتبادلة، للدول المتحاربة، أو بين مناطق منافذ الأقطاب الدولية المتنافسة على مكانة الهيمنة، ضمن تخوم بؤر الصراع تلك، مهما بلغ مستوى عدم استقرارها وهشاشة وضعها الأمني.  

الحروب الكونية العظمى، التي تحسم مكانة الهيمنة الكونية للدول الكبرى، بإسقاط نظام دولي قائم واستبداله بنظام دولي جديد، لا تقترب مطلقاً من الحدود الإقليمية للدول، حتى الدول الكبرى التي أنشأت كيانات دولية عظمى باستخدام حق الغزو، أو لمجرد ركوب موجة الثورات الفوضوية العابرة للحدود، بداية القرن العشرين، إما عن طريق القوة أو الضم والإلحاق القسري لأقاليم مجاورة عادت قبل أن ينتهي القرن، إلى حدود سيادة هذه الإمبراطوريات التوسعية القديمة، متخليةّ عن مكاسبها الإقليمية الطارئة.  انهيار الاتحاد السوفيتي على اعتاب العقد التاسع من القرن العشرين، إعادة تاريخية واقعية لمبدأ سيادة الدول على تراب أراضيها ووحدتها واستقلالها، بعد آخر توسع للإمبراطورية الروسية الحديثة.

مُسَلّمةٌ تاريخية في العلاقات الدولية.. نموذج إسرائيل وحروب الخليج العربي

لماذا نذهب بعيداً. لدينا في الشرق الأوسط أمثلة على قدسية مبدأ سيادة الدول على إقليمها، وأن الحروب تظل سلوكاً عدوانياً، لا يمكن قبوله أو الإقرار بنتائجه المترتبة على استخدام القوة لتحقيق مكاسب على حساب سيادة واستقلال ووحدة أراضي الدول.

إسرائيل دولة تعكس حقيقة جيوسياسية المنطقة وتأريخيتها وثقافة شعوبها، غير كونها كيان من سقط متاع النظام الدولي، ليس له مشروعية إقليمية وبلا هوية دولية، تظل أبد الدهر يُشكك في وجودية كيانها، بوصفه كيان دخيل على جيوسياسية وتاريخية وثقافة شعوب المنطقة أقيم قسراّ، في غفلة من حركة التاريخ، في منطقة لا ينتمي إليها لا تاريخياّ ولا جغرافياّ، بأبعادهما التضاريسية والإنسانية.

لو تجاوزنا كل تلك الحقائق فيما يخص مشروعية وجود إسرائيل، واعتبرناها افتراضاّ دولة فرضت القوة وجودها لدرجة قبول النظام الدولي بها عضواّ ضمن مؤسساته تجري عليها قيم مشروعية وجودها، فإن إسرائيل لم تفرض وجودها في المنطقة بقوة واقع وجودها.. ولم تستطع بالقوة وحدها.. كما لم تستطع بواقع وجودها القسري أن تُلغي حق الشعب الفلسطيني في أرضه. الشعب الفلسطيني شأنه شأن أي شعب تحرر من ربقة الاستعمار، بوسائل النضال، بما فيها القوة، حتى لو واقع القوة فرض على بعض دول الإقليم الاعتراف بالدولة العبرية، بل أكثر: كما أفرزته الحرب الأخيرة، تجاوز بعض الدول تجاوزت مرحلة الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، إلى مرحلة التحالف معها والحرب تحت لوائها في خندقٍ واحد!؟

إسرائيل هذه لم تعترف كثير من دول العالم بها خارج نطاق قرار التقسيم الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م، رغم إجحاف ذلك القرار بحقوق الشعب الفلسطيني، غير القابلة للتصرف، ومساومته على استقرار المنطقة وتضحيته بسلام العالم، مبادى وقيم أُسس عليها نظام الأمم المتحدة، عقب الحرب الكونية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥م).

بل أن إسرائيل منذ قيامها لم تستطع أن تشرعن لخططها التوسعية، ولم تستطع عن طريق القوة أن تحتفظ بمكاسبها التوسعية بعد أربع حروب نظامية متناظرة خاضتها ضد جيرانها العرب. سبق وقلنا: أن العالم لم يعترف بما وراء حدود قرار التقسيم للدولة العبرية، بالذات احتلالها لمدينة القدس، وكأمل أرض فلسطين التاريخية، عقب حرب الأيام الستة يونيو ١٩٦٧م.

بالرغم عن نتائج تلك الحروب، التي يمكن القول إن إسرائيل انتصرت فيها جميعاّ ضد العرب، لم تستطع أن تشرعن توسعها الإقليمي عقب تلك الحروب، بل لم تستطع أن تحتفظ بالكثير من الأراضي العربية التي احتلتها في تلك الحروب، بالذات حرب ١٩٦٧م. مصر استعادت سيادتها على كامل سيناء. كما أُجبرت إسرائيل إذعاناّ الاعتراف بوجود فلسطيني في الضفة الغربية وغزة، بموجب اتفاقات أوسلو، بعد أن كانت إسرائيل تنكر بصورة قاطعة وجود أي شيء يطلق عليه فلسطين، لا بشراّ ولا أرضاّ، اعترفت بوجود فلسطيني ضمن حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧م. كما لم يعترف العالم، سوى أمريكا، وفي ذيلها دولاّ هامشية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، بضم القدس ونقل سفارتها إليها.

العالم كذلك لم يعترف بضم هضبة الجولان السورية لإسرائيل، سوى واشنطن. المحصلة: العالم لم يقر بدايةّ قيام إسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين. حتى وعد بلفور (٢ نوفمبر ١٩١٧م)، الذي كان إرهاصاّ مبكراّ بقيام إسرائيل ذكر في متن نصه شرطاّ، وإن كان متناقضاً ومتهافتاّ: ألا يُضار بهذا الوعد حقوق الشعب الفلسطيني في أرض فلسطين التاريخية.  

تجارب حية من منطقة الخليج العربي

تأكيداً لمبدأ قدسية سيادة الدولة على إقليمها، كأساس لاستقرار أي نظام دولي، تطل منطقة الخليج نموذجاً حيوياً متجدداً لتأكيد مبدأ سيادة الدول على أراضيها وتجريم أي اعتداء عليها أو إحداث تغيير قسري على تغيير تضاريس واقعها الجيو سياسي، خارج إرادة دولها الحرة.  

خبرة الصراعات في منطقة الخليج، بدءاً من حرب الخليج الأولى، التي استمرت ثماني سنوات (سبتمبر ١٩٨٠-أغسطس ١٩٨٨م)، انتهت بعودة الجيوش المتحاربة إلى سابق عهدها عند اندلاع شرارة تلك الحرب في الأول من سبتمبر ١٩٨٠م، دون نقص أو زيادة في مساحة إقليمي الدولتين المتحاربتين.

في الثاني من أغسطس ١٩٩٠م، غزا العراق الكويت، محتلاّ لدولة عضو في الأمم المتحدة والجامعة العربية، ماحياً هويتها وكينونتها الدولية، بحجة عودة الفرع إلى الأصل، في إيماءة استراتيجية بعودة حق الغزو أو الضم أو الإلحاق، الذي رفضها جميعاً النظام الدولي، قانونياً وأدانها سلوكاً، عقب الحربين العالميتين.

حقيقة قدسية السيادة الإقليمية للدولة القومية الحديثة على أراضيها، وتبرير أي إجراءات تتخذها لضمان الحفاظ على أمنها وسلامة إقليمها ووحدة أراضيها، بما فيها اللجوء لخيار الحرب دفاعاّ عن النفس، تصل لمستوى المسلمة غير القابلة للتصرف، في تاريخ العلاقات الدولية.

الحرب مقابل الصمود

نأتي لتجربة الحرب الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، في 28 فبراير الماضي شنت إسرائيل وأمريكا هجمات على إيران، استهدفت في أيامها الأولى مؤسسات ورموز السلطة، انتهت باغتيال المرشد علي خامنئي وعدد من رموز النظام في الموجة الأولى من الهجمات الجوية. تذرعت أمريكا وإسرائيل، باستهداف مشروع إيران النووي والحيلولة دون تمكن إيران من إنتاج قنبلة نووية. سبق هذه الموجة الأخيرة من الهجمات، ما أطلق عليه حرب الـ ١٢ يوماّ (١٣ إلى ٢٤ يونيو ٢٠٢٥م). 

الهجمات الأمريكية / الإسرائيلية ضد إيران، تصل للحرب، حتى أن البعض أطلق عليها حرب الخليج الرابعة، رغم كونها حرباً عن بعد، ولم تتطلب، إلى كتابة هذا المقال، التحاماً مباشراً بين جيوش، ولا تخطّي لحدود مشتركة بين المتحاربين. إن الموجة الأخيرة وإن كانت تقتصر على التراشق عن بعد، إلا أنها طالت دول غير متحاربة فرض عليها واقعها الجيوسياسي أن تكون وسط النيران، تصلها نيران الحرب سواء بتعمد، إما لجذبها لمعمعة القتال، أو الضغط عليها لتحديد موقفها من الحرب، ربما من أجل بناء مواقف ما بعد الحرب تجاه الأطراف المتحاربة.

لكن هذه الحرب مهما أسفر عنها من حسابات الخسارة والكسب من قرار التورط فيها، إلا أنها أظهرت محدودية عنصر القوة في مواجهة صمود ومقاومة التصدي لها.

الحرب، إلى الآن لم تنجح في ادعاء الجانب الذي بدأ بشنها، أنه بإمكانه إعلان النصر، وتحقيق أهدافه من شنها، بدايةّ. لم تعلن لا أمريكا ولا إسرائيل، إلى الآن أنهما حقّقتا هدفهما الأساسي من الحرب. إيران تظل في إمكانها إيصال عنف الحرب إلى عمق إسرائيل مع توسع المواجهة إقليمياً.

الحرب أبرزت مكانة الموقع الجيوسياسي، لمسرح القتال. المتغير الجيوسياسي يخدم الموقف الإيراني بتوفير قيمة ردع مضافة بإطلالة إيران، على مضيق هرمز، حيث تعبر منه ٢٠٪؜ من واردات العالم من النفط، مع كميات ضخمة من الغاز. إيران تتمتع بإطلالتها على مضيق هرمز ما يمكنها من التحكم في العبور، بما يفوق قدرة الأسطول الأمريكي، كسر هذا التحكم في حركة الملاحة. حتى محاولات فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، لم ينجح، ما قاد لتعليق مشروع الحرية لتحرير حركة التجارة العالمية عبر هرمز بالقوة، بدءاً بتحرير السفن العالقة بالمضيق. مشروع لم يصمد، ليوم واحد، وتم إفشاله، كما ذكرت صحف أمريكية، مثل شبكة NBC التلفزيونية وصحيفة الـ Washington Post، من قبل دول مؤثرة في المنطقة، خاصة: السعودية، رفضت منذ البداية جرها لهذه الحرب، التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل. 

ثم أن الحرب، لم تنجح باستهداف نظام إيران فيما أشير إليه بتغير النظام السياسي الإيراني من الداخل. من المعروف أن عنصر الدولة الثالث هو الحكومة الوطنية، التي تحتكر القوة لحفظ أمن للدولة. إسقاط النظام الداخلي للدولة أو تغيره، خارج إجراءات وممارسات سياسية داخلية، تعكس إرادة الناس من شأنه إسقاط الدولة، نفسها، في نهاية المطاف.

الحرب، لم تنجح في إسقاط النظام الإيراني، بالرغم من صعوبات حادة تنال من شرعيته وأخرى لها علاقة بكفاءته في ممارسة السلطة ورضاء الناس، التي لها علاقة مباشرة في قدرة النظام، وربما إرادته، في إشباع حاجات الناس من خلال مسؤولياته ومهامه الوظيفة، في استخدام موارد البلاد، في إشباع تلك الحاجات، وتوزيعها توزيعاً عادلاً بين فئات الشعب.

الخاتمة

أظهرت الحرب، مدى صمود نموذج الدولة القومية في مواجهة التحديات، سواء من البيئة الداخلية، أو البيئة الخارجية. كما تظهر الحرب عبثية قرار اللجوء إلى خَيارها، مهما بلغ مدى القوة التي حشدت من أجل تنفيذ أهدافها، بعيداً عن الحق المشروع لاستخدامها قانونياً وسياسياً وأخلاقياً، دفاعاً عن النفس. بعبارة أخرى: خارج نطاق حق الدفاع عن حياض ووحدة تراب إقليم الدولة، لن تتمكن أي قوة مضادة مهما تمتلك من موارد القوة القاهرة، إلا أنها تبقى قوة غاشمة، في كثيرٍ من الأحيان تخفق في تحقيق أهدافها.

في الجانب الآخر تمتلك الدولة القومية الحديثة من موارد القوة الحقيقية، التي لا تُقاس بالعدة والعتاد المادي الذي يُخَيلُ للكثيرين أنه لا يُقهر في ميادين القتال، ولكنه كافٍ للحفاظ على استقلالية الدولة وسيادتها على حمى أرضها ودفاعها عن شعبها، وذودها عن مصالحها الداخلية منها والخارجية.

إذا ما وازنا، بصورة موضوعية وقسنا الأمور بمعايير قياس حقيقية، نصل لنتيجة مؤداها أن القوة المادية الجبارة، ليست ذات معنى خارج نطاق الردع الدفاعي المشروع، في الدفاع عن حياض الوطن، وليس هناك مجال للقوة الغاشمة، مهما كان جبروت إمكاناتها أن تنال من العزيمة الدفاعية لبلدان تكمن إرادتها الرادعة في استعدادها لصد أي اعتداء خارجي النيل من سيادة الدول واستقلال قرارها، ويحول بينها دون بذل الغالي والرخيص ذوداً عن تراب إقليمها.

هناك حدود للقوة، بينما المجال متسع لمقاومتها والتصدي لها، عندما تحيد القوة عن مشروعية وعقلانية استخدامها. ولنا في تاريخ العلاقات الدولية، شواهد على هذه الحقيقة آلتي تصل لمستوى المسلمة.

مقالات لنفس الكاتب