تهب رياح التغيير عاتيةً على المجتمع الإيراني في ظل تقادم نظام ولاية الفقيه وانحسار نفوذه الثقافي وفقدان بريقه لدى معظم شرائح المجتمع، ويظهر ذلك مجموعة من الظواهر الاجتماعية التي لا تخطئها العين.
فالأسرة الإيرانية نفسها تغيرت؛ فقد انخفضت معدلات الإنجاب، وتأخر متوسط سن الزواج، بالتزامن مع ارتفاع النزعة الفردية، وانحسار أعداد من يمارسون الشعائر الدينية، وتراجع ابتعاد السكان عن القيم المحافظة التي تدعمها الحكومة، وارتفاع نسبة رفض الحكم الديني بشكل صارخ، وذلك وفقًا للدراسات والاستطلاعات الرسمية، على الرغم من الدعاية الأيديولوجية المكثفة التي تقوم بها أجهزة الدولة في هذا المجال.
وفي حين شهدت السنوات الأخيرة من نظام بهلوي والسنوات الأولى من حكم ولاية الفقيه إقبالا من المواطنين على تسمية أبنائهم بأسماء عربية وإسلامية مثل علي وحسين وفاطمة وزينب، بل منهم من غير اسمه الفارسي ليختار اسمًا إسلاميًا بدلًا منه، تراجع هذا الاتجاه لاحقًا، فاليوم تشهد البلاد موجة عكسية؛ إذ تراجعت شعبية الأسماء الإسلامية، حتى في أسماء المحال التجارية والمقاهي، فقد عاد الإقبال على الأسماء الفارسية كمؤشر على اعتماد مرجعية قومية بديلة عن الأيديولوجية الرسمية، وهذا التحول يستخدمه بعض علماء الاجتماع الإيرانيين كمؤشر على صعود الهوية الثقافية الفارسية التاريخية في المجال الخاص؛ إذ تُعد الأسماء التي يختارها الناس لأطفالهم من أهم الطرق التي يعبرون بها عن تفضيلاتهم الثقافية وقيمهم ومواقفهم.
- الشباب في إيران: قنبلة موقوتة أم طاقة تغيير؟
مع ازدياد فجوة الأجيال وبين قادة البلاد، يمثل الشباب الإيراني مشكلة للنظام تقفز في وجهه من حين لآخر في ظل عجزه عن التفاهم معهم، فصارت هذه الثروة البشرية الضخمة أزمة بدلًا من اعتبارها موردًا استراتيجيًا للتغيير والتنمية كما يفترض أن يكون، فالاحتجاجات المتكررة خلال السنوات الأخيرة بقدر ما تعبر عن مطالب سياسية واقتصادية، فإنها تعكس مطالب اجتماعية وثقافية، عبر إعلانها تمسكها بالمطالب الجامعة الأوسع نطاقاً المتمثلة بالكرامة والحرية، فبالنسبة للعديد من الشباب الإيرانيين، فإن المطلب الأساسي بسيط للغاية: حياة طبيعية.
فالجيل الحالي أكثر تمردًا وأقل اقتناعًا بالوضع الراهن، فالسلطة اليوم تمثل النظام العتيق الجاثم على كرسي الحكم منذ عشرات السنين، وليس لها من الثورة إلا اسمها، بينما تقمع قواته المدججة بالسلاح الشباب الثائر وتستخدم القوة الغاشمة لإخراسه.
جيل الشاب لم ير قمع جهاز السافاك لمعارضي الشاه ولم يتشبع بقصص النضال ضد الحكم الملكي والتي بنى عليها الملالي شرعيتهم كمنقذين للشعب ومحررين له، بل رأى الشباب سافاكًا آخر يلبس ثوب الدين، ويقتل من يقول كلمة الحق في وجهه، لذا تحولت الرمزية الدينية لطقوس عاشوراء التي تم تثويرها بعد عام 1979م، إلى طقوس احتجاجية، خاصةً حين يتزامن عزاء الحسين مع مجالس عزاء شباب قتلتهم قوات الباسيج بتهمة الثورة على حكم المرشد الأعلى، فحينئذٍ ينظر هذا الجيل الصغير إلى مرشد لما يسمى بـ "الثورة" كشخص يكرر محاربة يزيد لأصحاب النفس الحسيني الثائر ضد الظلم.
ومن أكثر المجموعات نشاطاً في الاحتجاجات الشعبية، شباب جيل "زد"، أي الذين ولدوا بين عامي 1997 و2010م، وهم معظم الشباب تحت سن الثلاثين اليوم، فهناك فرق كبير بين سمات الجيل الذي مر بعملية التنشئة الاجتماعية في بداية الثورة والحرب مع العراق والجيل الشاب الحالي الذي تأثر بشدة بالعولمة والانترنت، ويجد العديد من الآباء أنفسهم ممزقين بين الخوف على سلامة أبنائهم الذين يريدون التظاهر وبين التضامن مع مطالبهم المشروعة.
وبينما تتوقف الاحتجاجات خلال فترات الحرب على إيران بدافع الإحساس بالخطر المشترك الذي يهدد الجميع بشكل مؤقت، فإن النظام الديني بات يخشى فترات السلم أيضًا بسبب تجدد الاحتجاجات الشبابية خلالها، ولذلك حرص النظام بعد وقف إطلاق النار في أبريل الماضي على إبقاء زخم الجماهير في الميادين وشحنهم ضد العدو الخارجي لإشغالهم عن مشاكلهم الداخلية، كما استُغل سابقًا الحرب مع العراق في بداية حكمه كأداة استراتيجية لاحتواء الشباب الثائر ودفع بأعداد هائلة من الشباب الإيراني للخطوط الأمامية لجبهات القتال بلا إعداد مناسب للتخلص منهم واستنزاف حماسهم الثوري وصرف طاقاتهم نحو الخارج بدلاً من معارضته.
جيل الإنترنت
يرتبط الجيل الإيراني الشاب أكثر من أي جيل سابق بالعالم الخارجي عبر الفضاء الرقمي، فقد أصبحت الثقافة الشبابية في إيران أكثر عالمية من خلال الموسيقى والسينما والرياضة ووسائل التواصل التي خلقت مجتمعًا افتراضيًا يتجاوز الحدود الرسمية، وأصبح الشباب يعيشون يوميًا داخل فضاء ثقافي عالمي يصعب عزله، وأصبح هذا الانفتاح العالمي عاملاً أساسياً في تكوين شخصياتهم؛ فهم لم يعيشوا قط بدون هواتف ذكية.
ورغم جهود النظام المستمرة لمحاصرة الفضاء الإلكتروني، أحدثت منصات التواصل الاجتماعي ثورة في طريقة تنظيم الشباب وتعبئتهم، إذ يعتبرون وسائل الإعلام الوطنية جهازاً أيديولوجياً للدولة أكثر من كونها وسائل إعلام حقيقية، فلا يثقون فيما تبثه.
يقول العديد من الشباب الإيرانيين إن جيلهم يختلف عن الأجيال السابقة ليس فقط في العمر، ولكن أيضاً في النظرة المستقبلية، فلديهم طموح بأن يحظوا باعتراف عالمي كجيل متصل بالعالم، فعلى عكس آبائهم، نشأوا في ظل وجود الإنترنت وإمكانية الوصول المستمر إلى المعلومات وتمكنوا من متابعة الاحتجاجات في البلدان الأخرى، ورأوا أقرانهم في الخارج يتحدون حكوماتهم، لذا يعتقدون أن بإمكانهم هم أيضاً المطالبة بالتغيير، كما ولد ذلك لديهم شعوراً بانفصال عميق بين ما يرونه عبر الإنترنت وما يعيشونه في الوطن الذي يشعرون داخله بالاغتراب، ويقارنون بين الانفتاح العالمي ومحدودية الفرص لعيش حياة أفضل في بلادهم، لذا كان قطع الإنترنت خلال الاحتجاجات بمثابة تمزيق لروابطهم بالعالم الخارجي وإغلاق لمجتمعهم الافتراضي الذي ينتمون إليه.
والطبع فإن الشباب ليسوا كتلة واحدة؛ فهناك مؤيدون ومعارضون، وهناك فروق كبيرة بين شباب المدن الكبرى والمناطق الطرفية وبين أبناء الطبقات الاجتماعية المختلفة، لكن بصفة عامة تتنامي النزعة الفردية لدى الشباب مقابل تراجع أثر الخطابات الجماعية التقليدية التي سادت في مرحلة سابقة حين كانت الجماهير تحتشد خلف الشعارات الحماسية وتصطف خلف القادة الكبار، وهو ما يحاول النظام استعادته اليوم من خلال خطاب الخطر الخارجي الوجودي الذي يهدد الجميع ويوحدهم قسرًا ولو بشكل مؤقت، لذا يحاول إدامة وإشاعة أجواء الحرب والمواجهة ليعلو صوت المعركة على ما عداه.
- المرأة في إيران.. قيود قانونية وحضور اجتماعي قوي
بينما أشادت الثورة الدينية في البداية بدور المرأة في المجتمع، لكن المفارقة الإيرانية تمثلت في أنه كلما ارتفع مستوى تعليم النساء وحققن حضورًا قويًا في الجامعات زادت مطالبهن بالمشاركة العامة وزادت مساحة الصدام مع النظام.
وقد عانى النظام الإيراني من صعود نخبة نسائية تتحدى القيود من داخل النظام القانوني نفسه وتستغل قاعات المحاكم للدفاع عن السجينات والناشطات، وتحويل القضايا الفردية إلى قضايا رأي عام مثل المحامية شيرين عبادي التي تصدت لقضية عمليات القتل المتسلسل في أواخر التسعينيات، وهي سلسلة اغتيالات غامضة لكتاب ومثقفين معارضين، واستغلت عبادي آنذاك حقها في مراجعة ملفات القضية لتكشف مسؤولية وزارة الاستخبارات الإيرانية، وتحول الأمر إلى قضية رأي عام مما أدى إلى اعتقالها لاحقاً وأجبرت على النفي للخارج.
كما أن موجة الاحتجاجات الشعبية الضخمة التي اشتعلت بسبب مقتل مهسا أميني بعد اعتداء شرطة الأخلاق عليها في سبتمبر 2022م، كان للصحفيتين نيلوفر حامدي وإلهه محمدي الفضل في إطلاقها عبر تغطية القضية وإخراجها للنور، إذ نشرت نيلوفر أول صورة لمهسا في المستشفى وغطت زميلتها الجنازة والدفن، وتعرضتا للاعتقال التعسفي، وتحولت الصحفيتان إلى رمز لدور المرأة المتعلمة في المجال العام، ودليلًا على أن صعود النساء لم يعد مقتصرًا على التعليم والعمل، بل وصل إلى صناعة الرواية الإعلامية نفسها.
وقد تحولت قضية مهسا أميني إلى إحدى أكبر الموجات الاحتجاجية في تاريخ إيران، وانطلقت تحت شعار "زن، زندگی، آزادی" (امرأة، حياة، حرية)، إذ عُذبت حتى الموت بحجة عدم ارتدائها الحجاب بطريقة صحيحة، في الوقت الذي تنتشر فيه صور لأفراد عائلات كبار المسؤولين بلا حجاب خاصة أثناء سفرهم للخارج.
استمرت الاحتجاجات لعدة أشهر واجتذبت أعداداً كبيرة من النساء والرجال وتركت بصمة عميقة في وعيهم السياسي، وأظهرت أن الصراع ليس بين السلطة والمعارضة السياسية فقط، بل بين السلطة والمجتمع، ولم تقتصر على قضية مقتل أميني ولا الحجاب الإجباري بل خرجت مظاهرات نسائية كاملة من المحجبات ضد العنف الجنسي لقوات النظام ضد النساء، وقد وقع مئات القتلى خلال قمع تلك التظاهرات بالإضافة إلى اعتقال أعداد كبيرة من المحتجين وتعذيبهم وانتحار العديد منهم عقب الإفراج عنهم.
وقد اشتعلت العديد من الاحتجاجات الدموية داخل إيران بسبب دعم النظام لانتهاكات عناصره الأمنية الجنسية ضد النساء، وتعد قضية الشابة السنية، ريحانة جباري، من أشهر وقائع إعدام فتاة لدفاعها عن نفسها ضد الاغتصاب من عنصر مخابرات سابق، ولاقى إعدامها إدانات دولية واسعة.
ومن أبرز مؤشرات التحول القيمي لدى الشباب الإيراني ظاهرة الزواج الأبيض، ويقصد بها تعايش المرأة مع رجل دون عقد زواج رسمي، إذ انتشرت هذه الظاهرة نسبيًا في بعض المدن الكبرى، خصوصًا بين الشباب المتعلمين، مما يمثل تحديًا مباشرًا للتصورات التقليدية والدينية حول الأسرة والزواج، ويمكن استخدامها كمثال على اتساع الفجوة بين القيم الرسمية وأنماط الحياة الجديدة في إيران.
وقد انتشرت هذه الظاهرة إلى إيران تأثرًا بالمجتمعات الأوروبية، وكان ينظر علماء الاجتماع إلى الطلاق كأخطر تهديد لسلامة الأسرة بعد تفاقم أرقام الطلاق إلى مستويات غير مسبوقة إلا أن هؤلاء الباحثين باتوا يعدون الزواج الأبيض أخطر من الطلاق، وتختلف هذه الظاهرة عن زواج المتعة المؤقت في بعض الإجراءات الشكلية، ورغم ذلك يتجاهله الشباب لفقدان الثقة في المعايير الدينية، بينما تنتشر منصات زواج المتعة التي يُنظر إليها كبديل "شرعي" للدعارة المحظورة قانونًا.
ومن الظواهر النسائية اللافتة في المجتمع، انتشار عمليات تجميل الأنف حتى أصبحت إيران من أعلى الدول في نسبة إجراء هذه الجراحات، وأصبحت طهران توصف بأنها عاصمة عمليات تجميل الأنف في العالم؛ فمع ازدياد التأثيرات الغربية في المجتمع أصبحت مقاييس الجمال أوروبية، لذا تلجأ الفتيات إلى التخلص من شكل الأنف الفارسي البارز لاكتساب مظهر أكثر شبهًا بالغربيات، مما يعكس اتجاهًا ثقافيًا قويًا بين النساء الإيرانيات.
- هجرة الأمل ونزيف الكفاءات
أصبحت الهجرة لدى بعض الشباب الإيراني مشروعًا شخصيًا لتحقيق الذات أكثر من كونها ضرورة اقتصادية فقط، فالقيود الهائلة التي تفرضها السلطات إلى جانب البطالة والتضخم والركود الاقتصادي جعل الكثيرين يشعرون بعدم اليقين وانعدام الأمان حيال مستقبلهم في إيران، بجانب الانجذاب إلى الحياة الغربية، ومع ذلك، يعتبر البعض أن الوجود مع العائلة والأصدقاء الانتماء الوحيد القيّم الذي يمنعهم من المغادرة النهائية، إذ لا يتصورون، باستثناء صلة القرابة، أي سبب وجيه آخر لقضاء بقية حياتهم في إيران.
وخلال السنوات الأخيرة استقر عدد كبير من الطلاب الفائزين في مسابقات الرياضيات والفيزياء الإيرانية في جامعات غربية، وأصبحت هذه القضية موضوعًا دائمًا في الصحافة الإيرانية تحت عنوان "فرار مغزها" (هروب العقول)، وأثارت نقاشات حول نجاح الدولة في إنتاج النخبة دون القدرة على الحفاظ عليها والاستفادة منها، وأحيانا ما توصف هذه الظاهرة بأنها "هجرة أمل" أكثر من كونها هجرة عمل فقط.
أصبح نجاح النظام التعليمي مأزقًا سياسيًا واقتصاديًا، فكلما زاد عدد الخريجين ارتفعت مطالبهم بالفرص والحريات والمشاركة لكن أعدادهم تفوق قدرة الاقتصاد على استيعابهم في ظل العقوبات الاقتصادية وسيطرة الحرس الثوري على قطاعات كبيرة من الاقتصاد.
فالاستثمار الكبير في التعليم خلق مجتمعًا عالي التأهيل نسبيًا، لكنه خلق فجوة بين الطموحات وفرص العمل المتاحة، مما أنتج أزمة "الاغتراب الداخلي" الذي يحدث حين يشعر أصحاب الكفاءات بالعجز عن تحقيق طموحاتهم داخل البلاد.
كما يُنظر إلى الهجرة كتصويت صامت، فاختيار آلاف الشباب مغادرة البلاد يمكن فهمه باعتباره شكلًا من أشكال التعبير عن عدم الرضا تجاه الأوضاع القائمة ووسيلة لرفض شرعية حكم ولاية الفقيه، ورغبة في الانضمام إلى العالم والخروج من سجن كبير بحثًا عن فضاءات أوسع للإبداع وتحقيق الذات.
بين المركز والأطراف.. معاناة الشعوب غير الفارسية
رغم حديث المسؤولين الإيرانيين عن صمود الشعب الإيراني، فإن الحقيقة التي يتم تجاهلها كثيرا هي أن هناك العديد من الشعوب الذين يتعامل معهم الولي الفقيه بمنطق الغالب، فإيران ليست دولة قومية متجانسة، بل يعاني عشرات الملايين من أبناء الشعوب غير الفارسية من التهميش والاضطهاد.
فبداية من اللغة، يواصل الملالي نهج الإبادة اللغوية تجاه اللغات غير الفارسية حتى اللغة العربية التي يتقنها كبار المراجع يواجه أهلها سياسات التفريس الإجباري، فالنظام يعتبر التعدد اللغوي تهديدًا للدولة، ويعتمد فرض الفارسية كوسيلة لتوحيد الشعوب، لذا يرفض الاستجابة لمطالب تنويع المناهج التعليمية في مراحل التعليم الأساسي ليتم تدريسها باللغات القومية لهذه الشعوب.
وتشكو قوميات كالعرب والبلوش والكرد من سياسات الإفقار والتهميش وأن النظام غالبًا ما ينظر إلى مناطقهم من زاوية أمنية بينما يتم إهمال التنمية الاقتصادية، فمثلا تعد منطقة عرب إقليم الأحواز من أغنى المناطق بالثروات الطبيعية، لكن بسبب مشروعات نقل المياه إلى الأقاليم الفارسية تعرضت المناطق العربية لدمار كبير تسبب في تخريب معيشة العديد من السكان واشتعال احتجاجات واسعة قوبلت بالقمع العنيف، إذ تحولت القضية البيئية في الأحواز إلى قضية هوية وتحولت مشروعات السدود المائية إلى رمز لاضطهاد العرب وهاجم الخبراء هذه المشاريع لأنها دمرت البيئة في مناطق العرب ولم تحقق النفع المرجو في المناطق الفارسية.
ورغم ارتفاع معدلات البطالة وتدهور البنية التحتية والخدمات الصحية في مناطق القوميات بشكل يزيد عن المتوسط الوطني، فإن كثير من مطالب الأكراد والعرب والبلوش وغيرهم لا تتعلق فقط بالوضع الاقتصادي، بل أيضًا بالاعتراف الثقافي واللغوي، فلا يحق للكثيرين منهم تسمية أطفالهم أو الاحتفاظ بألقاب عائلاتهم غير الفارسية، فالفتاة المقتولة، مهسا أميني، اسمها الحقيقي "جينا"، لكن السلطات أجبرتها على التسمي بـ"مهسا"، كما تعرضت لمزيد من المعاملة القاسية لأنها كردية سنية، لذا جسدت قصتها ثلاثة أبعاد للتمييز المنهجي داخل الجمهورية الإيرانية: الجنس والقومية والمذهب الديني.
فدرجة الاضطهاد العنصري في إيران تتفاقم مع وجود التباين المذهبي أيضًا، فعندما يجتمع الاختلاف العرقي واللغوي والمذهبي تجتمع أسباب مختلفة للإقصاء والتهميش والإفقار، وعندما تجتمع تلك العوامل مع العوامل الأخرى المشتركة مع سائر الشعوب الأخرى داخل إيران كالقمع العام وسوء توزيع الثروة يمكن بسهولة تفسير التزامن العفوي في الاحتجاجات بين جميع أنحاء إيران حين تشتعل الاحتجاجات الشعبية في منطقة ما أو على يد فئة ما، فالقمع يطالهم جميعًا ويوحدهم كما أن لكل مجموعة أسبابها الإضافية الخاصة للاحتجاج، ولعل هذا التباين والتنوع هو ما عمل النظام دوما على استثماره؛ لا لصنع دولة قوية تستفيد من التنوع، بل لإثارة الفرقة والفتن بين الجميع طوال الوقت حتى لا يتوحدوا ويتكتلوا ضده رغم ما يجمعهم من معاناة مشتركة وإن اختلفت مظاهرها ودرجاتها.






