ثمة إجماع بين المراقبين على أن الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع حليفتها إسرائيل على إيران (28 فبراير- 8 أبريل 2026م) والتي لا تزال ارتداداتها ماثلة حتى اليوم، تعد من بين الحروب الكبرى التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، بل العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ولا يعود ذلك إلى حجم الدمار المادي الذي خلفته هذه الحرب فحسب، وإنما لتداعياتها الاقتصادية العابرة للقوميات لاسيما إثر غلق مضيق هرمز ذو الموقع الاستراتيجي للتجارة العالمية، حيث سرعان ما انتقلت التداعيات إلى دول الخليج العربي والمنطقة، وامتدت للعالم متجسدة في اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم.
سنخصص هذا المقال لبحث آثار الحرب على اقتصاد دولة الإمارات على المستويين الكلي والقطاعي، كما سنتناول السياسات والتدابير التي انتهجتها الإمارات لتعزيز مَنَعة وقدرة الاقتصاد الوطني على احتواء تداعيات الأزمة، واستلهام دروس تلك الأزمة، واستشراف مستقبل الاقتصاد الإماراتي في ظل هذه المتغيرات الجيوسياسية، وتقديم مجموعة من التوصيات لتعزيز استدامته مستقبلاً.
بدايةً، يمكن القول إن الحدث الأبرز الذي أثر على الاقتصادين الإقليمي والعالمي نتيجة للحرب هو غلق مضيق هرمز، نظراً لأهميته الاستراتيجية في حركة التجارة العالمية. فبحسب منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية يمر عبر المضيق ما بين 3-5% من تجارة السلع العالمية. كما يكتسب أهمية استثنائية لأمن الطاقة لتعامله مع 20% من تجارة النفط و19% من الغاز الطبيعي المسال العالميين. كما أن 80% من النفط الذي يمر عبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية، خاصة الصين والهند، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية.
منهجياً، ثمة مجموعتان من آثار الحرب على الاقتصاد الإماراتي، هما:
الآثار المباشرة: ويقصد بها الآثار التي تنتقل إلى الاقتصاد الإماراتي بصورة مباشرة عبر قنوات عدة أهمها التجارة الخارجية وحركة رؤوس الأموال عبر الحدود. ويمكن النظر إلى هذه الآثار من بُعدين رئيسيين:
البُعد الأول: الآثار على الاقتصاد الكلي
كان من الطبيعي أن تتأثر المتغيرات الاقتصادية الكلية للإمارات بتداعيات الحرب، لاسيما أن الاقتصاد الإماراتي يعد ضمن أكثر الاقتصادات انفتاحاً، إذ بلغت نسبة الانفتاح التجاري 207.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024م. وفيما يلي أهم تلك المتغيرات:
- معدل النمو الاقتصادي الحقيقي: أكد صندوق النقد الدولي، أن الحرب تركت بصماتها على الاقتصاد الكلي الإماراتي، وتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2026 بمعدل يصل إلى 7%، في حين تجاوز 6% خلال العامين الماضيين، وذلك نتيجة لتباطؤ كل من الصادرات النفطية على إثر غلق مضيق هرمز، والنشاط غير النفطي الذي تأثر بسبب ارتفاع حالة عدم اليقين، خصوصاً السياحة، والنقل، والتجارة، والعقارات، لكن الصندوق توقع عودة النمو وبقوة في العام القادم ليبلغ حوالي 9.8% مدفوعاً بانتعاش جميع الأنشطة.
- المالية العامة: حافظت الإمارات على وضعها المالي القوي الذي حققته خلال العام الماضي، من خلال استدامة الفائض في الميزانية الحكومية بفضل كفاءة كل من النفقات والإيرادات، والمستوى المنخفض للدين العام الذي تراجع بصورة ملحوظة خلال العامين الماضيين، ويتوقع أن يتراجع أكثر ليصل إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الجاري.
بنحو عام، تمتلك الإمارات هوامش مالية واحتياطيات وأصولاً سيادية كبيرة، الأمر الذي يسمح للحكومة بامتصاص الصدمات دون اللجوء إلى تقشف مالي حاد.
- السياسة النقدية والقطاع المصرفي: ساهمت سياسات مصرف الإمارات المركزي على استدامة الاستقرار النقدي، وتعزيز النمو. فعلى مستوى المجاميع النقدية، تشير تقارير المصرف، أن العرض النقدي (M1) و (M2) و (M3) استمر بالنمو خلال الربع الأول من عام 2026م.
أما بالنسبة لأسعار الفائدة، فقد حافظ المصرف على سعر الفائدة الرئيسي (سعر الأساس) عند مستوى 3.65% خلال الربع الأول-نهاية شهر إبريل من عام 2026م، تماشياً مع السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
أما بالنسبة للقطاع المصرفي: شهد إجمالي أصول النظام المصرفي المحلي نمواً على أساس سنوي بنسبة بلغت 17.7%، ليبلغ 5,556 مليار درهم بنهاية الربع الأول 2026م، مما يعكس وفرة السيولة المصرفية بالرغم من الظروف الإقليمية غير المواتية، لكنه انخفض بمقدار ضئيل مقارنة بالربع الذي سبقه، فيما حققت محفظة الإقراض لدى البنوك نمواً على أساس سنوي بنسبة 20.3%، وهو انعكاس لظروف التمويل الملائمة في الدولة.
وينطبق الحال على الودائع، التي شهدت نمواً على أساس سنوي بلغ 17.4% ما عززت من القدرة الإقراضية للبنوك.
- معدلات التضخم: شهدت معدلات التضخم المحلي ارتفاعاً طفيفاً نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة خلال الحرب، حيث ارتفاع سعر برميل النفط الخام لأكثر من 100 دولار وما رافقه من ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والنقل وسلاسل الإمداد بالتالي ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما مثل كل ذلك مجتمعاً ضغوطاً تصاعدية على الأسعار، لكن بالمقابل كان الخزين الاستراتيجي للإمارات كافياً وبمستويات عالية ما قلل من أثر تلك الضغوطات.
هذا وتوقع مصرف الإمارات المركزي أن يصل معدل التضخم بدولة الإمارات بنحو 2.3% في عام 2026، لكنه سينخفض بصورة ملحوظة ليصل إلى 1.9% في العام القادم.
على مستوى إمارة أبو ظبي: بلغ متوسط أسعار المستهلك خلال شهري يناير-فبراير 2026 م، على أساس سنوي بحدود 1.4%، تركز الارتفاع بصورة رئيسية في أسعار المساكن، والمياه، والكهرباء، والمرافق العامة، وبمستوى أقل المواد الغذائية والمشروبات.
أما على مستوى إمارة دبي: وصل متوسط تضخم أسعار المستهلك على أساس سنوي نحو 3.7% خلال الفترة يناير- إبريل 2026م، مدفوعاً بصورة رئيسية بارتفاع تكاليف المساكن، تليها النقل والمواد الغذائية والمشروبات، ومن ثم التعليم.
- التجارة الخارجية: يعد قطاع التجارة الخارجية في مقدمة القطاعات التي تأثرت بالحرب نظراً لكون الإمارات مركزاً عالمياً للتجارة وإعادة التصدير والنقل الجوي والبحري، ولأن الأزمة أساساً هي "صدمة عرض" نتيجة لغلق مضيق هرمز، ما أدى لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتشغيل شركات الطيران، بالتالي اضطراب سلاسل الإمداد التي شملت العديد من السلع خاصة السيارات والمكائن والمعدات، مع استمرار ارتفاع مخاطر التجارة الإقليمية.
بالنسبة للصادرات النفطية: انخفضت خلال فترة الحرب بصورة حادة لتتجاوز نسبة 50% عن معدلها في فترة ما قبل الحرب (كمعدل 3.3 مليون برميل/ اليوم)، ووصلت إلى القاع عند مستوى 1.9 مليون برميل/ اليوم، جراء غلق مضيق هرمز وتوقف الملاحة ما أجبر شركة بترول أبو ظبي الوطنية على الإغلاق المؤقت لبعض آبار الإنتاج براً وبحراً نتيجة امتلاء السعات التخزينية وتوقف شحن الناقلات.
- سعر الصرف: انخفض سعر الصرف الرسمي للدرهم الإماراتي مقابل الدولار الأمريكي على أساس سنوي بنسبة تراوحت 5% في مارس 2026م، نتيجة لضعف الدولار نسبياً مقارنة بسلة من عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين للإمارات.
- سوق العمل: ارتفع عدد الموظفين المشمولين بحماية الأجور على أساس سنوي بنسبة 7%، كما ارتفع متوسط الأجور بنسبة 0.7% بدءًا بشهر مارس 2026م، ما يشير إلى وجود طلب على العمالة دون ضغوط كبيرة على الأجور.
البُعد الثاني: الآثار على القطاعات الاقتصادية
- قطاع الطاقة: بعد الزيادات الملحوظة في إنتاج النفط خلال عام 2025م، تراجع إنتاج النفط خلال شهري مارس وأبريل 2026م، بنسبتي 3% و30.4% على أساس سنوي على التوالي، متأثراً باضطرابات الحرب. بنحو عام، انخفض الإنتاج النفطي خلال الأشهر الأربع الأولى من العام ليبلغ متوسطه 2.68 مليون برميل/ اليوم (الرسم البياني 1). وينطبق الحال على إنتاج الغاز الذي شهد انخفاضاً نسبياً خلال الربع الأول من العام بمقدار 12.3% مقارنة بالربع الذي سبقه.
.png)
لكن الدولة نجحت لاحقاً في تحقيق تعافٍ سريع واستثنائي لصادراتها النفطية، حيث بلغ إنتاجها من النفط الخام نحو4.1 مليون برميل/ اليوم في يونيو 2026م، مقارنة بنحو 3.3 مليون برميل/ اليوم في مايو، مسجلاً زيادة تقارب 24-27% (أو ما يعادل 800 ألف برميل يومياً)، كثمرة خروجها رسمياً من منظمة "أوبك" وتحالف (أوبك بلس) في 1 مايو 2026م، مستخدمة خطوط أنابيب بديلة.
- القطاعات غير النفطية:
- النقل والطيران: القطاع الأول الذي تأثر بصورة مباشرة بالحرب نتيجة لغلق الأجواء الجوية، حيث حصل انكماش في حركة الطيران نتيجة لإلغاء آلاف الرحلات الجوية الدولية والمسارات الطويلة، رافقه اضطرابات في جدول الرحلات، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتشغيل لشركات الطيران الوطنية.
- السياحة: ويرتبط هذا القطاع بسابقه، سيما وأنه يُعد من أكثر القطاعات -غير النفطية- حساسية للصدمات الجيوسياسية. حيث انخفض عدد السائحين والزوار خلال فترة الحرب المباشرة بصورة واضحة ما أثر بدوره على قطاع الفندقة والمرافق السياحية، لكن عاد نشاطه بعد توقف العمليات القتالية في المنطقة.
- العقار: القطاع الذي كان من المتوقع أن يتأثر بصورة كبيرة بتداعيات الحرب لأسباب تتعلق بتزعزع ثقة المستثمرين، وارتفاع معدلات التضخم وتداعيتها على أسعار مواد البناء، ناهيك عن ارتباط هذا القطاع بطيف من الأنشطة التي تأثرت أساساً بالحرب، مثل السياحة، والتجزئة، وغيرها. لكن بحسب التقارير المحلية، شهد سوق العقار بالدولة نمواً قوياً خلال الربع الأول من العام الحالي، مدفوعاً بارتفاع قيم المعاملات من بيع وشراء في كل من إمارتي أبو ظبي ودبي، لاسيما مع توفر خيارات واسعة وميسرة أمام المستثمرين الدوليين وتجار الجملة الذين انتهزوا الفرص التي وفرتها بعض شركات التطوير العقاري، مثل الإعفاء من دفع رسوم التسجيل، أو المرونة في دفع الأقساط، وغيرها، إضافة إلى ملاءمة عوائد الإيجارات.
على مستوى إمارة أبو ظبي، حافظ قطاع العقارات على زخمه خلال الربع الأول من عام 2026م، وبدعم من الطلب المتزايد على المشاريع الجديدة، ارتفعت مبيعات الشقق والفلل على أساس سنوي بنسبة 129.8% و99.6% على التوالي. (الرسم البياني 2)
.png)
كذلك حافظت إمارة دبي على نمو قطاعها العقاري خلال الربع الأول من عام 2026م، إذ ارتفعت القيمة الإجمالية للمعاملات العقارية بنسبة 30.3% على أساس سنوي. (الرسم البياني 3)
.png)
الآثار غير المباشرة: ويقصد بها الآثار التي تنتقل إلى الاقتصاد الإماراتي، نتيجة لانفتاحه الواسع على الخارج، بعد مرورها بسلسلة طويلة من الآثار على المستوى الدولي، وتتضمن ما يلي:
- انخفاض معدل النمو الاقتصادي العالمي: خفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لهذا العام إلى 5% ليشمل حوالي ثُلثي دول العالم وهو أدنى مستوى له منذ الجائحة، بعد أن كان 2.9%، لكنه توقع ان يرتفع إلى 2.8% العام القادم 2027م.
- انخفاض معدل نمو التجارة العالمية: طبقاً لتقارير منظمة التجارة العالمية، لم تنخفض التجارة العالمية بصورة تامة على أساس سنوي خلال فترة الحرب، لكن انخفضت التوقعات بشأن نموه بصورة كبيرة إلى حدود 9-2.8%، مقارنة بما سجل لعام 2025م، والتي بلغت بحدود 5%، أي انخفضت التوقعات بمقدار النصف. ويتركز هذا الانخفاض بصورة كبيرة في مناطق التوتر خاصة منطقة الشرق الأوسط على إثر غلق مضيق هرمز، حيث انخفض حجم صادراتها السلعية بنحو 9.7% واستيراداتها بنحو 11.9% على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الجاري.
وعلى مستوى تدفقات الطاقة العالمية، انخفضت الاستيرادات العالمية من النفط الخام من منطقة الشرق الأوسط في شهر مارس لوحده قرابة 45% على أساس سنوي، فيما انخفضت استيرادات الغاز الطبيعي المسال قرابة 52%.
أما على صعيد تجارة الخدمات، فقد خفضت المنظمة توقعاتها بشأن معدلات النمو من 4.8% إلى 4.1%، أي خسارة ما يقارب 0.7% نقطة مئوية نتيجة للتوترات الجيوسياسية سالفة الذكر.
- ارتفاع معدل التضخم العالمي: أدى غلق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط بصورة فلكية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري نتيجة لفرض شركات التأمين ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية على السفن التي تمر بالمضيق خلال فترات التوتر، ما يزيد من تكلفة التأمين والشحن لنقل النفط والسلع. وطبقاً لتقديرات كل من صندوق النقد والبنك الدوليين، وصل معدل التضخم العالمي خلال فترة الحرب بنحو 4%.
بنحو عام، ترتب على ارتفاع معدلات التضخم خلال فترة الحرب سلسلة من الآثار وكما يلي:
- ارتفاع سعر الدولار الأمريكي: صعد الدولار بقوة خاصة في بداية الحرب نتيجة للطلب عليه من قبل المستثمرين كملاذ آمن، وكذلك لمواجهة مخاوف التضخم نتيجة لارتفاع أسعار الوقود مما دفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تقليل احتمالات خفض أسعار الفائدة آنذاك.
- انخفاض أسعار الذهب: انخفضت أسعار الذهب العالمية بنسبة تجاوزت 20%، مسجلة أسوأ أداء شهري لها منذ عام 2013م. فبعد أن افتتح الذهب تعاملات الحرب (في 28 فبراير) قريباً من ذروته التاريخية عند 5,423 دولاراً للأونصة، هبط بشكل حاد ومفاجئ ليكسر مستويات4,200 دولار و4,175 دولاراً للأونصة بحلول ربيع وصيف العام الجاري.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كملاذ آمن، لكن وظيفته هي التي تحورت بسبب ظروف الحرب. فبدلاً من أن يقفز سعره، تحول الذهب إلى أداة لتوفير "السيولة الفورية “مع تنامي مخاوف التضخم وتوقع تشديد السياسة النقدية عبر رفع الفائدة، وما عانوه من نقص حاد في الدولار، واضطرار الكثير من المستثمرين لتسييل حيازاتهم من الذهب. لكن، بمجرد هدوء حدة العمليات العسكرية بعد ذلك، عاد الذهب إلى مسار التعافي القوي، فيما أشارت التوقعات إلى إمكانية ارتداد الذهب بقوة ليصل مستويات5,200 دولار للأونصة قبل نهاية عام 2026م.
صفوة القول، أثرت جميع هذه التطورات على قرارات المستثمرين المحليين والدوليين، وعلى حركة رؤوس الأموال عبر حدود دولة الإمارات وسائر دول الخليج.
سياسات وتدابير احتواء تداعيات الحرب
في مواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب، تبنت دولة الإمارات حزمة من السياسات والتدابير الاستباقية على المستويين الاتحادي والمحلي، استهدفت الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني.
أخذت التدابير الحكومية لمواجهة تداعيات الحرب أشكالاً مختلفة، وغطت العديد من المجالات، وكما يلي:
على صعيد السياسات النقدية والمالية: قام مصرف الإمارات المركزي بإجراءات عدة لتعزيز السيولة المصرفية والمحافظة على استقرار وتماسك النظام المالي، واستقرار الدرهم:
- في 18 مارس 2026م، تم إطلاق "حزمة المرونة الاستباقية للمؤسسات المالية"، مدعومة بأصول للمصرف تبلغ نحو 1 تريليون درهم. تضمنت الحزمة أدوات لإتاحة سيولة إضافية للمصارف وتعزيز قدرتها على الاستمرار في تمويل الاقتصاد.
- تفعيل "تسهيلات تأمين السيولة الطارئة" بضخ أكثر من 30 مليار درهم لحماية البنوك التجارية المتأثرة بالحرب.
- تخفيف متطلبات الاحتياطي من خلال السماح للبنوك بالوصول لما يصل إلى نسبة30 % من متطلبات الاحتياطي النقدي الإلزامي.
- توفير التمويل متعدد العملات لتأمين التدفق النقدي للمستوردين والشركات.
- المرونة الائتمانية المتمثلة بتقديم إعفاءات وتسهيلات لتأجيل تصنيف القروض المتعثرة مؤقتاً.
على مستوى إمارة دبي، اتخذت حكومة دبي حزم من التدابير والحوافز ما يعكس نهج دبي القائم على الاستباقية والمرونة وسرعة الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية. فقد أطلقت الحكومة حزمتين اقتصاديتين بإجمالي وصل إلى 2.5 مليار درهم، إضافة إلى إعفاءات وتأجيل الرسوم الحكومية، وتخفيض بعض الرسوم الجمركية ورسوم الخدمات، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
على صعيد سياسات أمن الطاقة وسلاسل الإمداد: تم تعظيم استخدام مسارات بديلة لتصدير النفط، وتسريع تطوير مرافق التخزين، وتنويع مسارات التجارة والنقل، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي والمخزونات الاستراتيجية.
حالياً، طبقاً للتقارير المحلية، على الرغم من إبرام تفاهمات مؤقتة لإعادة فتح مضيق هرمز جزئياً لفترة وجيزة، إلاّ أن تجدد التوترات في شهر يوليو 2026 م، دفع دولة الإمارات مجدداً إلى خفض اعتمادها على المضيق بأكثر من النصف (بنسبة 53%)، لتصبح الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي استعادت صادراتها البحرية إلى مستويات ما قبل اندلاع الحرب. وتحقق هذا التعافي عبر عدد من الاستراتيجيات أهمها، تفعيل خط أنابيب حبشان - الفجيرة (الممر البديل الرئيسي) الذي يفتح مباشرة على بحر عُمان بطاقة استيعابية تبلغ 1.5 مليون برميل يومياً، وكذلك السحب من مستودع "المندوس" الاستراتيجي للفجيرة تحت الأرض والذي تبلغ سعته 42 مليون برميل.
على صعيد الأمن الغذائي: أكدت وزارة الاقتصاد الإماراتية خلال فترة الحرب اكتمال المخزونات الاستراتيجية من السلع لفترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، وأن الأمن الغذائي للبلاد مضمون في ظل أي ظروف طارئة، لاسيما من خلال الاستفادة من شبكة واسعة من الأسواق الشريكة العالمية وتفعيل سريع للأسواق البديلة. كما تم التحذير من المخالفات، أو الاحتكار، أو الزيادات غير المبررة في الأسعار.
على صعيد سياسات تعزيز المرونة الاقتصادية: تم العمل على رفع جاهزية الموانئ والمطارات، والمحافظة على ثقة المستثمرين. وبالتوازي، استمر العمل على تنفيذ مشاريع التنويع الاقتصادي.
استشراف المستقبل
يتجلى من المناقشات السابقة، أن تداعيات الحرب على الاقتصاد الإماراتي ذات جذور جيوسياسية ولا تتعلق أساساً بأداء الاقتصاد الإماراتي، بالتالي فإن آفاق المستقبل -بإطار موضوع المقال- ستتوقف بغير حدود على الترتيبات الأمنية والجيوسياسية التي ستعقب الحرب، وبنحو أدق على صيغة الاتفاق النهائي بين أمريكا وإيران، وفيما إذا كان مستداماً وصلباً وسيرضي كل الأطراف الرئيسية، بالتالي على شكل التحالفات الإقليمية والدولية التي ستتمخض عن هذه الحرب، ومضامينها على حالة السلم في المنطقة والعالم، بالتالي على أمن الملاحة عبر مضيق هرمز وآفاق الاستثمارات في منطقة الخليج العربي.
تأسيساً على ما ذكر، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للاقتصاد الإماراتي:
السيناريو الأول: المتفائل، ويتلخص بحصول انفراج واضح ومستدام لحالة التوتر (العسكري) بين الولايات المتحدة وإيران، وتوقف إيران عن ضرب أية أهداف لها في دول منطقة الخليج، وتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق "صامد" ينطوي على فتح دائم لمضيق هرمز وإزالة الألغام، وتوافق دولي وإقليمي على صيغة معينة لإدارة المضيق لا تنفرد فيها إيران، بما يؤمن منع تكرار غلقه مرة أخرى. وفي ذات الوقت تتعزز جهود الإمارات لإيجاد ممرات بديلة وآمنة لتصدير الطاقة.
في ظل هذا السيناريو، من المتوقع أن يشهد العالم ارتفاعاً في معدلات نموه الاقتصادي نتيجة لعودة الحركة لسلاسل الإمداد والطاقة، مقابل انخفاض معدلات التضخم العالمي، ما سينعكس كل ذلك إيجاباً على معدلات النمو الاقتصادي للإمارات بصورة واضحة نتيجة لتنامي صادراتها لاسيما النفطية منها بعد انسحابها من منظمة الأوبك، إضافة إلى عودة بيئة أسعار الفائدة العالمية (على الدولار الأمريكي) المنخفضة ما سيشجع ذلك على عودة التدفقات الاستثمارية من الخارج والتي ستتوجه إلى مختلف القطاعات، بما سينعكس بالنتيجة إيجاباً على سوق العمل.
على صعيد تصدير النفط، تجدر الإشارة إلى أن الإمارات بدأت بالفعل في تنفيذ خطة متكاملة، تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز تدريجياً، وصولاً إلى نسبة اعتماد صفرية على هذا الممر المائي الحيوي، مثل مشروع ربط الإمارات بمدينة البصرة العراقية، ومنها إلى تركيا وسوريا، إلى جانب دراسة إنشاء مسار آخر.
ومن المتوقع أن يظل نمو الأنشطة غير النفطية إيجابياً خلال الفترة المقبلة مدعومة بالاستثمارات الحكومية المستمرة، وأنشطة القطاع الخاص، ومشاريع التنويع الاقتصادي الجارية.
السيناريو الثاني: الحذر، ويتمثل بتوصل أمريكا وإيران إلى اتفاق هش ينطوي على فتح مضيق هرمز لفترات محدودة ومتكررة، تتخلله قيام الولايات المتحدة بشن ضربات محدودة على إيران، مع قيام إيران بممارسات تقييدية لحركة السفن عبر المضيق، وكما يحصل حالياً.
في هذه الحالة، سيتحسن الوضع الاقتصادي لدولة الإمارات نسبياً مقارنة بما حصل في بداية الحرب، لكن استمرار هذا المشهد طويلاً سيؤثر على ثقة المستثمرين لاسيما الأجانب، وستتأثر مختلف الأنشطة الاقتصادية، وتتدهور أحوال المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تأثر انسيابية الصادرات النفطية، والصادرات السلعية.
السيناريو الثالث: المتشائم، ويتمثل باستمرار توترات الحرب على إيران، ما يؤدي إلى استمرار غلق أو شبه غلق لمضيق هرمز، بالتالي تأثير كل ذلك على انسيابية الحركة التجارية لاسيما الطاقة عبر المضيق، واحتمالات حصول أزمة غذاء عالمية، وارتفاع معدلات التضخم العالمي، يرافقه ارتفاع في أسعار الفائدة ما سيقوض من حركة الاستثمارات الدولية، بالتالي انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمي. ومن الطبيعي أن يلقي هذا المشهد بظلاله القاتمة على الاقتصاد الإماراتي وسائر دول المنطقة.
الدروس المستوحاة:
بقدر ما شكلته الآثار الاقتصادية للحرب سالفة الذكر من تحديات أمام الاقتصاد الإماراتي، فإن ثمة دروس يمكن استيحاؤها من تلك التجربة وبلورتها على شكل فرص بما يكفل استدامته وتعزيز مرونته مستقبلاً، أهمها ما يلي:
- تعزيز جهود استراتيجية التنويع الاقتصادي بعيداً عن الطاقة الهيدروكربونية، مع استمرار الجهود في مجالات الطاقة البديلة والمتجددة.
- تعظيم وتسريع الجهود لإيجاد بدائل لنقل النفط غير مضيق هرمز.
- تعزيز الخزين الاستراتيجي للنفط تحسباً لأية متغيرات جيوسياسية طارئة مستقبلاً.
- تعزيز الشراكات والتحالفات الاستراتيجية الإقليمية (خاصة الخليجية) والدولية سواء في مجال أمن الطاقة، أو سلاسل الإمداد، أو غيرها.






