array(1) { [0]=> object(stdClass)#14703 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 225

استنزفت الحرب نصف مخزون أمريكا من الصواريخ الاعتراضية و60% من الأمريكيين غير راضين عن ترامب

الأحد، 30 آب/أغسطس 2026

بعد مرور عدة أشهر على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالهجوم على إيران وشنّ حرب كبرى في الشرق الأوسط، يبدو أنه بات عالقًا في مستنقع صراع يلتهم رئاسته تدريجيًا، دون أن يجد سبيلًا واضحًا للخروج منه. لقد اصطدم ترامب بحدودٍ لقوته لم تكن في حسابه عندما أطلق عمليته العسكرية الشاملة ضد إيران في 28 فبراير، واضعًا نصب عينيه هدفين رئيسيين هما: الإجهاز السريع على البرنامج النووي الإيراني والإطاحة بنظام الحكم هناك، وهما هدفان لم يتحقق أيٌّ منهما حتى الآن.

 لقد دخلت الإدارة الأمريكية الحرب دون استراتيجية واضحة لتحقيق النصر، في وقت تتصاعد فيه كلفتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، مما وضع الرئيس ترامب أمام تحدٍّ متزايد للبحث عن مخرج يحفظ به ماء وجهه. وبحلول أوائل أغسطس، وطبقًا لبيانات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، أسفرت المواجهات عن مقتل 18 جنديًا أمريكيًا وإصابة أكثر من 600 آخرين، في حين سقط آلاف الإيرانيين وغيرهم من جنسيات متعددة بين قتيل وجريح. ولم تتوقف تداعيات الحرب عند حدود الخسائر البشرية فحسب، بل امتدت لتخلّف آثاراً سلبية جسيمة طالت قطاعاتٍ عدة.

تكلفة التصعيد العسكري

ما يزال التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين واشنطن وطهران غاية بعيدة المنال، تقتضي تقديم تنازلات صعبة من الطرفين. فمنذ أواخر فبراير، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التهديد بتوسيع نطاق الضربات لتطال أهدافًا عسكرية ومدنية داخل إيران، وهو ما قد يفضي إلى سقوط أعداد غفيرة من الضحايا المدنيين، ويُفاقم خطر المجاعة بين الإيرانيين الذين سبق لترامب أن تعهد بحمايتهم من حكومتهم.

بيد أن تردد ترامب في تصعيد الضربات يعود، إلى حدٍ كبير، إلى استنزاف الحرب للمخزون الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية؛ إذ أشارت تقديرات نُشرت في أبريل إلى أن الولايات المتحدة استهلكت زهاء نصف مخزونها من بعض منظومات الاعتراض الأساسية، فيما أكد مسؤولون عقب استئناف القتال في يوليو، أن هذا المخزون بلغ مستويات حرجّة. ويساور المسؤولين الأمريكيين قلق من أن يستحضر كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ هذا النقص عند رسم خططهما المقبلة في أوكرانيا وتايوان.

وفي السياق ذاته، أقرّ مجلس النواب الأمريكي، في أواخر يوليو، مشروع قانون للسياسة الدفاعية بقيمة 1.15 تريليون دولار، مشفوعًا بإجراءات لتغطية التكاليف المتصاعدة للحرب، وذلك عقب فرض الجمهوريين رؤيتهم على الديمقراطيين، الذين رأوا في ذلك إخفاقًا من الكونجرس في كبح التوسع الذي تمارسه إدارة ترامب في استخدام القوة العسكرية.

ويتضمن مشروع الموازنة تخصيص 73 مليار دولار إضافية لوزارة الدفاع (البنتاجون) ووكالات الاستخبارات، يُوجَّه القسط الأكبر منها لتغطية نفقات الحرب على إيران. وطبقًا لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، فإن تكلفة الصراع ستصل إلى نحو 37.5 مليار دولار بحلول نهاية سبتمبر، ملوّحًا بأن البنتاجون سيضطر إلى تقليص التدريبات العسكرية إن لم يحصل سريعًا على تمويلٍ إضافي.

ولا تشمل هذه التقديرات تكلفة إعادة بناء القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط التي طالتها الأضرار إبان الحرب. في المقابل، تُرجح تقديرات أخرى، تستند إلى نطاقٍ أوسع من النفقات ومعدلاتٍ أعلى لاستهلاك الذخائر، أن تكلفة عملية "الغضب الملحمي" ربما تجاوزت 100 مليار دولار بحلول أواخر يونيو. كما طلب البنتاجون بالفعل تخصيص 114 مليار دولار ضمن موازنة العام المالي 2027م، لإعادة تعويض مخزونات الذخائر الحيوية ذات الطلب العالي، وهو ما يعادل نحو خمسة أضعاف التمويل المعتمد لهذه الذخائر في موازنة عام 2026م، فضلاً عن مطالباتٍ بـ 60 مليار دولار إضافية لبرامج تطوير وشراء أنواع أخرى من الذخائر.

التكاليف الاقتصادية الداخلية

أدت الحرب على إيران إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة مقارنة بما كانت عليه قبل بدء الهجمات التي شنتها إدارة الرئيس ترامب على إيران. وتشير التقديرات إلى أن الأمريكيين تكبدوا أكثر من 70 مليار دولار كتكاليف إضافية لشراء البنزين وزيت الديزل منذ اندلاع الحرب، بما يعادل أكثر من 500 دولار أعباء إضافية على كل أسرة أمريكية، فقد كان متوسط سعر جالون الوقود يبلغ 2.98 دولار في 27 فبراير، قبل أن يقفز منذ ذلك الحين ليتذبذب حول مستوى 4 دولارات للجالون، وسط توقعات باستمرار الأسعار المرتفعة خلال الفترة المقبلة. كما أسهم ارتفاع أسعار الوقود في دفع معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها خلال ثلاثة أعوام، ما أدى إلى تآكل معظم الزيادات التي حققها العاملون في أجورهم على مدار الاثني عشر شهرًا الماضية. ولم تقتصر التداعيات الاقتصادية على ذلك فقط، إذ أسهمت الحرب أيضًا في رفع أسعار الفائدة، مما زاد من تكلفة الاقتراض بالنسبة للأفراد والشركات. وبحلول أوائل أغسطس، قُدرت التكلفة الإجمالية للحرب بنحو 1,100 دولار لكل أسرة أمريكية، في ضوء ما يقارب 150 مليار دولار من الأعباء المتراكمة حتى الآن، والتي تشمل ارتفاع أسعار الطاقة وتذاكر السفر الجوي والمواد الغذائية وتكاليف الاقتراض، إلى جانب الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي.

التكلفة السياسية الداخلية

جرت العادة في التاريخ الأمريكي الحديث أن تندلع الحروب وسط تأييد شعبي جارف، غير أن هذا الزخم يتلاشى تدريجيًا كلما طال أمد الصراع دون إحراز مكاسب جليّة أو نتائج حاسمة. وعلى النقيض من ذلك، افتقرت الحرب مع إيران إلى الحاضنة الشعبية حتى قبل اندلاعها، لتتصاعد وتيرة الرفض الجماهيري لها بمرور الوقت. وتُظهر استطلاعات الرأي أن نحو 60% من الأمريكيين يناهضون هذه الحرب؛ إذ يشكك السواد الأعظم منهم في سردية الإدارة الأمريكية القائلة بأن طهران شكلت تهديدًا داهماً لبلادهم، ويرون أنه كان لزامًا على الرئيس دونالد ترامب نيل موافقة الكونجرس قُبيل الشروع في أي عمليات عسكرية.

في غضون ذلك، تنامى إدراك شريحة متزايدة من المواطنين بإخفاق بلادهم في إعادة فتح مضيق هرمز، أو طي صفحة البرنامج النووي الإيراني بصفة نهائية، أو كفالة الحرية للشعب الإيراني. ومع حلول أوائل مايو، تبلورت قناعة لدى قطاع أكبر بأن للحرب ارتدادات سلبية عميقة طالت تكاليف المعيشة في الداخل الأمريكي، وشبكة العلاقات الدولية، وصورة واشنطن الخارجية، فضلًا عن مساسها المباشر بالأمن القومي.

 وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين يعتقدون أن إدارة ترامب لم تبذل جهودًا كافية للتشاور مع الحلفاء والشركاء في المنطقة، أو للحد من الخسائر البشرية بين المدنيين الأمريكيين والإيرانيين، أو للدفع نحو تسوية تفاوضية تنهي الصراع. كما يرى عدد كبير منهم أن الحرب وصلت إلى حالة من الجمود، دون أن يتمكن أي من الطرفين من تحقيق تفوق واضح، فيما يشكك كثيرون في التزام كل من الولايات المتحدة وإيران بأي اتفاق محتمل لإنهاء النزاع.

ولم يكن من الصعب تفسير هذا التراجع في التأييد الشعبي، إذ ارتفعت أسعار البنزين والديزل بشكل ملحوظ، وهو ما انعكس مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، خاصة أن قطاع النقل بالشاحنات، الذي يعتمد بصورة رئيسية على وقود الديزل، يتولى نقل أكثر من 70% من البضائع داخل الولايات المتحدة، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات. كما تسبب توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز في زيادة أسعار الأسمدة التي يعتمد عليها المزارعون الأمريكيون مع بداية موسم الزراعة الربيعي، الأمر الذي أضاف ضغوطًا جديدة على القطاع الزراعي وأسهم في ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وفي هذا السياق، تراجعت معدلات التأييد الشعبي للرئيس ترامب خلال معظم فترات ولايته الثانية، إلا أن الحرب مع إيران بدت عاملًا رئيسيًا في تسريع هذا الانخفاض. وتشير البيانات إلى أن واحدًا من كل أربعة ناخبين صوتوا لترامب في انتخابات عام 2024م، بات يُعارض الحرب، فيما تراجعت نسبة الرضا عن أدائه إلى نحو 40%، مقابل ارتفاع نسبة غير الراضين إلى حوالي 60%.. وتحمل هذه المؤشرات أهمية سياسية كبيرة، إذ يؤثر مستوى التأييد الشعبي للرئيس بصورة مباشرة في نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس. ففي حال تمكن الديمقراطيون من الفوز بالأغلبية في مجلس النواب، ستواجه الأجندة التشريعية للرئيس عراقيل كبيرة، كما ستخضع إدارته لرقابة برلمانية أكبر. وفي حال نجاح الحزب الديمقراطي في الفوز بالأغلبية في مجلس الشيوخ، فسيصبح الرئيس مضطرًا إلى مراعاة مواقف المعارضة بشأن المرشحين للمناصب العليا، ما سيجعل تمرير تعييناتهم أكثر صعوبة.

التكاليف الاستراتيجية

نجحت الصين في استغلال الصراع لإعادة تقديم نفسها بوصفها قوة دولية مسؤولة، في مقابل ما وصفته بالنهج الأحادي والعسكري الذي اتبعته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما عزز موقف بكين التفاوضي في مواجهة واشنطن على الساحة الدولية. وفي الوقت ذاته، أدى قرار إدارة ترامب تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط الروسية، في محاولة لتهدئة أسواق الطاقة العالمية، إلى تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة لموسكو، التي حصدت مليارات الدولارات من عائدات النفط منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير. كما أدى إعادة نشر أصول عسكرية أمريكية استراتيجية، مثل بطاريات الدفاع الصاروخي التي نُقلت من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، إلى جانب الاستهلاك المكثف للذخائر التي كانت أوكرانيا في أمسّ الحاجة إليها، إلى إثارة مخاوف حلفاء واشنطن بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنهم، وأعادت طرح تساؤلات حول مدى موثوقيتها كشريك استراتيجي.

ورغم استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل أحدث أنواع الأسلحة في هجماتهما المشتركة، وما أسفرت عنه من مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين، فإن الحكومة الإيرانية تمكنت من البقاء، وخرجت من الحرب أكثر تشددًا وثقة وإصرارًا على مواصلة سياساتها. كما عززت طهران من تأكيد سيادتها على مضيق هرمز، وهو تطور لم يكن قائمًا قبل اندلاع الحرب، في وقت امتدت فيه تداعيات الصراع إلى تهديد حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر، بما يمنح إيران أوراق ضغط استراتيجية واقتصادية قد تؤثر في توازنات المنطقة. إن بقاء إيران بصورة أكثر جرأة، رغم الدمار الواسع الذي طال بنيتها الاقتصادية وتراجع قدراتها العسكرية، يمثل تحديًا جسيمًا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ويُثير في الوقت ذاته قلق القوى الإقليمية. فمنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979م، اتسمت العلاقات بين واشنطن وطهران بالتوتر المستمر، ولا تبدو فرص تطبيع العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية بين الجانبين قريبة، حتى مع تبني ترامب نهجًا براجماتيًا في السياسة الخارجية. وتجدر الإشارة إلى وجود فجوة تتمثل في انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال عميقة، مما يجعل التوصل إلى تطبيع شامل أمرًا مستبعدًا في المستقبل القريب. ويؤكد أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه العمل على خفض التصعيد وإطلاق إجراءات لبناء الثقة بين الطرفين.

لقد ساهمت الحرب مع إيران في تعقيد العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم المستوى غير المسبوق من التواصل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اللذين التقيا ثماني مرات منذ بداية الولاية الثانية لترامب في يناير 2025م، ويواجه الزعيمان تحديات سياسية وانتخابية خلال الأشهر المقبلة. ففي إسرائيل، يتراجع نتنياهو في استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات المقررة في الخريف المقبل، وهو ما يدفعه إلى إقناع الناخبين بأن علاقته الوثيقة بترامب لا تزال قائمة رغم تزايد الخلافات بينهما. أما في الولايات المتحدة، فيستعد ترامب لخوض انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر، في ظل تداعيات حرب غير شعبية يرى كثير من الأمريكيين أنه انخرط فيها بتحريض من إسرائيل، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب. ولطالما قدم نتنياهو علاقته الشخصية بترامب باعتبارها إحدى ركائز حملاته الانتخابية، إلا أن هذه العلاقة شهدت خلال الأشهر الأخيرة تقلبات واضحة. فبعدما أشاد ترامب بنتنياهو واصفًا إياه بـ “القائد العظيم في زمن الحرب"، عاد ليوجه إليه انتقادات علنية، قائلًا: "سيفعل كل ما أريده أن يفعله." كما أكد ترامب أنه وصف نتنياهو خلال اتصال هاتفي بأنه "مجنون"، ووصفه في مناسبة أخرى بأنه "رجل صعب للغاية"، في تصريحات عكست حجم التوتر بين الجانبين. وفي المقابل، التزم نتنياهو الصمت الدبلوماسي على تلك التصريحات.

وهكذا، أخفق ترامب ونتنياهو في تحقيق الأهداف الرئيسية المعلنة مع بداية الحرب، والمتمثلة في إنهاء البرنامج النووي الإيراني والإطاحة بالنظام الحاكم في طهران. ومع اندلاع القتال، بدأ كل من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في انتهاج مسارين مختلفين. فبينما يسعى ترامب إلى التوصل لاتفاق مع إيران يفضي إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، ترى القيادة الإسرائيلية أن استئناف العمليات العسكرية يبقى الخيار الأفضل، انطلاقًا من اعتقادها بأن أي اتفاق سلام تعقده واشنطن مع طهران سيمنح إيران فرصة لتعزيز نفوذها وترسيخ بقائها، في حين لا تزال إسرائيل تتمسك بهدف إسقاط النظام الإيراني. وفي هذا السياق، أبقت الولايات المتحدة إسرائيل خارج مسار المفاوضات الرامية إلى التوصل لاتفاق سلام مع إيران.

ولا تقتصر الخلافات بين إدارة ترامب وإسرائيل على الملف الإيراني، بل امتدت إلى عدد من القضايا الإقليمية التي تمثل أولوية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خاصة مع حلول موعد الانتخابات الإسرائيلية. فقد فرضت الإدارة الأمريكية قيودًا على العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد ميليشيا حزب الله في لبنان، كما تضغط على إسرائيل لبدء سحب قواتها من جنوب لبنان وسوريا. وفي الوقت ذاته، يواجه اتفاق وقف إطلاق النار المزعوم في قطاع غزة صعوبات متزايدة تهدد استمراره، بالتزامن مع تصاعد التوترات وأعمال العنف في الضفة الغربية المحتلة. كما تدرس إدارة ترامب إمكانية بيع مقاتلات "إف-35" لتركيا، وهي الخطوة التي تعارضها إسرائيل بشدة.

وفي النهاية، من المرجح أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي تدقيقًا ومراجعة كبيرة خلال الأشهر المقبلة. فعلى مدار عقود، ظلت واشنطن الشريك الأمني الأبرز لدول الخليج، إلى جانب ما يجمع الطرفين من تعاون دفاعي وثيق، وتبادل تجاري واستثمارات متبادلة في قطاعات استراتيجية، من بينها التقنيات الناشئة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. إلا أن الحرب مع إيران أثارت تساؤلات متزايدة بشأن مدى صلاحية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي. فقد مارست دول الخليج ضغوطًا دبلوماسية مكثفة للحيلولة دون اندلاع الحرب، غير أن إدارة الرئيس دونالد ترامب مضت في الخيار العسكري دون الاستجابة لمواقف حلفائها العرب. وفي نهاية المطاف، وجدت دول الخليج نفسها تتحمل جانبًا كبيرًا من التداعيات الاقتصادية والسياسية لصراع كانت تسعى إلى تجنبه. وألقت الحرب بظلالها على اقتصادات المنطقة، إذ تسببت الاضطرابات الاقتصادية وحالة عدم الاستقرار السياسي في إبطاء جهود دول الخليج الرامية إلى تنويع اقتصاداتها وتنفيذ رؤاها التنموية الطموحة في المستقبل.

وخلال الأشهر والسنوات المقبلة، من المتوقع أن تحافظ الولايات المتحدة على شراكتها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية الوثيقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، كما ستواصل هذه الدول النظر إلى واشنطن باعتبارها شريكًا رئيسيًا في منظومة الأمن الإقليمي. وفي الوقت نفسه، يُرجح أن تستمر دول الخليج في توسيع شبكة شراكاتها الدولية، عبر تعزيز التعاون مع قوى عالمية أخرى، مثل روسيا والصين والهند وباكستان والدول الأوروبية، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن في علاقاتها الدولية. كما ستواصل دول الخليج العمل مع دول الجوار لتعزيز الاستقرار والازدهار الإقليمي، من خلال التعاون والاستثمار في دول مثل سوريا ولبنان والعراق. وخلال الأشهر الأخيرة، برزت المملكة العربية السعودية، بالتنسيق مع مصر وتركيا وباكستان، كأحد أهم الأطراف الساعية إلى إعادة ترسيخ توازن القوى في المنطقة. ومع توقف العمليات العسكرية، يُتوقع أن تستأنف دول الخليج بقوة برامجها لتنويع الاقتصاد، وزيادة استثماراتها في التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مواصلة بناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية أكثر تطورًا.

مقالات لنفس الكاتب