array(1) { [0]=> object(stdClass)#14650 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 224

الحرب تؤسس لإعادة توزيع النفوذ وللعراق فرصة للتحول من ساحة تنافس لدولة توازن

الأربعاء، 29 تموز/يوليو 2026

يشهد الشرق الاوسط بشكل عام ولاسيما المنطقة العربية تحولات متسارعة على مستوى الأمن الإقليمي بعد الحرب الامريكية /الايرانية والاتفاق الأمريكي–الإيراني، لذا لم تعد هذه الحرب حدثا عسكرياً عابراً، بل شكلت نقطة تحول في هندسة الامن الإقليمي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول موقع العراق في النظام الاقليمي الناشئ. إن هذه التحولات العميقة نتجت عن تصاعد التوترات والصراعات المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وهو ما انعكس على بنية التحالفات الإقليمية القائمة والقادمة وأنماط التفاعل بين الفاعلين الإقليميين. فقد أسهمت هذه التحولات في تراجع فاعلية الردع التقليدي، وأعادت تموضع الفاعلين الإقليميين ضمن شبكة التحالفات القائمة.

اولا: الانتقال من منطق توزان الردع الى توازن المخاطر:

وفي هذا السياق، تشــــــير دراسة صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن تصاعد التهديدات المشتركة، إلى جانب التغير النسبي في الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، دفع العديد من دول المنطقة إلى تعزيز التعاون الأمني الإقليمي، وتبني صيغ جديدة للشراكات الأمنية تقوم على تقاسم الأعباء وتنويع مصادر الدعم الأمني، بدلاً من الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية.

كما تؤكد دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن الحروب وحالات الاستنزاف الإقليمي دفعت دول الشرق الأوسط إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي، من خلال تبني ترتيبات أمنية جماعية أكثر مرونة تستند إلى الحوار الإقليمي، وخفض التصعيد.

وعليه، يمكن القول إن التوترات والصراعات المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران وإسرائيل أسهمت في انتقال العديد من الدول الإقليمية من سياسة الاعتماد على التحالفات العسكرية التقليدية إلى استراتيجية تقوم على تنويع الشركاء الدوليين، وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتوسيع التعاون الأمني الإقليمي، ففي ضوء تراجع فاعلية الردع الامريكي، وفشل القواعد العسكريةالامريكية في صد الصواريخ والمسيرات الايرانية التي سقطت على دول الخليج، بات الخيار الامثل لتلك الدول هو البحث عن شراكات استراتيجية جديدة تؤمن لها حالة من الاستقرار الامني، وفي هذا المجال يرى الكاتب عبدالله فيصل آل ربح أن الازمة لم تعد تقتصر على تراجع قدرة الولايات المتحدة على الردع، بل تحولت إلى أزمة ثقة بنيوية في قدرتها على الاضطلاع بدور الشريك الأمني الموثوق، الأمر الذي دفع دول الخليج إلى تبني توجهات تقوم على تعزيز الردع الذاتي وتنويع الشراكات الأمنية وهذا الرأي يؤيده الاستاذ المتخصص بكلية كينغز في جامعة لندن ديفيد ب . روبرتس بقوله ان أمن الخليج لم يعد من الممكن ان يعتمد بصورة رئيسة على الحماية العسكرية الخارجيةـ وانما ينبغي أن يستند إلى تعاون إقليمي أكبر، وتعزيز القدرات الذاتية، وتنويع الشراكات الأمنية مع منح الدبلوماسية دورًا أكبر في إدارة الأزمات. ويستهدف هذا التحول تعزيز مرونة الدول في مواجهة التهديدات وتقليل المخاطر الناجمة عن تغير موازين القوى أو تراجع موثوقية الضمانات الأمنية التقليدية.

يمكن، في ضوء ما توصلت إليه الأدبيات والدراسات المتخصصة، استخلاص أن التحولات التي افرزتها الحرب الامريكية / الاسرائيلية على إيران في البيئة الأمنية الإقليمية عكست انتقالا تدريجيا من منطق توازن الردع إلى منطق التوازن في إدارة المخاطر، اذ لم يعد الهدف الرئيس للأطراف المتنافسة تحقيق الحسم العسكري، بقدر ما أصبح يتمثل في احتواء التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة، وهو ما جسدته الأحداث المتسارعة التي شهدتها المنطقة. ونتيجة لذلك، فإن حالة الهدوء التي أعقبت هذه التحولات لا يمكن وصفها بسلام مستقر، وإنما تمثل "سلمًا قلقًا" يقوم على تفاهمات هشة ومؤقتة، تظل قابلة للاهتزاز مع أي تغير في موازين القوى أو المصالح الإقليمية والدولية. والسؤال الذي نطرحه هنا أين موقع العراق من هذه التحولات والمتغيرات؟

ثانيا ــ العراق في معادلة الامن الاقليمي الجديدة:

       في ظل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي، والتي جاءت في سياق أزمة سياسية داخلية وتحولات إقليمية متسارعة وتحديات اقتصادية، يبرز تساؤل جوهري حول موقع العراق في معادلة الأمن الإقليمي الجديدة، وإمكانية انتقاله من ساحة للتنافس الإقليمي إلى دولة توازن قادرة على المساهمة في استقرار المنطقة. وقد اكتسب هذا الطرح زخمًا مع رؤية المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السفير توم باراك، والتي تؤكد أن العراق يمتلك دورًا محوريًا في بناء الاستقرار الإقليمي إذا نجح في تحصين سيادته، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع استخدام أراضيه ساحةً للصراعات الإقليمية، بما يعزز مكانته بوصفه شريكًا في الأمن والتنمية الإقليميين.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، تمثل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن فرصة لإعادة صياغة الشراكة العراقية–الأمريكية على أسس تتجاوز التعاون الأمني التقليدي، لتشمل الاستثمار والطاقة والبنى التحتية، بما يرسخ استقلال القرار العراقي ويعزز قدرته على انتهاج سياسة خارجية متوازنة مع الولايات المتحدة والدول العربية وإيران في آن واحد. كما تعكس هذه الزيارة إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لأهمية العراق بوصفه نقطة التقاء للمصالح العربية والإيرانية والدولية، وليس مجرد ساحة لإدارة النفوذ.

ومع ذلك، فإن ترسيخ مفهوم "دولة التوازن" يظل مرهونًا بقدرة الحكومة الجديدة على استكمال الإصلاحات الداخلية، وفي مقدمتها احتكار الدولة للسلاح، وتوحيد القرار الأمني ومكافحة الفساد، وتعزيز المؤسسات الدستورية، وتفعيل الدبلوماسية العراقية بما يحول الموقع الجيوسياسي للعراق إلى مصدر نفوذ واستقرار، ويؤهله للقيام بدور الوسيط الإقليمي بدلًا من كونه ساحة لتقاطع الصراعات.

ثالثاً ــ النفوذ الإيراني وإعادة التموضع العربي في العراق:

تثير مرحلة ما بعد الحرب والتفاهمات الأمريكية–الإيرانية تساؤلًا محوريًا حول ما إذا كانت تمثل فرصة لإعادة دمج العراق في فضائه العربي، أم أنها ستفضي إلى إعادة تشكيل أنماط النفوذ دون إحداث تحول جوهري في موازين القوى الداخلية. ورغم أن بعض الدراسات تفترض أن الضغوط الإقليمية والدولية قد تؤدي إلى انحسار النفوذ الإيراني في العراق، فإن هذا الافتراض يظل محل نقاش، إذ إن النفوذ الإيراني لا يستند إلى البعد الأمني وحده، بل يقوم أيضًا على شبكة معقدة من العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، وعزلة العراق عن محيطه العربي من جهة اخرى، الأمر الذي يجعل إعادة تشكيله أكثر ترجيحًا من تراجعه الكامل.

وفي المقابل، قد تفتح التفاهمات الأمريكية–الإيرانية نافذة لخفض حدة الاستقطاب داخل العراق، بما يمنح الحكومة مساحة أوسع لاتباع سياسة خارجية متوازنة وتعزيز دور الدولة في إدارة العلاقات الإقليمية. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بقدرة بغداد على تحييد التنافس الإقليمي عن الساحة الداخلية وترسيخ سيادة الدولة على القرارين الأمني والسياسي.

كما تمثل هذه المرحلة فرصة لتعزيز الشراكة العراقية–العربية، خصوصًا في مجالات الاستثمار والطاقة والربط الاقتصادي، بما يسهم في تنويع خيارات العراق الاستراتيجية ويحد من اعتماده على محور إقليمي واحد. وفي هذا الإطار، تؤكد دراسة اعدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن الانفتاح العربي سيكون أكثر استدامة إذا استند إلى المصالح الاقتصادية والتنموية، وليس إلى اعتبارات التنافس الجيوسياسي فقط. وعليه، فإن نجاح الدبلوماسية العراقية يظل مرهونًا بتحقيق توازن دقيق بين الشراكة العربية، واستمرار العلاقات مع إيران، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، بما يعزز مكانة العراق بوصفه دولة توازن لا ساحةً لتقاطع النفوذ.

 

رابعاً ــ أمن الطاقة والممرات الاستراتيجية وإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية:

أعادت الحرب الأخيرة في الإقليم تسليط الضوء على أمن الطاقة والممرات البحرية بوصفهما عنصرين حاسمين في الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، ولا سيما في ظل المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. وقد عززت هذه التطورات الاتجاه نحو تنويع مسارات تصدير النفط وتقليل الاعتماد على الممرات المعرضة للأزمات، الأمر الذي يفتح أمام العراق فرصًا استراتيجية لإعادة تموضعه ضمن خريطة الطاقة والتجارة الإقليمية.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تسريع تنفيذ مشروع خط أنابيب العراق ــ العقبة، وإعادة تأهيل وتعزيز خطي أنابيب العراق ــ جيهان وكركوك بانياس كاحد خيارات العراق الاقتصادية للانفتاح على أ وروبا، إلى جانب دراسة فرص الربط مع ميناء ينبع على البحر الأحمر وخط، بما يوفر بدائل آمنة ومتعددة لتصدير النفط العراقي. كما يمثل مشروع طريق التنمية فرصة استراتيجية لتحويل العراق إلى عقدة لوجستية تربط الخليج بأوروبا عبر شبكة متكاملة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق البرية، بما يعزز مكانته في سلاسل الإمداد العالمية. ومن شأن تعدد ممرات التصدير والتجارة أن يرفع مرونة الاقتصاد العراقي، ويعزز الأمن العربي للطاقة، ويقلل من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد، بما يحول الموقع الجغرافي للعراق إلى رافعة للتنمية والاستقرار الإقليمي.

خامساً ــ العراق كجسر للتكامل الإقليمي وبناء منظومة الأمن العربي المستقبلية:

تفرض التحولات الإقليمية الراهنة إعادة تعريف دور العراق من ساحة للتنافس إلى جسر للتكامل الإقليمي، بما يعزز مكانته ركيزةً للاستقرار في الشرق الأوسط. ويتطلب ذلك الانتقال من منطق المحاور والاستقطابات إلى منطق الشراكات القائمة على المصالح المتبادلة، بما يتيح للعراق انتهاج سياسة خارجية متوازنة تربط بين محيطه العربي وجواره الإقليمي. وفي هذا السياق، يمثل التكامل الاقتصادي مدخلًا رئيسًا لتعزيز الأمن، من خلال توسيع مشروعات الربط في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والاستثمار، بما يحول الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى عامل للحد من الصراعات.

كما يمتلك العراق مؤهلات تؤهله للاضطلاع بدور الوسيط في إدارة الأزمات الإقليمية، مستفيدًا من علاقاته مع مختلف الأطراف، وتجربته في استضافة الحوارات الإقليمية. ويعزز مشروع طريق التنمية، إلى جانب مشروعات الربط الكهربائي وخطوط الطاقة، فرصة تحول العراق إلى عقدة استراتيجية تربط الخليج بتركيا وأوروبا، بما يرسخ مكانته في الاقتصاد الإقليمي. وفي المدى الأبعد، يمكن للعراق أن يسهم في بلورة منظومة أمن عربية أكثر استقلالًا وتكاملًا، تستند إلى التعاون الاقتصادي، واحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات بالحوار، بما يجعل التنمية والاعتماد المتبادل أساسًا للأمن الإقليمي المستدام.

       أن التحولات التي أفرزتها الحرب والاتفاق الأمريكي–الإيراني لا تعني نهاية الصراع بقدر ما تؤسس لمرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ وإعادة هندسة الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، يمتلك العراق فرصا استراتيجية للتحول من ساحة تنافس إلى دولة توازن، مستفيداً من موقعه الجغرافي، وشبكة علاقاته العربية والإقليمية، ومشروعات الربط الاقتصادي والطاقة، بما يعزز بناء منظومة أمن عربي أكثر استقراراً تقوم على الحوار، واحترام السيادة، والتكامل الاقتصادي، وتنويع ممرات الطاقة والإمداد.

مقالات لنفس الكاتب