يستدعي المشهد الإيراني الراهن قراءةً فاحصة وتساؤلاً عميقاً حول مآلات المسار المستقبلي لهذا البلد بعد مضي سبعة وأربعين عاماً على قيام الثورة الإسلامية. ولئن بدت الإجابات مستعصية، فإن محاولة استشرافها تظل مسعىً جديراً بالاهتمام، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم التركيز على المدى القصير فقط، بل تحليل الخلفية التاريخية والغوص وراء الأسباب الجذرية للأوضاع الراهنة.
تاريخيًا، تبنى النظام الثوري الإيراني موقفًا مناهضًا للغرب، فيما تسببت تطلعاته السياسية التوسعية في تعكير صفو علاقاته بالأنظمة العربية. وعمليًا، دأب النظام الإيراني، منذ مطلع القرن الحالي، على تحفيز الحروب بالوكالة دون التورط رسميًا في أي من الصراعات الناشبة. وحرص على دعم جماعات مثل "حزب الله" في لبنان، وحركة المقاومة الفلسطينية " حماس"، و"الحوثيين" في اليمن، إلى جانب النظام السوري السابق بشار الأسد، والميليشيات العراقية، وبالأخص في المعارك التي خاضها هؤلاء ضد إسرائيل.
من جانبها، احتفظت إسرائيل كدولة بعلاقة طبيعية نوعًا ما مع طهران خلال حكم الشاه. وذلك قبل أن يتم توصيفها كتهديد وجودي للدولة الإيرانية من قبل نظام الملالي على رأسه المرشد الأعلى السابق آية الله خامنئي. وانطلاقًا من هذه الخلفية، بدأ النزاع المطول بشأن برنامج إيران النووي، وتولد الدافع التاريخي لدى إسرائيل للقضاء على هذا الخطر المحدق أيًا كان الثمن.
أما اليوم فيبدو الأمر أكثر تعقيدًا داخل منطقة الشرق الأوسط التي لا تتوقف عن إنتاج كم هائل ومتسارع من الأحداث والتطورات بما يفوق قدرة المرء على الاستيعاب. وهو ما يُعيد للأذهان التاريخ المشابه لدول البلقان، التي ظلت تعاني أيضًا تحت وطأة أزمة انعدام الاستقرار المزمنة والصراعات الداخلية.
لقد بات واضحًا أن النظام الثوري الإيراني لا يزال محتفظًا بقبضته على السلطة، ولكن أي نوع من السلطة يمتلك؟ في وقت تعاني البنية التحتية للبلاد من الدمار والخراب، وانتشار معدلات الفقر، وسقوط عدد من رموز النظام الإيراني جراء الهجمات الإسرائيلية -الأمريكية. فضلا عن، عمليات الابتزاز المتبادلة التي بدأت تظهر على مختلف الجبهات والصعوبة التي تعترض عملية صنع القرار السيادي.
وعلى الصعيد الخليجي، لم تكن دول المنطقة بمعزل عن شرور الحرب الإيرانية؛ إذ تكبّدت أثماناً باهظة جراء صراعٍ لم يكن لها فيه يد، ناهيك عن الأزمة المباغتة التي عصفت بأسواق الطاقة وامتد صداها إلى ما وراء النطاق الجغرافي الإقليمي. وبناءً على ذلك، يحتم المنطق السعي نحو إبرام اتفاق سلام طويل الأمد، يعيد الاستقرار الحقيقي، وينهي المعاناة الإنسانية، ويُرسِخ التوافق الإقليمي؛ بيد أن هذا المسعى يبدو هدفاّ بعيد المنال في ظل تشبث الأطراف الفاعلة بحفظ ماء الوجه وادعاء نصرٍ موهوم، على الرغم من التقائها مبدئياً على ضرورته.
دعونا نعود بالأذهان إلى البدايات إذا جاز التعبير. حيث يمكن لأي باحث في كتب التاريخ أن يتذكر سلسلة النزاعات التي خاضها الإغريق والروم ضد الفرس دون تحقيق نتائج واضحة.
يمكن الاستدلال أيضا بأحداث عام 1953م، كبداية جيدة للتحليل الذي نحن بصدده. وذلك حينما بدأ الشك يعتري الإيرانيين حيال نوايا الولايات المتحدة وبريطانيا عقب "الانقلاب" المدبر ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق الذي تزعم جهود تأميم الإنتاج النفطي الوطني ومهد الطريق لعودة الشاه الإيراني مرة أخرى.
ورغم سعي الملكية الإيرانية حينها لتحديث نظم الدولة من خلال الدفع بالإصلاحات الاجتماعية، وتمكين النساء، وإرسال بعثات طلابية إلى الخارج، والانفتاح على العالم الخارجي. إلا إن ذلك واكبه في المقابل نشاط ملحوظ للبوليس السري وممارسات الحكم القمعي. مما أفقد عملية التحديث الهرمية شرعيتها الشعبية. من ثم، شكلت هذه العوامل مجتمعة الأسباب المُغذية لثَورة 1979م: على رأسها ممارسات القمع الداخلي والشعور بالخضوع لسطوة القوى الخارجية لاسيما الولايات المتحدة.
في البداية، اشتملت الحركة الثورية في إيران على العديد من المطالب والدعوات المختلفة التي لم تكن ذات طابع ديني في الأساس. وحرص خامنئي على ترسيخ صورته في البداية كزعيم وسطي قادر على توحيد أبناء الشعب الإيراني. ولكن سرعان ما أصبح "الزعيم الموحد" فور استحواذه على السلطة ليرسي نظام حكم سياسي ديني يقوم على أساس تفوق وسلطة رجال الدين (الملالي).
من جانبها، أساءت الدول الغربية فهم النزعة الدينية لدى النظام الثوري باعتبارها رد فعل محتمل لطغيان نظام الشاه. وكان المجتمع الأوروبي الاقتصادي حينها مهمومًا بتحقيق هدف سوق أوروبي موحد. بينما كان حلف شمال الأطلسي" الناتو" مُنهمكا تماما في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي. فيما كان الغزو الروسي لأفغانستان كفيلا بالاستحواذ على ما تبقى من التركيز الغربي.
أولى مراحل الثورة الإيرانية كانت أشبه بتجربة وليدة للحكم على أساس ديني مستهدفة أيضًا زعزعة استقرار دول الجوار. فيما ترسخت المرحلة الثانية تزامنا مع بسط المرشد الأعلى آية الله خامنئي هيمنته على السلطة بعد الحرب الدامية ضد العراق. والآن نشهد اكتمال ملامح المرحلة الثالثة من الجمهورية الإيرانية تحت حكم المرشد الإيراني الحالي خامنئي مجتى، الذي تجمعه روابط وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني المستأثر بالقبضة الأمنية والاقتصادية في البلاد.
يعكس ذلك تحولًا واضحًا من نظام حكم ديني إلى آخر عسكري يتزعمه التيار المتشدد الذي يحرص على إحكام قبضته على السلطة أي كان المقابل بما في ذلك إطلاق العنان للممارسات القمعية. ورغم وجود بعض الرموز المحسوبة على التيار المدني الأكثر ميلا للنهج المعتدل والتوافقي، ولكن على ما يبدو أنها لاتزال تفتقر للنفوذ الذي يخول لها صنع القرار.
لعله من السابق لأوانه التنبؤ بمسار الأحداث في لحظة يسودها الارتباك والحيرة، وفي خضم أزمة دولية لا تزال مشتعلة. ولكن معاناة الشعب الإيراني القابع بين سندان العدوان الخارجي ومطرقة القمع الداخلي لم تعد خفية. وتخطى الأمر فكرة المطالبة بإصلاحات مدنية إلى البحث عن كيفية النجاة في خضم بيئة محلية وإقليمية سامة. جدير بالذكر أيضًا أن العدوان الأمريكي / الإسرائيلي المشترك ضد إيران دفع العديد من أبناء هذا الشعب لتغيير موقفه حيال الحكومة ومناهضة التدخل الأجنبي بدافع الكرامة الوطنية.
ربما شُنت هجمات ال 28 من فبراير على فرضية أن النظام الإيراني أصابه الوهن والضعف. وذلك في ظل الفوضى التي حلت بالميليشيات المسلحة التابعة له داخل دوار الجوار، والدمار العاصف بالمنشآت الإيرانية المستهدفة في هجمات يونيو 2025م، فضلا عن القلاقل الداخلية التي تفجرت في شهر يناير تزامنا مع الاحتجاجات الداخلية التي عمت شوارع البلاد رغم إجراءات القمع الأمني.
فقد أسفر القمع الذي تمارسه القوات الإيرانية عن مقتل الآلاف من الإيرانيين. ورسخ حكم الدولة البوليسية في بلد يئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية. وهكذا، وفي ظل هذا الارتفاع غير المسبوق في معدلات التضخم والأوضاع الاقتصادية المزرية، لم تعد الاحتجاجات تنادي بالحقوق المدنية بقدر الاعتراض على غلاء مستوى المعيشة. ولعل ذلك ما يفسر لما كان خبر مقتل المرشد الأعلى له وقعًا إيجابيًا لدى قطاع من الشعب الإيراني.
وفي ضوء هذه الخلفية، يسعى الحرس الثوري الإيراني إلى حشد وتعبئة الشعب الإيراني على غرار ما حدث إبان الحرب التي قادها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ضد إيران في عام 1980م، والتي قوبلت حينها بمقاومة شعبية شرسة، في حين أن غايته الحقيقية هو استغلال الحرب من أجل ترسيخ سلطته بواسطة فرض الأحكام العرفية. وبالتالي تجريد الرموز السياسة من سلطاتها، بما فيهم رئيس الدولة، ليقتصر دوره على القيام بمهام محدودة.
من السابق لأوانه تقييم إذا ما سينجح هذا الوجه الجديد للسلطة، الذي ولد في كنف الحرب، في تثبيت أقدامه. ربما لا يحالفه الحظ هذه المرة، بل على النقيض قد يؤدي إقصاء النخبة الدينية في نهاية المطاف لفتح الباب أمام بعض الإصلاحات الداخلية وتسطير فصل جديد في التاريخ الوطني عقب ثورة 1979م.
حتى الآن، لا يعد حلف الناتو جزءًا من هذا السيناريو المحتمل. وهنا ينبغي التذكير بأن التحالف الغربي هو في الأساس منظمة عسكرية-سياسية تقوم على أساس تحقيق ثلاث مهام رئيسية: الدفاع المشترك، إدارة الأزمات، الأمن التعاوني، وذلك دون أن يحظى بتفويض دولي.
وفي الوقت الذي تعد معاهدة واشنطن التأسيسية 1949م، موجزة في سردها، يقدم المفهوم الاستراتيجي لحلف الناتو شرحًا مستفيضًا لقائمة الأهداف المشتركة والمتفق عليها. جدير بالذكر أنه يتم تجديد وثيقة المفهوم الاستراتيجي لحلف الناتو وإصدارها كل عشرة أعوام، كان آخرها عام 2022م، وذلك خلال انعقاد قمة مدريد والتي أثمرت عن النسخة الراهنة.
لم يتقلد الناتو دورًا رسميًا في المبادرات الدولية المتعلقة بإيران وأزمة برنامجها النووي. وينبغي لنا التذكرة بأن خافيير سولانا، الذي كان أول من يشغل منصب الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية، هو من بدأ أولى جولات التفاوض مع إيران بمشاركة ثلاث دول فقط، ثم انضم آخرون إلى الركب فيما بعد، آخرهم إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
أدت المفاوضات إلى التوصل لاتفاق مع إيران فيما يعرف بـ “خطة العمل الشاملة المشتركة "، عقب مبادلات ممتدة ومفصلة وحوار وثيق أفضى إلى السماح بزيارة مفتشين تابعين للمنظمة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت الإيرانية النووية لتحقق من مواقع ومخزونات اليورانيوم. وهو الاتفاق الذي رفضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى لاعتقاده بأنه كان متساهلا مع الجانب الإيراني.
وعلى الرغم من نأي حلف الناتو بنفسه عن القيام بأي دور نشط في هذا الصدد، إلا أنه ظل حريصاً على مواكبة التطورات عن كثب. وتجدر الإشارة إلى أن آلية العمل داخل الحلف ترتكز على مبدأ الإجماع، وهو ما يجعل تحركاته مشروطة بموافقة جميع الدول الأعضاء. وقد سادت الحلف في ذلك الحين قناعة مفادها عدم ملاءمة تشتيت الجهود الدولية رفيعة المستوى القائمة آنذاك، أو اعتراض سبيلها.
ظلت القضية الإيرانية على صدارة أجندة الاجتماعات الدولية من بينها تلك التي عُقدَت على هامش المؤتمر الدولي في مدينة هرتسليا بالقرب من تل أبيب في عام 2006م. وأُشير حينها إلى أن طهران قرب قوسين أو أدنى من إنتاج قنبلة نووية. وارتأت الأغلبية أن التدخل العسكري لردعها سيكون موضع ترحيب. فيما أُثير تساؤل آخر عما إذا كانت إيران تنوي استخدام السلاح النووي فور امتلاكه أم أنها تسعى لتكديس ترسانة من الأسلحة النووية. وقد تكون إجابة هذا السؤال العامل الأكثر تأثيرا في تحديد توقيت شن هجمات ضد إيران.
لقد عكست هذه النقاشات حجم التباين في التقييمات التي أجريت على مر السنوات بشأن جاهزية البرنامج النووي الإيراني وبينت صعوبة بلوغ يقين تام بشأن قدرات إيران النووية. وفي جميع الأحوال، فقد كان واضحا أن إسرائيل لم تكن قادرة حينها على القيام بعملية عسكرية بهذا الحجم والثقل بمفردها. على عكس المشهد الدولي الراهن الذي يختلف كليا عما كان في السابق مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بأن حلف الناتو وأعضاءه لم يُطلب منهم المشاركة في هجمات 28 فبراير 2026م، ولم يتم اطلاعهم بشأن حقيقة الأوضاع.
إن إقصاء منظمة بحجم الناتو في مرحلة ما بعد الحرب أمر لا ينبغي حدوثه لاسيما فيما يتعلق بالمجال البحري. حيث ينعم التحالف الغربي بخبرات غنية؛ بدءا من عملية المسعى النشط التي تم تدشينها عقب التصديق على البند رقم (5) من أجل مكافحة الإرهاب داخل منطقة البحر المتوسط. بالإضافة إلى عمليات مكافحة أعمال القرصنة التي جرت في الأعوام الأخيرة بالمحيط الهندي بخلاف امتلاك الأساطيل البحرية التابعة لدول الحلف سفن متخصصة في إزالة الألغام.
في الواقع، ينبغي وضع حد للصراع الدائر قبل إجراء تقييم شامل للمشهد الراهن وحينها فقط يمكن اتخاذ قرار بشأن دور الناتو المحتمل في مضيق هرمز أو المحيط الهندي. وبالمثل دول الاتحاد الأوروبي حيث بإمكانها لعب دور إيجابي. صحيح إنها لم تكن القوة العسكرية المهيمنة في السابق، ولكن لديها مصلحة تاريخية في المنطقة ولاتزال تتمتع بقوى ناعمة لا يستهان بها.
وبالعودة إلى مسار الحرب الراهنة، فلا يمكن في هذه المرحلة وضع تصور محتمل للمشهد ما بعد الحرب. حيث لا تزال إيران محتفظة بهيكل القوة لديها مع التحول إلى القيادة العسكرية. وتواصل تعقيد سير المفاوضات بسبب رغبتها في حفظ ماء الوجه. ولكنها قد تسمح برياح التغيير الداخلي فيما بعد والمتوقع أن تحظى بدعم شعبي عارم.
على الجانب الآخر، نجحت إسرائيل في ترسيخ أقدامها خلال السنوات الأخيرة كقوة عسكرية إقليمية، لكنها تدفع ثمنا اقتصاديا واجتماعيا باهظا. وهو ما يجعلنا نتساءل هل يمكن أن نشهد حكومة بديلة لائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تكون أكثر اهتمامًا وتركيزًا على الشؤون الداخلية والاقتصادية.
فيما يتعلق بالقوى الإقليمية الأخرى، قدمت مصر نموذجًا للاِعتدال والتوازن في حل النزاعات، فيما قامت الأردن بدورها المعهود كعامل لدعم الاستقرار. وتواصل تركيا حضورها البارز والاحتفاظ بدورها الرئيسي كلاعب إقليمي في المستقبل. كما تضطلع المملكة العربية السعودية بدورها الرصين من خلال إدانة الاعتداءات الإيرانية مع الدعوة في الوقت ذاته لخفض التصعيد.
في الوقت ذاته، برزت باكستان في دور غير مألوف كوسيط، وربما تكتسب مزيدا من النفوذ داخل المنطقة. وذلك نظرا للمزايا النسبية التي تنعم بها مثل تواصلها المستمر مع إيران التي تتشارك معها مساحة حدودية تبلغ 900 كيلومتر، فضلا عن روابطها الجيدة مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. حتى أنها قد تساهم على المدى البعيد في تطبيع العلاقات داخل المنطقة.
وتظل وحدة الصف العربي هي الحلقة المفقودة؛ إذ لا يمكن التعويل على جامعة الدول العربية كلاعب سياسي وازن في ظل ندرة التوافق الداخلي، في حين لا يزال مجلس التعاون الخليجي بصيغته الراهنة نائياً عن 'النموذج الفيدرالي' المفترض تجسيده، لا سيما إبان الأزمات وحالات الطوارئ.
لقد دفعت دول المنطقة أثماناً باهظة، وبات لزاماً على العرب اليوم العمل على إرساء ركائز نظام سياسي إقليمي أكثر تناغماً، يكون قادراً على مجابهة تحديات العصر، والارتقاء إلى مستوى الإرث الحضاري والإنساني الذي تتميز به هذه البقعة من العالم.






