array(1) { [0]=> object(stdClass)#14650 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 224

تستطيع ألمانيا المساهمة في الدبلوماسية النووية وتطهير مضيق هرمز وحل القضية الفلسطينية

الأربعاء، 29 تموز/يوليو 2026

أظهرت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير الماضي تفوقهما العسكري الكاسح وبراعتهما التكتيكية، إلا أن المؤشرات توحي بأن إيران قد تكون الطرف الذي سيخرج بمكاسب استراتيجية في نهاية المطاف، إذ لم يتحقق أي من أهداف الحرب، التي لم يُعلن عنها بوضوح منذ البداية. فالنظام الإيراني لم يتغير على أرض الواقع، ولا يزال ممسكًا بمقاليد الحكم، بل تحول إلى نسخة أكثر تشددًا وعسكرة، مع تنامي نفوذ الحرس الثوري الإيراني داخل مؤسسات الدولة. وعلاوة على ذلك، لا تزال إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب، ومن المستبعد أن تتنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم ضمن أي اتفاق مستقبلي. ورغم أن قدرتها على تخصيب كميات كافية من اليورانيوم لإنتاج سلاح نووي قد تراجعت لبضعة أشهر، وربما أكثر، فيما يُعرف بـ “زمن الاختراق النووي"، نتيجة الضربات العسكرية التي تعرضت لها، فإن دافعها لامتلاك قوة ردع نووية قد تعاظم بعد تعرضها لهجومين أمريكيين وإسرائيليين خلال عام واحد؛ الأول أثناء "حرب الأيام الاثني عشر" عام 2025م، والثاني في فبراير 2026م، وكلاهما وقع في وقت كانت فيه مسارات التفاوض لا تزال قائمة. كما أن برنامجها للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، الذي استُخدم مرارًا في استهداف دول الخليج وإسرائيل، بل وحتى أذربيجان وقبرص، لا يزال قائمًا. ولم يتضمن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع الولايات المتحدة في يونيو الماضي أي بنود تتعلق بتقييد هذه البرامج أو تقليصها. أما بالنسبة لحلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله، فرغم الضربات القاسية التي تلقاها من إسرائيل على مدار السنوات الثلاث الماضية، فإنه لا يزال جزءًا من المشهد الإقليمي. فقد تمكن حزب الله من التعافي جزئيًا، وتعديل تكتيكاته القتالية، ليبقى مصدر تهديد للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان المحتل. كما نجحت إيران في إدراج الملف اللبناني ضمن مفاوضات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، بل إن ممثلين عن حزب الله كانوا جزءًا من وفدها التفاوضي. وأخيراً، شكّلت أزمة مضيق هرمز الجانب الأهم في اتفاق وقف إطلاق النار بالنسبة للولايات المتحدة، نظرًا لتأثيره المباشر على أسعار الوقود ومعدلات التضخم قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الخريف المقبل. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا الأمر أحد أهداف الحرب، لأن الأزمة نشأت أساسًا نتيجة اندلاعها. والأسوأ من ذلك، أن إيران باتت الآن عازمة على فرض نظام رسوم أو تأمين للمرور الحر، بهدف بسط سيطرة دائمة على مضيق هرمز على المدى البعيد.

يضع هذا المشهد دول مجلس التعاون الخليجي في موقف صعب وغير مريح؛ فهي تجد نفسها محاصرة بين إيران التي خرجت من الحرب جريحة، لكنها باتت أكثر جرأة وإصرارًا، وبين إسرائيل التي تمضي في تنفيذ أجندتها العسكرية بشكل أحادي، دون تقديم رؤية سياسية واضحة للمستقبل. ومع ذلك، تجد دول الخليج نفسها مضطرة للتعامل مع الولايات المتحدة كشريك متقلب وبراجماتي، يقوده رئيس يتخذ قراراته بصورة اندفاعية ولا يُبدي اهتمامًا كبيرًا بالملفات طويلة الأمد. وعلاوة على ذلك، لم يعد التعاون العسكري مع واشنطن، أو استضافة القواعد العسكرية الأمريكية، يمثل صمام أمان يوفر الحماية لهذه الدول، بل تحول إلى عامل يجعلها هدفًا مباشرًا للهجمات والتوترات الإقليمية. ولذلك، من المتوقع أن تترك هذه الحرب آثارًا عميقة على الرؤى السياسية والنماذج الاقتصادية لدول الخليج. إذ ستسهم في تسريع الجهود العالمية الرامية إلى التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وهي جهود تعتمد بدرجة كبيرة على الهيمنة الصينية على سلاسل القيمة المرتبطة بها، بدءًا من تعدين المعادن وتكريرها، وصولًا إلى إنتاج الألواح الشمسية والبطاريات. وفي المقابل، قد تزداد أهمية الدول المنتجة للنفط والغاز في الأمريكتين وإفريقيا مقارنة بمنطقة الشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس على مكانة المنطقة في أسواق الطاقة العالمية. ورغم وجود محاولات لإنشاء خطوط أنابيب جديدة للحد من الاعتماد على مضيق هرمز، فإن حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر ستظل عرضة لتهديدات الحوثيين، كما أن ميناء الفجيرة الإماراتي، المطل على المحيط الهندي، يقع ضمن نطاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وعلاوة على ذلك، أصبحت مكانة دبي بوصفها "ملاذًا آمنًا"، وهي المكانة التي شكلت أحد أهم عوامل نجاحها في تنويع اقتصادها والاعتماد على قطاعات الخدمات واللوجستيات والسياحة والتجارة، محل تساؤل في ظل المتغيرات الأمنية الجديدة. ومن شأن ذلك أن يدفع دبي، إلى جانب دول خليجية أخرى سعت إلى استنساخ "نموذج دبي"، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية من خلال "رؤية 2030"، إلى إعادة تقييم حساباتها ومراجعة بعض مساراتها التنموية. ونتيجة لذلك، قد تشهد المنطقة تراجعًا في تدفقات الاستثمارات الدولية، كما قد تضطر بعض الدول إلى إعادة جزء من أصولها واستثماراتها الخارجية أو سحب بعض أموالها من الأسواق العالمية، بهدف تعويض العجز المالي المحتمل في موازناتها المحلية ومواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي.

وإلى جانب التنويع الاقتصادي، تكتسب المرونة السياسية أهمية بالغة؛ إذ ستسعى دول الخليج عسكرياً إلى توسيع خياراتها وتحقيق قدر من الاستقلالية الإستراتيجية، لا سيما في القطاعات الحيوية التي أثبتت التجارب محورية دورها مثل الدفاع الجوي. وقد يشمل هذا التوجه بناء شراكات مع دول أصغر، مثل أوكرانيا وكوريا الجنوبية، بهدف تنويع مصادر التكنولوجيا والتسليح. وفي هذا السياق، أظهرت الإمارات رغبة واضحة في تعزيز تعاونها مع إسرائيل، والتي قدمت لها بالفعل نموذجاً أولياً لنظام دفاع جوي جديد يعمل بالليزر خلال الضربات الإيرانية الأخيرة. هذا النظام قد يوفر طريقة أرخص بكثير للتصدي للطائرات المسيرة (الدرونز) مقارنة بصواريخ الدفاع الجوي التقليدية شديدة الارتفاع في التكلفة. وعلى الجانب الآخر، تبدو السعودية ودول خليجية أخرى أكثر حذراً؛ إذ تربط ملف التطبيع مع إسرائيل بتحقيق تقدم حقيقي نحو قيام دولة فلسطينية، وهو أمر يبدو غير مرجح في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية.

أما على صعيد القوى الكبرى، تبذل دول الخليج جهودًا حثيثة لإرساء "سياسة التوازن بين القوى" وبناء شراكات جديدة بشكل أكبر مع القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الصين.  بيد أن هناك تساؤلات لا تزال قائمة بشأن تحول بكين إلى لاعب سياسي قوي في منطقة الشرق الأوسط، يتجاوز نفوذها الاقتصادي المتنامي. كما تثير علاقاتها الوثيقة مع إيران، والتي تُوجت بتوقيع اتفاقية تعاون استراتيجي تمتد لـ 25 عامًا عام 2021م، مخاوف لدى بعض العواصم الخليجية. أما روسيا، فرغم حضورها السياسي والعسكري في المنطقة، فإنها لا تضاهي اقتصاديًا الصين أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، كما أن انشغالها بالحرب في أوكرانيا، سيحد من قدرتها على لعب دور مؤثر في المنطقة على المدى القريب.

وهذا الوضع يجعل ألمانيا محط أنظار دول الخليج؛ فهي تملك ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا والصين وقبل اليابان، وتعتبر المحرك الاقتصادي الأول لأوروبا، بل وتلعب دورًا حاسمًا ضمن الجهود الأوروبية الرامية لمواجهة التوسع الروسي والحروب الهجينة. لكن السؤال القائم الآن: هل ستتحرك ألمانيا بمفردها، أم ستنجح في قيادة دور مشترك مع قوى أوروبية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا وبولندا، خاصة في مجال شراء السلاح وتطويره؟

 تاريخيًا، كان تركيز السياسة الخارجية الألمانية ينصب على علاقتها مع أمريكا وترتيب الأوضاع في أوروبا الشرقية؛ لكن في العقود الأخيرة، بدأت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تأخذ مساحة أكبر وأهمية متزايدة في حساباتها الاستراتيجية، ولم يعد الأمر متعلقًا بملف الطاقة (النفط والغاز) فقط. ولأن ألمانيا تمتلك علاقات وثيقة مع إسرائيل وإيران على حد سواء، فإن دول الخليج تتساءل اليوم: ما إذا كانت برلين تستطيع لعب أي دور في تهدئة الأوضاع وإعادة الاستقرار للمنطقة بعد الحرب الإيرانية.

لقد مرت العلاقات الألمانية الإسرائيلية بثلاث مراحل رئيسية؛ تمثلت الأولى في مساعي ألمانيا لإعادة تأهيل مكانتها الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومحرقة الهولوكوست؛ ولهذا الغرض، قدمت برلين "تعويضات مالية" لإسرائيل عام 1952م، وأمدتها بشحنات أسلحة ذات أهمية استراتيجية بين عامي 1957 و1964م، وذلك حتى قبل التدشين الرسمي للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1965م، وهي الخطوة التي دفعت العديد من الدول العربية آنذاك إلى قطع علاقاتها ببرلين. وعقب ذلك، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة ثانية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث اكتسب النهج الألماني سياسة أكثر توازنًا، هدفت إلى المواءمة بين التزاماتها تجاه إسرائيل ومصالحها السياسية والاقتصادية مع الدول العربية، خاصةً الدول المنتجة للنفط، في ظل التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة والبيئة الإقليمية.

وأخيراً، ومنذ مطلع الألفية الجديدة، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز الدعم الألماني لإسرائيل، في إطار مفهوم "مصلحة الدولة العليا"، الذي أعلنته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل رسميًا خلال خطابها أمام الكنيست عام 2008م، عندما أكدت أن أمن إسرائيل يمثل جزءًا لا يتجزأ من مصلحة الدولة الألمانية ومسؤوليتها التاريخية. واليوم، تبدو الروابط السياسية والثقافية والأكاديمية بين الطرفين وثيقة للغاية؛ حيث لعبت ألمانيا في السابق دور الوسيط في إبرام صفقات بين إسرائيل وحزب الله لتبادل الأسرى وجثامين المقاتلين. ويمتد هذا التنسيق إلى الصعيد العسكري؛ إذ تشكل غواصات "دولفين" الألمانية، التي يُعتقد أنها مزودة بأسلحة نووية، ركيزة أساسية لمنظومة الردع الإسرائيلية وقدرتها على توجيه "الضربة الثانية"، في حين تُجهَّز دبابات "الميركافا" الإسرائيلية بناقلات حركة من صنع شركة "رينك" الألمانية. وفي المقابل، تعتمد منظومة الدفاع الجوي الألمانية، التي يتم تطويرها حالياً، على صواريخ "آرو 3" (السهم 3) الإسرائيلية. وبالإضافة إلى ذلك، تبرز إسرائيل كشريك حيوي أيضًا لبرلين في مجالات الطائرات المسيرة، والحروب السيبرانية، وجمع المعلومات الاستخباراتية.

هذا التعاون الوثيق بات يواجه مأزقاً حقيقياً في أعقاب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؛ إذ أسفرت العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي عن مقتل نحو خمسة بالمائة من سكان القطاع، في وقت أقامت فيه جنوب إفريقيا دعوى إبادة جماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، كما أن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل ووزير دفاعه السابق، يوآف غالانت، يواجهان مذكرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهمة شن حرب تجويع (علماً بأن إسرائيل اغتالت لاحقاً ثلاثة من قادة حماس كانوا مطلوبين للمحكمة ذاتها). وفي هذا السياق، وخلال فترة قيادته للمعارضة، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى تجاهل مذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو، مؤكدًا أن ألمانيا ينبغي أن تستقبله، على غرار ما فعله رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، قبل أن تنسحب المجر لاحقًا من المحكمة الجنائية الدولية. غير أن ميرتس، وبعد توليه منصب المستشار، عدّل موقفه، مكتفيًا بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي في إسرائيل، كما وافقت حكومته عام 2025م، على فرض حظر مؤقت على تصدير الأسلحة الهجومية التي يمكن استخدامها في الحرب على غزة، إلا أن هذا الحظر رُفع لاحقًا عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار الهش في القطاع.

يضع هذا المشهد جمهورية ألمانيا الاتحادية أمام معضلة حقيقية؛ فمن جهة، تنظر برلين إلى نفسها باعتبارها "قوة مدنية" تستند في سياستها الخارجية إلى احترام القانون الدولي والدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد، حتى في أوقات تراجع القوى الغربية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عن الالتزام بهذه المبادئ. فقد كانت ألمانيا من أبرز الداعمين لـنظام روما الأساسي عام 1998م، الذي أرسى الأساس القانوني لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، والتي باشرت عملها رسميًا عام 2002م. إلا أن الموقف الألماني يكشف عن قدر من الازدواجية في تطبيق هذه المبادئ. ففي حالة الحرب الروسية على أوكرانيا، دعمت برلين بوضوح مذكرة التوقيف الصادرة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واعتبرتها خطوة ضرورية في إطار العدالة الدولية. أما في الحالة الإسرائيلية، فتبدو السياسة الألمانية، في نظر كثير من المراقبين، محكومة بما يُعرف بـمقتضيات مصلحة الدولة، القائمة على التزام تاريخي وسياسي غير مشروط تجاه إسرائيل، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف المعايير القانونية ذاتها التي تؤكد برلين تمسكها بها. ويؤكد هذا الطرح أن القانون الدولي وحقوق الإنسان مبادئ عالمية لا يجوز تطبيقها بصورة انتقائية، بل يجب أن تشمل الفلسطينيين كما تشمل غيرهم. وفي هذا السياق، أدى استمرار ألمانيا، إلى جانب الولايات المتحدة، في رفض الاعتراف بدولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967م، إلى تزايد عزلتها على الصعيد الدولي، في وقت اعترفت فيه غالبية دول الجنوب العالمي بالفعل بالدولة الفلسطينية، كما انضمت خلال السنوات الأخيرة عدة دول غربية إلى هذا التوجه، من بينها إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وكندا. وعلى الجانب الآخر، تظل ألمانيا الدولة الأكثر قرباً لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، وهو ما يمنحها أوراق ضغط يمكن توظيفها في المفاوضات المتعلقة بمستقبل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية.

وينطبق الأمر ذاته على إيران؛ فعلى الرغم من العلاقات الوثيقة نسبيًا التي جمعت طهران ببرلين على مدار عقود، واستمرارها حتى بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979م، فإن هذه العلاقات شهدت فتورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. وخلال حقبة الشاه، بلغت العلاقات الاقتصادية بين البلدين مستوى متقدمًا، شمل تعاونًا في المجال النووي، إذ تولت شركة "سيمنز" الألمانية تنفيذ التصميم الأولي لمحطة بوشهر النووية. ورغم أن الثورة الإسلامية أحدثت تحولًا جذريًا في بنية النظام السياسي الإيراني وتوجهات سياسته الخارجية، فإن العلاقات الثنائية نجحت في تجاوز تلك المرحلة. ومع انتهاء الحرب الباردة، أصبحت العلاقات الألمانية-الإيرانية أكثر ارتباطًا بالاعتبارات السياسية والأمنية. ففي تسعينيات القرن الماضي، تبنت ألمانيا سياسة عُرفت بـ “الحوار النقدي" مع طهران، والتي هدفت إلى الإبقاء على قنوات التواصل مع ممارسة ضغوط سياسية بشأن عدد من الملفات الخلافية. وفي إطار الاتحاد الأوروبي، وبالتنسيق مع شركائها الرئيسيين، اضطلعت برلين بدور محوري في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى معالجة الملف النووي الإيراني. وشكل انخراط الترويكا الأوروبية، التي تضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا، نقطة تحول رئيسية في هذا المسار، تُوجت بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015م، ورأت ألمانيا في الاتفاق النووي آلية فعالة للحد من مخاطر الانتشار النووي، ووسيلة لتهيئة الظروف أمام تطبيع العلاقات مع إيران، من خلال إخضاع البرنامج النووي الإيراني لنظام صارم من التحقق والرقابة الدولية، بالتوازي مع رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية، بيد أن انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى، من الاتفاق النووي عام 2018م، وما أعقبه من تجاوز إيران للقيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، شكّل تحديًا كبيرًا للرؤية الألمانية، التي ترتكز على الدبلوماسية متعددة الأطراف، والالتزام بالأطر القانونية الدولية، وتعزيز التعاون الاقتصادي. ورغم قدرة ألمانيا على الإسهام في تيسير الحوار بين الأطراف المختلفة، فإنها لا تمتلك وحدها الحوافز السياسية الكافية لتجاوز الاعتبارات الأمنية المتشددة التي تحكم مواقف جميع الأطراف المعنية. ولا يقتصر القلق الألماني على مخاطر الانتشار النووي، بل يمتد أيضًا إلى الدور الإقليمي لإيران، الذي بات محل انتقاد متزايد في برلين، لا سيما في أعقاب هجمات جماعة الحوثيين على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وكذلك هجوم السابع من أكتوبر الذي نفذته حركة حماس، والذي ترى ألمانيا أن إيران قدمت له دعمًا سياسيًا ورحبت به.إلى جانب ذلك، برز ما يُعرف بـ"دبلوماسية الرهائن"، التي انتهجتها طهران من خلال احتجاز أكاديميين ومواطنين أوروبيين واستخدامهم كورقة ضغط سياسية، باعتبارها أحد أبرز التحديات التي ألقت بظلالها على مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.

وفي ظل هذه المعطيات، يمكن لألمانيا استغلال علاقاتها مع كل من إسرائيل وإيران لتعزيز مصالحها الحيوية في المنطقة، والمتمثلة في ترسيخ الاستقرار السياسي، وضمان التدفق السلس لإمدادات الطاقة، ومنع الانتشار النووي، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وعلاوة على ذلك تمتلك برلين فرصة للعب دور محوري في إحياء الدبلوماسية النووية، والمساهمة في تطهير مضيق هرمز من الألغام عقب انتهاء الحرب، فضلاً عن الانضمام إلى الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لإيجاد حلول جذرية ودائمة للقضية الفلسطينية. وعلى صعيد البنية التحتية والتعاون الاقتصادي، هناك آفاق واعدة للشراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي، بدءًا من مشاريع الهيدروجين الأخضر والتعاون الصناعي، وصولاً إلى مشروعات ربط شبكات الطاقة الكهربائية بين أوروبا والمنطقة، والتنسيق الأمني في بعض الملفات العسكرية، مثل الأمن البحري والدفاع الجوي. ومع ذلك يظل نجاح ألمانيا في هذه المساعي مشروطاً بقدرة برلين على قيادة قاطرة العمل الأوروبي المشترك، والدفع نحو مزيد من التكامل داخل الاتحاد؛ إذ لم تعد ألمانيا بمفردها، شأنها شأن قوى أوروبية كبرى أخرى مثل فرنسا وبريطانيا، تمتلك الثقل الكافي للعب دور منفرد في بيئة جيوسياسية متسارعة التحول، تتسم بصعود قوى دولية جديدة وتآكل دور المؤسسات التقليدية متعددة الأطراف.

مقالات لنفس الكاتب