array(1) { [0]=> object(stdClass)#14703 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 224

تشكيل الأمن الإقليمي يتحدد بعد بناء القدرات الخليجية والثقة في إيران

الأربعاء، 29 تموز/يوليو 2026

لقد مثلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية حدثًا مفصليًا في تاريخ النظام الإقليمي للشرق الأوسط، إذ لم تعد منطقة الخليج العربي مجرد ساحة خلفية للصراعات الإقليمية، بل تحولت إلى بيئة جيوسياسية للتوازنات الإقليمية قد تتشكل فيها ملامح نظام إقليمي جديد، وهو ما يعني في نهاية المطاف بدء مرحلة أكثر تعقيدَا تتطلب إعادة تعريف شاملة لمفاهيم الأمن والتحالفات والقوة، إذ انتقل الصراع من نمط الحروب غير المباشرة وحروب الوكلاء إلى مستوى الاشتباك شبه المباشر بين قوى تمتلك قدرات عسكرية تقليدية ومتقدمة قد تعيد تشكيل خرائط التحالفات وموازين القوى في النظام الإقليمي الخليجي.

   وفي ضوء هذهِ المعطيات يتبين أنه منذ بدء الحرب كان أحد الأسئلة المطروحة على دول الخليج هو ما إذا كان بإمكانها البقاء خارج نطاق حرب إقليمية؟ وهل ستؤدي الحرب إلى إعادة تشكيل نظام إقليمي جديد أم إعادة ترتيب النظام القائم؟

 وانطلاقاً من ذلك يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية استراتيجية لأبعاد المواجهة الأمريكية / الإسرائيلية- الإيرانية، وما قد يترتب عليها من إعادة تشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط واستشراف السيناريوهات المحتملة لمسار الحرب لتوضيح كيف يمكن لدول الخليج أن تعيد هندسة موقعها في هذا النظام الناشئ، متجاوزة الأطر التقليدية التي طالما حكمت المنطقة.

أولاً- محددات إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الخليج

  لقد سعت دول الخليج من خلال اتباع سياسة ضبط النفس إلى تجنب اتساع نطاق الحرب الأمريكية / الإسرائيلية- الإيرانية، كما تبنت هذهِ الدول دبلوماسية تقليل المخاطر التي تقوم على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف بمن فيها الخصوم واستخدام الأدوات الاقتصادية والاستثمارية كوسيلة تأثير سياسي في النظام الإقليمي.

  ورغم ذلك فإن دول الخليج تمثل الحلقة الأكثر حساسية في الحرب، إذ تتقاطع مصالحها الاستراتيجية مع أحداث الصراع بشكل يهدد استقرار المنطقة بأسرها، لاسّيما أن اقتصادات هذهِ الدول تعتمد بشكل كبير على إمدادات النفط والغاز، والتي تشكل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، فضلاً عن الموقع الجغرافي الذي يضعها بالقرب المباشر من إيران، فمنذ بداية الضربة الكبرى على إيران في 28 فبراير2026 م، أصبحت هذهِ الدول في موقع دفاعي وتتعامل مع الأزمة ضمن إطار مزدوج يجمع بين الاستعداد الدفاعي والسياسة التوازنية الدقيقة، لتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تؤثر على أمنها القومي ومصالحها الحيوية.

  وامتدادًا لما ذكر فإن الرأي العام الخليجي يمر بحالة من التنافر المعرفي بين موقفين متوازيين بين رفض قيمي للسياسات الإسرائيلية نابع من التضامن مع الفلسطينيين، ومن الإدراك المتزايد للخطر الذي تشكله (إسرائيل) على الأمن والسلم الإقليميين وطموحاتها للهيمنة، يقابله قلق وجودي من السياسات الإيرانية التي تمس المجال الحيوي الخليجي، ويترتب على ذلك اتباعها نهجاً براغماتياً يُركز على تقليل المخاطر المحيطة بدول الخليج. 

  وهو ما يعزز فرضية اتباع دول الخليج ما يمكن وصفه بـ (الحياد الحذر) وهو موقف لا ينحاز لطرف دون الآخر، بل يركز على تحييد النظام الإقليمي في الخليج ومنع تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات، ويعكس ذلك أن هذا الحياد الحذر ليس سلبي بل هو تعبير عن أولوية استراتيجية لحماية المكتسبات التنموية بدل الانخراط في الصراع لاسيّما في الحالة الخليجية فقد أدى تكرار التوترات إلى ترسيخ صورة ذهنية سلبية عن إيران في الوعي الشعبي أصبحت جزءاً من القناعة المجتمعية الأوسع؛ ومن هنا فإن غياب الثقة الشعبية سيجعل أي تقارب هش فهذا
السلام البارد لا يتحول إلى شراكة مستقرة إلا إذا رافقه تحول في التصورات المجتمعية المتبادلة، فإذا استمرّ الرأي العام في النظر إلى الطرف الآخر باعتباره مصدرًا دائمًا للقلق، فإن الاتفاقات السياسية ستظل محكومة بالشك ومعرضة للانهيار، فضلاً عن ذلك، فإن انكشاف العداء الإيراني لدول الخليج سيجعل قادة مجلس التعاون يعيدون حساباتهم في العلاقة معها على أكثر من مستوى، أهمها التوقف عن النظر إليها كحليف إقليمي محتمل يمكن للحوار أن يغيره، وستفرز هذهِ القناعة توجهاً براغماتياً لإعادة النظر في العلاقات مع إيران، بما في ذلك إمكانية تحجيم التعاملات معها إلى الحد الأدنى، ولاسيّما في المجالات الاقتصادية.

  ويعكس ذلك بشكل واضح أن الموقف الخليجي في مجمله يعكس سياسة توازن دقيقة تعتمدها دول الخليج، التي تسعى للحفاظ على التهدئة السياسية والدبلوماسية من خلال التعاون المشترك الذي يظهر بوضوح إدراكها لأبعاد النزاع المتعددة، التي تشمل القوة العسكرية المباشرة، والتأثير الاقتصادي، وأهمية الممرات البحرية الحيوية، وهو ما يفسر الاعتماد الدائم لدول الخليج على مظلة أمنية خارجية، لاسيّما من الولايات المتحدة الأمريكية لردع التهديدات الإقليمية، إلا أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ منخفضة التكلفة، كشفت عن هشاشة هذا النموذج، فهذهِ الهجمات التي كلفت المهاجمين آلاف الدولارات بينما استنزفت من الدفاعات ملايين الدولارات لاعتراضها، ومما لا شك فيه أن هذهِ الاعتداءات ستسهم في إعادة النظر في الرؤية الخليجية لأمن الخليج بعد الحرب، والتي يتوقع أن تقوم على ثلاث ركائز أو أعمدة، تتمثل في تعزيز القدرات الوطنية، والتعاون الخليجي المشترك، وتعميق الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة، فتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية ولاسّيما الدفاع الجوي، ودعم الصناعات الدفاعية المحلية هو الركيزة الأولى لأمن الخليج بعد الحرب،أما الركيزة الثانية تقوم على تعميق التعاون الخليجي المشترك في مجال الدفاع، والاستخبارات، ووضع آليات مؤسسية لترجمة الاتفاقات الأمنية بين دول مجلس التعاون، ولاسّيما اتفاقية الدفاع المشترك لعام 2000م، كذلك أوضحت الخبرة الراهنة أنه سيكون من المهم لدول الخليج تعزيز الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة للحفاظ على أمن الخليج والاستقرار الإقليمي.

 ويلاحظ من خلال ذلك أنه في ظل إعادة هندسة التحالفات الاستراتيجية قد تغيرت معادلة الردع التقليدي، وهنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة تعريف الردع بحيث يتجاوز البعد العسكري التقليدي ليشمل الردع السيبراني والتكنولوجي، وبذلك لابد أن تستثمر دول الخليج بشكل متزايد في الأمن السيبراني، وتطوير مهارات الذكاء الاصطناعي الدفاعي، وتقنيات التشفير المتقدمة لحماية بنيتها التحتية الحيوية من الطاقة والاتصالات والمياه، وقد أنعكس هذا إلادراك في اتخاذ دول الخليج خطوات ملموسة نحو إبرام صفقات تسليح مع قوى عالمية أخرى مثل فرنسا والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية، وتوسيع التعاون العسكري مع تركيا، وعقد محادثات حول التسليح مع روسيا والصين، والهدف ليس الاستغناء عن الشراكة مع الولايات المتحدة، بل ضمان ألا تتحول إلى احتكار يقيّد هامش المناورة الاستراتيجية، كما أن الصين لاعب اقتصادي رئيس تقدم نموذجًا للشراكة يركز على الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية دون الالتزامات الأمنية المباشرة، مما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون.

 وفي إطار هذا التحول مع مرحلة ما بعد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة الامريكية- إسرائيل وإيران ومع انفتاح مسارات تفاوضية غير مستقرة، فإن الدلائل كافة تشير إلى أن النظام الإيراني لم يسقط وقد كان هذا هدف رئيسي للحرب، ولم تنجح إسرائيل في نزع سلاح أي من حلفاء إيران في المنطقة، وسوف تعمل الولايات المتحدة على الأرجح من أجل التوصل إلى تسوية تمنع عودة الصراع وتضمن سلمية برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات وإنهاء الحصار وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإذا تحقق هذا الاستنتاج فستتحول إيران إلى لاعب إقليمي يؤثر في الملفات الإقليمية، ولكن بطريقة مختلفة تماماً عن تلك التي اعتادت ممارستها منذ وصول الخميني للسلطة وإسقاط الشاه عام 1979م، وتلك عوامل من شأنها التأثير بشدة في نظام إقليمي خليجي، سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة تشكيل مؤسساته وأهدافه بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.

وبناءً على ما سبق أكتفي بالقول إن المهمة العاجلة التي يتعين على دول الشرق الأوسط أن تشرع فيها على الفور هي تنسيق المواقف والتحرك لإنهاء الحصار على قطاع غزة، وإعادة توحيد الصفوف الفلسطينية، والتمهيد لقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ثم التفرغ بعد ذلك لصياغة مشروع تكامل النظام الإقليمي في الخليج، ولإعادة بناء مؤسسات النظام العربي بما يتناسب مع العملية التكاملية، ويحقق التوازن مع المشروعات الإقليمية المتنافسة في المنطقة وللحيلولة في الوقت نفسه دون قيام (إسرائيل) الكبرى في المنطقة.

ثانياً- سيناريوهات النظام الإقليمي في الخليج

 من أجل حديث مفصّل عن مستقبل النظام الإقليمي في الخليج بعد توقف الحرب على إيران، وما سيعقب ذلك من تحوّلات في بنية القوى وتوازناتها في المنطقة من الممكن أن نطرح المشاهد الآتية:

أولًا: مشهد التكامل الوظيفي:

يقوم هذا المشهد على توظيف تداعيات الحرب لتعزيز التعاون داخل مجلس التعاون الخليجي، عبر تطوير منظومات دفاع جوي متكاملة، والتوسع في التصنيع الدفاعي المشترك، وتسريع مشاريع الربط الاقتصادي واللوجستي، بما يسهم في بناء قدر أكبر من المرونة والاستقلالية التكنولوجية والتوازن الإقليمي والتكامل الاقتصادي في مواجهة التهديدات الإقليمية

ثانياً: سيناريو التعاون الانتقائي:

يفترض هذا المشهد أن يقتصر التعاون الخليجي على المجالات التي فرضتها الحرب، مثل تنسيق الدفاع الجوي، وتبادل المخزونات، وتأمين سلاسل الإمداد، وتحسين الربط الكهربائي واللوجستي، مع استمرار غياب قيادة أمنية موحدة أو سياسة خارجية مشتركة بسبب تباين أولويات الدول الأعضاء.

ثالثًا: سيناريو الانقسام الاستراتيجي:

يركز هذا المشهد على استمرار التباينات بين دول الخليج في المواقف تجاه إيران، والولايات المتحدة، و(إسرائيل) بما يؤدي إلى تبني استراتيجيات أمنية وتحالفات متباينة، ويحد من فرص بناء نظام إقليمي خليجي موحد، مع تصاعد المنافسة الاقتصادية والسياسية بين بعض الدول الأعضاء.

وعليه، فإن مشهد التعاون الانتقائي الأكثر ترجيحًا، إذ من المتوقع أن تدفع تداعيات الحرب دول الخليج إلى تعزيز التنسيق في الملفات الأمنية والاقتصادية ذات المصلحة المشتركة، دون أن يصل ذلك إلى بناء نظام أمني موحد أو سياسة خارجية خليجية مشتركة؛ نتيجة استمرار تباين الرؤى الاستراتيجية بين الدول الأعضاء.

خلاصة:

   بناءً على ما سبق يمكن استنتاج أن إعادة تشكيل أمن الخليج يتحدد على أساس بناء القدرة ثم التفاوض مع إيران من أجل تحقيق الاستقلالية الإستراتيجية الخليجية، فقد دفعت تكلفة الترتيب الاخير والصراع إلى اضرار ما زالت الحكومات في المنطقة تحصيها، الأمر الذي يحتاج إلى بنية مؤسسية تتناسب مع النتائج التي يمكن التوصل إليها لمرحلة ما بعد الحرب على إيران بما يفرض على دول الخليج إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها، إذ لم يعد التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية كافياً بل يجب أن تنتقل هذهِ الدول إلى موقع التأثير الفاعل في صياغة قواعد النظام العالمي الناشئ، وذلك من خلال تعزيز قدراتها الذاتية في الأمن السيبراني والتكنولوجي، وتنويع شراكاتها، واستغلال ثقلها المالي والدبلوماسي، وبذلك مجمل القول يمكن لدول الخليج أن تصبح مهندسًا رئيسيًا لنظام إقليمي عابر للأيديولوجيا، نظام يقوم على المصالح المشتركة والأمن المستدام بدلاً من الصراعات التقليدية.

مقالات لنفس الكاتب