array(1) { [0]=> object(stdClass)#14743 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 226

5 مسارات محتملة للحصار الاقتصادي الأمريكي على إيران والتطورات لا تشير للاتفاق أو العودة للحرب

الثلاثاء، 29 أيلول/سبتمبر 2026

دخلت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في أغسطس 2026م، مرحلة جديدة تختلف بصورة جوهرية عن جولات العقوبات التي عرفتها إيران. فلم تعد واشنطن تتحدث فقط عن عقوبات تستهدف أفراداً أو مؤسسات أو قطاعات محددة، وإنما بناء منظومة عزل اقتصادي ومالي تستهدف قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي العالمي، وبيع النفط، وتحويل عائداته، واستيراد السلع والمعدات، واستخدام شركات الشحن والتأمين والمصارف والوسطاء، بل تستهدف الدول والشركات التي توفر لطهران منافذ التجارة.

بلغ هذا التحول ذروته في تصريحات الرئيس ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت. فترامب أطلق على المرحلة الجديدة وصف D-Da" الاقتصادي"، بينما أعلن بيسنت أن واشنطن تدخل «النهاية» في مواجهة إيران، واصفاً ما يبدأ في 24 أغسطس بأنه «أعظم هجوم مالي» حشدته أمريكا ضد خصم، وأن واشنطن تستخدم كامل الأدوات المتاحة لعزل إيران. وأن الحملة ستتجه إلى الدول والجهات التي تستمر في شراء النفط الإيراني أو تسهيل التعاملات المالية والتجارية

وتأتي هذه السياسة بعد أشهر من بداية الحرب، التي ألحقت أضراراً كبيرة بالقدرات الإيرانية، في الوقت الذي بقي فيه مضيق هرمز شبه مغلق، وتراجعت صادرات النفط الإيرانية، وارتفع التضخم، وضعفت العملة، وتعرضت التجارة الخارجية لاضطرابات شديدة. وفي الوقت نفسه، انهار المسار السياسي الذي كان قد بدأ بمذكرة تفاهم في يونيو، بعدما فشل الطرفان في الانتقال منها إلى اتفاق أوسع.

وبذلك لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت أمريكا ستفرض مزيداً من العقوبات على إيران، وإنما أصبح السؤال: هل تستخدم واشنطن الحصار الاقتصادي لإجبار طهران على تقديم تنازلات والعودة للتفاوض، أم لمنعها من إعادة بناء قدراتها العسكرية والنووية، أم أن الهدف أصبح دفع النظام نفسه نحو الانهيار؟ وإذا فشل الضغط الاقتصادي في تحقيق هذه الأهداف، فهل تصبح العودة إلى الخيار العسكري أكثر احتمالاً؟

من العقوبات إلى الحصار الاقتصادي الشامل

الحصار الاقتصادي في الحالة الإيرانية لا يمكن اختزاله في مجموعة جديدة من العقوبات. حيث تتجه السياسة الأمريكية الحالية إلى استهداف الدورة الاقتصادية بأكملها. أي النفط والإيرادات، والبنوك والتحويلات، والشحن والتأمين، وشركات الوساطة، وشبكات الشركات الوهمية، والموانئ والمطارات، وحتى الدول التي توفر لإيران طرقاً بديلة للتجارة.

وهذا التحول مهم لأن إيران استطاعت طوال سنوات العقوبات السابقة بناء منظومة معقدة للالتفاف عليها. فقد استخدمت شركات واجهة، وناقلات تغير أعلامها، وأنظمة لإخفاء حركة السفن، ونقل النفط من سفينة إلى أخرى، ووسطاء في دول ثالثة، وعملات محلية، والمقايضة بدلاً من الدولار. وبالتالي فإن العقوبات التي تستهدف إيران مباشرة لا تكفي بالضرورة لمنع التجارة؛ إذ يمكن لطهران أن تبحث عن طرف آخر مستعد لتحمل المخاطر.

أما العقوبات الثانوية، فتستهدف الطرف الآخر. فإذا كانت شركة صينية أو إماراتية أو تركية قادرة على التعامل مع إيران، فإن السؤال يصبح: هل تستطيع هذه الشركة تحمل خطر فقدان الوصول للسوق الأمريكية أو النظام المالي المرتبط بالدولار؟ وهنا تتحول القوة المالية الأمريكية من وسيلة لمعاقبة إيران إلى وسيلة لإجبار الآخرين على تقليص تعاملهم معها.

وهذا تحديداً ما يعطي تصريحات بيسنت الأخيرة أهميتها. فقد قال: إن واشنطن ستتوجه إلى حلفائها وإلى بقية الدول لبناء «أكبر عزل اقتصادي منسق في تاريخ العالم»، مستخدماً لغة تقوم على ثنائية واضحة: التعاون مع أمريكا أو مواجهة العواقب. كما أن بيسنت لم يكتف بالحديث عن مشتري النفط، بل تحدث عن ضرورة قطع كل شريان اقتصادي يسمح للنظام الإيراني بالاستمرار.

ويعني ذلك أن واشنطن تريد الانتقال من معاقبة المتعامل مع إيران إلى معاقبة من يساعد إيران على البقاء قادرة على التعامل مع العالم. ولهذا تشمل الحملة الجديدة، بحسب التصريحات والتقارير المرتبطة بها، شراء النفط ونقله، والخدمات المالية، والتأمين، وسجلات السفن، والتحويلات، وشركات الوساطة، والجهات التي تساعد على عمليات النقل البحري أو تمويل التجارة.

وهذا يفسر أيضاً استخدام ترامب وبيسنت تعبير D-Day" الاقتصادي "فالمصطلح يشير إلى إنزال قوات الحلفاء في نورماندي في 6 يونيو 1944م، والذي أصبح نقطة تحول رئيسية في الحرب العالمية الثانية. وعندما يستخدم الرئيس الأمريكي التعبير لوصف العقوبات، فهو يريد تقديمها باعتبارها هجوماً اقتصادياً حاسماً وليس جولة جديدة من الضغط التدريجي. وقد استخدم بيسنت التعبير نفسه، واصفاً العملية بأنها «أعظم هجوم مالي» حشدته أمريكا ضد خصم.

النفط والمال والتجارة: كيف يعمل الحصار داخل الاقتصاد الإيراني؟

يبقى النفط نقطة الاختناق الأساسية في الاقتصاد الإيراني، ليس لأنه المصدر الوحيد للدخل، وإنما لأنه المصدر الأهم للعملة الأجنبية لتمويل الواردات ودعم العملة والإنفاق العام.

وتظهر البيانات مدى شدة الضربة. فقد أفادت رويترز بأن صادرات النفط الإيرانية انخفضت إلى 534 ألف برميل يومياً في أغسطس 2026م، مقارنة بما يقارب 1.4 مليون برميل يومياً في 2025م، كما تراجعت عروض النفط المتاحة للمشترين الصينيين بصورة كبيرة، وأصبحت بعض المصافي الصينية تبحث عن بدائل من البرازيل والعراق. وفي الوقت نفسه، انخفضت كمية النفط الإيراني المخزنة عائماً من نحو 105 ملايين برميل إلى 80 مليون برميل، مع بقاء نحو 30 مليون برميل فقط في المياه الآسيوية.

وتزداد خطورة الأمر إذا أخذنا في الاعتبار تصريحات محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي بشأن توقف صادرات النفط، وصعوبة الوصول إلى الأصول والاحتياطيات الإيرانية المجمدة. فحتى إذا استطاعت إيران الاحتفاظ بجزء من قدرتها الإنتاجية، فإن عدم قدرتها على تحويل النفط إلى موارد مالية قابلة للاستخدام يخلق مشكلة مختلفة تماماً.

وهنا يصبح الحصار موجهاً إلى سلسلة القيمة بأكملها. فالنفط يحتاج إلى ناقل، والناقل يحتاج تأمين، والصفقة تحتاج وسيط، والعائدات تحتاج بنك أو نظام تسوية، والسلع المستوردة تحتاج دفع وشحن وتأمين. فإذا تمكنت واشنطن من تعطيل هذه الحلقات بصورة متزامنة، فإن إيران قد تجد نفسها أمام معضلة لا تتمثل في عدم امتلاك النفط، وإنما في عدم القدرة على تحويل النفط إلى قوة اقتصادية.

وتنتقل آثار ذلك سريعاً إلى العملة. فتراجع تدفق الدولار يؤدي إلى زيادة الضغط على الريال، وارتفاع تكلفة الاستيراد، ثم ارتفاع أسعار السلع، قبل أن ينتقل الضرر إلى الإنتاج والاستثمار والتوظيف. الشركات التي تعتمد على المواد الخام أو قطع الغيار أو المعدات المستوردة تواجه تكاليف أعلى، وقد تضطر إلى تقليص الإنتاج، بينما تصبح الدولة نفسها أمام مشكلة تمويل الموازنة والخدمات.

وتشير البيانات إلى أن التضخم السنوي في إيران بلغ 66% في يوليو 2026م، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين 87.9% على أساس سنوي، ووصل تضخم الغذاء إلى 128%. كما ارتفعت الإيجارات 31% على أساس سنوي في مارس، بينما تراجعت القيمة الدولارية للحد الأدنى للأجور من 105 دولارات إلى 86 دولاراً أواخر مارس.

لكن نقطة القوة الإيرانية تكمن في أن الاقتصاد اعتاد هذه الظروف. فقد طورت طهران خلال عقود آليات للمقايضة، واستخدام العملات المحلية، والتجارة غير الرسمية، وشركات الواجهة، والطرق البرية، والشبكات التجارية البديلة. لذلك فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت العقوبات ستضر الاقتصاد ــ فهي تفعل ذلك بالفعل ــ وإنما ما إذا كانت واشنطن تستطيع تعطيل آليات التكيف نفسها.

الصين والإمارات وتركيا والعراق وروسيا والهند؛ معركة المنافذ الخارجية

لا يمكن فهم الحصار الأمريكي دون النظر للدول التي تمثل منافذ إيران إلى الاقتصاد العالمي. فالحرب الاقتصادية ليست مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، وإنما معركة على الدول التي يمكن أن تملأ الفراغ الذي تتركه العقوبات.

وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول. فقد استوعبت أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، وكان متوسط مشترياتها من النفط الإيراني يقارب 1.38 مليون برميل يومياً في 2025م. ولهذا فإن استمرار الصين في شراء النفط كان أحد أهم أسباب قدرة إيران على تخفيف آثار العقوبات السابقة.

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا المنفذ بدأ يتعرض لضغط شديد. فقد انخفضت عروض النفط الإيراني للمشترين الصينيين، وأصبحت الشحنات المتاحة في سبتمبر وأكتوبر أقل، فيما اضطرت مصافي صينية صغيرة للبحث عن بدائل. وفي الوقت نفسه، تؤكد بكين رفضها للعقوبات الأحادية والضغط كوسيلة لحل الأزمة.

وهنا تظهر المعضلة الأمريكية الكبرى: تستطيع واشنطن فرض عقوبات على شركة صينية، لكنها إذا حاولت فرض عقوبات واسعة على الصين نفسها فإن القضية الإيرانية تتحول إلى مواجهة اقتصادية واستراتيجية أكبر. ولذلك فإن الصين تمثل في الوقت نفسه أكبر فرصة لنجاح الحصار وأكبر عقبة أمام اكتماله.

أما الإمارات، فتكتسب أهمية مختلفة. فهي ليست مجرد مشترٍ أو بائع، وإنما كانت مركزاً تجارياً ولوجستياً ومالياً مهماً بالنسبة إلى إيران، ووفرت لسنوات جزءاً من عمليات إعادة التصدير والتجارة التي تساعد طهران على الوصول إلى السلع والأسواق الخارجية. ولذلك فإن قرار الإمارات تعليق التجارة والمعاملات المالية مع إيران يمثل ضربة مباشرة لأحد أهم المنافذ الاقتصادية الإيرانية.

وتشير البيانات التجارية التي اعتمدت عليها الدراسة إلى أن الإمارات كانت من أكبر مصادر الواردات الإيرانية، بينما كانت الصين والعراق والإمارات وتركيا من أهم وجهات الصادرات. ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع الأرقام السنوية المختلفة بسبب اختلاف قواعد احتساب التجارة، واختلاف السنة المالية الإيرانية عن السنة الميلادية، واضطراب حركة تجارة الحرب.

أما روسيا، فدورها أقل من الصين من حيث الحجم التجاري، لكنه مهم استراتيجياً بسبب إمكانية استخدام بحر قزوين والممرات البرية والطرق المرتبطة بآسيا الوسطى لتقليل الاعتماد على الخليج. والهند، من جانبها، أصبحت أقل أهمية مما كانت عليه قبل سنوات بسبب العقوبات الأمريكية وتغير مصادر الطاقة الهندية، وهو ما يعني أن قدرة إيران على الاعتماد على مجموعة واسعة من الشركاء أصبحت أضعف.

ومن هنا يتضح أن نجاح الحصار لا يحتاج إلى إغلاق كل التجارة الإيرانية. يكفي أن تصبح أهم المنافذ ــ الصين والإمارات والطرق البرية عبر تركيا والعراق ــ أكثر كلفة ومخاطرة. فإذا تمكنت واشنطن من ذلك، فإن إيران ستواجه حصاراً مختلفاً جذرياً عن العقوبات السابقة.

الحصار داخل إيران؛ من أزمة اقتصادية إلى ضغط اجتماعي وسياسي

تبدأ آثار الحصار من النفط والعملة، لكنها تنتهي عند المجتمع. فالارتفاع الكبير في الأسعار وتراجع القوة الشرائية لا يبقيان مجرد مؤشرات اقتصادية. فهما يؤثران في قدرة الأسرة على شراء الغذاء، وفي قدرة العامل على الحفاظ على مستوى معيشته، وفي قدرة الحكومة على دفع الرواتب، وفي قدرة الشركات على الاستمرار.

وتشير رويترز إلى أن الأسر الإيرانية بدأت تقلل استهلاك اللحوم والسلع الأساسية، بينما تتآكل الأجور بفعل التضخم. كما أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 128% سنوياً يعني أن الأزمة لم تعد مجرد انخفاض في الدخل، وإنما ارتفاعاً شديداً في تكلفة الاحتياجات الأساسية.

ولهذا تخشى القيادة الإيرانية من أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى احتجاجات جديدة. وتشير رويترز إلى أن مسؤولين ومطلعين إيرانيين يرون أن تدهور الظروف المعيشية قد يعيد إشعال احتجاجات واسعة، في وقت اتخذت فيه الحكومة إجراءات أمنية أكثر تشدداً استعداداً لاحتمال تجدد الاضطرابات.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يستطيع النظام الاستمرار في دفع الرواتب وتمويل مؤسساته الأمنية والعسكرية وتأمين السلع الأساسية؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد يستطيع تحمل مستويات مرتفعة من الضرر الاقتصادي. أما إذا أصبحت الأزمة تمنع الدولة نفسها من أداء وظائفها الأساسية، فإنها تنتقل إلى مستوى يهدد بقاء النظام.

ولهذا تكتسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين أهمية خاصة. فمحافظ البنك المركزي تحدث عن توقف صادرات النفط وصعوبة الوصول إلى الأصول، والرئيس مسعود بزشكيان تحدث عن صعوبات التجارة والاستيراد، فيما حذر رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف من أن القوة العسكرية لا تكفي إذا كان الشعب يعاني من الجوع ولا يوجد نمو وإنتاج وتداول مالي. وهذه التصريحات تكشف أن داخل النظام نفسه إدراكاً بأن الاقتصاد أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي وبقاء الدولة.

ويبقى هناك اختلاف في وظيفة الخطاب الرسمي. فوزارة الخارجية تقدم العقوبات باعتبارها «إرهاباً اقتصادياً» وسياسة فاشلة، بينما يتحدث المسؤولون الاقتصاديون عن نقص العملات والتجارة والنفط. وهذا ليس بالضرورة تناقضاً؛ فالخطاب السياسي موجه للخارج والجمهور لتأكيد الصمود، بينما يتعامل الخطاب الاقتصادي مع مشكلة عملية يجب على الدولة إدارتها.

من تغيير السلوك إلى تغيير النظام

تتضح أهمية التصعيد الاقتصادي الجديد عندما نقارن بين هدفين مختلفين: تغيير سلوك إيران، أو تغيير النظام الإيراني نفسه.

إذا كان الهدف تغيير السلوك، فإن العقوبات أداة تفاوضية. تستطيع واشنطن استخدامها لإجبار إيران على تقديم تنازلات في الملف النووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، ومضيق باب السلام/ هرمز، ثم تخفيف العقوبات إذا تم التوصل إلى اتفاق.

أما إذا كان الهدف تغيير النظام، فإن المنطق يصبح مختلفاً تماماً. فالغاية هي إضعاف الدولة اقتصادياً إلى درجة تؤدي إلى أزمة اجتماعية وسياسية، ثم تحويل هذه الأزمة إلى انقسام داخل النخبة أو اضطراب داخلي أو انهيار في قدرة مؤسسات الدولة على العمل.

وهنا تكتسب تصريحات بيسنت أهمية استثنائية. فهو لم يصف العملية بأنها مجرد ضغط على الاقتصاد، بل تحدث عن عزل النظام وقطع كل شريان اقتصادي يسمح له بالاستمرار، وأن الهدف هو أن تبقى طهران معزولة. كما ذكرت تقارير عن مقابلاته السابقة أن الحملة الاقتصادية يمكن أن تقلل الحاجة إلى عملية عسكرية أمريكية واسعة جديدة، بما يعني أن واشنطن تنظر إلى الضغط المالي باعتباره بديلاً أو مكملاً للقوة العسكرية.

وهنا يصبح الحصار جزءاً من استراتيجية أكبر. فالضربة العسكرية تقول إن أمريكا قادرة على تدمير قدرات إيران، ويقول الحصار إن واشنطن قادرة على منع إعادة بناء هذه القدرات.

وهذا يفسر العلاقة بين الحرب العسكرية والاقتصادية. فإعادة بناء منشأة عسكرية أو نووية تحتاج إلى الأموال والتكنولوجيا والمعدات وقطع الغيار. فإذا تمكنت أمريكا من منع إيران من الحصول على هذه الموارد، فإنها تستطيع إطالة أثر الضربة العسكرية من خلال الاقتصاد.

لكن هناك مشكلة استراتيجية كبيرة. فإذا اعتقدت إيران أن الهدف الأمريكي أصبح إسقاط النظام، فقد تصبح أقل استعداداً للتفاوض. فإذا كان النظام يعتقد أن التنازل لن يضمن بقاءه، فقد يرى أن المقاومة حتى النهاية أكثر عقلانية من تقديم تنازلات لا تغير النتيجة.

ومن هنا قد يؤدي رفع سقف الهدف الأمريكي إلى نتيجة عكسية. فالعقوبات يمكن أن تدفع دولة إلى التفاوض عندما يكون هناك مخرج سياسي واضح، لكنها قد تدفعها إلى التشبث بالمواجهة إذا لم يعد المخرج السياسي يبدو كافياً لضمان بقائها.

انهيار المسار السياسي ومضيق هرمز

لا يمكن فهم الحصار الجديد من دون وضعه في سياق انهيار المسار السياسي الذي بدأ في يونيو، فقد وقعت الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو 2026م، مذكرة تفاهم مؤقتة كان يفترض أن تفتح الطريق أمام اتفاق أوسع خلال 60 يوماً، وشملت التفاهمات وقف العمليات العسكرية وفتح مسار لمعالجة الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة. لكن الخلافات تصاعدت، وأعلنت واشنطن في يوليو أن الاتفاق انتهى، بينما تمسكت إيران بشروطها المتعلقة برفع الحصار والعقوبات والإفراج عن الأصول.

وفي أغسطس أعلنت طهران أن مضيق هرمز سيظل مغلقاً إلى أن تلتزم أمريكا بشروط التفاهم، في وقت أصبح فيه المرور عبر المضيق محدوداً للغاية. وكان المضيق قبل الأزمة ممراً لنحو خُمس حركة النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والشحن والتأمين.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الحرب الاقتصادية. فواشنطن تريد استخدام الحصار البحري لخفض قدرة إيران على بيع النفط، لكن إيران تستطيع استخدام موقعها الجغرافي لرفع تكلفة الحصار على العالم.

وقد هددت طهران، بوقف صادرات النفط من الخليج إذا استمرت «الحرب الاقتصادية»، وهو تهديد يتجاوز النفط الإيراني إلى صادرات دول الخليج الأخرى. وإذا تحقق هذا التهديد، فإن الحصار يتحول من أداة تستهدف إيران إلى أزمة عالمية في الطاقة.

وانعكس ذلك بالفعل على الأسواق. ففي 18 أغسطس تجاوز سعر برنت 91 دولاراً للبرميل، فيما ظلت حركة السفن عبر المضيق محدودة للغاية. وفي 24 أغسطس تراجعت أسعار النفط قليلاً مع انتظار تفاصيل العقوبات الأمريكية الجديدة، لكن السوق بقيت شديدة الحساسية لأي تطور يتعلق بالمضيق.

وهذا يعني أن الحصار ليس بلا تكلفة على أمريكا. فكلما نجحت واشنطن في خفض صادرات النفط الإيراني، ارتفعت المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة، وكلما طال اضطراب هرمز ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة. ولهذا فإن الحرب الاقتصادية قد تصبح حرباً على تكلفة الطاقة العالمية أيضاً.

الحصار والخيار العسكري

لا يبدو أن الخيار العسكري اختفى من الحسابات الأمريكية. والأدق أن الحصار الاقتصادي أصبح مكملاً للقوة العسكرية. فواشنطن استخدمت القوة العسكرية لإضعاف القدرات الإيرانية، بينما تريد استخدام الاقتصاد لمنع إعادة بنائها. وهذا هو جوهر المرحلة الجديدة التي تحدث عنها بيسنت، والتي يقدمها باعتبارها مرحلة «نهاية» بعد الضربات العسكرية.

وتكشف تصريحات الإدارة الأمريكية أن هناك تصوراً يقوم على أن القوة العسكرية والحصار الاقتصادي يمكن أن يعملا معاً: الضربة تدمر القدرة، والعقوبات تمنع إعادة بناء القدرة، والضغط السياسي يدفع إيران إلى قبول اتفاق. إذا نجحت هذه المعادلة، فقد تصل واشنطن إلى نتيجة سياسية من دون الحاجة إلى جولة عسكرية واسعة جديدة.

الفشل.. النتيجة قد تكون معاكسة.

فإذا بقي النظام متماسكاً، واحتفظ بحد أدنى من صادرات النفط، واستمرت الصين أو بعض دول الجوار في التعامل معه، ولم تؤد الأزمة الاقتصادية لانقسام سياسي، فقد تجد واشنطن نفسها أمام خيار صعب: إما قبول استمرار إيران تحت العقوبات، أو زيادة الضغط العسكري، وهنا يصبح فشل الحصار أحد المسارات التي يمكن أن تقود إلى الحرب.

كما أن استمرار الضغط قد يدفع إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية، وخصوصاً مضيق هرمز والطائرات المسيّرة والصواريخ والقدرة على تهديد الملاحة. وهذا يخلق دائرة تصعيد: العقوبات تؤدي إلى رد إيراني، والرد يؤدي إلى مزيد من العقوبات أو الضربات، والمزيد من الضربات يؤدي إلى مزيد من الإغلاق واضطراب التجارة.

وبالتالي فإن السؤال ليس ما إذا كان الحصار بديلاً عن الحرب، وإنما ما إذا كان سيمنع الحرب أم سيعيد إنتاجها بأدوات مختلفة.

معادلة الزمن والسيناريوهات المحتملة

يصبح الزمن في هذه المرحلة أحد أهم عناصر الصراع. فالولايات المتحدة تراهن على أن كل شهر إضافي من الحصار سيؤدي إلى مزيد من انخفاض صادرات النفط، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، واستنزاف الاحتياطيات، وتراجع الإنتاج، وزيادة الضغط الشعبي، وربما ظهور انقسامات داخل النخبة.

أما إيران فتراهن على أن كل شهر إضافي يمنحها فرصة لتطوير طرق جديدة للالتفاف على العقوبات، وتعزيز التجارة البرية، واستخدام العملات المحلية، والاعتماد على الصين وروسيا ودول الجوار، وانتظار تغير الموقف الدولي أو ارتفاع كلفة الحصار على أمريكا.

ولهذا فإن السؤال ليس ببساطة «لصالح من يعمل الوقت؟»، وإنما أي طرف يستطيع تحويل مرور الوقت إلى تراكم استراتيجي أكبر؟

ويمكن في ضوء ذلك تصور 5 مسارات محتملة، لكنها لا تحتاج إلى أن تتحول إلى عناوين منفصلة لأن بعضها قد يتداخل.

المسار الأول: التسوية السياسية، بحيث تدفع الأزمة الاقتصادية إيران للعودة للتفاوض وقبول اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي والصواريخ والنشاط الإقليمي وهرمز، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات وفتح الممرات التجارية. وفي هذه الحالة يكون الحصار نجح كأداة تفاوض.

المسار الثاني: الصمود الإيراني طويل الأمد، بحيث تحافظ طهران على حد أدنى من صادرات النفط، وتستمر في استخدام الصين ودول الجوار لتأمين السلع والعملات، وتعيد تنظيم اقتصادها حول نموذج أكثر انغلاقاً. وفي هذه الحالة يفشل الحصار في إسقاط النظام، لكنه يحول إيران إلى اقتصاد حرب واستنزاف طويل.

المسار الثالث: الأزمة الداخلية وانقسام النخبة. فإذا أصبح الاقتصاد عاجزاً عن تمويل الدولة والمؤسسات الأساسية، فقد تتزايد الخلافات داخل النظام حول جدوى استمرار الحرب. وهنا يصبح الضغط الاقتصادي عاملاً سياسياً مباشراً.

المسار الرابع: التصعيد الإقليمي، إذا قررت إيران استخدام مضيق هرمز أو صادرات النفط الخليجية أو الملاحة لرفع تكلفة الحصار. وفي هذه الحالة قد ترتفع أسعار الطاقة، ويتوسع الصراع، ويصبح الضغط على إيران أكثر كلفة على واشنطن وحلفائها.

المسار الخامس: فهو العودة إلى الحرب العسكرية المباشرة، إذا فشل الحصار في منع إيران من إعادة بناء قدراتها أو إذا اعتبرت واشنطن أن البرنامج النووي أو العسكري الإيراني يمثل تهديداً لا يمكن احتواؤه اقتصادياً.

ومن بين هذه الاحتمالات، يبدو أن السيناريو الأقرب في المدى القصير ليس بالضرورة انهيار النظام، وإنما استمرار مزيج من الضغط الاقتصادي والتصعيد البحري والتفاوض غير المباشر. فالتطورات الحالية لا تشير إلى وجود اتفاق سياسي ناضج، لكنها لا تشير أيضاً إلى أن واشنطن أو طهران قد حسمتا قرار العودة إلى حرب شاملة جديدة.

وهذا ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة. فإذا استمرت صادرات النفط الإيرانية عند مستويات شديدة الانخفاض، وازدادت صعوبة الوصول إلى الأموال، وأغلقت الإمارات أحد أهم منافذ التجارة، ولم تستطع الصين تعويض النقص، فإن الضغط سيصبح أكثر خطورة. أما إذا وجدت إيران منافذ بديلة وحافظت على تماسك الدولة، فقد يتحول الحصار إلى استنزاف طويل لا يحقق هدفه السياسي.

 الخلاصة

المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في أغسطس 2026 م، لم تعد مجرد مواجهة حول العقوبات أو الملف النووي. إنها أصبحت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على تحويل هيمنتها المالية والتجارية والعسكرية إلى نتيجة سياسية داخل إيران، وفي المقابل اختباراً لقدرة طهران على تحويل خبرتها الطويلة في التعامل مع العقوبات إلى قدرة على الصمود في ظل حرب وحصار بحري وانهيار جزئي لشبكات التجارة.

وتكشف تصريحات ترامب وبيسنت أن واشنطن انتقلت من سياسة «أقصى الضغط» إلى محاولة بناء عزل اقتصادي شامل. فبيسنت يتحدث عن D-Day« اقتصادي»، وعن «أعظم هجوم مالي» حشدته بلاده ضد خصم، وعن قطع كل شريان اقتصادي يدعم النظام الإيراني. كما تشير التصريحات إلى أن واشنطن تريد أن تدفع الدول والشركات إلى الاختيار بين التعامل مع إيران والمحافظة على مصالحها مع النظام المالي الأمريكي.

وفي المقابل، تظهر المؤشرات الاقتصادية أن الضغط أصبح شديداً بالفعل. فقد تراجعت صادرات النفط إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس مقابل 1.4 مليون برميل يومياً في متوسط 2025م، وانخفضت عروض النفط الإيراني في السوق الصينية، وتراجعت المخزونات العائمة، بينما بلغ التضخم الإيراني 66% في يوليو ووصل تضخم الغذاء إلى 128%. كما أدى تعليق الإمارات التجارة والمعاملات المالية مع إيران إلى قطع أحد أهم المنافذ الاقتصادية الإقليمية.  لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للقول إن النظام الإيراني يقترب من السقوط.

إيران ما زالت تمتلك القدرة على استخدام الاقتصاد غير الرسمي، والمقايضة، والعملات المحلية، والطرق البرية، والشراكات مع الصين وروسيا، كما تمتلك أوراقاً جيوسياسية مهمة في مضيق هرمز.

ولهذا فإن معيار نجاح الحصار ليس مقدار الضرر الاقتصادي فقط، وإنما هل ينتقل هذا الضرر من الاقتصاد إلى الدولة؟

إذا ظل النظام قادراً على دفع الرواتب، وتمويل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتأمين الغذاء والطاقة، والحفاظ على الحد الأدنى من التجارة، فإن الاقتصاد يمكن أن يتراجع بشدة من دون أن يسقط النظام.

أما إذا أصبح العجز المالي والتضخم وانهيار العملة ونقص السلع سبباً في عجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، أو أدى إلى انقسام النخبة، فإن الحصار يتحول إلى تهديد مباشر لبقاء النظام.

وفي المقابل، تواجه أمريكا مشكلة لا تقل أهمية. فإذا طال الحصار، قد ترتفع تكلفته على أسواق الطاقة، وقد يؤدي الضغط على الصين إلى فتح مواجهة اقتصادية أوسع، وقد تدفع إيران نحو استخدام مضيق هرمز وتهديد صادرات الخليج. وقد هددت طهران بالفعل بوقف صادرات النفط من الخليج إذا استمرت الحرب الاقتصادية.

وهكذا فإن استراتيجية الحصار تحمل مفارقة أساسية: كلما أصبحت أكثر نجاحاً في خنق إيران، زادت حوافز طهران لرفع تكلفة الخنق على الاقتصاد العالمي.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة المرحلة المقبلة. فأمريكا تريد أن تجعل كل يوم إضافي من الحصار أكثر إيلاماً لإيران، فيما تريد طهران أن تجعل كل يوم إضافي من الحصار أكثر كلفة على الولايات المتحدة وحلفائها.

إذا تحولت الأزمة الاقتصادية إلى انقسام سياسي داخل إيران، يصبح الزمن سلاحاً أمريكياً. وإذا بقي النظام متماسكاً ونجح في الحفاظ على منافذ اقتصادية خارجية، يتحول الزمن إلى عامل استنزاف مشترك. وإذا فشل الحصار في منع إعادة بناء القدرات الإيرانية، فقد يعود الخيار العسكري إلى الواجهة. ولهذا فإن D-Day الاقتصادي الذي تتحدث عنه واشنطن لا يمثل بالضرورة نهاية المواجهة، وإنما يمثل بداية مرحلة أكثر خطورة منها. فالاقتصاد أصبح الآن ساحة الحرب الرئيسية، لكن نتيجته ستحدد ما إذا كانت الحرب ستنتهي إلى اتفاق، أم إلى تغيير سياسي، أم إلى استنزاف طويل، أم إلى جولة عسكرية جديدة.

والسؤال الحاسم في نهاية المطاف ليس: هل تستطيع أمريكا إيلام الاقتصاد الإيراني؟

لقد أثبتت التطورات أنها تستطيع ذلك.

بل السؤال هو:

هل تستطيع واشنطن تحويل الألم الاقتصادي إلى تغيير في القرار السياسي الإيراني قبل أن يتحول الحصار نفسه إلى عامل يدفع طهران إلى التصعيد، ويجعل تكلفة المواجهة أعلى على الجميع؟

هذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت مع D-Day الاقتصادي، وهي معركة لن تحسمها العقوبات وحدها، وإنما ستحدد نتيجتها قدرة كل طرف على إدارة الاقتصاد، والسياسة، والمجتمع، والتحالفات، والزمن في آن واحد.

مقالات لنفس الكاتب