تم التوصل لوقف إطلاق النار في حرب الخليج الرابعة بين الولايات المتحدةّ وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر. حربٌ ما كان لها أن تنشب، لولا تحريض إسرائيل، عامل عدم الاستقرار الأول في المنطقة، التي خرجت الخاسر الوحيد من الحرب التي امتدت بصورة متقطعة، منذ أن عاد الرئيس دونالد ترامب لحكم الولايات المتحدة، ليكمل بلا تحفظ الفوضى التي أحدثتها حكومة الديمقراطيين السابقة، بزعامة الرئيس بايدن، عقب أحداث السابع من أكتوبر ٢٠٢٣م، حربٌ يخطئ من يعتقد أنها آخر الحروب في المنطقة.. ويخطئّ من يعتقد أن هذه الحرب قد وضعت أوزارها، وتم دفن رفاتها. ما تم التوصل إليه إنما هو وقف موقت لإطلاق النار، بينما القضايا التي حفزت اشتعال الحرب، مازال سعيرها يتقد تحت الرماد. لكن الشيء الذي لا يمكن إغفاله هنا أن المنطقة لن تعود إلى نقطة ما قبل نشوب الحرب.. والأخطر أن عوامل عدم استقرار المنطقة، أضحت أكثر تعقيداّ واستعصاءً على الحل. وكأن حالة عدم استقرار المنطقة، قد تحولت من أن تكون عرضاّ مزمناّ لتصبح مرضاّ عضال (حالة، من العاهة المستديمة)، التي لا يُرجى بُرئها. منطقة الخليج العربي، بل ومنطقة الشرق الأوسط، تاريخياّ وجغرافياّ، كانت ومازالت بؤرة لصراع القوى الإقليمي والدولي.
بؤرة عدم استقرار في قلب العالم
تمثل منطقة الخليج العربي، والشرق الأوسط، تاريخياّ وجيوسياسياّ، منطقة جذب لا تقاوم، من قوىّ إقليمية ودولية للهيمنة عليها. منطقة الخليج العربي، بالذات، التي تُعد بمثابة قلب العالم، من يسيطر عليها، يسيطر على العالم. ليس فقط المنطقة من الناحية الاستراتيجية كانت ومازالت مطمعاّ لقوىّ إقليمية ودولية، للهيمنة عليها، نظراّ لوضعها الجيوسياسي الفريد والحساس، بل قد يكون الأكثر خطورةّ على أمنها واستقرارها غناها بموارد الطاقة الأحفورية الرخيصة سهلة الإنتاج ووفرة الاحتياطي، ووسطية قربها من مناطق الصناعة المتقدمة والنهمة للنفط الخام والغاز، في آسيا وأوروبا، بل وحتى أمريكا الشمالية. إلا أنه بالرغم من هذه الميزة التنافسية (الاقتصادية) التي تتمتع بها المنطقة في سوق الطاقة العالمية، وتجذب الصراع الإقليمي والدولي عليها، تفتقر أنظمة الحكم فيها للاستقرار السياسي المحفز لاستقرارها الإقليمي، مما يزيد الصراع الإقليمي والدولي حولها، احتداماّ وشراسة.
البحث عن الأمن الإقليمي
تاريخياّ وجيوسياسياّ، كانت منطقة الخليج العربي ومازالت، بؤرة لصراع القوى الأممية للسيطرة عليها.. وما لبث هذا الصراع الأممي عليها، بحثاّ عن الطاقة الرخيصة، واقترباّ من مياهها الدافئة وسوقها الكبير الواعد، يزداد تعقيداّ وشراسة. كانت الحربين العظميين (١٩١٤-١٩١٩، ١٩٣٩-١٩٤٥م)، من أبرز مظاهر اهتمام القوى العظمى، المتنافسة على مكانة الهيمنة الكونية، بالمنطقة والعالم. بل منذ الإسكندر الأكبر وقبله وبعده كانت اهتمامات القوى الأممية، تبدأ وتنتهي عند إقليم المنطقة، حيث ساحة الصراع الأممي على مكانة الهيمنة الكونية الرفيعة. وإن كانت المنطقة لا ترقى، من الناحية الاستراتيجية، لمسرح الصراع الأممي التقليدي، في أوروبا، إلا أنه كانت رغبة الدول العظمى للهيمنة الكونية، تبدأ من مظاهر الهيمنة الإقليمية، لقوى إقليمية، تعمل كوكلاء إقليميين لخدمة مصالح قوىّ دولية، تتوق للهيمنة على المنطقة. حتى أنه لو لم يتسنَ للقوى العظمى السيطرة المباشرة على المنطقة من قبل قوىّ إقليمية وظيفية، تلجأ هذه الدول لخلق موطئ قدم لها، بإقامة كيانات إقليمية مصطنعة، لتعمل كوكلاء إقليميين لخدمة مصالحها، مثل ما هو الحال في مؤامرة زرع إسرائيل في قلب المنطقة.
هذا الصراع الأممي للسيطرة على المنطقة، أوجد فراغاّ أمنياّ، جعل دولها تعيش هاجساّ أمنياً، ليس خوفاّ من "سيناريوهات" التدخل الأممي المباشر للقوى التقليدية المحتملة، بل خوفاّ من الأطماع المتولدة من وجود قوىّ إقليميّة من داخل المنطقة تطمح للهيمنة الإقليمية عليها، بعيداّ عن أي شكل من أشكال الوكالة الوظيفية للقوى الكبرى، إما في شكل استعادة أمجاد إمبراطورية تاريخيّة، كما هو حال أطماع الفرس شرقاّ وشغف الغرب الزحف من الشمال، لأسباب لوجستية أو دينية، أو لمجرد طموحات توسعية أوروبية، تزحف من الشمال. لقرون كان صراع الفرس مع الروم يشكل هاجسًا أمنيًا حقيقيًا لمجتمعات المنطقة.
أطماع الهيمنة الإقليمية
حديثاّ: كان الصراع بين إيران وإسرائيل، من أجل الهيمنة الإقليمية، يشكل خطراّ استراتيجيا أمنياّ داهماّ وناجزاّ على أمن مجتمعات ودول المنطقة. كان الصراع بين العثمانيين والفرس في القرون الوسطى، مع تدفق الأوربيين فيما أسموه بالحملات الصليبية، من أبرز مظاهر أطماع هذه القوى (الإقليمية الدولية) التوسع في هذه المنطقة.
في الوقت الحاضر يشكل الفرس شرقاّ وإسرائيل غرباّ كماشة أمنية تهدد المنطقة، ليس فقط بتطور احتمالات الصدام التقليدي، بل الأخطر احتمالات الحرب غير التقليدية (النووية). إسرائيل تخشى إيران النووية، بينما المنطقة بأسرها تخشى من ازدواجية الخطر النووي (الإيراني الإسرائيلي)، إذا ما تطور مستقبلا ما يشبه توازناّ للرعب النووي، بين إيران وإسرائيل، في غياب مظلة نووية للعرب في المنطقة. كماشة نووية ثنائية إيرانية إسرائيلية يكفي بُعد الردع الاستراتيجي غير التقليدي لها، فيما لو تطور ما يمثله وجود قوتين تمتلكان رادعاّ نووياّ، يمثلان ابتزازاّ استراتيجياّ أمنياّ داهماّ وناجزاّ، لدول ومجتمعات المنطقة.
الفرس أم اليهود
من الناحية الاستراتيجية هناك مَنْ يساوي بين إسرائيل وإيران، كمصدرين إقليميين للخطر على أمن العرب. وهناك، ولأسباب دينية عقائدية، من يرى في أيٍ منهما خطراّ ناجزاّ وداهماّ على العرب. ويظل هناك من يجادل بأن الفرس أشد خطراّ على المنطقة من إسرائيل، مواقف ذات جدية متقدمة، تتمتع بجدارة منطقية كبيرة، في كثير من الأحيان، ما تتغير بتغير المواقف والظروف، من قِبل وجهة نظر وأخرى.
مبدئياّ: الطرفان (إسرائيل وإيران) يشكلان خطراّ استراتيجياّ، ولو بدرجات متفاوتة، على العرب. لكن الفرق بينهما، وبالتبعية: الخطورة الاستراتيجية على المنطقة، تتوقف على تعريف كلاّ منهما، من خلال خيط رفيع يجمع مستوى خطورة أحدهما على العرب، مقارنة بالآخر. إذا استطعنا أن نحدد من هو العدو منهما للعرب، ومن هو المنافس الإقليمي (المشروع) للعرب، الذي تحدده تاريخية وجيوسياسية المنطقة، نستطيع أن نحدد مستويات الخطر الاستراتيجي الناجز والداهم، الذي يمثله كلٌ منهما على العرب. مع الاتفاق مبدئياّ، أن كلاهما يمثلان خطراّ استراتيجياّ داهماّ وناجزاّ على العرب، ومن الأهمية الاستراتيجية، أن يتعامل معهما العرب، بمستوى خطورة كل منهما على الأمن القومي العربي، بالذات: لو حدث أن علاقتهما ببعضهما البعض، يحكمها توازن رعب غير تقليدي… الأمر غير المستبعد، في الأمدين المتوسط والبعيد، عندما تتمكن إيران من تطوير رادع غير تقليدي (نووي)، خاص بها.
بكل ثقة ويقين، لا يمكن النظر لإسرائيل إلا كونها عدواّ لدوداّ للعرب، طالما إسرائيل تواجدت في المنطقة، لأنه لا يمكن تصور إسرائيل، من الناحية الوجودية للكيان الصهيوني، خارج نطاق عدائها الاستراتيجي للعرب. إسرائيل بطبيعتها كيان توسعي، لن يشعر بالأمان، إذا ما تخلى عن استراتيجيته التوسعية. إسرائيل يرتبط وجودها، ليس فقط باحتلالها لفلسطين، بل في إمكانية توسعها في المنطقة، بزيادة تعقيد نهمها التوسع في أرض العرب. إسرائيل قد تكون الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تفصح عن حدودها الإقليمية، التي تتطور طموحاتها التوسعية، كلما لاح في الأفق لقادتها، أن هناك فرصة للتوسع في أراضي العرب، ليتسع احتلالها لأراضي العرب، ومن ثَمّ زيادة رقعة إقليمها مع الوقت، حتى يصحى العالم، يوماّ ما ،على أنها ابتلعت منطقة الشرق الأوسط، لتهدد أوروبا، وربما الصين، وتفصح عن عدائها المتأصل ضد جميع المجتمعات التي تطورت بها المسألة اليهودية، تاريخياّ. حتى أمريكا الشمالية، بل والعالم الجديد ربما يصحو يوماّ وتصل إليه تهديد الكيان التوسعي الصهيوني (الأممي).
إسرائيل، إذن: عدو استراتيجي للعرب، ولا يحتمل العرب، إلا النظر لوجود إسرائيل، إلا كونها عدواّ لدوداّ للعرب، لا يمكن تصور الاعتراف بها، دعك من التطبيع معها، حتى لو دخل الجمل في سم الخياط. إسرائيل عدو أزلي للعرب، لا يمكن التعامل معه إلا من خلال معادلة صفرية، بمنطق أن نكون أو لا نكون، مطلقاّ.
الفرس، من الناحية الأخرى قد لا يقل خطرهم الاستراتيجي على العرب، بأقل من ذلك الذي يمثله خطر إسرائيل الوجودي، بالنسبة للعرب. لكن هناك حقيقة جيوسياسية وتاريخية، تجعل من الفرس (نسبياّ) أقل خطراّ، من الناحية الاستراتيجية على أمن العرب القومي، عن ذلك الذي يمثله وجود إسرائيل في المنطقة. متغير (الوجودية) هذا هو الذي يحدث الفرق في حركة صراع العرب مع الطرفين. المعادلة هنا الجبهة الشرقية (الفارسية) ليست صفرية، كما هو الحال في حالة الصراع مع إسرائيل. لا تتطلب حركة صراع العرب مع الفرس، ذلك الربط بين وجودية العرب والفرس في المنطقة بما يقتضيه الأمر التعامل مع كيان غريب (إسرائيل) يعاني منذ التفكير في إنشائه بغربة جيوسياسية وتاريخية وثقافية وإنسانية وحتى دينية، بوجوده في المنطقة.
من آلاف السنين عاش العرب مع الفرس في هذه المنطقة، لا نقول في حالة سلام، بل في كثير من الأحيان فترات صراع مرير مع الفرس (الهكسوس)، الذين اجتاحوا يوماّ العالم العربي، إلى ما بعد النيل غرباّ، لحدود المغرب العربي، لكن في النهاية ارتد الروس إلى ديارهم وتحرر العرب من الفرس وحكمهم. الفرس من ناحية أخرى زالت إمبراطوريتهم تحت جحافل المجاهدين العرب (المسلمون)، وفتح العرب أمصار الفرس، حتى حدود الصين…. بل وأكثر اعتنق الفرس الدين الإسلامي، وبرعوا في خدمة اللغة العربية وطوروا الكتابة باللغة العربية، وبرز منهم نحاة أسّسوا لقواعد اللغة العربية وخدموا الشعر العربي وطوروا بحوره، ومازالت الفارسية، إلى اليوم، تكتب وتنطق بالأحرف العربية.
لكن، بالرغم من هذه العلاقة التاريخية الثقافية والدينية، التي أتقن الفرس خلفيتها الإنسانية، مازال هناك في الخلفية التاريخية من مرارة شعوبية، تحتفظ بحائط صد في الأنا القومية، لكلا الشعبين العربي والفارسي، ترسم خطوطاّ وفواصل بينهما، وتغذي التنافس بينهما، لكن لا يمكن أن يصل هذا الإرث التاريخي إلى درجة من العداء الوجودي، كذلك الذي يحكم العلاقة بين العرب وإسرائيل… بل قد لا نتجاوز الحقيقة عندما نقول: أن هذا العداء الوجدي بين العرب وإسرائيل، يفسر إلى حدٍ كبير ذلك العداء المستحكم (اليوم) بين إسرائيل وإيران.
انقسام مسيحي حول الفكرة الصهيونية
الحرب التي لم تضع أوزارها بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى هي صورة من وضعية عدائية تتكرر مشاهدها العنيفة من فترة وأخرى طوال ١٤ قرناّ، في شكل حروب صليبية يحاول فيها الغرب (المسيحي الصهيوني) استعادة سيطرته على المنطقة بدءاّ من أرض الرسالات، تدفعه أيدلوجية عنصرية، يتجاوز كرهها للعرب، إلى كره الإنسانية بأسرها. السجال الأخير بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، هو صورة "كلاسيكية" لصراع امتد منذ ولادة المسيح عليه السلام، بين إنجيليين وتوراتيين شقوا عصا جماعتهم لينقسموا إلى مجموعتين دينيتين لهما وجهة نظر متضاربة لمكانة المسيح عليه السلام عندهم وآخرون يبالغون في محبتهم لليهود. هناك من المسيحيين، الذين لا يبرئون اليهود من دم المسيح، في عقيدتهم (الكاثوليك).. وهناك من يتبنون وجهة نظر الصهاينة في دعواهم بأرض الميعاد وقدسية القضية اليهودية والنظرة بأن اليهود هم أبناء الله وأحبابه، وأن الإخلاص للقضية اليهودية، إنما هو اتباع لإرادة الرب (المسيحيون الإنجيليون).
كماشة فارسية يهودية
عربياّ: هذا الفهم الواضح بين من هو العدو ومن هو الخصم أو المنافس الإقليمي، يحدد لنا موقف العرب بوجودهم بين طرفين يتنافسان على الهيمنة الإقليمية للمنطقة، أحدهما يمتلك رادعاّ نووياّ والآخر يعمل على تطوير رادعه غير التقليدي الخاص به، ليُطبق على العرب بين فكي كماشة غير تقليدية. دون تطوير العرب لرادع غير تقليدي خاص بهم، يبقى العرب أبد الدهر يراوحون مكانهم، يكتوون بنار الصراع بين العدو والخصم، كلٌ منهما يحاول جرهم لساحته في صراعات وحروب ليس للعرب فيها لا ناقة ولا جمل. ليبقى، وكأنه مكتوب على العرب أن يعيشوا في ظل حالة من عدم الاستقرار، والانتقال من حرب لأخرى، دون أن يلوح في الأفق أي بارقة أفق لسلام حقيقي في المنطقة.
هدنة هشة
اتفاق الهدنة الأخير، بين إيران من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر، كالجبن السويسري، فيه من الثقوب أكثر مما فيه من الجبن. هذا الاتفاق لا يخرج عن كونه هدنة هشة، بوقف موقت لإطلاق النار وليس إنهاءً للعداء والحرب. هذه الحرب، التي امتدت لأشهر لم تحقق لأطرافها ما قد يدعوه النصر فيها. الجانبان رجعا لنفس المواقف الذي حرضت على الحرب منذ البداية. لا إسرائيل ولا الولايات حقّقتا أهدافهما من الحرب، التي كان من أبرزها إزالة نظام الملالي في طهران.. ووقف برنامج إيران النووي، والحصول على اتفاق يفوق ذلك الذي توصلت إليه طهران مع واشنطن في إدارة أوباما ٢٠١٥م.
إيران قد تكون خرجت من الحرب بما قد تزعم أنه نصر، وإن كان نصراّ بمرارة الهزيمة. نجحت إيران في تخفيف برنامج العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن عليها.. وباعتراف ضمني أن لإيران قول في قضية حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، وفك الحصار عن موانيها… والأهم والأخطر: أن طهران خرجت من الحرب بموقف ووضعية أقوى في منطقة الخليج العربي، بما لم يتوفر تاريخياّ، قبل الحرب. والحدث الآخر الذي خرجت به الحرب سقوط أسطورة الحماية الأمريكية والغربية لدول المنطقة. لم يشكل الوجود الأمريكي في المنطقة أي رادع حقيقي يحمي دول المنطقة التي بها قواعد أمريكية.
هزيمة مدوية لإسرائيل
من أبرز مظاهر الجولة الأخيرة من العنف في منطقة الخليج العربي، خسارة إسرائيل. إسرائيل، التي تزعم أنها خاضت حرباّ على سبع جبهات، وانتصرت فيها جميعاّ!؟: لم تستطع أن تحسم الحرب على أي جبهة فيها، بما في ذلك جبهة غزة، التي كانت الخاصرة الأضعف في جولة الصراع الأخيرة. بل أن الحرب أظهرت هزيمة منكرة لإسرائيل على الجبهة الإيرانية، وعلى الجبهات الأخرى، التي كانت تحارب إسرائيل إيران من خلال قوىّ إقليمية شاركت في الحرب، بالوكالة عن إيران.
الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران نص على الزج بإسرائيل كطرف في الاتفاق، دون موافقة ولا نقل: رضاء تل أبيب عن الاتفاق. هذا البند في الاتفاق أوجد فتقاّ في الحلف بين واشنطن وإسرائيل وصدعاّ لا يمكن رتقه في العلاقات التاريخية بين إسرائيل، ظهر جلياّ في الخطاب الدبلوماسي الحاد بين نتنياهو والرئيس ترامب، بما لا يمكن تصور حدوثه قبل اشتعال الحرب في مرحلتها الأخيرة التي استمرت من ٢٨ فبراير الماضي وحتى توقيع الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. أمريكياّ لم يعد دعم الولايات المتحدة (المطلق)، إخلاصاّ لإرادة الرب.. ولم يعد انتقاد إسرائيل عداءً للسامية، كما لم تعد المنظمات الصهيونية في أمريكا، مثل الإيباك. ينظر إلى أنها تنظيمات للمجتمع المدني ذات حصانة خاصة في قيم وحركة النظام السياسي الأمريكي.
الخاتمة
هناك احتمال كبير لعودة القتال بعد انتهاء مدة الهدنة الأخيرة، التي جاءت في اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، بين واشنطن وطهران. بل أن احتمالات خرق الهدنة ومواصلة القتال، من المحتمل أن تتجدد قبل مهلة الشهرين، لتنهار مجدداّ أهداف الطرفين من قرار اللجوء لخيار الحرب، من البداية. بل من المحتمل ألا تتجدد الهدنة بعد انتهاء مدة الشهرين، لا في شكل تعليقاّ للقتال، بقدر ما قد يتجدد القتال بصورة أخطر وأشد عنفاّ، ليستمر السلوك العبثي لأطراف الحرب، حتى مع احتمال عدم مشاركة واشنطن في احتمالات تجدد القتال، لقرب موعد الانتخابات النصفية للكونجرس، وفقدان ترامب وإدارته شهية التورط في الحرب من جديد.
يبدو أن تل أبيب التي فُرض عليها اتفاق وقف إطلاق النار، وهي في خوض حرب على الجبهة اللبنانية، لم تحسمها بعد ولن تقوى على حسمها، من أهم مظاهر هشاشة وقف إطلاق النار، التي تحمل فشل استمرار الهدنة. قد لا تكون تل أبيب وحدها المتضررة من وقف إطلاق النار، بل هناك طرف عربي على جبهة الحرب الشرقية ليس من مصلحته وقف الحرب، حتى تتحقق الهزيمة الساحقة بإيران وسقوط النظام في طهران، تماماّ كما هو موقف حكومة نتنياهو. في المحصلة: اللعب بالنار من أخطر منعطفات الاقتراب الدبلوماسي (الناعم) من أي أزمة سياسية أو أمنية.
باختصار: ما حدث من اتفاق لوقف إطلاق النار ما هو إلا هدنة مؤقتة تحمل في طياتها احتمالات لحروب قادمة.. ويبقى الاستقرار والسلام بعيدين عن المنطقة، بعد السماء عن الأرض.






