array(1) { [0]=> object(stdClass)#14707 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 225

الاستنزاف المالي وتسعير المخاطر وتعطل سلاسل الإمداد تجعل الخسائر موزعة على جميع الأطراف

الأحد، 30 آب/أغسطس 2026

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع العسكرية التي جرى تدميرها، بل بحجم الاستنزاف الاقتصادي الذي تخلّفه. ففي عالم شديد الترابط، أصبحت الحرب صدمة اقتصادية تتجاوز حدود أطرافها المباشرين، لتطال الاقتصاد الكلي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستثمار، والنمو الاقتصادي. وإذا كانت الحروب التقليدية تنتج غالبًا طرفًا منتصرًا وآخر مهزومًا، فإن اقتصاديات الحروب الحديثة تكشف أن الجميع يدفع الثمن، وإن اختلفت درجة الخسارة.

وتجسد الحرب الإيرانية الحالية هذا التحول بوضوح. فمن جهة، تتحمل إيران وإسرائيل وأمريكا تكاليف عسكرية مباشرة تتزايد مع استمرار العمليات. ومن جهة أخرى، تتحمل دول مجلس التعاون تكاليف غير مباشرة ناجمة عن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتقلبات أسواق الطاقة، بينما يتحمل الاقتصاد العالمي فاتورة التضخم، واضطراب التجارة، وارتفاع تكاليف النقل.

ومع توقيع مذكرة تفاهم بين أمريكا وإيران في يونيو 2026م، بدا للجميع أن الحرب انتهت – على الأقل مؤقتاً- لكن سرعان ما تجددت العمليات العسكرية خلال شهر يوليو. وانطلاقًا من ذلك، تحلل هذه المقالة فاتورة الصراع الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي من خلال ثلاث دوائر مترابطة. الأولى هي التكلفة العسكرية المباشرة التي تتحملها الدول المتحاربة نتيجة العمليات العسكرية والإنفاق الدفاعي. والثانية هي التكلفة الاقتصادية الكلية التي تظهر في مؤشرات النمو، والتضخم، وأسواق المال والطاقة، والتجارة الدولية. أما الدائرة الثالثة فتمثل التكلفة الاستراتيجية طويلة الأجل، حيث تؤدي الحرب لإعادة تشكيل أولويات الاستثمار، وسلاسل القيمة، وخريطة المخاطر الجيوسياسية، بما ينعكس على مستقبل التنمية في المنطقة والعالم.

دائرة التكلفة العسكرية: حرب تلتهم الموارد

تمثل التكلفة العسكرية الحلقة الأولى في سلسلة الخسائر التي تولدها الحروب، وهي الأكثر وضوحًا للرأي العام، لكنها ليست بالضرورة الأكبر على المدى الطويل. وتشمل هذه التكلفة الإنفاق على العمليات العسكرية، والذخائر، والدفاعات الجوية، وتحريك القوات، وإعادة بناء القدرات العسكرية، وتعويض المعدات المدمرة، فضلًا عن تكلفة إعادة إعمار المنشآت العسكرية والمدنية المتضررة.

أمريكا: تكلفة الحرب لا تنتهي بانتهاء القتال

دخلت الولايات المتحدة الحرب بـ 56,000 جندي في المنطقة، معظمهم على متن سفن وقواعد عسكرية متقدمة. وحسب تقديرات خبراء ميزانيات الحروب مثل البروفيسورة "ليندا بيلمز" من جامعة هارفارد، بلغت التكلفة التشغيلية المباشرة للعمليات قرابة ملياري دولار يومياً. وفي حين أعلن البنتاغون أن الأيام الأولى كلفت 11.3 مليار دولار، فإن التكلفة الحقيقية مع احتساب استبدال الذخائر بلغت 16 مليار دولار في الأسبوع الأول وحده.

فصاروخ "توماهوك" المستخدم في المخزون بقيمة 2 مليون دولار، يكلف اليوم بين 3 و3.5 مليون دولار للاستبدال. أما صواريخ "باتريوت" فقد كانت قيمتها التاريخية بين 1 و2 مليون دولار، بينما تكلف النسخ الجديدة بين 4 و5 ملايين دولار. وفي الأيام الأربعة الأولى للحرب، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من ألف صاروخ "توماهوك" وأكثر من 1500 صاروخ دفاع جوي، بما في ذلك أكثر من نصف مخزونها السابق من صواريخ "باتريوت" التي كانت أوكرانيا بأمسّ الحاجة إليها للدفاع عن نفسها ضد الهجمات الروسية.

وإلى جانب استنزاف الذخائر، خسرت واشنطن أصولاً عسكرية ثمينة؛ منها مقاتلات F-15 وطائرات هجومية A-10 ومسيّرات متطورة أسقطتها الدفاعات الإيرانية. كما تسببت نيران صديقة من الكويت في خسارة 3 مقاتلات F-15 أخرى. وتعرضت 20 منشأة عسكرية أمريكية في المنطقة لأضرار بالغة جراء الضربات الصاروخية الإيرانية. ولعل الحادثة الأبرز تجسدت في حاملة الطائرات المتطورة "يو إس إس جيرالد فورد" (البالغ قيمتها 13 مليار دولار)، والتي اضطرت للانسحاب لإجراء إصلاحات ستستغرق 14 شهراً بعد حريق هائل شب في مرافقها نتيجة تمديد بقائها في الخدمة، وتجاوز كلفة صيانتها اليومية حاجز 400 ألف دولار.

كما كشف وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، في تصريح رسمي أدلى به يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026م، خلال جلسة استماع علنية أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ، أن التكلفة الإجمالية المباشرة للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران بلغت 37.5 مليار دولار أمريكي حتى الآن. ويمثل هذا الرقم قفزة ملحوظة وزيادة بنحو 8 مليارات دولار مقارنة بالتقديرات المعلنة في منتصف مايو الماضي والتي كانت تقارب 29 مليار دولار، حيث تغطي هذه النفقات العمليات الجارية للجيش الأمريكي، والرواتب، وتكاليف الصيانة، والوقود، والاحتياجات المتوقعة حتى نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر. وفي السياق ذاته، دافع البنتاغون عن طلب إدارة الرئيس دونالد ترامب الحصول على حزمة تمويل إضافية طارئة تُقدر بنحو 67 مليار دولار لسد العجز وتوسيع خطوط إنتاج الذخائر وتجنب حدوث نقص حاد في الجاهزية التشغيلية، علماً بأن هذه الميزانيات الرسمية المعلنة لا تأخذ في الحسبان كلفة إعادة بناء أو إصلاح القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط التي تضررت جراء الضربات الإيرانية المضادة.

إيران: دمار البنية التحتية وتكلفة إعادة البناء

تتحمل إيران العبء الأكبر من التكلفة العسكرية المباشرة، فالضربات التي استهدفت منشآت عسكرية، وبنى تحتية للطاقة، ومرافق نووية، لا تعني خسارة أصول مادية فحسب، بل تعني أيضًا تكاليف ضخمة لإعادة البناء، واستبدال المعدات، وإعادة تأهيل الشبكات اللوجستية والإنتاجية. وتقدر تكلفة إعادة إعمار ما دمّرته الحرب بنحو 300 مليار دولار، وفق بعض التقديرات.

إسرائيل: كلفة الدفاع قد تتجاوز كلفة الهجوم

إذا كانت إيران تتحمل عبء إعادة بناء ما يُدمَّر، فإن إسرائيل تواجه معضلة مختلفة تتمثل في الكلفة الباهظة للدفاع النشط. فقد فرضت الحرب تشغيلًا مكثفًا لمنظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، وعلى رأسها القبة الحديدية، ومقلاع داود، وآرو، لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتُظهر البيانات المتداولة في الدراسات الدفاعية أن تكلفة صاروخ Tamir المستخدم في القبة الحديدية تتراوح بين 40 ألفًا و100 ألف دولار، بينما تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي في منظومة Arrow إلى ما بين 2 و3 ملايين دولار، وتُقدَّر تكلفة صاروخ David's Sling بما يقارب 700 ألف إلى مليون دولار. وعندما تُستخدم مئات الصواريخ الاعتراضية خلال أيام قليلة، تتحول تكلفة الدفاع وحدها إلى مئات الملايين من الدولارات.

 

تفصيل التكلفة العسكرية والمالية المباشرة حسب الطرف

المصدر

القيمة

البند

الطرف

وزير الحرب

37,5 مليار دولار

التكلفة التشغيلية الرسمية (وزير الحرب، يوليو 2026)

الولايات المتحدة

 

Moody's Analytics

132 مليار دولار

التكلفة الإجمالية على المستهلك والخزينة حتى الآن

أ. ليندا بيلمز، هارفارد

نحو تريليون دولار

التقدير طويل المدى للتكلفة الكاملة

هارفارد كينيدي سكول

2 مليار دولار/يوم

معدل الإنفاق اليومي في الأيام الأولى

Ynet / Calcalist

61.3 مليار دولار

الميزانية الدفاعية القياسية المطلوبة لعام 2026

إسرائيل

 

وكالة شينخوا

11.5 مليار دولار

تقدير وزارة المالية لكلفة الحرب المباشرة (أبريل)

Ynet

10 مليار دولار

كلفة تعبئة الاحتياط (نحو 110 آلاف جندي)

مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية

300 مليار دولار

صندوق إعادة الإعمار المتفق عليه بالمذكرة

إيران

CFR / BBC

58 مليار دولار على الأقل

الأضرار المادية المباشرة (منشآت طاقة وبنية تحتية)

دول الخليج

 

دائرة التكلفة الاقتصادية: كيف تنتقل الحرب من ساحات القتال إلى الاقتصاد؟

التكلفة الاقتصادية تبدأ عندما تنتقل آثار الحرب إلى الموازنات العامة، وأسواق المال، والعملات، والتجارة الدولية، والسياسة النقدية. ففي الاقتصادات الحديثة، لا تتوقف الحرب عند الجبهة العسكرية، بل تتحول إلى صدمة اقتصادية كلية تعيد تشكيل قرارات الحكومات، وسلوك المستثمرين، وتوقعات المستهلكين.

وتكمن خطورة الحرب الإيرانية في أنها اندلعت في قلب أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة، وفي لحظة يتسم فيها الاقتصاد العالمي بارتفاع مستويات الديون، والضغوط التضخمية، وعدم اليقين بشأن أسعار الفائدة. ولذلك، فإن أي تصعيد عسكري لا ينعكس على أسعار النفط فحسب، بل يمتد إلى تكاليف التمويل، وسلاسل الإمداد، والتجارة العالمية، وأسعار الغذاء والنقل.

فالاقتصاد الإيراني دخل الحرب وهو يواجه أوضاعًا اقتصادية معقدة نتيجة سنوات طويلة من العقوبات، وضعف الاستثمار، وتراجع إنتاجية الاقتصاد. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لإيران يدور حول 400–430 مليار دولار بالأسعار الجارية، وهو اقتصاد يمتلك قاعدة صناعية مهمة لكنه يعاني من قيود شديدة على التمويل الخارجي، والاستثمار، والتكنولوجيا.

وقبل اندلاع الحرب، كان معدل التضخم في إيران يدور حول 40%، في حين فقد الريال الإيراني أكثر من 90% من قيمته مقارنة بما قبل إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018م، وهو ما أدى إلى تآكل الدخول الحقيقية وارتفاع معدلات الفقر. وجاءت الحرب لتضيف عدة صدمات متزامنة أدت إلى دخول الاقتصاد الإيراني في حلقة مفرغة؛ فارتفاع الإنفاق العسكري يوسع عجز الموازنة، ويزيد الحاجة إلى التمويل، بينما يؤدي التمويل النقدي إلى تضخم أعلى، ويقود التضخم إلى انخفاض القوة الشرائية، وتراجع الاستهلاك والاستثمار، ومن ثم تباطؤ النمو الاقتصادي. ولذلك، فإن أكبر خسارة قد تواجهها إيران ليست فقط في قيمة الأصول التي دُمرت، وإنما في انخفاض الناتج المحتمل خلال السنوات المقبلة نتيجة هروب رأس المال، وتأجيل الاستثمار، وتراجع الإنتاجية.

وبالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، لا تقتصر الكلفة على الذخائر. فاستدعاء مئات الآلاف من قوات الاحتياط يعني خروج نسبة معتبرة من القوى العاملة، خاصة في القطاعات عالية الإنتاجية مثل التكنولوجيا والخدمات، وهو ما ينعكس في انخفاض الإنتاج، وتأجيل المشروعات، وارتفاع الكلفة الاقتصادية للحرب حتى قبل احتساب الأضرار المادية.

وقدّرت وزارة المالية الإسرائيلية، في سياقات مشابهة خلال السنوات الأخيرة، أن كل شهر من العمليات العسكرية واسعة النطاق يضيف مليارات الدولارات إلى الإنفاق العام، ويزيد الضغوط على العجز المالي والدين العام، وهو ما دفع وكالات التصنيف الائتماني إلى إعادة تقييم المخاطر السيادية المرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي.

إغلاق مضيق هرمز وصدمة أسواق الطاقة العالمية

كان تأثير إغلاق مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز المسال العالمية – مدوياً على الاقتصاد العالمي. حيث قفز سعر خام برنت من نطاق 65-75 دولاراً قبل الحرب إلى ذروة 120 دولاراً في أواخر أبريل - وهو أكبر ارتفاع مستدام لأسعار النفط في زمن حرب منذ أكثر من ثلاثة عقود، متجاوزاً حتى ذروة حرب الخليج 1990-1991م، التي لم تتخطَّ 40 دولاراً. كما لامس خام دبي مستوى قياسياً بلغ 166 دولاراً في 19 مارس.

ولم تقتصر الصدمة على النفط؛ فقد قفزت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي إلى أكثر من 60 يورو/ميغاواط ساعة، بينما ارتفعت أسعار الأسمدة عالمياً بنسبة 47%، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 30% من صادرات اليوريا و20-30% من صادرات الأمونيا عالمياً. وحذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن الحرب قد تدفع أكثر من 30 مليون شخص حول العالم إلى دائرة الفقر، فيما قد تخسر الدول العربية وحدها ما بين 120 و194 مليار دولار من ناتجها المحلي الإجمالي.

 

وفي الولايات المتحدة ارتفعت أسعار البنزين من أقل من 3 دولارات للغالون إلى 4.56 دولار في ذروة الأزمة. وبما أن الأمريكيين يستهلكون بين 360 و380 مليون غالون يومياً، فقد كانوا يدفعون أكثر من نصف مليار دولار يومياً كـ “ضريبة حرب" على المحروقات. ولم تقتصر الصدمة على الولايات المتحدة. فقد أدى ارتفاع أسعار الديزل – من 3.76 دولار إلى 5.69 دولار للغالون – إلى زيادة تكاليف النقل لكل ما يُنقل بالشاحنات أو القطارات. وارتفعت أسعار تذاكر الطيران بنحو 27% بسبب ارتفاع أسعار وقود الطائرات. كما ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 47%، مما أدى إلى صعوبات حادة في القطاع الزراعي، حيث أفاد 70% من المزارعين الأمريكيين بأنهم غير قادرين على تحمل تكاليف الأسمدة اللازمة.

انكماش النمو الاقتصادي واقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في عين العاصفة

خفض البنك الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي لعام 2026م، إلى 2.5% – وهو أدنى مستوى منذ جائحة كورونا. وتحمّلت اقتصادات مجلس التعاون الخليجي النصيب الأكبر من هذه الصدمة. حيث خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو المنطقة من 4.4% إلى 1.3% فقط لعام 2026م، بينما ذهبت مؤسسة Oxford Economics إلى توقّع دخول بعض اقتصادات الخليج في ركود فعلي خلال النصف الثاني من العام. وكانت قطر الأكثر تضرراً؛ إذ خفّض صندوق النقد الدولي توقعات نموها بنحو 16 نقطة مئوية، بعدما أدت الضربات إلى تدمير 17-20% من الطاقة الإنتاجية لمجمع رأس لفان للغاز المسال - وهو ضرر تُقدَّر كلفة إصلاحه بثلاث إلى خمس سنوات، وخسارة سنوية قدرها 20 مليار دولار من العائدات.

 

وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون لم تكن طرفاً مباشراً في إشعال شرارة الحرب، إلا أن موقعها الجغرافي وبنيتها الاقتصادية جعلاها في قلب العاصفة النارية، وتكبدت خسائر فادحة على عدة أصعدة. فقد أدى تصنيف الخليج العربي كـ "منطقة عمليات حربية" إلى توقف شركات التأمين الكبرى عن تقديم تغطية مخاطر الحرب للسفن التجارية والناقلات بدءاً من 5 مارس 2026م. هذا الانهيار التأميني أجبر الأساطيل التجارية على تحويل مساراتها بالكامل بعيداً عن الخليج وقناة السويس، والالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح. هذا الالتفاف أضاف ما بين 10 إلى 15 يوماً إضافية لزمن الرحلات بين آسيا وأوروبا، وضاعف من كلفة الوقود والتشغيل، وضرب في مقتل صناعة الإنتاج القائمة على مبدأ "التسليم في الوقت المحدد. وتأثر قطاع الصناعات التقنية والسيارات في الصين وأوروبا بشكل مباشر نتيجة تأخر شحنات المكونات الإلكترونية الدقيقة.

كما تعرّض قطاعا السياحة والطيران، وهما ركيزتا التنويع الاقتصادي الخليجي، لضربة مباشرة، إذ أُلغي أكثر من 30 ألف رحلة جوية خلال الشهر الأول من الحرب، وارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة 90% فوق متوسطها السنوي، فيما توقّعت وكالة موديز أن تنخفض نسبة إشغال الفنادق في دبي من 80% إلى 10% فقط خلال الربع الثاني من 2026م. وقدّر مجلس السفر والسياحة العالمي أن الحرب تكلّف المنطقة 600 مليون دولار يومياً من إنفاق الزوار الدوليين.

الحرب كعامل ضاغط على السياسة النقدية والتضخم وأسواق المال العالمية

أدى الانفجار التضخمي الناجم عن أسعار الطاقة والوقود إلى وضع البنوك المركزية العالمية (وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي) في مأزق معقد. وبدلاً من المضي قدماً في خطط خفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو، اضطرت هذه البنوك إلى الإبقاء على السياسات النقدية المتشددة أو رفع الفائدة لكبح جماح التضخم المستورد، مما قاد إلى تباطؤ اقتصادي حاد. وبناءً على ذلك، دفع صندوق النقد والبنك الدولي إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.5%، وهو المستوى الأدنى منذ أزمة جائحة كوفيد-19.

أما أسواق المال فكانت سريعة التأثر والتأثير؛ إذ خسرت الأسهم العالمية 3.2 تريليون دولار من قيمتها السوقية في أول 96 ساعة فقط من الحصار البحري لمضيق هرمز. وسجلت البورصات الأوروبية والآسيوية تراجعات حادة تراوحت بين 4% و8% خلال خمسة أيام من القتال، فيما سجلت المؤشرات في كوريا الجنوبية واليابان خسائر بمستويات الانهيار، مما استدعى تفعيل آليات التعليق التلقائي الطارئ للتداول.

ولم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن التداعيات النقدية؛ فقد قفز معدل التضخم السنوي من 2.4% إلى 4.2% في مايو 2026م- أعلى مستوى في ثلاث سنوات - مدفوعاً بارتفاع أسعار الوقود التي أضافت وحدها أكثر من 360 مليون دولار يومياً إلى فاتورة المستهلك الأمريكي. وفي مواجهة هذا التضخم، تخلّى الاحتياطي الفيدرالي عن خطط خفض الفائدة التي كانت متوقعة مطلع العام، وأبقى على معدله عند نطاق 3.5%-3.75%، مع تقديرات السوق التي ترجّح احتمال رفعه بنسبة 70% بحلول سبتمبر. كما ارتفع معدل الرهن العقاري لثلاثين عاماً إلى 6.52%، مضيفاً نحو 110 دولارات شهرياً على قسط شراء منزل بقيمة 400 ألف دولار.

دائرة التكلفة الاستراتيجية: الحرب تعيد تشكيل الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط

تكشف الحرب الإيرانية أن الاقتصاد أصبح ساحة قتال موازية لا تقل أهمية عن الميدان العسكري. فالصواريخ قد تحسم معركة، لكن آثارها على المالية العامة، والتضخم، والاستثمار، والنمو، قد تستمر سنوات طويلة بعد توقف إطلاق النار. ومن هذا المنظور، فإن السؤال لم يعد يقتصر على من يحقق مكاسب عسكرية، بل على من يمتلك القدرة على تحمّل كلفة الاستنزاف الاقتصادي.

إيران تواجه ضغوطًا مضاعفة نتيجة تزامن الحرب مع عقوبات مزمنة واختلالات هيكلية، بينما تتحمل إسرائيل أعباء إنفاق دفاعي مرتفع وتداعياته على المالية العامة وسوق العمل. أما الولايات المتحدة، فتدفع جزءًا من الفاتورة عبر زيادة الإنفاق العسكري، وإعادة بناء مخزوناتها، والتعامل مع انعكاسات الحرب على أسعار الطاقة والسياسة النقدية.

وفي المقابل، تقف دول مجلس التعاون الخليجي أمام مفارقة واضحة: فارتفاع أسعار النفط قد يعزز الإيرادات على المدى القصير، لكنه لا يلغي كلفة المخاطر الجيوسياسية على الاستثمار، والتجارة، والتأمين، ومشروعات التحول الاقتصادي. أما الاقتصاد العالمي، فيبقى الطرف الذي يتحمل تبعات أوسع، من خلال ارتفاع التضخم، واضطراب التجارة، وتباطؤ النمو.

ولعل أهم درس تقدمه هذه الحرب هو أن اقتصاديات الصراع في القرن الحادي والعشرين لم تعد تنتج رابحين اقتصاديًا. فالاستنزاف المالي، وإعادة تسعير المخاطر، وارتفاع تكلفة رأس المال، وتعطل سلاسل الإمداد، كلها عوامل تجعل الخسائر موزعة على جميع الأطراف، وإن تفاوتت حدتها.

ولذلك، فإن المعيار الحقيقي لتقييم نتائج هذه الحرب لن يكون عدد الأهداف التي دُمّرت أو الصواريخ التي أُطلقت، بل قدرة الدول على حماية استقرارها المالي، والحفاظ على ثقة المستثمرين، ومواصلة مسار التنمية بعد أن تضع الحرب أوزارها. وفي النهاية، قد يكون السلام، من منظور اقتصادي، أقل تكلفة بكثير من أي انتصار عسكري مؤقت.

مقالات لنفس الكاتب