يعيش الإقليم الشرق أوسطي مرحلة تحولات كبيرة لم تندرج بعد في سياقات مستقرة تستند عادة إلى تبلور قواعد وتفاهمات ناظمة للعلاقات في الإقليم سواء على مستوى التعاون أو إدارة الخلافات من خلال احتوائها. الجغرافيا السياسية للإقليم يحكمها مثلث من الأزمات والحروب التي تلقي بثقلها من خلال تداعياتها المختلفة والمتعددة على المنطقة ككل .يساهم في هذا الترابط ولو بدرجات مختلفة بين الأزمات والحروب الدائرة ،إلى جانب ما أشرنا إليه من عنصر الجغرافيا السياسية لكل من هذه الأزمات والحروب ،العناصر المجتمعية الجاذبة والقابلة للتأثر والتأثير باسم السياسة وبعض العقائد العابرة للدولة ، يحدث ذلك خاصة في حالة وجود دول ضعيفة أو هشة بدرجات مختلفة (ما يعرف بالدول الفاشلة أو التي هي في طريقها لأن تصبح دولًا فاشلة failing states) لجملة من الأسباب الهوياتية والسياسية والاقتصادية وغيرها في حالات عديدة .حروب وصراعات تبدو وكأنها مفتوحة في المكان والزمان .ويصف البعض السلم في هذه النزاعات وكأنه بمثابة هدنة طويلة طالما أن أصول ومسببات النزاع العسكري متى انفجر لم تعالج بشكل كلي وفاعل من حيث تسوية مسبباتها الفعلية .المسببات التي تسمح بتغذيتها والاستفادة منها في مراحل معينة خدمة لأهداف في “لعبة الأمم” في المنطقة. كما أشرنا هنالك حصار ناري إحدى “مسارحه “ الثلاث منطقة الخليج مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والرد الإيراني الذي استهدف ،ضمن ردوده دول الخليج العربية .يحصل ذلك رغم العلاقات الطبيعية التي كانت تربط هذه الدول مع إيران عشية الحرب(وللتذكير عندما توصف علاقات بالطبيعية لا يعني أنه لا توجد خلافات في السياسة والأولويات بين الأطراف المعنية)ورغم ذلك يستمر التواصل الخليجي الإيراني عبر سياسة تقوم على الإسهام في محاولة احتواء النزاع الأمريكي الإيراني وتشجيع الحلول السياسية التفاوضية التي تتبعها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية . “المسرح “الثاني يقع في منطقة باب المندب والبحر الأحمر مع الحرب المستمرة في السودان وإعلان قيام جمهورية أرض الصومال والدعم الذي تحظى به من طرف إسرائيل وإثيوبيا في “لعبة” إقامة وتعزيز النفوذ في ذلك الممر الاستراتيجي الذي يربط آسيا بإفريقيا وأوروبا. إنها جاذبية الجغرافيا السياسية أو تحديدًا لعنة الجغرافيا السياسية التي تجعل بعض الدول بسبب موقعها جاذبة للتدخلات الخارجية. ثالث هذه المسارح الاستراتيجية وأقدمها يقع جنوب المتوسط في إطار الصراع العربي / الإسرائيلي وتوظيفه في صراعات المنطقة ولعبة النفوذ فيها :سياسة التشدد ،ولو أنها ليست بجديدة في تاريخ إسرائيل ولكنها اتخذت منحى أكثر حدة مع وجود اليمين الديني المتطرف في السلطة ومعه اليمين الاستراتيجي التقليدي الذي يمثله نتانياهو .يمين يتبع سياسة تقوم على محاولة إلغاء الآخر الفلسطيني وهويته الوطنية وأهدافه الشرعية كليًا .سياسة من هذا النوع تشجع التشدد عند القوى في الجهة المواجهة سواء في فلسطين أو لبنان أيا كانت الأجندة السياسية لهذه القوى .الحرب الإسرائيلية من غزة إلى لبنان مرورًا بالضفة الغربية والتي تجري بأشكال مختلفة أحيانًا والتي تعمل على تكريس الاحتلال بعناوين متعددة تبدو أنها مفتوحة في الزمان والمكان سواء شهدت تصعيدًا أو تخفيضًا في درجة القتال .
في إطار هذا المشهد الشرق أوسطي الآخذ في الاستقرار المتوتر والمفتوح على احتمالات عديدة يطرح السؤال التالي : هل تتجه المنطقة نحو مزيد من الفوضى والحروب والصراعات بأشكال وبدرجات متعددة على الأرض ولو أن مسبباتها الرئيسية كما أشرنا مختلفة عن بعضها البعض أم أن هنالك إمكانية إذا ما تمت بلورتها وترجمتها إلى سياسات فاعلة يمكن أن تشكل خيارًا بديلًا يعيد الاستقرار إلى المنطقة عبر مسار ليس بالسهل ولكنه ليس بالمستحيل .هذا الخيار البديل أجده قد بدأ مع “الرباعية الجديدة” التي تقوم بدور الإطفاء في الحريق في الخليج مع الحرائق الدائرة كما أشرنا .وللتذكير فإن أطراف هذ ه الرباعية المكونة من السعودية ومصر وتركيا وباكستان (دولة من خارج الإقليم ولكنها تقوم بدور أساسي حاليًا في هذا المجال في الخليج) ،والتي تتعاون مع دول عربية وأجنبية أخرى في صيغ مختلفة بغية تحقيق أهدافها ،تمثل نموذجًا يفترض البناء عليه للإسهام في إعادة الاستقرار في المنطقة ولكن على أسس واضحة ومستقرة هي أيضًا. أنني أدعو لمبادرة عربية تقوم بها الدولتان العربيتان في الرباعية نظرًا لوزنهما على الصعيدين الإقليمي والدولي وكذلك للسياسات البرجماتية التي تتبعانها ،مع دول عربية أخرى لعبت وتلعب أدوارًا مهمة في سياق إطفاء الحرائق في المنطقة للمبادرة إلى بلورة رزمة من المبادئ التي يفترض أن تشكل قواعد ناظمة ومنظمة للعلاقات بين الدول في هذا الإطار في الإقليم الشرق أوسطي ،وأن تدعو لحوار عربي تركي ايراني ،يمكن أن تشارك في تعزيزه دول صديقة ومعنية بالأمن والاستقرار في المنطقة مثل باكستان لبلورة قواعد ناظمة للعلاقات بين الدول. قواعد تقوم على ما يعرف” بمبادئ ويستفاليا” نسبة إلى اتفاقية وستفاليا التاريخية في القرن السابع العشر التي نظمت العلاقات بين الدول على أساس احترام السيادة الوطنية، والتي استندت إلى مبادئها ما عرف باتفاقيات هلسنكي التي تبلورت في العام ١٩٧٥م، ونتج عنها مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا والذي نظم العلاقات وكرس الانفراج وعلاقات التعاون بين المحورين الغربي والشرقي ونتج عنها منظمة مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا. الهدف الاستراتيجي كان تنظيم وإدارة الخلافات والاختلافات والبناء على المشترك وتطويره وتعزيزه. إحدى النقاط الأساسية في إطلاق هذا المسار تقوم على عدم التدخل في شؤون الآخر ضمن أي صيغة كانت أو التحدث كما يقال فوق “رأس الآخر”. نظام دولتي (State system) يقوم على احترام الاختلاف واحتوائه وبلورة المشترك والبناء عليه وعدم التدخل في شؤون الآخر باسم الأيديولوجيا أو السياسات فوق الوطنية التي تبرر وتشرعن هذا النوع من التدخل .إن المطلوب اليوم قبل الغد مبادرة عربية في هذا المجال مع تركيا وإيران وبدعم ومشاركة من دول صديقة توفر الأمن والاستقرار وبالتالي الازدهار للإقليم كلمة أخيرة تتعلق بالصراع مع إسرائيل، فالمطلوب واضح وضوح الشمس في هذا الخصوص وقوامه العمل العربي الدولي لتحقيق السلام الشامل والدائم بقواعده و مندرجاته وأفكاره ورويته لمبادرة السلام العربية (مبادرة المملكة العربية السعودية أساسًا)والتي أقرت في القمة العربية في بيروت في العام ٢٠٠٢م، مبادرة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وإلى رؤية شاملة وواقعية لإنهاء النزاع وإقامة شرق أوسط جديد رؤية صعبة التحقيق دون شك ولكنها ليست مستحيلة إذا ما توفرت الإرادة العربية والدولية لذلك






