برزت في الآونة الأخيرة الميليشيات المسلحة وهي جماعات غير نظامية، تتخذ طابعاً عسكرياً أو شبه عسكري، وتتكون غالباً من مدنيين أو مواطنين انضموا إليها طوعاً، ولا يخضع أفرادها عادة لمستوى التدريب والانضباط والاحتراف الذي يميز القوات المسلحة النظامية، وتعتبر هذه الميليشيات أحد أخطر ملامح الاضطراب التي صاغت المشهد المعاصر في منطقة الشرق الأوسط، فلم تعد تلك الجماعات مجرد حركات تمرد هامشية تنشط في أطراف الدول، بل أضحت قوى هجينة تمتلك قدرات عسكرية، ومصادر تمويل، وشبكات اقتصادية، وتُمثل حضوراً سياسياً يزاحم سلطة الدولة المركزية، بل وقد تحل محلها في بعض الحالات، حيث أسهمت عوامل تاريخية وطائفية وجيوسياسية متداخلة في بروز هذه الكيانات، من أهمها تراجع فاعلية الدولة وقدرتها على بسط سلطتها، والفراغ الأمني الذي خلفته التدخلات العسكرية الخارجية وكذلك الثورات العربية، وما نتج عنه من سقوط أو إضعاف مؤسسات الحكم في دول معينة، ومع تراجع السيادة وتفكك تلك المؤسسات الشرعية، طرحت الميليشيات نفسها بوصفها بديلاً لتوفير الحماية والأمن لدى الجماعات الفرعية الطائفية والقبلية والعرقية، مستغلة حالة الانقسام المجتمعي لترسيخ شرعيتها المحلية، ولا تنحصر خطورة الميليشيات في ما ترتكبه من انتهاكات بحق المدنيين، أو في تهديدها لسلطة الدولة الوطنية ومكانة الجيش النظامي، بل تمتد إلى قدرتها على تقويض وحدة المجتمعات، وتضاعفت خطورة تلك الجماعات بفعل ارتباطها المتزايد بحروب الوكالة والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، إذ تحولت جماعات مسلحة عديدة إلى أذرع عسكرية لقوى إقليمية أو دولية يتم توظيفها لتنفيذ أجندتها الجيوسياسية من دون الانخراط المباشر أحياناً في صراعات مفتوحة، وإن الدعم الخارجي المتواصل، بما يشمله من تمويل وتسليح وتدريب، منح الميليشيات المسلحة الحفاظ على وجودها وتعزيز قدراتها القتالية.
" اعتمدت إيران على استغلال حالات الضعف التي تعاني منها بعض الدول، وقامت ببناء وتسليح الميليشيات كأذرع لها في المنطقة، توظّفها لتوسيع نفوذها، وبما يتيح لها التأثير في موازين القوى الإقليمية "
منذ ثورة عام 1979م، تبنّت إيران توجهاً يقوم على توسيع حضورها خارج حدودها تحت شعار
"تصدير الثورة"، قبل أن يتطور هذا التوجه تدريجياً إلى عقيدة أمنية وعسكرية أكثر تنظيماً، تُعرف بمفهوم "الدفاع المتقدم"، وتقوم هذه العقيدة على نقل بؤر الصراع والتهديد بعيداً عن الأراضي الإيرانية، وبما يحمي النظام من الضغوط المباشرة داخل إيران، ويمنحه في الوقت ذاته مساحة أوسع للتأثير في محيطه الإقليمي، ولتحقيق ذلك، اعتمدت طهران على استغلال حالات الضعف التي تعاني منها بعض الدول، مثل الصراعات الداخلية، وغياب المؤسسات الفاعلة، وتراجع الثقة بين المجتمع والدولة، وقامت بدعم وتوظيف جماعات محلية مسلحة ترتبط بها بروابط عقائدية وسياسية وعسكرية بدرجات متفاوتة، تتحرك هذه الجماعات بمثابة أذرعها في المنطقة وبوصفها أهم أدوات النفوذ التي اعتمدتها في سياستها الإقليمية، حيث تتيح لإيران تحقيق أهدافها وتمكنها من الحضور والتأثير في ساحات متعددة دون تحمل كلفة المواجهة العسكرية المباشرة أو تبعاتها القانونية والسياسية الكاملة، وبما يتيح لها التأثير في موازين القوى في المنطقة، كما انتهجت إيران تقديم أشكال مختلفة من الدعم لهذه الميليشيات، تشمل التدريب، والتمويل، والتسليح، والاستشارة، وبناء الهياكل التنظيمية، ومع مرور الوقت، لم تعد بعض هذه الجماعات مجرد قوى محلية محدودة التأثير، بل تحولت في بعض المواقف إلى أطراف مؤثرة في القرار السياسي والأمني، تمتلك قدرات عسكرية مستقلة أو موازية لمؤسسات الدولة، وتؤثر في الاستقرار الداخلي والعلاقات الإقليمية، ولقد نجح الحرس الثوري الإيراني في تأسيس هذه الشبكة المعقدة والمترابطة من الجماعات المسلحة وغير النظامية، وهو ما يُطلق عليه اليوم "محور المقاومة"، ومنها "حزب الله في لبنان" و "الحشد الشعبي في العراق" و "جماعة الحوثي في اليمن"، ولم يكن تكوين هذه الميليشيات مجرد رد فعل عسكري عابر، بل بُني على أسس دقيقة تشمل التمويل المستدام، والتسليح النوعي بنقل تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلاً عن الدعم السياسي والإعلامي والتدريب العقائدي، ومن هنا، فإن تناول دور إيران في تشكيل الميليشيات المسلحة لا ينفصل عن فهم أوسع لأثر ذلك في رفع مستوى التهديدات، وإطالة أمد النزاعات، وإعاقة فرص الاستقرار والتنمية في المنطقة.
" يمثل أمن الملاحة البحرية تحدياً محورياً، خاصة في مضيق هرمز وباب المندب، إذ إن أي تهديد للسفن التجارية أو ناقلات النفط ينعكس على اقتصادات المنطقة وعلى أسواق الطاقة العالمية "
يواجه الأمن الخليجي تحديات استراتيجية معقدة جراء انفلات النظام الإقليمي، حيث تمثل إيران مصدراً للتهديد لأمن دول مجلس التعاون بسبب تمدد نفوذها الإقليمي وتوظيف الانقسامات السياسية والطائفية لخلق بؤر توتر داخلية لفتح المجال أمام صراعات طويلة الأمد، وذلك من خلال دعم المليشيات التي تخوض حروباً بالوكالة، ما يهدد الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والأمني لدول مجلس التعاون، وتنبع أهمية هذه التحديات من الموقع الاستراتيجي للخليج، ومرور جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية عبر مياهه، حيث يمثل أمن الملاحة البحرية تحدياً محورياً، خاصة في مضيق هرمز وباب المندب، إذ إن أي تهديد للسفن التجارية أو ناقلات النفط ينعكس على اقتصادات المنطقة وعلى أسواق الطاقة العالمية، وقد زادت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة رخيصة الثمن عالية التأثير، وتهديد البنية التحتية والمنشآت الحيوية، من حساسية المشهد الأمني الخليجي، وتشمل التحديات أيضاً سباق التسلح، وانتشار الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، والهجمات السيبرانية التي تستهدف المؤسسات الحكومية والاتصالات والطاقة، فالأمن لم يعد مقتصراً على حماية الحدود البرية أو البحرية، بل أصبح يشمل حماية الفضاء الرقمي والاقتصاد والمنشآت الاستراتيجية، كما أن المملكة تحملت العبء الأكبر نظراً لموقعها الجغرافي وثقلها السياسي والاقتصادي، حيث تم استهداف منشآت حيوية واقتصادية، ما يضع أمن الطاقة العالمي والاقتصاد المحلي تحت تهديد مستمر بسبب استهداف تلك المرافق الحيوية، وأن تعدد جبهات التهديد الجغرافي الذي تواجهه المملكة سواء في الشمال من فصائل الحشد الشعبي في العراق أو من الجنوب من جماعة الحوثي في اليمن، يعتبراً تهديداً بالغ الأهمية لأمن المملكة، ما يتطلب يقظة دفاعية على جبهات متعددة في آن واحد، حيث تؤكد المملكة دوماً أن أمنها وسيادتها خط أحمر، وأنها ستتعامل بحزم مع أي تهديد يصدر من تلك الكيانات في حال تورطت في أعمال تستهدف المملكة أو مصالحها، وفي الوقت نفسه تحرص المملكة على احترام سيادة العراق واليمن ودعم استقرارهما ومؤسساتهما الوطنية، وترفض أن تتحول أراضيهما إلى منصة لتهديد دول الجوار أو تنفيذ أجندة خارجية، واستجابت المملكة لهذا التحدي بتنفيذ القوات الجوية الملكية السعودية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية ضربات استهدفت مواقع محددة داخل العراق حيث صرحت المملكة بأنها مرتبطة بهجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآتها الوطنية، كما أن المملكة تسعى لبناء مشاريع عملاقة وجذب الاستثمارات الأجنبية والسياحة، وانفلات الأمن الإقليمي قد يقوض الثقة في البيئة الاستثمارية الآمنة بها، وواجه الأمن الخليجي تحديات تتعلق بالأمن الداخلي وذلك من خلال المنظمات الإرهابية ومحاولتها لزعزعة الأمن الداخلي إلا أنه تم مواجهة تلك التحديات بكل حزم وكشف مخططات تلك الجماعات المتطرفة والمحافظة على سلامة وأمن المجتمع، وفي خضم الأحداث الجارية في المنطقة والتهديدات التي واجهت دول مجلس التعاون أثبتت المملكة ودول الخليج بحنكتها السياسية عدم الانزلاق في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بالرغم من الموقف العدائي الإيراني تجاه دول الخليج والذي أساء فهم الصبر الاستراتيجي لتلك الدول، حيث اعتمدت دول مجلس التعاون على الدفاعات الجوية والتي أثبتت فعاليتها في التصدي لغالبية الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي استهدفت دول الخليج، إلا أن ضخ استثمارات هائلة في منظومات الدفاع الجوي وحماية البنية التحتية، يشكل عبئاً على الميزانيات الخليجية الموجهة للتنمية والتحول الاقتصادي، الواقع الذي يفرض على دول الخليج جراء تلك التهديدات إعادة هيكلة مفهوم منظومة الأمن الخليجي.
" يتوقف تعزيز الأمن الخليجي على بناء منظومة دفاعية أكثر تكاملًا، تتجاوز حدود التنسيق التقليدي نحو ترابط عملي وتقني. ويشمل ذلك تفعيل القيادة العسكرية الموحدة، وتوحيد وتكامل أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والحاسب الآلي والأمن السيبراني والأنظمة القتالية والاستخبارات "
من مبدأ أن الاعتداء على إحدى دول الخليج هو اعتداء على جميع دول مجلس التعاون، فإن تحقيق الأمن الخليجي المنشود يظل مرتبطاً بإعادة هيكلة مفهوم منظومة الأمن الخليجي، والانتقال من التنسيق الدفاعي التقليدي إلى مرحلة "الربط العملياتي والتقني" وذلك من خلال تفعيل "القيادة العسكرية الموحدة" لدول مجلس التعاون وتكاملها مع منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والحاسب الآلي، والأمن السيبراني والأنظمة القتالية والاستخبارات وعلى أفضل الممارسات العالمية، كما أن تطوير منظومة الأمن الخليجي، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وإعادة صياغة موازين القوى وتضارب المصالح الدولية، يتطلب تبنّي رؤية دفاعية خليجية شاملة لا تُبنى على رد الفعل المؤقت، بل على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، بما يضمن توازناً عسكرياً فاعلاً يحمي أمنها وسيادتها ومقدرات شعوبها، وذلك من خلال تعزيز قدرات الردع المتقدمة، وتطوير منظومات الدفاع والإنذار المبكر وبناء قدرات متقدمة في مجال الأمن السيبراني، ورفع كفاءة القوات المسلحة، وتكثيف التنسيق الدفاعي والاستخباري المشترك بين دول مجلس التعاون، وصولاً إلى منظومة أمنية موحدة قادرة على استباق التهديدات التي تفرضها طبيعة الصراعات الحديثة والتعامل معها بقرار جماعي وإرادة مستقلة، كما يقتضي ذلك بناء تحالفات وشراكات استراتيجية متنوعة ومتوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، بما يوسع الخيارات ويمنع احتكار أي طرف خارجي لمصادر الأمن الخليجي، وعدم الارتهان لمظلة الحماية الأمريكية وحدها، التي أثبتت الأحداث، ولا سيما خلال الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران، هشاشة ضماناتها وحدود التزاماتها حين تتصاعد المخاطر، ومن هنا يصبح الاستثمار في توطين الصناعات العسكرية والدفاعية، ونقل التقنية، وبناء القدرات البحثية والتصنيعية الخليجية، ضرورة سيادية واستراتيجية تضمن حقيقة للاستقلال الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على الخارج والقدرة على حماية أمن الخليج ومقدراته، ومع أهمية القوة والردع، فإن الأمن الحقيقي لا يكتمل بالسلاح وحده، بل يتطلب معالجة أسباب التوتر والصراعات عبر الحوار السياسي، والانفتاح الدبلوماسي، وبناء الثقة، ودعم الحلول العادلة التي تحفظ سيادة الخليج ومصالحه، إن حماية المجال الجوي من الطائرات المسيرة والصواريخ والتهديدات الجوية، وتأمين المياه الإقليمية والممرات البحرية والمنشآت الساحلية من المخاطر والاعتداءات، وتعزيز القدرة على اكتشاف واعتراض التهديدات الصاروخية، وحماية شبكات المعلومات والاتصالات والطاقة من الاختراقات والهجمات السيبرانية، جميعها عناصر مترابطة لا يمكن فصل أي منها عن الآخر في معادلة الأمن الخليجي الشامل. ولا يقتصر نجاح هذه المنظومة على امتلاك المعدات والتقنيات الحديثة، مهما بلغت كفاءتها، بل يعتمد كذلك على إعداد كوادر وطنية مؤهلة، وتطوير برامج تدريب متخصصة، وتعزيز التكامل بين الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخبارية، ورفع مستوى التنسيق المشترك وتبادل المعلومات بصورة فورية ودقيقة، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار والقدرة على التعامل مع الأزمات قبل اتساع نطاقها، إن تحقيق منظومة أمن خليجية فاعلة تتجلى في قدرة دول مجلس التعاون على امتلاك دفاع راسخ، وقرار سيادي مستقل، ودبلوماسية حكيمة، بما يضمن أمناً مستداماً لها وللمنطقة، ومواجهة التحولات الإقليمية والدولية بثقة واقتدار، بعيداً عن تقلبات الأزمات وإملاءات القوى الخارجية.
" يقتضي الحد من نفوذ الميليشيات نزع السلاح، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها ودعايتها وفرض العقوبات على مصادر دعم هذه الكيانات وعزل الشبكات الاقتصادية الموازية التي تديرها الميليشيات "
يتطلب التعامل مع المليشيات المسلحة تبني موقفاً إقليمياً ودولياً متماسكاً يرفض تمويل هذه الجماعات أو تسليحها أو توظيفها في صراعات النفوذ، ويقوم ذلك على استراتيجية مركبة وشاملة تتجاوز حدود الردع العسكري إلى معالجة البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح لهذه الجماعات بالتمدد، وتنطلق من مبدأ استعادة التوازن الداخلي من خلال دعم مؤسسات الدولة والخدمات العامة والأجهزة العسكرية والأمنية، وتفعيل المساءلة القانونية، وإصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد، وإنهاء الانقسام، ومراقبة الممرات البحرية عبر إنشاء التحالفات والمشاركة فيها وتأمين الموانئ والمنشآت الساحلية وسلاسل الإمداد والتنسيق مع الشركاء الدوليين وفق المصالح المشتركة، ومعالجة الأزمة الإنسانية والتنموية التي تستغلها الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها، ويقتضي الحد من نفوذ هذه الكيانات تجفيف مصادر تمويلها وتسليحها ودعايتها وفرض العقوبات على مصادر دعم هذه المليشيات المسلحة وعزل الشبكات الاقتصادية الموازية التي تديرها الميليشيات لتقويض قدرتها على دفع رواتب المقاتلين وتمويل عملياتها، ومواجهة واستهداف شبكات التهريب والتدريب والجريمة المنظمة، إلى جانب مسارات واقعية لنزع السلاح وحصره بيد الدولة والتسريح وإعادة الدمج ضمن شروط قانونية واضحة، ومساءلة عادلة عن الانتهاكات، فاستعادة الدولة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء شرعية قادرة على حماية المواطنين، وتقديم الخدمات، وتطبيق القانون على الجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار جاهزية الردع وممارسة الضغط العسكري والسياسي حسب ما يتطلبه الموقف، هذا بالإضافة إلى استعادة المجال الإعلامي والمجتمعي من خطاب التحريض والتضليل، عبر إعلام مهني موثوق يقدم الحقائق، إلى جانب برامج توعوية وتعليمية تعزز مفهوم المواطنة وسيادة القانون، فإقناع المجتمعات المحلية لا يتحقق بالدعاية المضادة وحدها، بل بأن تبرهن الدولة عملياً على قدرتها على توفير الأمن والخدمات والعدالة وفرص العمل، إذ تظل الدولة الوطنية بمؤسساتها الشرعية والقضائية والأمنية الضامن على حماية المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة، بينما تقود الكيانات الخارجة عن سلطتها إلى إضعاف السيادة وتعميق الانقسام وإبقاء المجتمع رهينة للصراعات.
وفي ظل هذه الأحداث المتصاعدة أدركت المملكة العربية السعودية بمكانتها القيادية الإقليمية والدولية خطورة التطورات الإقليمية وأن أمن الممرات البحرية بات جزءً لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي، فطرحت مبادرة إنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات وتولت قيادته واستضافت مقره الدائم، ليكون منصة دولية للتنسيق الدفاعي المشترك ومواجهة المخاطر البحرية المتعددة، وتعزيز أمن الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، كما مثل توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان محطة استراتيجية بارزة في تطوير الشراكة الدفاعية، إذ نقل التعاون القائم بينهما من نطاقه الثنائي والتنسيقي إلى إطار ثلاثي أكثر رسوخاً واستدامة، ويجسد الاتفاق إرادة مشتركة لرفع مستوى الردع المشترك، وتعزيز الدفاع والأمن الجماعي، وتطوير التعاون الدفاعي، كما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون في التدريب، وتبادل الخبرات والمعلومات، وتعزيز التنسيق الاستراتيجي، بما يدعم جاهزية الأطراف الثلاثة ويقوّي قدرتها على صون أمنها ومصالحها المشتركة.
في الختام، يظل الأمن الخليجي أساس الاستقرار الإقليمي وحماية التنمية والمصالح، ولا يمكن صونه إلا برؤية مشتركة تتجاوز حدود كل دولة إلى منظومة خليجية موحدة في القرار والردع والتنسيق، إن التحديات المتداخلة، من التهديدات العسكرية والبحرية والسيبرانية إلى الجماعات المسلحة والاضطرابات الإقليمية، تفرض تعزيز الجاهزية وبناء القدرات الذاتية وتنويع الشراكات وتحصين الجبهة الداخلية، فكلما ازدادت دول الخليج تماسكاً وتكاملاً، أصبحت أقدر على حماية سيادتها ومكتسباتها، والمساهمة في صنع شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً.






