بعد أن توقفت الحرب الإيرانية، ودخلت مذكرة التفاهم الأمريكية / الإيرانية حيز التنفيذ على أن تبدأ مفاوضات لمدة شهرين بين واشنطن وطهران لبحث النقاط الجوهرية تمهيدًا للخروج باتفاق دائم حول القضايا التي ظلت محور الصراع بين البلدين لسنوات عديدة ومن بينها الملف النووي الإيراني، ثم جاءت ورقة مضيق هرمز التي جرى استخدامها كورقة ضغط من جانب إيران في الحرب الأخيرة، إضافة إلى قضايا أخرى كرفع العقوبات عن إيران والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة بموجب قانون العقوبات الأمريكية / الغربية، أي أن الحوار يجري بين طرفي الصراع فقط، ودول مجلس التعاون تترقب تناول ملفات أخرى مهمة لها كبرنامج الصواريخ الباليستية والمسيرات والميليشيات وغير ذلك من عوامل الاستقرار الإقليمي.
وانطلاقًا من نتيجة المفاوضات النهائية، والتقارب المحتمل بين واشنطن وطهران، والبناء على النتائج التي تمخضت عن الحرب وما تضمنته مذكرة التفاهم، لن تعود العلاقات الأمريكية / الإيرانية كما كانت في فترة الصراع، وسيشهد المستقبل تغييرات جوهرية نابعة من متغيرات داخلية إيرانية، وأخرى فرضها الواقع الخارجي الجديد، ففي الداخل الإيراني تشير التوقعات إلى تحول طهران من أيدولوجية دينية متشددة وسيطرة للملالي على صناعة القرار وحكم شديد المركزية للولي الفقيه، إلى مرحلة حكم جديدة تكون فيها الغلبة للحرس الثوري الإيراني وعسكرة صناعة القرار ويعود ذلك لقوة الجناح العسكري وتراجع قوة الجناح الديني المتشدد في الحكم لأسباب تتعلق بالمستجدات الداخلية، وتوجهات وقدرة وإرادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي وصعود دور الحرس الثوري، إضافة إلى تأثير المتغيرات الخارجية وسياسة العصا والجزرة التي تتبعها واشطن حيال طهران، سواء برفع العقوبات، أو تقليم أظافر البرنامج النووي أحد أهم الأوراق التي استخدمها النظام الإيراني لسنوات، وإضعاف القوة العسكرية الإيرانية، كما تأكدت طهران من عدم وجود الدعم الصيني أو الروسي الذي كانت تعول عليه كثيرًا في حربها الأخيرة لكن لم يأت.
وتأكدت إيران من حاجتها لدول مجلس التعاون الخليجي في إعادة الإعمار، أو الاستثمار وتطوير قدرات الدولة في مسارات التنمية، وفي مجال الطاقة، وفي غضون ذلك تقف دول مجلس التعاون على حقيقة احتياج طهران لها وتعمل بطريقة متوازنة للتعامل مع طهران سواء فيما يتعلق بالحفاظ على التوازن الاستراتيجي وتثبيت قوة الردع (الدفاعي) في المنطقة، أو التعاون المستقبلي إذا تطلبت الظروف ذلك، وإذا تغيرت السياسة الإيرانية تجاه دول الجوار، وهنا يجب على إيران انتهاج سياسات إيجابية تجاه دول الجوار وتتخلى عن موروث الثورة الأيديولوجي وعن دعم الميليشيات المسلحة والتدخل في شؤون دول الجوار وعدم تغذية النعرات الطائفية.
لكن المؤكد أن التعامل مع متطلبات المرحلة الحالية يفرض التعاون الإقليمي القائم على التوازن واحترام الخصوصيات وتقليل حدة التنافس أو الصراع، وتحويل معطيات الجغرافيا إلى حوافز للوفاق والتوجه نحو الاستقرار والتنمية بما يفيد الشعوب ويخدم التنمية في إطار تنسيق إقليمي والاستفادة من التعاون مع الدول الكبرى، وهنا يأتي دور مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية.. مجلس التعاون مناط به تكثيف العمل الجماعي الخليجي لتوحيد الجهود وبناء استراتيجية جماعية عملية وواقعية تقوم على عدة محاور لزيادة التكامل والتنسيق الخليجي والتعامل الجماعي وتناغم الأدوار مع قضايا منطقة الخليج خاصة فيما يتعلق بالدفاعات الجماعية، وتطوير مشروعات النقل والممرات البديلة لتأمين إمدادات الطاقة وقت الأزمات، مع ضرورة وجود خطاب سياسي وإعلامي موحد للتعامل مع القضايا الإقليمية والدولية.
وجامعة الدول العربية مطالبة بالتعامل مع القضايا العربية والإقليمية من منظور جديد ودور أكثر فعالية وتأثيرًا خاصة مع تولي الأمين العام الجديد السفير نبيل فهمي سدة الأمانة العامة للجامعة، هذا التعيين الذي وجد ارتياحًا وترحيبًا عربيًا، ووصف خبراء الدبلوماسية العربية بأن السيد نبيل فهمي ينتمي للمدرسة الواقعية وأنه ليس رجلًا تصادميًا، بل رجلًا توافقيًا، وهذه الصفات سوف تنعكس بالإيجاب على العمل العربي المشترك الذي يحتاج إلى التوافق في هذه المرحلة الذي خفت فيها تأثير العمل العربي المشترك إن لم يكن تلاشى، لذلك تحتاج الجامعة العربية إلى وقفة جادة للمراجعة وتحديد مواطن الإخفاق ومعالجتها، والبحث عن المواطن الإيجابية وتعظيمها، وكذلك وضع مفهومًا جديدًا للتحديات التي تواجه الدول العربية والتعامل معها بواقعية مع اختلاف هذه التحديات من منطقة إلى أخرى ومن دولة عربية إلى غيرها، من أجل النهوض بالعمل الجماعي العربي الذي ليس في أحسن حالاته، بل يمر بمنعطف تاريخي، ما يتطلب التعامل برؤية جديدة مع القضايا العربية






