انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 111 رؤية وتحليلخطة العمل المشتركة أزالت التهديد النووي في الشرق الأوسط الانتهاكات الإيرانية بين تجاهل برنامج العمل المشترك والاستهداف الأمريكي لطهران

خطة العمل المشتركة أزالت التهديد النووي في الشرق الأوسط الانتهاكات الإيرانية بين تجاهل برنامج العمل المشترك والاستهداف الأمريكي لطهران

انشأ بتاريخ: الإثنين، 05 أيلول/سبتمبر 2016

مع تنامي التوقعات بحل أزمة البرنامج النووي لإيران بعد التوصل إلى اتفاق حول ذلك البرنامج بين طهران والمجموعة الدولية منذ عام سبق في يوليو 2015م، والبدء بتنفيذ الاتفاق النووي, ورفع بعض العقوبات المفروضة عن إيران منذ يناير 2016 م، ظهرت العديد من الإشكاليات بشأن البرنامج النووي، ليس من جهة الشكوك حول مدى التزام إيران بمضمون الاتفاق الموقع معها فحسب, وإنما من حيث التزام المجموعة الدولية المعنية بالاتفاق وإنفاذ بنوده ، إذ مع تعدد المؤشرات على وجود محاولات إيرانية للإلتفاف على مضمون ما جاء به، واستمرارها في برامجها الصاروخية بجانب ما كشفت عنه تقارير مخابراتية ألمانية في الفترة الأخيرة بمحاولات سرية إيرانية, لشراء أجهزة ومعدات ذات استخدام مدني وعسكري نووي مزدوج ومضاعفة عملياتها ونشاطاتها الداعمة للميلشيات الشيعية في العراق  وعدد أفراد الحرس الثوري في سوريا، ومتابعة دعمها لعملائها بالوكالة في اليمن, ينبئ السلوك الإيراني أنها عازمة في سلوكها العدواني في المنطقة غير عابئة بما تضمنه اتفاقها مع الدول الكبرى أو برنامج العمل المشترك الشامل, الذي قصر نشاطه على ما يبدو في برنامج إيران النووي فحسب ,دون محاولة التأثير في سلوك إيران الداخلي أو الإقليمي سيما ما يتعلق بسياستها الخارجية, على أمل أن يقود الاتفاق مع إيران إلى التحول التدريجي في سياساتها الداخلية والخارجية.

ويؤشر التجاهل الدولي للانتهاكات الإيرانية, تغييرًا في قواعد لعبة تشكيل ميزان القوى في المنطقة, حيث انتصرت الدول الغربية في استدراج إيران لاتفاق محكوم بأطراف دولية عدة من شأنها المساس بسيادة واستقلال إيران,  ليس في التحكم بنظام العقوبات ومصادرة بعض من أرصدتها المجمدة فحسب, وإنما في تنفيذ حملات تفتيش متناهية الدقة, إذ ينص الاتفاق النووي بين إيران والقوى الست على دخول مفتشي الأمم المتحدة إلى كل المواقع الإيرانية المشتبه بها، بما فيها المواقع العسكرية لا سيما أن أهم المشاكل المعلقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت في رفض إيران إعطاء معلومات عن أي نشاط نووي أو تخطيط مستقبلي لبناء منشآت نووية خارج نطاق اتفاقية منع الانتشار، بما فيها مناجم اليورانيوم ومصانع الماء الثقيل ووحدات التخصيب المتطورة والأبحاث مثل الليزر، إضافة إلى وجود مشاكل ذات أبعاد عسكرية تتصل بطلب الوكالة لزيارة موقع- بارشين-العسكري للاشتباه في استخدامه في اختبارات تفجير مرتبطة بالقنابل الذرية وهو الأمر الذي تحقق الآن للغرب بموجب الاتفاق النووي الأخير .

 وفي مقابل النصر الغربي بمنع إيران من حيازة السلاح النووي في المدى القصير على الأقل, وتعطيل بعض الصفقات ورفع العقوبات, ومصادرة بعضًا من أرصدته المجمدة, يصعب الموقف الإيراني أو حتى صموده لوقت طويل, كما لا يمكنه الاعتراض على تلك الحملات التفتيشية أو ما يترتب عليها من نتائج وقرارات حيث ستكون ملزمة له, لأنها مرتبطة بشكل أو بآخر بحزمة عقوبات دولية صارمة جديدة  الأمر الذي لن يستطيع النظام الإيراني احتماله في ظل تردي أوضاعه الاقتصادية وحروب الاستنزاف التي أوقعته في مستنقع مكلّف, والوضع قابل للتفاقم داخليًا إذا فشل الإيرانيون في إظهار أي تحسن اقتصادي, فإنّ الغضب الشعبي قد ينقلب ضد النظام نفسه في جميع أنحاء البلاد, حيث بدأ صبرُ الرأيِ العامِّ ينفد، وأضحت المعارضةُ ضدَّ حكومةِ روحاني وفريقِه الاقتِصادي أكثرَ شراسة .

ومما يؤكد الفرضية السابقة, سلسلة المواقف الدولية تجاه الانتهاكات الإيرانية التي تنبئ بتحرك دولي على الأقل أمريكيا, لتحجيم النظام الإيراني أو إضعافه في الحد الأدنى, وإن كان لا يوجد موقف دولي موحد من تفسير بنود الاتفاق, ومدى التزام إيران به ,فثمة تباينات واضحة فيما بينها تجاه خروقات إيران الأخيرة ،إلا أنها أجمعت بشكل كبير على عدم التزام إيران ببنود الاتفاق, وهو ما سنحاول استعراضه تاليًا :

الموقف الأمريكي من الانتهاكات الإيرانية

على الرغم من تأكيد –الرئيس أوباما- للحل الدبلوماسي في الاتفاق النووي مع إيران دون اللجوء إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط, إلا أنه أعترف ضمنيًا أنه ما زالت هناك خلافات عميقة بين الولايات المتحدة وإيران سيما ما يتصل بمعارضة سلوك إيران المزعزع للاستقرار في أماكن أخرى, بما في ذلك التهديدات ضد إسرائيل وشركائه في الخليج, ودعمها لوكلاء العنف في أماكن مثل العراق وسوريا واليمن كما أكد أنه لا تزال هناك عقوبات على إيران بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ودعمها للإرهاب وبرنامجها الصاروخي, مما ينبئ باستمرارية فرض العقوبات الأمريكية والدولية بقوة خصوصاً أن اختبار إيران للصواريخ مؤخرًا- على سبيل المثال -شكل انتهاكًا لالتزاماتها الدولية, ونتيجة لذلك، سعت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على الأفراد والشركات العاملة, ذات الصلة ببرنامج الصواريخ الباليستية بدعوى الدفاع عن أمن أمريكا وحلفائها وشركائها في منطقة الشرق الأوسط [1].

وفي سياق آخر , تعكس قرارات الكونجرس الأمريكي, أنه لا توجد إمكانية إنشاء تحالف إيراني/ أمريكي جديد بدليل الأصوات المعارضة لإيران في واشنطن ,وإن ظل الاهتمام الأمريكي في نجاح الاتفاق, أن تكون إيران خالية من الأسلحة النووية وأن تكون أكثر استقرارًا واندماجًا مع المنظومة الدولية, وإن لم يحقق الاتفاق النجاح المطلوب, فإنه سيعطي الولايات المتحدة مبررًا لاتخاذ إجراءات صارمة ضد إيران لاسيما أن هذا الاتفاق لم ولن يلق قبولاً جيدًا في أميركا على مستوى الكونجرس والرئاسة الأمريكية القادمة, كون عقد الصفقة تم مع دولة عدائية ومزدوجة المعايير مثل إيران, سيبقى مثيرًا للجدل على الأقل, ويظهر مسح أجراه مركز أبحاث–بيو –في أيلول/ سبتمبر الماضي أن نسبة( 21 ) في المائة فقط من الأمريكيين يعتقدون أن الصفقة مع إيران فكرة جيدة[2].

كما صرح وزير الخارجية "كيري "أنه تم تشويه الصفقة من قبل إيران, وأن الإدارة الأمريكية تتظاهر على الأقل بأنه تم تحويرها , وليس من الصعب تفسير ذلك, مؤكداً أن بداية انهيار الصفقة, سيملي على الإدارة الأمريكية أن تكون على الطريق إلى الحرب مع إيران مرة أخرى[3].

وأكد – فريد فليتز –نائب رئيس السياسات والبرامج في مركز السياسة الأمنية, أن إيران ستضاعف قدرتها على إنتاج الوقود النووي بشكل أسرع وبكميات أكبر في ضوء التقارير الأخيرة التي تفيد بأن الإيرانيين ينتهكون بالفعل بنود الاتفاق النووي ،من الصعب تصديق أنها ستواصل الالتزام بهذا القيد بعد تثبيت أجهزة الطرد المركزي الأكثر تطورًا , كما أن تمتع إيران في إطار الاتفاق النووي بالقدرة على تخصيب اليورانيوم بأجهزة متقدمة تم إقراره في اتفاق جانبي سري آخر حجبته إدارة – أوباما – بصورة غير قانونية عن الكونجرس  يعترف صراحة بخطة إيران لتوسيع برنامج تخصيب اليورانيوم في غضون10سنوات فحسب , فضلا عن اتفاقات جانبية سرية أخرى تسمح لإيران بتفتيش منشآتها بنفسها ، وأخرى تضعف قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مراقبة البرنامج النووي الإيراني[4].

موقف برنامج العمل المشترك والشامل من الانتهاكات الإيرانية

يمكن القول أن خطة العمل المشتركة الشاملة من قبل ما يسمىE5 + 1 - Joint Comprehensive Plan of Action, JCPOAالتي تضم الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة - وإيران, أزالت بشكل عملي التهديد النووي من السياقات الرئيسية في الشرق الأوسط، إذ وفقًا  لبرنامجِ  العمل المشترَك، تقبل إيران الحدِّ من تجاربِها النوويَّةِ بشكلٍ كبير مقابل رفعِ العقوباتِ التي فُرِضَت عليها بحكم برنامجِها النوَوِيّ ,وبعدَ موافقةِ الكونغرس الأميركي والبرلمان الإيراني ، تمّ تبنّي الاتِّفاقيَّة رسمِيًّا في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2015م،وبدأ العملُ بها في 16 يناير/ كانون الثاني ، مع التصويتِ للمادَّةِ 2231 في مجلسِ الأمن  ,من المفروضِ أن يتمَّ إلغاءُ العقوباتِ بمجملِها في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م،وأن يكفَّ مجلسُ الأمنِ عن العملِ بالمادَّة 2231 في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2025م.

وفي أول تقرير نصف سنوي لتنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOAاطلع رئيس الشؤون السياسية للأمم المتحدة- جيفري فيلتمان –في مجلس الأمن المؤلف من 15 عضوًا ,انتهاك إيران للقوانين الدولية على أكثر من مستوى, وإن كانت للدول الغربية وروسيا مواقف مختلفة بشأن التقرير، حيث انتقد التقرير إيران لإطلاق الصواريخ الباليستية, وتهديد أمن دول الجوار، واعتبر تدخل إيران في الحرب في سوريا أمرًا غير قانوني.

في المقابل دعت روسيا أطرافJCPOAالالتزام بقرار مجلس الأمن رقم2231وانتهى التقرير بدعوة إيران تجنب مثل هذه التجارب الصاروخية البالستية التي لديها القدرة على زيادة حدة التوتر في المنطقة, مع تذكير الأمين العام بشأن التدابير التقييدية التي تتضمن فرض قيود على التحويلات والأنشطة ذات الصلة النووية، والتحويلات المتعلقة بالصواريخ الباليستية والأنشطة, ونقل السلاح فضلًا عن تجميد الأصول وحظر السفر .

ويأتي عجز برنامج JCPOAعن اتخاذ إجراءات رادعة للانتهاكات الإيرانية لبنود الاتفاق , إلى التالي :

  1. أن الاتفاق برمته يعكس تركيزًا على المصالح الأمريكية دون مراعاة لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط ، لاسيما فيما يتعلق بتعاظم نفوذ إيران ودون تقديم أي ضمانات لأمن المنطقة، كما أن برنامج رفع العقوباتِ التي فُرِضَت على إيران بخصوص برنامجِها النوَوِيّ, أتى بعدَ موافقةِ الكونغرس الأميركي والبرلمان الإيراني, ومن ثم, تظل عملية رفع العقوبات مقيدة بالإرادة الأمريكية أساسًا وبحسب ما تراه خرقًا للاتفاق من عدمه, وهو ما وافقت عليه إيران قبل إبرام الاتفاقية النووية .
  2. طبيعة فحوى وحيثيات سلسلة التفاوض مع إيران, الذي يعكس مقايضة الائتلاف الدولي المعني بالملف الإيراني عند إبرام هذا الاتفاق رفع العقوبات الدولية مقابل تخلي إيران عن تملك السلاح النووي, وهذا كله يعود في أساسه إلى حرص الغرب غير المفهوم على إبرام اتفاق نووي مع إيران مقابل أي ثمن , ومن هنا تكمن إشكالية إعادة فرض العقوبات في حال الإخلال ببنود الاتفاق, خصوصًا مع صعوبة تقدير حجم وخطورة تلك الانتهاكات على نحو يمكن المجموعة الدولية التراجع عن سياسة رفع العقوبات الدولية, مما جعلها في موقف ضعيف أمام أنشطة إيران التخريبية مهما شكلت من تهديد للأمن الإقليمي , وذلك خشية انتشار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط[5].
  3. الدور الروسي في تقييد نشاط برنامج العمل المشترك الشامل, حيث انتقد مندوب روسيا في مجلس الأمن- فيتاليتشوركين- تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الاتفاق النووي وانتهاكات إيران النووية, واصفًا إياه بغير المتزن والمسيس ويعكس تواطؤ واضحًا من قبل أمريكا, مؤكدًا قبول روسيا عمومًا بالتجاوزات  الإيرانية, إذا لم يرد في أي تقرير أممي حتى الآن ما يشير إلى الإرهاب الذي تمارسه إيران في المنطقة, فكل ما يتضمنه مجرد تصريحات ليس لها أي نتائج ملموسة لتحجيم الانتهاكات الإيرانية[6].

موقف الأمم المتحدة من الانتهاكات الإيرانية

أفاد تقرير للأمم المتحدة أن طهران نقضت القرار الأممي حول الاتفاق النووي الإيراني بدعمها وإرسالها أسلحة إلى جماعات خارج حدودها, وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط , كما أن إرسالها سلاحًا للعراق, جاء دون الحصول على موافقة مسبقة في انتهاك واضح وصريح للقانون الدولي[7].

وأكد مندوب كل من :الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وأمريكا وبريطانيا ومصر في مجلس الأمن, ممارسة إيران تحركات تشكل خرقًا للاتفاق النووي مع القوى الدولية, ومن شأن هذه التحركات زعزعة أمن المنطقة ويقوض استقرارها في الوقت الذي التزمت فيه كافة الأطراف ببنود الاتفاق الذي حسن الأمن والسلم الدوليين ,وشدد الأعضاء على ضرورة الاستمرار في توثيق الانتهاكات الإيرانية للقرار الدولي حول برنامجها, ومتابعة مجلس الأمن لكل النشاطات الإيرانية التي تخالف الاتفاق النووي خصوصًا مع تفاقم حالة التدخل الإيراني في المنطقة بشكل غير قانوني[8].

وأجمعت لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي المعنية بمراقبة العقوبات على إيران في أبريل, ظهور عدة تقارير إعلامية عن شحنات أسلحة إيرانية إلى سوريا ولبنان والعراق واليمن وحزب الله وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) ما يعد مخالفة للحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة, وطالب أعضاء في مجلس الأمن من- لجنة عقوبات إيران-اتخاذ إجراء بشأن انتهاكات إيران الأخيرة، لكن اللجنة لم تتخذ أي إجراء حتى الآن, مما يؤشر أن الأمم المتحدة, تعتمد نهجًا أقل شدة تجاه إيران من الخط الذي تتبناه الولايات المتحدة نفسها[9].

وفي سياق متصل, رصدت منظمة العفو الدولية انتهاكات إنسانية في الداخل الإيراني ومواصلة السلطات فرض قيود مشددة على تكوين الجمعيات والتجمع وحرية الدين والمعتقد, كما واجه أعضاء الأقليات الدينية تمييزًا في التوظيف وقيودًا على حقهم في التعليم وفي حرية ممارسة شعائرهم الدينية، وممارسة الحقوق الثقافية والمدنية والسياسية[10].

أما من حيث الانتهاكات العسكرية, استعرضت وسائل الإعلام الإيرانية مع نظيرها الروسي- سيرجي شويجو- وكذلك الرئيس الروسي- فلاديمير بوتين –تسليم نظام الدفاع الجويS-400وهو الأكثر تطورًا منS-300 وشراء الأسلحة الهجومية الروسية المتقدمة، مثل الدبابات والمقاتلات النفاثة, ولاشك أن هذا العقد وأنشطة إيرانية مماثلة تشكل انتهاكًا للعديد من قرارات الأمم المتحدة الحرجة لاسيما القرار رقم 2231الذي يحظر بوضوح على الجمهورية الإسلامية شراء- الدبابات والمركبات القتالية المدرعة وأنظمة مدفعية من العيار الكبير والطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية والسفن الحربية وغيرها –دون الحصول عل موافقة مسبقة من الأمم المتحدة, فضلًا عن قرار مجلس الأمن رقم 2231 المرفق الثاني – الفقرة الثالثة –الذي يحظر على إيران القيام بأي نشاط للصواريخ البالستية إلى ثماني سنوات من يوم تاريخ اعتمادJCPOAأو حتى التاريخ الذي تقدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرًا يؤكد استجابة إيران لقراراتها[11].

مسارات السياسة الأمريكية في إحباط الصفقة النووية

دخلت إيران عمليًا مرحلة ما بعد الحظر، أي مرحلة جديدة تتيح لاقتصادها وشركاتها المتاجرة والاندماج مع المنظومة الدولية، بعد رفع الحظر الدولي وفقًا لاستيفاء شروط الاتفاق النووي, ورغم رفع الحظر الدولي، تبقى هنالك الحظر الأمريكي غير المرتبط بالملف النووي, وهو حظر أقره الكونغرس الأمريكي, ويخص خروقات إيران في مجالات دعم الإرهاب وحقوق الإنسان والصواريخ البالستية، وهذا الحظر يمنع الشركات الأمريكية داخل الولايات المتحدة من  التعامل مع إيران، ولكنه لا يمنع فروعها في الخارج من التعامل مع السوق الإيراني, الأمر الذي أثار الشكوك لدى المستثمرين الدوليين حول سلامة تعاملاتهم مع الجانب الإيراني, لا سيما أن الولايات المتحدة ما زالت تلوح من وقت لآخر بإمكانية العودةِ التلقائيَّةِ إلى حصارِ إيران- وقراراتِ الأممِ المتَّحِدةِ المرتَبِطةِ به –والمسمَّىفي حالِ تمَّ إثباتُ خرقِ إيران أحد بنودِ الاتِّفاقِيَّة ,وهذا بالتحديد ما يخشاهُ المستَثمرون الدوليّون .

وبالوقوفُ على الوضعِ, يتأكد لنا إدراك الحكومة الإيرانية المسبق بسياسة الاستدراج الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, للدفع بها إلى قبول الاتفاق النووي, والتخلي عن السلاح النووي مقابل رفع جزئي وتدريجي لبرنامج العقوبات المفروض عليها وإن لم يكن يتوقع النظام الإيراني أن تخل الولايات المتحدة بوعودها خلال شهور من إبرام الاتفاقية, حيث أبدت إيران امتعاضها من تداعيات تلك الاتفاقية خلال العام المنصرم, متهمة حكومة الولايات المتحدة بانتهاك الاتفاقية, خصوصًا بعد أن تأكد لديها تراجع الإدارة الأمريكية عن الكثير من التزاماتها فيما يتطلب الإفراج عن أرصدتها المجمدة وغيرها من الصفقات التي نوجز منها :

  1. تعطيل صفقة طائرات البوينغ الإيرانية, حيث عمد الجمهوريون المتشددون وجماعات الضغط الموالية لهم, تخريب الاتفاق الذي يضمن رفع العقوبات الدولية عن إيران في مقابل فرض قيود صارمة على برنامجها النووي ,وقد امتثلت إيران لذلك وتوقفت مساعيها لصنع سلاح نووي, لتنهي فكرة قيام حرب إقليمية جديدة ومع ذلك، صوّت مجلس النواب على منع شركة بوينغ من بيع 80 طائرة ركاب وتأجير 29 طائرة أخرى لشركة إيران إير – شركة الطيران الوطنية الإيرانية –بتكلفة لا تقل عن 20 مليار دولار, وعلى الرغم أن هذه الصفقة يمكن أن تكون إحدى النتائج الاقتصادية الأكثر بروزًا للاتفاق النووي، بالنظر إلى أنها تعد أكبر صفقة تجارية أمريكية مع إيران منذ أن أنهت الثورة الإسلامية 1979م، العلاقات الدبلوماسية بين البلدين, فضلًا عن أن أسطول الطيران التجاري الإيراني أصبح متهالكًا للغاية وغير آمن نتيجة سنوات من العقوبات إلا أن الجمهوريين في الكونغرس يرون بأن لإيران سجل طويل كدولة راعية للإرهاب، معللين رفضهم بإمكانية استخدام إيران الطائرات الجديدة لدعم حروبها بالوكالة في سوريا ولبنان أو حتى إعادة تهيئة الطائرات لاستخدامها في أغراض عسكرية, أو أن تقدم شركة إيران إير بعض الطائرات إلى ماهان إير، وهي شركة طيران ما تزال تخضع لعقوبات, وبالرغم من إمكانية تعقب تلك الطائرات بالتعاون مع شركة بوينغ في حالة أي انتهاك من جان بشركة إيران إير , فضلا عن تعليق قطع الغيار إلا أن مجلس النواب رفض تمرير الصفقة  [12] .
  2. استمرار برنامج العقوبات المصرفية, إذ ما زالت البنوكَ الأوروبيّة الكبرى تمتنِعُ حتى الآن عن التجارةِ مع إيران، وأنَّ قِلَّةً قليلة فقط من الاعتمادات المُستنديّة  حصلت على موافَقات, وترفض دفعَ مستنَدات لصالحِ كيانات تجاريَّةٍ إيرانيّة لا سيما أنَّ استمرار منعَ البنوكِ الأمريكيّة من القيامِ بعمليَّات مصرفيَّةٍ بالدولار, يؤثِّر بشكلٍ غيرِ مباشرٍ على البنوكِ غير الأمريكيَّة من خلال آليَّةِ التعويض, ووفقًا لتصرَّيح حاكمُ البنكِ المركزيِّ لإيراني- وليُّاللهسيف –في مجلسِ العلاقاتِ الخارجيّةِ في نيويورك في 15 أبريل/ نيسان 2015م،أنَّ شيئًا لم يَحدث تقريبًا منذ إبرام الاتفاق النووي وأنَّ شركاء إيران لم يَفوا بالتزاماتِهم, كما صرَّحَ المرشدُ الإيرانيُّ الأعلى في 27 أبريل/ نيسان 2016م، أنَّ العقوباتِ رُفِعت- على الورق فحسب, متهمًا الولايات المتَّحدَة بتخويفِ البنوك التي تَنوي التعاملَ مع بلادِه, حتى مع دعوة وزير الخارجية الأمريكي- كيري – في اجتماعِ مع نظرائه الأوروبييّن وبعضِ البنوك الأوروبيّة12 مايو/ أيار البنوكَ الأوروبيةّ وغيرها إلى التعاملِ مع إيران, يعكس غرابة موقفِه الذي يحفِّزُ البنوكَ غير الأمريكيَّةِ على القيامِ بما تستمِرُّ واشنطن بنَهيِ الشركاتِ الأمريكية عنه, وطبقًا لوصف- ستيوار تليفي-المديرُ القانونيُّ لبنكHSBCوالمساعدُ الأسبقُ لوزيرِ الماليّة الأمريكيّ المسؤولِ عن شؤونِ الإرهابِ والاستخبارات المصرفيّة، أن وزارة الخارجيّة ليس لها أيَّةُ صلاحيَّةٍ في المجال المصرفيِّ, أما ما يتصل بموقف الفريقَ الدوليَّ المشترَك بين الحكوماتGroupe Intergouvernemental d’action  financièreGAFI أعربَ في 18 فبراير/ شباط 2016م, عن قلقِة الشديدِ من فش إيران في صدّ خطرِ تمويل الإرهاب، فمازالَت الخزينةُ الأمريكيَّةِ تعتبرُ النظامَ البنكيَّ الإيراني بما فيه البنكُ المركزيّ، سلطةً مثيرةً للقلق فيما يتعلّق بتبييض الأموال ولذلك، من المنطقيِّ أن تجدَ البنوكُ الخاصَّة صعوبةً في تبيانِ التوجُّهات الجديدة للسلطاتِ المصرفيّة الأمريكية، وأن تراها مُبهَمة, مما خفَّفَ المستثمرين الدوليين من الاندِفاع باتجاه التعاونِ التجاري مع إيران[13].
  3. صعوبةِ استعادَةَ النظام الإيراني للأرصدة المجمَّدة في الخارج سيما في الولايات المتحدة الأمريكية, ومصادرة بعض منها, حيث أصدرت المحكمة الأمريكية العليا حكمًا يقضي بتوزيع أصول إيرانية مجمدة بقيمة ملياري دولار تقريبًا على أسر أمريكيين قتلوا في هجمات, اتهمت إيران بالضلوع فيها، وسبق أن رفضت إيران دفع تلك المبالغ, مما دفع أمريكا استخدام أرصدة إيران المجمدة, لدفع التعويضات قبل أن تتم إعادة مليارات الدولارات إلى طهران في إطار الاتفاق النووي, ويرى الجمهوريون في قانون- العدالة لضحايا الإرهاب الإيراني –وسيلة لعرقلة الاتفاق النووي أو على الأقل الحصول على جزء كبير من الأموال التي ستتم إعادتها إلى إيران, مما أثار حالة من الغضب و الاستياء في الأوساط السياسية والتيار المتشدد في إيران الذي وصف مصادرة الأموال بالقرصنة الدولية ,وعدم إمكانية الوثوق بالولايات المتحدة الأمريكية  ، لا سيما أن حكم القضاء الأمريكي صدر بعد أشهر من إبرام الاتفاق النووي, وهو ما خلق الكثير من المخاوف لدى الرأي العام الإيراني من أن تنتهج أمريكا هذه السياسة خلال السنوات المقبلة, لمنع طهران من تحقيق أهدافها الاقتصادية" وكالات - واشنطن  : أكتوبر 1, 2015م, 3 ص  " .
  4. استصدار واشنطن عقوبات جديدة من شأنها تقييد النظام الإيراني, حيث صوت مجلس النواب في  14 يوليو 2016م، قانون بتوسيع العقوبات ضد إيران بأغلبية246-179 وتمت صياغة قانون العقوبات الجديد بسبب انتهاكات النظام الإيراني لبنود الاتفاق النووي, وأعزت عضو الكونغرس كينيمير شنت(TX-24)استصدار تلك العقوبات أن إيران دولة راعية للإرهاب , كما أن بنود الاتفاق النووي المبرم مع إيران لم يتم الوفاء بها , مؤكدة أن الصفقة النووية, دعمت برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية والحكم القمعي للنظام, مما يستوجب على الإدارة الأمريكية تغير اتجاهها لوقف استرضاء أعدائها [14].
  5. تّحفّظُ المرَشَّحين للرئاسةِ الأميركِيّة على الاتفاق النووي الإيراني , إذ تشكِّل انتخاباتُ أكتوبر/ تشرين الأول 2016م، الرئاسية الأمريكية مصدرًا آخرَ للقلق فالمرشَّحةُ الديمقراطِيَّةُ- هيلاري كلينتون –وإن كانَت قد وافَقت على اتفاقيَّة فيينّا إلا أنَّها أعلنَت منذ سبتمبر/ أيلول 2015م، موقفًا تدعو فيهِ إلى- الاحتِرازِ والتأكُّد–من هكذا اتفاقية, بينما وصف المرشَّحُ الجمهوريّ –دونالد ترامب –الاتفاقيَّة بأنَّها– كارِثية –وإن تأرجَحَت مواقفُه بين إمكانية – تَفكيكِ الاتفاقيّةِ–و- تَطبيقِها بكافة بنودها –وإن كان نقضُ الاتفاقيَّةِ بالنسبةِ للرئيسِ الجديدِ المحتمَل أمرًا غيرَ وارِد بحكمِ التبِعاتِ التي قَد تترتَّبُ على ذلك ،فضلا عن خطرِ اندلاعِ حربِ إقليميَّةٍ تجرُّ إلى أمريكا تَحالُفًا كبيرًا ضدَّها، ومؤكد أنَّ هكذا تصريحات على درجةٍ من الخطورة, كفيلةٍ ببثِّ الحذرِ بشكلٍ يسيء إلى التطبيقِ العمليِّ للاتِّفاقِيَّة ,وفي إيران ولحدَّةِ الانتِقادات، بدأ المرشدُ الأعلى بالتصعيدِ ، مُعلِنًا أنَّ الجمهوريّةَ الإسلاميَّةَ لاتخرقَ من تلقاء نفسِها برنامجَ العملِ المشترَك, لأنَّ احترامَ كلمةٍ تمّ التعهُّدً بها مبدأٌ قرآنيٌّ ,أمّا إن نفّذ المرشَّحون للانتِخابات الرئاسيّة الأميركية تهديداتِهم بتمزيقِ برنامجِ العمل المشترَك ، فستقومُ الجمهوريّةُ الإسلاميَّةُ بخرقِه حينئذ ,وفي 16 يونيو/ حزيران 2016م، في–أوسلو -أكَّد" كيري "أنَّ الولاياتِ المتَّحِدةِ, ستوضح موقفِها تجاهَ المعامَلات المصرفيّةِ مع إيران وهو الأمر الذي لم يتحقق بشكل عملي حتى الآن[15] .

 

انكشاف النظام الإيراني إقليميًا ودوليًا

من المؤكد أن الاتفاق النووي الإيراني لم يحقق لإيران الكثير لإنعاش اقتصادها المتردي خصوصًا أن إجمالي ما سيعود على إيران من عوائد مالية لا يتعدى 7 مليارات دولار في ظل الإبقاء على مستويات تصدير النفط الحالية التي تمثل حوالي (60)بالمائة مقارنة بعام2011م, مع حرمان إيران من برنامجها النووي السلمي مقابل السماح لإسرائيل باستخدام التقنية النووية لأغراض عسكرية, مما سيفقد إيران الكثير من الثقل في المفاوضات المستقبلية, خصوصاً مع السعي الأمريكي لتفريغ فحوى الاتفاق, عبر فرض عقوبات أحادية الجانب, وتعطيل الكثير من الصفقات والتعاملات التجارية, فضلا عن مصادرة جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة, وغيرها من الانتكاسات التي لم يدركها النظام الإيراني إلا مؤخرًا، وبعد أن وضعت اقتصاد البلاد في تحديات كبيرة وأزمات عميقة من الصعب معالجتها .

وتأتي هذه الانتكاسات في وقت حرج, تحتاجُ فيه حكومةُ روحاني بشكلٍ عاجل لرفعٍ عمليٍّ للعقوبات ، إذ كان ذلك من أهم وعودِه الانتِخابِيَّة, لتحقيق انطلاقٍة لسياسته الاقتِصاديّة, وأيُّ تأخيرٍ أو مواربة في تطبيقِ القرار لن يؤثر في الانتِخابات المقبلة في يونيو/ حزيرانِ 2017م، وحَسب ,بل قد يفضي ذلك إلى إضعافِ الآمال الاقتصاديَّة نحوَ الانفِتاح الدولي والإصلاحات البنيويَّة المتاحَة بحكمِ هذا الانفِتاح.

ويتوقع مراقبون , أن فشل الرئيس حسن روحاني في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر لإنعاش الاقتصاد الإيراني ، والمكافحة للحصول على التمويل الخارجي , في ظل إحجام البنوك الأوروبية عن التعامل مع إيران, سيوسع من نفوذ المتشددين الإيرانيين خصوصًا مع خسارتهم في القضية النووية, وبمباركة المرشد الأعلى الذي اعتمد خطة العمل المشتركة الشاملة مكرهًا, لتعارضها مع رغبات المحافظين المتشددين في الحرس الثوري وفي المناص المحلية الرئيسية, وهو ما دفعه مؤخرًا لإعطاء المتشددين نفوذًا أكبر للضغط على- روحاني-والعناصر الإصلاحية الأخرى.

وعلى الرغم من التكتم الرسمي عن وجود خلافات بين مؤسستي "ولاية الفقيه" و"الرئاسة" في إيران ، تؤشر المعلومات المتداولة أن الخلاف ليس في ما يرتبط بإدارة الملف مع الغرب, وسبل تنفيذ الاتفاق النووي فحسب، وإنما في إدارة ملفات السياسة الخارجية، وكشفت مصادر إيرانية مطلعة عن أن الخلافات بين" خامنئي/ روحاني "حول إدارة الشؤون الداخلية والخارجية بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة .

وفي ضوء البحث في مسببات الخلاف ، يبدو أن ميزان القوة يميل لصالح خامنئي ليس فقط للأسباب الدستورية وما يحظى به منصب- ولاية الفقيه-من صلاحيات واسعة في إيران،وإنما لأسباب ودلالات تتصل بعلاقات إيران مع الغرب ومدى التزامها ببنود الاتفاق النووي، حيث هدد المرشد الأعلى روحاني, أن أي تحرك خلال السنوات الثماني القادمة لإعادة العقوبات على إيران بغض النظر عن مستواه أو أسبابه من جانب الدول الموقعة على الاتفاق النووي , سيعتبر انتهاكًا للاتفاق النووي ، وعليه فإن الحكومة الإيرانية ستكون في حلِّ من ذلك الاتفاق ، وملزمة باتخاذ خطوات تتوافق مع المادة( ٣ ) من قانون مجلس الشورى الإيراني, مما يؤكد عزم إيران في ممارسة أنشطتها الإقليمية التي لا تعتبرها مخالفة للاتفاق النووي, وعودتها بقوة لمتابعة نشاطها النووي بالكامل

 

[1]Office of the Press Secretary : The White House : Statement by the President on Iran ,  January 17, 2016

[2]http://lobelog.com/regional-implications-of-the-jcpoa  .

[3]Paul K. Kerr ;   Iran’s Nuclear Program: Tehran’s Compliance with International Obligations    Analyst in Nonproliferation May 31, 2016   

[4]http://www.nationalreview.com/article/438045/iran-nuclear-deal-new-obama-administration-secret-side-deal

[5]Iran Arming Militias in Iraq, Violating International Laws: U.N. Security Council

[6]http://www.ajel.sa/local/1767556

[7]UN: Iran violated international  law by sending weapons to militias in Iraq  18- 7  - 2016     

[8]UN Reports - By INU Staff :   Continuing Violations of International Law by Iran 19   July 2016

[9]http://ara.reuters.com/resources/images/logo_reuters_media_ara.gif Tue Jun 16, 2015  

[10]http://legalinsurrection.com/2016/07/u-s-navy-seizure-of-  .

[11]John Richardson , American - soldiers - by – Iran – violated –international - law  2016-07- 03     _

[12]http://www.nytimes.com/2016/07/21/opinion/congressshould-let-the-boeing-deal-proceed.html?ref=opinion&_r=0

[13]See more at : http://www.alkhaleej.ae/economics/page/a0a66eed

[14]         Kenny Marchant, U.S. Congressman Serving the 24th District of Texas

Marchant, House Vote to Hold Iran Accountable for Violation of International Law

[15]  مركز الروابط صعوبات تطبيق اتفاقية الملف النووي الإيراني 7 يوليو 2016 م

كلمات دليلية

الشركات المعلنة