أسفرت الحرب التي انخرطت فيها إيران خلال هذا العام 2026م، عن تحول جذري في البيئة الأمنية للخليج العربي، والذي يُرجَح أن تمتد آثاره وتداعياته لسنوات قادمة حتى وإن انحسرت حدة المواجهة العسكرية المباشرة وانتهت لاحقًا. فقد أظهر الصراع انكشاف جبهات دول الخليج أمام الهجمات المباشرة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهشاشة شرايين الملاحة البحرية في المنطقة، واستمرار قدرة إيران على حشد وتعبئة الجماعات المسلحة غير النظامية، فضلًا عن حدود الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية القائمة.
وتتلخص أبرز الرسائل التي وجّهتها الأزمة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في سقوط الفرضية التقليدية القائلة بضمان القوى الخارجية لأمن المنطقة كأمرٍ مسلّم به. وفي المقابل، كشفت الأزمة عن تعذّر تحقيق أمن إقليمي خليجي مكتمل بالاعتماد الحصري على القدرات الذاتية؛ نظراً لارتباط أمن الخليج الوثيق بأسواق الطاقة، وسلامة الملاحة والتجارة الدولية، وحظر الانتشار النووي، ومكافحة الإرهاب، والتهديدات السيبرانية، إلى جانب انعكاسات الصراعات الممتدة من الشام إلى البحر الأحمر. وبناءً عليه، فإن المقاربة المستدامة تتطلب توازناً يجمع بين تنمية القدرات الوطنية، وتعميق التكامل الخليجي، وإقامة أطر تعاون مدروسة ومنظمة مع القوى الخارجية وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي. ويبقى التحدي المحوري متمثلاً في تحديد مساحات الاستقلالية الخليجية مقابل مجالات الاحتياج الشديد للدعم الدولي، مع توظيف هذا التفاعل الخارجي لترسيخ الملكية الإقليمية للأمن لا لتقويضها.
بيئة أمنية إقليمية متحولة
تتمثل النتيجة المباشرة للحرب الحالية والصراع الدائر في تآكل النظام الإقليمي الهش في الأساس، فعلى مدى عقود، اعتمد أمن الخليج على مزيج من الردع، والوجود العسكري الأمريكي، والتحالفات الثنائية، والتوازن الدبلوماسي، إلى جانب الفرضية القائلة بأن الدول الرئيسية في المنطقة ستتجنب في نهاية المطاف المواجهة المباشرة التي قد تهدد بقاء النظام بأكمله، غير أن هذه الفرضية لم تعد قائمة اليوم.
وأظهر الصراع أن مواطن الضعف الاستراتيجي للخليج يتجاوز بكثير نطاق التهديدات العسكرية التقليدية. فقد أصبحت منشآت الطاقة، ومحطات تحلية المياه، والمطارات، والموانئ، وحركة الملاحة التجارية، والبنية التحتية الحيوية، جميعها عرضة للاستهداف العسكري. وبالتالي، باتت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أمام بيئة أمنية تتشابك فيها البنية التحتية الاقتصادية والمدنية بصورة متزايدة مع الاستراتيجيات العسكرية.
وتجسد حالة عدم الاستقرار المستمرة حول مضيق هرمز جانبًا واضحًا من هذه الأزمة. فقد أكد مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي صراحة أن حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب تمثل عنصرًا أساسيًا ليس لأمن الخليج فحسب، وإنما للاقتصاد العالمي أيضًا. وفي مارس 2026م، شدد الجانبان، بشكل مشترك، على أهمية حماية طرق الملاحة البحرية، وأمن الطاقة، والسلامة النووية، وسلاسل الإمداد، مع الإقرار بمساهمة العملية البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي "أسبيدس"، في هذا المجال.
إلا أن الوضع شهد لاحقًا مزيدًا من التدهور، فقد أظهرت الهجمات الإيرانية على السفن التجارية وتجدد عمليات جماعة الحوثي ضد المملكة العربية السعودية أن الممرين البحريين الرئيسيين في المنطقة يواجهان ضغوطًا متزامنة. وفي سبتمبر 2026م، صعّدت قوات الحوثيين مجددًا هجماتها على الأراضي السعودية ومنشآت الطاقة، بالتزامن مع تحركات باتجاه مناطق ذات أهمية استراتيجية بالقرب من باب المندب. ولم تعد الأزمة مجرد مواجهة إيرانية-خليجية؛ بل أصبحت أزمة أمنية متعددة الأبعاد، تشمل إيران، والدول الفاعلة، والجماعات المسلحة، والشبكات التجارية، والقدرات السيبرانية، والتهديدات البحرية، إلى جانب الصراعات الممتدة في دول الجوار.
مشكلة الجماعات المسلحة وتفكك النظام الإقليمي
ربما كان التطور الهيكلي الأكثر تأثيرًا هو تنامي دور الجماعات المسلحة غير النظامية. فقد انطوت الاستراتيجية الإقليمية لإيران، منذ فترة طويلة، على بناء علاقات مع جماعات مسلحة قادرة على ممارسة الضغط على خصومها، من دون أن تضطر طهران إلى الاعتماد بصورة حصرية على قواتها العسكرية النظامية، حيث ساعدت حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن على امتلاك قدرات عسكرية مستقلة، رغم التباين الملحوظ في طبيعة علاقاتها بإيران ودرجة ارتباطها بها.
وقد أظهر الصراع الحالي، القيمة الاستراتيجية لهذه الشبكة؛ فحتى في الحالات التي تراجعت فيها القدرات العسكرية الإيرانية، تظل الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران أو المتحالفة معها قادرة على مواصلة ممارسة الضغوط على دول مجلس التعاون الخليجي. كما أن الأدلة الحديثة على وجود تنسيق بين القوات الحوثية والميليشيات العراقية توضح إمكانية نشأة شبكة مسلحة موزعة جغرافيًا، قادرة على استنزاف القدرات الدفاعية الخليجية وامتداد نطاق التهديد عبر عدة ساحات.
ويمثل ذلك تحديًا بالغ التعقيد أمام مجلس التعاون الخليجي. فمفهوم الردع التقليدي في مواجهة دولة ذات سيادة يبدو أكثر وضوحًا من الناحية النظرية؛ إذ يمكن ردع الدولة عبر التلويح بالرد العسكري، أو فرض عقوبات اقتصادية، أو اتخاذ إجراءات دبلوماسية. أما ردع الجماعات المسلحة، فهو أكثر صعوبة؛ إذ قد تمتلك هذه الجماعات دوافع أيديولوجية مستقلة، وقواعد دعم محلية، ومصالح اقتصادية خاصة بها، مع احتفاظها في الوقت ذاته بدرجات متفاوتة من الاعتماد على جهة خارجية راعية.
ومن ثم، لا يكمن الخطر في اندلاع حرب خليجية تقليدية أخرى فحسب، وإنما في نشأة بيئة دائمة من الصراع منخفض الحدة، تصبح فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب وتعطيل الملاحة البحرية والحرب بالوكالة أدوات اعتيادية للمنافسة الاستراتيجية. وعليه، ينبغي ألا يقتصر الهدف طويل الأمد لدول مجلس التعاون الخليجي على هزيمة الجماعات المسلحة كلٌّ على حدة، بل يتعين أيضًا دعم بناء أنظمة سياسية في الدول المجاورة، بحيث لا تتمكن الجماعات المسلحة من العمل بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة الشرعية.
كيف استجاب مجلس التعاون الخليجي؟
استجابت دول مجلس التعاون الخليجي لتدهور البيئة الأمنية بعدة طرق.
أولًا، عملت على تعزيز قدراتها العسكرية الوطنية ومنظومات الدفاع الجوي. وأسهمت تجربة الحرب في تسريع الاهتمام بالدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وقدرات مواجهة الطائرات المسيّرة، وأنظمة الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وحماية البنية التحتية الحيوية.
ثانيًا، أولت دول مجلس التعاون الخليجي اهتمامًا كبيرًا بـالدبلوماسية الجماعية. وسعت الدول الست بصورة متزايدة إلى التأكيد على أن الهجمات التي تستهدف إحدى دول المجلس تمثل تهديدًا أوسع لاستقرار منطقة الخليج. وفي أعقاب استمرار الهجمات الإيرانية، جدد المجلس بصورة صريحة التأكيد على الحق الجماعي للدول الأعضاء في الدفاع عن أراضيها وسكانها وسفنها التجارية وبنيتها التحتية الحيوية.
ثالثًا، واصلت دول الخليج تنويع شراكاتها الخارجية. فعلى الرغم من استمرار أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، عملت السعودية والإمارات وقطر وعُمان والكويت والبحرين، في الوقت نفسه، على توسيع علاقاتها مع القوى الأوروبية والآسيوية. ولا يستهدف هذا التنويع بالضرورة استبدال الولايات المتحدة، بقدر ما يعكس إدراكًا بأن أمن الخليج لا ينبغي أن يعتمد على قوة خارجية واحدة بوصفها الضامن الوحيد له.
رابعًا، وسعت دول مجلس التعاون الخليجي من استثماراتها لتعزيز مرونتها الاقتصادية؛ إذ لم يعد تنويع الاقتصاد مجرد استراتيجية للتنمية الاقتصادية، بل أصبح أيضًا أحد عناصر الصمود الاستراتيجي. فمشروعات مثل رؤية السعودية 2030 وأجندة التنويع الاقتصادي في الإمارات تمثل، إلى جانب أهدافها التنموية، سياسات لتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات المحتملة. فكلما قل اعتماد اقتصادات الخليج على النفط، تراجعت درجة تعرضها للتداعيات الاقتصادية الناجمة عن استهداف البنية التحتية للطاقة أو التعطيل المؤقت لصادرات الطاقة عبر الممرات البحرية.
ومع ذلك، تظل هناك مكامن ضعف بارزة؛ فمن جانب، لم تصل القدرات العسكرية لدول المجلس بعدُ إلى المستوى المطلوب من التكامل، كما تفتقر أجهزة الاستخبارات ومنظومات الإنذار المبكر إلى الترابط الشامل، يضاف إلى ذلك تباين الرؤى السيادية تجاه التعامل مع إيران، حيث لا يمتلك المجلس حتى الآن آلية متكاملة وفعالة للأمن الجماعي تضاهي، من حيث بنيتها المؤسسية، الهياكل التي يقدمها حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومن ثم، تتمثل الأولوية الاستراتيجية في تحويل مجلس التعاون الخليجي من آلية للتنسيق السياسي إلى شبكة أمن إقليمية أكثر تكاملًا وفاعلية.
ما أولويات مجلس التعاون الخليجي في المرحلة المقبلة؟
تتمثل الأولوية لدول مجلس التعاون الخليجي في التأسيس لمنظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة، عبر تطوير بنية دفاعية مترابطة تشمل الرادارات، الأقمار الصناعية، منظومات الإنذار المبكر، شبكات القيادة والسيطرة، وتجهيزات التصدي للصواريخ. ولا يقتضي هذا المسار بالضرورة إيجاد قيادة عسكرية موحدة، بقدر ما يتطلب تحقيق درجة كافية من التوافقية وقابلية التشغيل البيني، بما يضمن صياغة صورة عملياتية موحدة ويكفل الاستجابة الجماعية الفورية للتهديدات.
ثانيًا، يحتاج مجلس التعاون إلى وضع استراتيجية شاملة لمواجهة الطائرات المسيّرة. فقد غيّرت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة المعادلة الاقتصادية للحروب، حيث لا يُعد استخدام صواريخ اعتراضية متطورة بملايين الدولارات لإسقاط طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة خياراً مستداماً من الناحية الاقتصادية. ولذلك، تحتاج دول الخليج إلى منظومات دفاع متعددة الطبقات تجمع بين الحرب الإلكترونية، وتقنيات الطاقة الموجّهة، والأنظمة الحركية قصيرة المدى، وإجراءات الحماية السلبية، والقدرات الاستخباراتية.
ثالثًا، ينبغي لمجلس التعاون أن يضع إطارًا أكثر قوة لتعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية. فلا ينبغي أن تقتصر الحماية على منشآت الطاقة، وإنما يجب أن تشمل أيضًا محطات تحلية المياه، وشبكات الكهرباء، وشبكات الاتصالات، والمطارات، والموانئ، والبنية التحتية المالية. كما ينبغي التعامل مع الأمن السيبراني باعتباره مكونًا أساسيًا من مكونات الدفاع الوطني.
رابعًا، يتعين على دول المجلس تعزيز التعاون في مجال الأمن البحري. فمضيق هرمز، وخليج عُمان، وخليج عدن، وباب المندب، تشكل في مجموعها منظومة استراتيجية واحدة. ولذلك، ينبغي لدول الخليج تطوير آليات مشتركة للمراقبة البحرية وتبادل المعلومات وإدارة الحوادث، ويفضل أن تكون مرتبطة بالقوات البحرية الدولية العاملة في المنطقة.
خامسًا، ينبغي لمجلس التعاون تكثيف الجهود لمعالجة الصراعات الأساسية التي تتيح للجماعات المسلحة بالوكالة التوسع والازدهار. فاحتواء الميليشيات عسكريًا وحده لا يمكنه حل المشكلة. ويمثل تحقيق الاستقرار في العراق واليمن ولبنان وسوريا، ودعم مؤسسات الدولة القادرة على أداء وظائفها، في نهاية المطاف، استراتيجية أكثر استدامة من تكرار مواجهة الجماعات المسلحة بعد أن تصبح أكثر قوة ونفوذًا.
وأخيرًا، ينبغي لمجلس التعاون الخليجي، تطوير استراتيجية أكثر منهجية للدبلوماسية الإقليمية تجاه إيران. فلا ينبغي النظر إلى الردع والحوار باعتبارهما خيارين متعارضين بالضرورة. إذ تحتاج دول الخليج إلى امتلاك قدرات دفاعية كافية لردع أي عدوان، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات اتصال قادرة على الحد من مخاطر سوء التقدير، والتفاوض بشأن إجراءات عملية لبناء الثقة.
المساهمة الأوروبية
يظل السؤال المحوري: هل ينبغي تنفيذ هذه الإجراءات من جانب دول مجلس التعاون الخليجي وحدها؟ والإجابة: لا. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تأتي المساعدة الدولية لتكمل المسؤولية الخليجية لا أن تحل محلها.
ولذلك، ستظل الولايات المتحدة، في المستقبل المنظور، أهم قوة عسكرية خارجية فاعلة في المنطقة. إلا أن الحرب عززت في الوقت نفسه الحاجة إلى بناء منظومة أمنية أكثر تنوعًا. فالاعتماد على قوة خارجية واحدة يخلق مواطن ضعف استراتيجية، لا سيما عندما تكون التزامات تلك القوة تجاه المنطقة قابلة للتغير تبعًا للظروف السياسية الداخلية.
وهنا يمكن لأوروبا أن تقدم إسهامًا ذا قيمة. فالاتحاد الأوروبي لا يمتلك القدرات العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، كما لا ينبغي له أن يسعى إلى تكرار الدور الأمني الأمريكي. وتتمثل ميزته النسبية في مجالات أخرى، أبرزها الأمن البحري، والدبلوماسية، والقوة الاقتصادية، والعقوبات، والتعاون التكنولوجي، والنفوذ التنظيمي، والمساعدات التنموية، والقدرة على الانخراط في الوقت نفسه مع أطراف إقليمية متعددة.
ومن ثم، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يتبنى دورًا استراتيجيًا داعمًا، بدلًا من أن يصبح الضامن الأمني الرئيسي لمنطقة الخليج. ويمثل الأمن البحري المجال الذي يستطيع الاتحاد الأوروبي بالفعل أن يبرهن فيه على قيمة عملية ملموسة. وقد أُنشئت العملية البحرية الأوروبية "أسبيدس" لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر والمياه المحيطة به. ويشمل نطاق مهامها رقعة جغرافية بالغة الأهمية، تمتد إلى باب المندب، والبحر الأحمر، وخليج عدن، وخليج عمان، والخليج العربي، ومضيق هرمز. وقد مدد الاتحاد الأوروبي مهمة «أسبيدس» حتى فبراير 2027م، رابطًا إياها بصورة صريحة بحماية الملاحة التجارية والتجارة العالمية.
ينبغي لأوروبا تعزيز تبادل المعلومات مع السلطات البحرية الخليجية، وإنشاء آليات مشتركة للوعي بالموقف البحري، وإجراء تدريبات مشتركة، وبحث سبل دمج أنظمة المراقبة الأوروبية والخليجية. وينبغي أن يكون الهدف ذا طبيعة دفاعية، يتمثل في حماية الملاحة التجارية، وضمان حرية الملاحة، والحد من مخاطر التصعيد.
ومع ذلك، ينبغي للاتحاد الأوروبي تجنب التحول إلى طرف مباشر في العمليات العسكرية الهجومية ضد إيران أو الجماعات المتحالفة معها، ما لم يتوافر تفويض دولي وقانوني وسياسي واضح واستثنائي. وتتمثل الميزة النسبية لأوروبا في أقصى درجاتها عندما تسهم في توفير الأمن من دون أن تتحول إلى طرف إضافي في النزاع.
ويتجلى الإسهام الرئيسي الثاني لأوروبا في الصعيد الدبلوماسي؛ إذ يحظى الاتحاد الأوروبي بموقع متميز في المنطقة، فعلى خلاف الولايات المتحدة، لا يمثل القوة العسكرية المهيمنة فيها، وعلى خلاف الصين وروسيا، لا يرتبط بدرجة مماثلة من الاعتماد الاستراتيجي على اصطفاف إقليمي بعينه. كما يحتفظ الاتحاد بعلاقات دبلوماسية مع مختلف الأطراف في المنطقة. ومن ثم، يمكنه دعم آليات خفض التصعيد الإقليمي وبناء الثقة.
ويجب أن يشمل ذلك إنشاء حوار أمني دائم بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، وإجراء مشاورات منتظمة بشأن إيران، والحوادث البحرية، وانتشار الصواريخ، والجماعات المسلحة من غير الدول، إلى جانب دعم منتديات أمنية إقليمية أوسع تضم العراق وإيران ودولًا أخرى ذات صلة، متى سمحت الظروف بذلك.
كما ينبغي للاتحاد الأوروبي مساندة المساعي الهادفة إلى معالجة الأبعاد النووية والصاروخية المترتبة على التحدي الإيراني. وفي أعقاب حرب عام 2026م، قرن الموقف الأوروبي صراحةً بين إرساء سلام مستدام ومعالجة البرنامج النووي والصواريخ الباليستية الإيرانية، إلى جانب استعادة حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
إضافة إلى ذلك، سيكون من المفيد النظر إلى المرونة الاقتصادية والتكنولوجية باعتبارها جزءًا من سياسة الأمن. وفي هذا السياق، ينبغي أن يتجاوز الدور الأوروبي أدوات الأمن التقليدية، بحيث يدعم قدرة دول مجلس التعاون على الصمود من خلال التعاون في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الأقمار الصناعية، وحماية البنية التحتية الحيوية، والطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، والأمن المائي، والاستعداد لحالات الطوارئ.
يحظى الأمن المائي بأهمية خاصة، إذ تعتمد المجتمعات الخليجية بدرجة استثنائية على تحلية مياه البحر، مما يجعل البنية التحتية للمياه عرضة لأن تشكل موطن ضعف استراتيجي محتمل. ولذلك، يُمكن لبرامج أوروبية-خليجية مشتركة تستهدف تعزيز قدرة منشآت تحلية المياه على الصمود، وإنتاج المياه باستخدام مصادر الطاقة المتجددة، وتوفير إمدادات مائية للطوارئ، أن تكون لها انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي.
وينطبق الأمر نفسه على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد. وينبغي لدول الخليج الحد من مواطن ضعفها أمام الاضطرابات من خلال تنويع مسارات الاستيراد، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير ممرات لوجستية بديلة. ويمثل ذلك تحديدًا نوع التحديات الأمنية التي يمكن أن تؤدي فيها القدرات الاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية دورًا مهمًا.
ولذلك، فمن غير المرجح أن تكون البنية الأمنية الأكثر فاعلية في المستقبل إما خليجية خالصة أو مفروضة من الخارج؛ بل ينبغي أن تكون متعددة المستويات. فعلى المستوى الأول، ينبغي لدول مجلس التعاون الخليجي أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع عن أراضيها وتعزيز القدرات الخليجية الجماعية. وعلى المستوى الثاني، ينبغي تشجيع الدول المجاورة على تعزيز مؤسسات الدولة الشرعية والقضاء على الظروف التي تتيح للجماعات المسلحة العمل بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة. أما المستوى الثالث، فيتمثل في قيام القوى الدولية بتوفير قدرات متخصصة لا يستطيع مجلس التعاون تطويرها بكفاءة بمفرده. وفي هذا الإطار، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يؤدي دور المُمكِّن الاستراتيجي من خلال تعزيز الأمن البحري، ودعم الجهود الدبلوماسية، وتعزيز القدرة على الصمود، والمساهمة في تنفيذ العقوبات، وتوسيع التعاون التكنولوجي، ودعم جهود منع النزاعات.






