أظهرت حرب الأربعين يومًا 2026م، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أن طهران قامت بتحويلها إلى حرب مفتوحة متعددة الساحات، كما بدا واضحاً أنها لا تدير الصراع بوصفه مواجهة تقليدية محصورة بجغرافيتها الوطنية، إنما بوصفه معركة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية عبر توزيع ساحات الاشتباك وتوسيع دوائر الضغط؛ وفي قلب هذه الاستراتيجية برز العراق باعتباره الحلقة الأكثر حساسية والأكثر قابلية للاستخدام ضمن العقيدة الأمنية الإيرانية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الممتد للخليج العربي، بل بسبب الطبيعة الهجينة لبنيته السياسية والأمنية بعد عام 2003م، والتي سمحت بتداخل الدولة مع الفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني عقائدياً وتنظيمياً وعسكرياً.
_ إيران وتحول السلوك تجاه دول الخليج:
يمثل سلوك إيران تجاه دول الجوار العربية خلال حرب الأربعين يومًا، سلوكًا إقليمًيا عدائيًا تسعى من خلاله إلى إعادة توزيع كلفة الحرب على المجال الجيوسياسي المحيط بها، فمنذ اللحظات الأولى للتصعيد، اتضح أن طهران لا تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة حدود أو مواجهة عسكرية مباشرة يمكن حسمها عبر موازين القوة التقليدية، بل باعتبارها معركة استنزاف طويلة متعددة الساحات، هدفها الأساسي منع خصومها من عزلها استراتيجياً، ونقل الضغط من الداخل الإيراني إلى العمق الإقليمي العربي، خصوصاً منطقة الخليج العربي التي تمثل مركز الطاقة العالمي، وقلب التوازنات الاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط ؛ ومن هنا يمكن فهم العقيدة العملياتية التي حكمت السلوك الإيراني خلال الحرب، والتي قامت على مبدأ توسيع ميدان الكلفة بدلاً من حسم المعركة، فطهران تدرك أن ميزان القوة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا يعمل لصالحها، سواء من حيث التفوق الجوي أو القدرات السيبرانية أو أنظمة الضربات الدقيقة، لذلك أعادت تفعيل نموذجها التاريخي القائم على الحرب غير المتكافئة، عبر توظيف الوكلاء، والخلايا النائمة، والشبكات المالية والاستخبارية العابرة للحدود، واستهداف البنى الاقتصادية الحيوية، ونقل التهديد إلى المجال الأمني لدول الجوار العربي.
ان استهداف المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن وقطر، هو جزء من تصور استراتيجي أوسع لإعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة، فاستهداف السعودية تحديداً يرتبط بموقعها بوصفها دولة الارتكاز السياسي والاقتصادي والأمني الخليجي والعربي والإسلامي، والطرف العربي الأكثر قدرة على دعم مشروع إعادة دمج العراق في محيطه العربي وتقليص اعتماده الاستراتيجي على طهران. كما أن استهداف الدول الخليجية الأخرى ومنشآت الطاقة، حمل رسالة أكثر تعقيداً، مفادها أن إيران قادرة على نقل التهديد إلى أكثر المنشآت حساسية المرتبطة بالأمن الاقتصادي العالمي، وأن أي محاولة لخنقها أو عزلها ستؤدي إلى جعل الخليج بأكمله جزءاً من ساحة الحرب. وفي هذا السياق، جاءت الضربات التي استهدفت منشآت أرامكو السعودية، ومحاولات استهداف مطار حمد الدولي في قطر، وميناء الدقم في سلطنة عمان، إضافة إلى التهديدات المتكررة لمحطات الغاز والكهرباء في المنطقة، لتعكس انتقال إيران من مرحلة الرد الرمزي إلى مرحلة الضغط البنيوي على اقتصاديات الخليج وأمن الطاقة العالمي. فقصف ميناء ينبع السعودي وإغلاق مضيق هرمز لم يكن مجرد تصعيد عسكري محدود، إنما محاولة مباشرة لضرب البدائل الاستراتيجية لمسارات تصدير النفط الخليجي، وربط استقرار سوق الطاقة العالمي بمسار الصراع مع إيران؛ ومن منظور استراتيجي أعمق، تعكس هذه المعادلة جوهر العقيدة الأمنية الإيرانية التي تشكلت منذ الحرب العراقية ـ الإيرانية في الثمانينات. فمنذ ذلك الوقت، تبنت طهران مبدأ الدفاع الأمامي، أي نقل خطوط المواجهة بعيداً عن أراضيها عبر إنشاء قوى محلية مرتبطة بها مالياً وعقائدياً وعسكرياً.
في جانب آخر ، لا يمكن أن يفسر هذا السلوك العدائي لإيران باستهداف العواصم الخليجية، إلا إنه كان تعبيراً عن عقيدة تعد أن استقرار الخليج وتطوره الاقتصادي وتحوله إلى مركز عالمي للطاقة والاستثمار والنفوذ يمثل تحدياً استراتيجياً للمشروع الإيراني القائم على منطق الثورة العابرة للحدود والهيمنة عبر الوكلاء ؛ فضلًا عن كونه محاولة إيرانية لفرض معادلة تقول إن أي ضغط على طهران يجب أن يقابله تهديدًا مباشرًا لأمن الخليج واستقراره واقتصاده، وإن المنطقة كلها يجب أن تبقى رهينة التوازنات التي تفرضها إيران وأذرعها المسلحة لمنع تشكل نظام عربي مستقر ومتوازن وقادر على مواجهة الفوضى التي كرسها سلوك طهران لعقود ماضية.
⁃أثر التوظيف على الداخل العراقي:
يأتي توظيف ايران للجغرافية العراقية في حرب 28 فبراير 2026م، نتيجة مباشرة لخسارتها شبكاتها الإقليمية في سوريا وحزب الله اللبناني وحماس ، لذا اتجهت نحو رفع مستوى الاعتماد على العراق باعتباره الجبهة البديلة الأكثر أهمية ، لذا تعاملت مع العراق ليس بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، بل باعتباره عمقاً عملياتياً استراتيجياً يمكن استخدامه لتعويض خسائرها الإقليمية أولاً وإعادة بناء توازن الردع مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب .ومن هنا فإن توظيف العراق كان جزءاً من رؤية إيرانية أوسع تعتبر أن حماية النظام الإيراني تبدأ من نقل خطوط النار إلى العواصم الأخرى، وتحويل الوكلاء إلى أدوات ردع استراتيجية تمنع نقل الحرب إلى الداخل الإيراني وحده.
كشفت استراتيجية التوظيف عن انهيار فعلي في مفهوم احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، فحكومة السوداني (2022 ـ 2026)، وجدت نفسها محاصرة بين ضغوط خليجية ودولية متصاعدة، وبين سلوك الجماعات المسلحة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الخارجية العراقية رفضها القاطع لاستخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، وأكدت أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي العراقي، كانت هذه الجماعات تصدر بيانات تهديد علنية بالتزامن مع بيانات الحكومة نفسها، مثل بيان الناطق باسم سرايا "أولياء الدم" ، الذي أعلن صراحة أن “المقاومة الإسلامية” ستكثف عملياتها تجاه دول الخليج والأردن ، وظهرت تسجيلات مصورة لفصائل مثل “أولياء الدم” تعرض صواريخها داخل الأنفاق بعد أيام من تكليف حكومة علي الزيدي، في رسالة واضحة مفادها أن قرار الحرب والسلم لا يزال خارج سيطرة الدولة العراقية.
دفع هذا الواقع كثيراً من القوى الإقليمية والدولية إلى التعامل مع العراق باعتباره دولة هجينة، والمشكلة هنا لا تكمن فقط في امتلاك الفصائل للسلاح، بل في تحولها إلى بنية موازية للدولة تمتلك التمويل والنفوذ السياسي والتحالف الإقليمي. ومع تصاعد الهجمات، بدأت المخاوف تتجه نحو احتمال تعرض العراق لعقوبات دولية أو ملاحقات قانونية واسعة. فالقانون الدولي "يحمل الدول مسؤولية الأفعال غير المشروعة التي تنطلق من أراضيها إذا ثبت التواطؤ أو الإهمال".
تتضاعف خطورة هذا التوظيف بالنظر إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد، فالعراق يمتلك ودائع مالية ضخمة تمر عبر النظام المالي الأمريكي، تُقدّر بنحو 97.4 مليار دولار، ما يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي قرارات عقابية أو تجميد أصول، كما أن هذه الهجمات أدت وخلقت بيئة غير آمنة أدت إلى انسحاب الشركات النفطية الأجنبية وتفعيل بنود القوة القاهرة ، ما يهدد بانهيار قطاع النفط الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد العراقي، إذ يقف في قلب معادلة الطاقة الأكثر هشاشة في المنطقة، اذ تعتمد بغداد بشكل شبه مطلق على صادرات البصرة المارة عبر الخليج ومضيق هرمز ، والتعطيل للملاحة والتصعيد العسكري سيضع الدولة العراقية أمام أزمة وجودية حقيقية، لأن أكثر من 90% من الإيرادات العامة تعتمد على النفط، وهذا يعني أن استمرار الحرب قد يقود إلى انهيار مالي سريع، ينعكس مباشرة على الرواتب والخدمات والاستقرار الاجتماعي، في بلد يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وبطالة مرتفعة واعتماد ريعي شبه كامل.
إن استراتيجية توظيف الجغرافية العراقية تحمل في داخلها تناقضًا خطيرًا قد ينفجر داخل العراق نفسه. فكلما توسع هذا الاستخدام كمنصة إقليمية للصراع، تراجعت قدرة الدولة على الحفاظ على توازناتها الداخلية ، إذ أخذت الأزمة أبعادًا طائفية وسياسية حساسة، خصوصًا مع بيانات القوى السنية التي تحدثت عن تغييبها عن الاجتماعات الأمنية المفصلية، وتحذيرها من السلاح المنفلت، إضافة إلى تصاعد التوتر الكردي ـ الشيعي، نتيجة استهداف إقليم كردستان، مع تزايد القناعة لدى العراقيين بأن بلادهم تُدفع تدريجياً نحو عزلة إقليمية، وانهيار اقتصادي، وصدام مع محيطها العربي، وحروب لا تخدم المصالح الوطنية، ما يعني أن أثر التوظيف بات يمس تماسك النظام السياسي نفسه، في لحظة تتعرض فيها الدولة لضغط إقليمي ودولي متصاعد.
⁃ تداعيات التوظيف على العلاقات العراقية ـ الخليجية:
إن تحول العراق وتوظيفه إلى قاعدة عمليات إقليمية لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي، يأتي في إطار الضغط وجرّ دول الخليج إلى مواجهة مفتوحة تخدم الحسابات الاستراتيجية لطهران. ووفق المعطيات المتداولة حتى 17 مايو 2026م، بلغ عدد الضربات والهجمات التي استهدفت الخليج والأردن نحو 7026 هجوماً، وأكثر من نصف هذا العدد كان منطلقًا من الأراضي العراقية وهو رقم يكشف أن الأمر تجاوز مرحلة الحوادث المعزولة إلى نمط حرب استنزاف منظمة متعددة الأدوات والأهداف.
في هذا السياق، برزت هجمات 17 مايو 2026م، في مرحلة ما بعد إيقاف إطلاق النار ، كنقطة تحول مفصلية في طبيعة هذا التوظيف، فقد تعرضت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ انطلقت من الأراضي العراقية، استهدفت منشآت وبنى تحتية حساسة، بينها محيط محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات، إضافة إلى منشآت مرتبطة بالطاقة في السعودية ؛ فهذه الهجمات والتي سبقتها، لم تكن مجرد عمليات عسكرية ذات طابع تكتيكي، إنما رسائل استراتيجية مركبة، ما يعني أن وظيفتها تحولت إلى أداة ضغط ، مما انعكس على العلاقات بين بغداد وبقية العواصم الخليجية.
في المقابل، أظهرت دول الخليج مستوى عالياً من ضبط النفس الاستراتيجي، وفق حسابات جيوسياسية دقيقة ،وقد تُوِّج هذا الموقف بالبيان السداسي المشترك الصادر في 25 مارس 2026م، عن السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن، والذي شكّل أخطر تحول سياسي وقانوني في التعاطي الخليجي مع الملف العراقي منذ 2003م، فالبيان لم يكن مجرد إدانة للهجمات، بل وثيقة قد ترسم مستوى مختلف من العلاقات، إذ اعتبر أن الاعتداءات التي تنفذها الفصائل المسلحة الموالية لإيران من الأراضي العراقية تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 2817 لسنة 2026م، والنظر للعراق كدولة مسؤولة قانونياً عن الهجمات التي تنطلق من أراضيه، وهذا تطور شديد الخطورة، لأنه يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، تبدأ بالضغط السياسي والدبلوماسي، مثلما حدث حين تم استدعاء سفراء العراق من قبل السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر ، كرسالة احتجاج دبلوماسي وإعلانًا سياسيًا واضحًا بأن هذه الأطراف التي توظف الأراضي بات يُنظر لها كمصدر تهديد محتمل للاستقرار الخليجي ، ما قد يدفع إلى اللجوء إلى مجلس الأمن وإدراجها تحت الفصل السابع.
تدرك حكومة علي الزيدي أهمية ترميم العلاقة مع دول الخليج العربي، لذا يجد وزير الخارجية، أن ترميم العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي العربية من الأولويات، فاستخدام الفصائل المسلحة للجغرافية العراقية في حكومة السوداني كمنصة لاستهداف الأمن القومي لدول الخليج خلال حرب 28 فبراير ، دون اتخاذ إجراءات فعلية تجاه هذه الكيانات الخارجة عن القوانين والأعراف الدولية، جعل العراق الرسمي "ضحية للحرب" ، مما أدى إلى اهتزاز أسس هذه العلاقة ؛ ورغم ان هذه التصريحات تعبر عن نوايا صادقة للبدء بتصحيح المسار ، إلا أن دول المنطقة ستراقب خلال الأشهر الأولى من عمر حكومة الزيدي مقاربته للانخراط ضمن نطاق الأمن الإقليمي، والذي لن يتحقق للعراق المساهمة فيه، ما لم يعمل على أن يكون خاليًا من السلاح غير المسيطر عليه .
⁃العراق وترتيبات الأمن الإقليمي:
ما بعد توظيف الجغرافية العراقية في حرب الأربعين يومًا، أصبح النظر لدور العراق المستقبلي في أي منظومة للأمن الإقليمي، وكذلك بمستقبل النفوذ الإيراني والأمريكي داخله، أكثر الملفات حساسية في تحديد شكل الشرق الأوسط، ما يدفع إلى إعادة تقييم وتعريف موقع العراق بوصفه العقدة الجيوسياسية الأكثر تأثيراً في معادلة الخليج وإيران والولايات المتحدة معاً، خصوصًا ما بعد انكسار مبدأ التوازن الذي سارت عليه حكومة محمد شياع السوداني، فلم يعد ينظر له بوصفه دولة محايدة تقع بين محورين متصارعين، إنما بوصفه المساحة التي سيتحدد من خلالها شكل التوازن الإقليمي المقبل، ولهذا فإن مستقبل العراق لم يعد قضية داخلية، بل أصبح جزءاً من تعريف الأمن الخليجي، وحتى الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
إن شكل العراق بعد الحرب سيحدد إلى حد ما شكل الترتيبات للأمن الإقليمي، فإذا استمر ساحة نفوذ إيرانية مفتوحة، فإن أي منظومة أمن إقليمي ستكون هشة وغير قابلة للاستقرار، لأن مصدر التهديد سيبقى متغلغلاً في قلب الجغرافيا العربية. أما إذا نجح العراق في استعادة توازنه الوطني، وضبط سلاح الفصائل، وإعادة بناء مؤسساته السيادية، فإنه سيتحول من منصة تهديد إلى دولة توازن في المنطقة.
ما لم تحسم الحرب الأمريكية ـ الإيرانية ، فإن تنافسهما على العراق سيستمر ، فالأخير بالنسبة لطهران أصبح الورقة الأكثر أهمية والأصعب للتفريط بها، لذا ستتمسك به في أي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة، أكثر من تمسكها بكثير من الملفات الأخرى، لكن هذا التوجه قد يقابله قرارًا من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتمثل باستعادة العراق من النفوذ الإيراني أو الذهاب نحو التعامل البراغماتي مع فكرة احتواء النفوذ الإيراني بدلاً من اقتلاعه الكامل، ما لم يتحول العراق إلى تهديد مباشر لأمن الخليج أو المصالح الأمريكية ؛ ومع ذلك، فإن الحرب الأخيرة دفعت واشنطن إلى إعادة التفكير في العراق بصورة أعمق. فاهتمام إدارة ترامب بشكل الحكومة العراقية المقبلة، والترحيب بصعود شخصيات يُنظر إليها بوصفها أكثر قابلية لضبط الفصائل، يعكس إدراكاً أمريكياً بأن العراق سيكون جزءاً من معركة إعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد الحرب.
وفي هذا الإطار، فإن مستقبل النفوذ الأمريكي في العراق يعتمد على قدرة واشنطن على إنتاج معادلة داخلية عراقية بتمكين القوى والنخب الوطنية وكذلك تنهي دور السلاح، ولهذا ظهرت وفي ظل حكومة علي الزيدي خطة تنفيذية لتفكيك الميليشيات، تشمل تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وإزاحة الشخصيات المتورطة في الهجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها، لهذا فإن مستقبل النفوذ الإيراني والأمريكي في العراق يدخل مرحلة حاسمة، فإيران تحاول تعويض خسائرها الإقليمية بعد تراجع نفوذها في سوريا ولبنان وغزة عبر تحويله إلى الجبهة البديلة، بينما ترى واشنطن أن استمرار هذا الواقع يعني عملياً فقدان العراق وتحوله إلى منصة إيرانية متقدمة تهدد مصالحها ودول الخليج وأمن الطاقة العالمي؛ ولذا فإن إعادة دمج العراق في أي منظومة أمن إقليمي تتطلب إعادة بناء الدولة العراقية نفسها، وإعادة تعريف علاقتها بإيران والولايات المتحدة والخليج معاً، فالعراق لا يستطيع أن يكون جزءاً مستقراً من منظومة أمن المنطقة بينما يحتفظ داخله بسلاح موازٍ للدولة، ولا يمكنه أيضاً أن يستمر كساحة نفوذ إيرانية مفتوحة دون أن يتحول إلى مصدر دائم للتوتر والعقوبات والعزلة وبهذا سيستمر كبلد يمكن توظيفه من قبل الأجندات الإقليمية .






