انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 114 تقرير خاصمجلس التعاون الخليجي بين عامين: عام مضى بأزماته وآخر قادم بتحدياته الوحدة الخليجية والتكتل الاقتصادي خيار الضرورة لدول الخليج

مجلس التعاون الخليجي بين عامين: عام مضى بأزماته وآخر قادم بتحدياته الوحدة الخليجية والتكتل الاقتصادي خيار الضرورة لدول الخليج

انشأ بتاريخ: الإثنين، 05 كانون1/ديسمبر 2016

لم يختلف عام 2016م ، في كثير من أحداثه عن الأعوام الخمسة التي سبقته لدول مجلس التعاون، وإن كان أهم ما يميزه أنه شهد في نهايته تغييرًا في بعض الملفات التي سيتم طرحها على أجندة القمة السابعة والثلاثين لقادة دول المجلس في البحرين ، تقييمًا لما تم خلال العام المنصرم ووضع رؤية لعام مقبل لا يزال مليئًا بالتحديات.

وعلى ضوء ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى رصد وتحليل طبيعة التطورات المتسارعة التي مثلت تهديدات ربما بعضها محتمل وربما بعضها الآخر أصبح تحديًا لأمن الخليج ، وصولاً لطرح مقترحات للتصدي لتلك التحديات.

التحديات الراهنة والمستقبلية :

ما واجهه مجلس التعاون في عام 2016م ، من أزمات ، ظلت غالبيتها ماثلة مع دخول العام الجديد (2017م) ، وإن اختلفت في مستوياتها . وقد مثّلت هذه الأزمات تحديات تطلبت آليات للتعامل معها ومواجهتها بشكل يقلل المخاطر المترتبة عليها . وتتنوع هذه التحديات ما بين سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية واجتماعية ، وهو ما يمكن أن نجمله فيما يلي :

أولاً - التحديات السياسية والأمنية والعسكرية :

مجلس التعاون الخليجي يواجه تعاظم كثير من التحديات السياسية والأمنية والعسكرية ، بدءًا من سياسات إيران التدخلية في شئون دول المجلس ، مرورًا بحالة عدم الاستقرار في العراق والانقلاب الحوثي في اليمن، والحرب الدائرة في سوريا ، وصولا إلى أخطار الجماعات الإرهابية العابرة للحدود ، وحالة عدم الاستقرار التي تسود المنطقة العربية. وعليه ، تخلق هذه التحديات مخاطر رئيسة لدول المجلس ، يمكن إجمالها:

1-    تهديد الدولة الوطنية ، بعد مشروع إعادة ترسيم حدود دول المنطقة العربية على أسس طائفية وعرقية وقبلية وعشائرية وجهوية ومذهبية الذي بدا بشكل جلي مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م ، هذا التحدي أصبح أكثر بروزا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة مع بروز التنظيمات الإرهابية وفى مقدمتها "القاعدة" و"داعش" وسعيهم للسيطرة على مساحة واسعة من البلدان العربية كما هو الحال في العراق وسوريا. وهو ما تكرر في الحالة اليمنية حينما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء ، لتقف دول مجلس التعاون بين خطرين متماثلين: خطر داعش والقاعدة في الشمال، وخطر الحوثيين في الجنوب.

2-    الارهاب، ما شهدته بعض دول الخليج من عمليات إرهابية خلال العامين (2015-2016م)، يحول الارهاب من تهديد محتمل إلى خطر قائم ، فلم يعد خطره يقتصر على التوسع الجغرافي للتنظيمات الإرهابية في دول الجوار، إنما تجاوز ذلك إلى الداخل الخليجي ، ومن ثم أصبحت مكافحته تحتل قمة أولويات أجندة الأمن الخليجي.

3-    الانتشار النووي، على عكس المطالب الخليجية المتكررة بجعل منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل ، جاء الاتفاق النووي الإيراني ، للسماح لإيران بمواصلة برنامجها النووي وفق ضوابط زعمت أن من شأنها جعل هذا البرنامج سلميًا ، إلا أن حقيقة الأمر ستظل تداعيات هذا الاتفاق ماثلة أمام قادة دول المجلس نظرا لما ترتب عليه من منح طهران صك الاعتراف بكونها دولة نووية ، وهو ما يفتح الباب أمامها لتحقيق طموحاتها في المنطقة ما يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن دول الخليج . 

4-    الانكشاف الأمني في العراق، صحيح أن ثمة نجاحًا ملموسًا مؤخرًا في محاربة "داعش" في العراق ، إلا أن خطره لا يزال ماثلاً عبر سيطرته على مناطق حدودية ذات أهمية إستراتيجية . كما أن هذا الانكشاف لا يقتصر على وجود داعش فحسب ، بل مثل الاختراق الإيراني الواسع للعراق والسيطرة على كثير من مفاصل الدولة خطرًا آخر، يضاف إليه خطر التدخل التركي المباشر في الحرب الدائرة على الأراضي العراقية .

5-    التدخل العسكري الروسي في سوريا، أدى هذا التدخل إلى تعقيد في الأزمة السورية التي أصبحت ساحة لتسوية الحسابات الدولية والإقليمية ، وهو ما يشكل تهديدًا غير مباشر للأمن الاقليمي الخليجي بمنظوره الاستراتيجي الواسع .

6-    اليمن وتعثرات الحل، تظل الأزمة اليمنية بتعقيداتها من أكبر التحديات التي تواجه مجلس التعاون في عامه الجديد ، نظرًا للصعوبات التي تحول دون ايجاد مخرج سياسي أو عسكري للأزمة. فلا يزال الحل السياسي مجمد في ظل التعنت الحوثي ، كما لا يزال الحسم العسكري يواجه صعوبات في ظل التعزيزات التي تتحصل عليها جماعة الحوثيين وحلفاءها. وهو ما نخلص منه إلى القول إنه ففي ظل تجمد الحل السياسي ، وعدم الحسم العسكري ، سيظل اليمن يراوح كمصدر أول لتهديد أمن الخليج . 

7-    الهجرة غير الشرعية، أفسحت الصراعات في دول الجوار الخليجي المجال واسعا لتدفق الكثير من المهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود كما هو الحال في اليمن . الأمر ذاته يتكرر بين سوريا والعراق ، وهو ما يلقى بأعباء جسيمة على عاتق المؤسسات الأمنية التي أصبحت جهودها موزعة بكثافة على حدود كانت تُعد في السابق حدودا آمنة .

ثانيًا-التحديات الاقتصادية والاجتماعية:

يظل الاستقرار الاجتماعي الذي تميزت به بلدان مجلس التعاون الخليجي ، مرهون بمدى قدرة الدولة على الاستجابة للمطالب المجتمعية المتزايدة ، ومدى تفهم الشعوب للتحديات التي تواجهها الحكومات في تلبية تلك الاحتياجات من ناحية أخرى . فمن العدل القول أن نجاح الحكومات الخليجية في ضمان الوفرة المجتمعية التي كانت محققة سابقًا مرهونًا بتغير عديد المفاهيم والرؤى والتصورات لدى المواطنين سواء تلك المتعلقة بقدرات الدولة ومواردها من جانب ، وبالتزاماتها والتحديات التي تواجهها من جانب آخر.

وغني عن القول أن التحديات التي تواجه دول المجلس في جانبها الاقتصادي لن تقتصر على التراجع في أسعار النفط فحسب ، صحيح أن هذا التراجع هو الاكثر أهمية وبروزا نظرا للدور المهم الذي يلعبه في اقتصاداتها ، إلا أن ثمة تحديات ومخاطرة أخرى ماثلة أمام دول المجلس ، من أبرزها ما يلي:

1-    تواضع حجم التجارة البينية لدول المجلس، صحيح أنها ارتفعت من 60 مليار دولار عام 2010م، لتصل إلى أكثر من 146 مليار دولار عام 2014م، إلا أنها لا تزال دون المأمول إذا قورنت بتكتلات أخرى كالاتحاد الاوروبي إذ تصل التجارة البينية فيه إلى 8 تريليونات دولار.

2-    التحدي الديموجرافي ، إذ يعكس شكل الهرم السكاني في دول المجلس ارتفاع نسبة الشباب لتصل في بعضها إلى 70% ، وهو ما يعنى وجود نسب غير قليلة من الباحثين عن العمل ، وينذر بارتفاع نسب البطالة أي أن هناك حاجة لخلق فرص عمل لنحو مليون شخص في دول الخليج خلال السنوات العشر القادمة ، وهو ما يستوجب أن تكون أنماط التنمية في هذه الدول قادرة على توليد وظائف جديدة. كما أن هناك ثمة بعدًا آخر مهما في النظرة إلى التركيبة السكانية في دول المجلس إذ تكشف الاحصاءات أن 28.8% من السكان أعمارهم أقل من 15 سنة ، و20.4% ما بين 15-30 سنة. وهو ما يعنى أن أكثر من 50% هم من الفئة التي ينبغي العناية بها تربويًا وتعليميًا وصحيًا وثقافيًا وفكريًا ليصبحوا العامل الأساسي في التنمية الشاملة.

3-    التحديات البيئية المتنوعة بدءا من نضوب مصادر المياه النادرة بطبيعتها نتيجة لموجات الجفاف غير المنتظمة والمناح الحار، مرورا بزيادة رقعة التصحر وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور المناطق الساحلية والتلوث في المناطق البحرية ، وتلوث الهواء ، والعواصف الرملية المتكررة والغبار، وصولا إلى التغيرات المناخية التي تزيد من وطأة هذه التحديات بما يهدد حياة المواطن الخليجي سواء بسبب ارتفاع درجة الحرارة وما لذلك من تأثير بالغ في تراجع حجم الناتج المحلى الإجمالي ، أو بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر بما يهدد كثير من أراضي دول الخليج بالاختفاء، إذ يشير التقرير الخامس للتوقعات العالمية (GEO5) إلى أن البحرين وقطر سوف تخسران جزءًا من أراضيهما بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 5 امتار، وذلك بنسبة 13.4% و6.9%  على التوالي . الأمر ذاته ستواجهه الإمارات العربية المتحدة ، إذ أنه مع ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد سوف يغرق قرابة 8.1% من إمارة عجمان ، 1.2% من إمارة الشارقة ، 5.9% من إمارة أم القوين ، ومع سيناريو الخمسة أمتار، سوف تزداد هذه الأراضي المغمورة إلى نحو 24% و3.2% و10% على التوالي.

سيناريوهات المستقبل:

في ضوء تعدد التحديات ، يمكن الحديث عن سيناريوهات مستقبلية بشأن ما تواجهه دول مجلس التعاون خلال عام 2017م ، على النحو التالي:

أولاً - المستوى السياسي والأمني والعسكري:

من غير المأمول أن يشهد عام 2017م ، حلحلة حقيقية لكثير من التحديات التي تواجه دول المجلس ، بما يحصر سيناريوهات المستقبل القريب في سيناريوهين ، هما :

الأول، استمرار الوضع على ما هو عليه ، فاستمرار الفشل في وقف تمدد التنظيمات الإرهابية ، واستمرار الانقسام الدولي بشأن الأزمة السورية ، وصراعات النفوذ في العراق ، وتقاسم السيطرة في اليمن ، وتزايد التدخلات الإيرانية في شئون المنطقة . يؤدى إلى استمرار القلق ، وما يترتب على ذلك من ضياع فرص التنمية مقابل سباقات التسلح وتراجع الاستثمارات ، فضلاً عن تزايد العمليات الارهابية بما يهدد كذلك أمنها السياسي واستقرارها الاجتماعي .

الثاني، تصاعد التهديدات الخارجية ، وتشمل جانبين : الأول ، حسم قضايا الصراعات في دول الجوار وفقًا لمخططات التقسيم ، فنكون إزاء تفكك عراقي ، وتقسيم سوري ، وتفتيت يمنى ، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن الخليج ، نظرًا لأن خطر التقسيم لن يقف عند حدود هذه الدول فقط ، سواء من جهة تفاقم الانفلات الأمني وزيادة وتيرة عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية ، أو سعي التنظيمات الارهابية إلى تجنيد المزيد من الأتباع . الثاني ، تزايد حجم التدخلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة عبر اللعب على الوتر الطائفي، وهو ما يؤدى إلى زيادة التوتر في العلاقات بين إيران والخليج.

ثانيًا-المستوى الاقتصادي والاجتماعي :

شهدت نهايات عام 2016م ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط بمقارنة بما كان عليه الوضع خلال العامين الماضيين ، وهو ما انعكس إيجابًا سواء على الأوضاع الاقتصادية خلال عام 2016م ، حيث شهدت تحسنًا ملموسًا أعطى تفاؤلاً بمستقبل هذه الأوضاع خلال عام 2017م ، وهو ما برز في عدة مؤشرات ودلائل أبرزها ما يلي :

1-    التحسن المتوقع في مؤشرات اقتصادية كما أشار المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون في تقريره الصادر في أغسطس 2016م ، بعنوان "آفاق اقتصاد مجلس التعاون 2016-2017م ، وهو ما يمكن رصده فيما يلي :

ـ الناتج المحلى الإجمالي بالأسعار الثابتة ، أشار التقرير إلى تراجع معدل نمو هذا الناتج خلال عام 2016 م، متأثرا بتراجع الإنفاق الحكومي وتراجع السيولة ، ليسجل بذلك 2.6%، في حين مع تنفيذ دول الخليج لسياسات التصحيح المالي وسعيها لتحقيق التوازن بين المحافظة على معدل النمو الاقتصادي والإنفاق العام ، فمن المتوقع أن يتحسن النمو عام 2017م ، ليصل في حدود 3.4% وهو ما يقارب معدل النمو المتوقع للاقتصاد العالمي والمقدر بـ 3.5% بحسب توقعات صندوق النقد الدولي. مع ملاحظة أنه من المتوقع أن يأخذ القطاع غير النفطي دور القيادة في النمو الاقتصادي في العام القادم ، إذ تشير التوقعات إلى أن هذا القطاع سينمو بمعدل 3.9%، وأن تقود قطاعات البناء والتشييد والنقل والتخزين والمواصلات النمو الاقتصادي لدول المجلس .

-       التضخم، من المتوقع أن يبلغ معدل التضخم السنوي نحو 2.6% خلال عام 2016م ، و2.8% عام 2017م . ويرجع ذلك إلى السياسات الحكومية المتعلقة بتخفيض الدعم عن المشتقات البترولية وزيادة الايرادات غير النفطية من جهة ، وارتفاع أسعار الفائدة على القروض المحلية من جهة أخرى ، بما سيؤثر صعودًا على أسعار السلع والخدمات .

-       الميزان التجاري، من المتوقع أن يتراجع الميزان التجاري في عام 2016م ، ليصل إلى عجز بنسبة 5.4% من ناتج المجلس الإجمالي بالأسعار الجارية نتيجة تراجع الصادرات السلعية . إلا أنه مع التحسن المتوقع في أسعار النفط عام 2017م فمن المتوقع أن يتحسن هذا الميزان ليصل إلى عجز بنسبة 0.4%.

2-    تأسيس هيئة الشئون الاقتصادية والتنموية الخليجية ، والتي تم إقرارها في القمة التشاورية لقادة دول المجلس في مايو 2016م . ومن مهامها : العمل على تعزيز التعاون الخليجي المشترك في المجالات الاقتصادية والتنموية ، النظر في السياسات والتوصيات والدراسات والمشروعات التي تهدف إلى تطوير التنسيق والتكامل بين الدول الاعضاء في المجالات الاقتصادية والتنموية ، تشجيع وتطوير وتنسيق الأنشطة القائمة بين الدول الأعضاء في هذه المجالات ، اتخاذ ما يلزم بشأنها من قرارات وتوصيات ، وكذلك متابعة تنفيذ قرارات واتفاقيات وأنظمة المجلس المتعلقة بالجانب الاقتصادي والتنموي . ولا شك أن هذه الهيئة سوف تمثل دعمًا حقيقيًا لنجاح العمل الخليجي المشترك في شقيه الاقتصادي والتنموي.

مقترحات لمواجهة التحديات:

في مواجهة التحديات الماثلة أمام دول مجلس التعاون ، لم تقف هذه الدول مكتوفة الأيدي ، وإنما بادرت باتخاذ قرارات وتبنت مبادرات ورؤى استراتيجية على غرار رؤية السعودية 2030، وهو ما يعكس مدى إدراك قادة دول الخليج لحجم التحديات والمخاطر الماثلة . ومع ذلك ، فثمة مقترحات من المهم النظر في كيفية تحقيقها كونها تمثل دعمًا حقيقيًا في نجاح ما تضمنته الاستراتيجيات والرؤى المطروحة من جانب هذه البلدان ، تتمثل هذه المقترحات فيما يلي :

أولًا – على المستوى السياسي والأمني والعسكري:

في خضم التحديات الماثلة أمام دول المجلس يصبح من الأهمية التأكيد على أن مواجهة هذه التحديات التي إما أن تستمر على الوتيرة نفسها أو تتصاعد بصورة أكثر خطورة ، تتطلب سرعة اتخاذ حزمة إجراءات ، أبرزها ما يلي:

1-    ضرورة التحول من التحالف القطبي إلى تنوع التحالفات الدولية ، إذ كان صحيحًا أن التحالف الخليجي الأمريكي المستمر منذ أكثر من ستة عقود منذ الرئيس الامريكي روزفلت وحتى اليوم لا يمكن أن يسقط في لحظة ، إلّا أنه من الصحيح أيضا أن الإبقاء عليه في صورته السابقة كتحالف قطبي أوحد .

2-    التأكيد على أن التقارب الإيراني الأمريكي لا يعنى تراجعا في علاقات أمريكا مع دول الخليج ، نظرًا لما تمثله الأخيرة من رصيد كبير من المصالح المشتركة بما يجعل من الصعوبة أن تضحي الولايات المتحدة بهذه العلاقات لصالح تقاربها مع طهران ، ما يستوجب إبراز هذه الحقيقية أمام الإدارة الأمريكية الجديدة ، حيث نُشرت تحليلات بشأن ما أفرزته الانتخابات الرئاسية الأمريكية بوصول "دونالد ترامب" إلى الرئاسة على أن الأمر لن يكن في صالح التقارب الأمريكي الخليجي إلا أن الواقع لن يكن بهذه الصورة السلبية لسببين : الأول، أن ما يحكم توجهات السياسة الخارجية الأمريكية حيال الشرق الأوسط عامة ودول مجلس التعاون خاصة ، مصالحها ، فثمة صعوبة في أن تتخلى واشنطن عن أمن منطقة الخليج بالصورة التي يروج لها البعض ، يدلل على ذلك مؤشرين : أولًا- انعقاد القمة الخليجية ــ الأمريكية بالرياض في 21 ابريل 2016م، والتي تعكس مدى حرص أمريكا للحفاظ على علاقاتها مع دول المجلس . ثانيا- الدراسة الأخيرة التي أعدتها مؤسسة راند الأمريكية للأبحاث في سبتمبر 2016م ، تحت عنوان "نظرة على مجلس التعاون لدول الخليج العربي بعد مرور 35 عاما" بهدف استشراف مستقبل المجلس حتى عام 2050م ، وأكدت الدراسة على أهمية تعزيز التكامل الأمريكي الخليجي بما يصب في مصلحة أمريكا وأمنها القومي . وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من توقيت صدورها ، إذ صدرت قبيل الانتخابات الأمريكية بأشهر قليلة بما يمكن اعتبارها بمثابة خطة معدة مسبقًا للإدارة المقبلة للتأكيد على أهمية العلاقات الخليجية الأمريكية التي ترى الدراسة أنه من مصلحة واشنطن الحفاظ على علاقات إيجابية مع العواصم الخليجية، وهو ما يمكن اعتباره بداية لإصلاح ما افسدته الإدارة الامريكية في عهد "باراك أوباما"، وتأتى هذه الدراسة بهدف إعادة تهيئة وترتيب العلاقات الأمريكية الخليجية من جديد. أما السبب الثاني ، فيتعلق بسجل طهران في دعم الإرهاب والتنظيمات الإرهابية على عكس الموقف الخليجي الرافض لها ، إذ أن سجلها مليئا بالجرائم ، وهو ما يستوجب تسليط الضوء عليه وفضحه وكشف ممارستها.

3-    أهمية تفعيل التحالف العسكري الإسلامي الذي تم تشكيله في 15 ديسمبر 2015م، إذ أنه بعد مرور عام على تأسيسه من المهم تقييم ما قام به في شقيه العسكري والفكري/ الإعلامي . إذ كان صحيحًا أن التحالف لم يتوسع في اتخاذ خطوات جادة في جانبه العسكري خلال العام المنصرم (2016م)، إلا أنه استطاع أن يتخذ مبادرات مهمة في شقية الإعلامي والفكري ، وإن ظل دون المأمول.

4-    أهمية ارتباط دول الخليج بمحيطها العربي خاصة مصر والأردن والمغرب ، وهو ما يسهم بلا شك في تقوية المحيط الأمني الذي يُعد رافدًا مهمًا للعمل العربي المشترك.

5-    وضع استراتيجية تعاون وتنسيق بين المؤسسات والأجهزة الثقافية والإعلامية الرسمية في دول المجلس، بحيث تحمل رسالة إعلامية وثقافية واحدة ، لحفظ الهوية الوطنية الخليجية وتعزيزها.

6-    القراءة الصحيحة للخريطة السياسية في العالم ، تأخذ في حساباتها التكتلات السياسية والاقتصادية الإقليمية ، وهو ما يستوجب الإسراع بخطى الانتقال إلى الإتحاد الخليجي ، خاصة وأن حجم الأخطار والتهديدات لا تواجه دولة بعينها وإنما تشمل الجميع .  وهو ما يستوجب أن يكون لدى المنظومة الخليجية قراءة مستقبلية لاحتمالات تتطلب بلورة خطط للتعامل مع تداعياتها بعيدًا عن أية أخطاء في الحسابات ، ولحين التحول إلى هذا الاتحاد ، يجدر الإسراع بما يلي:

-       بلورة مفهوم استراتيجي خليجي يحدد طبيعة التحولات وتأثيرها على الأمن الوطني والإقليمي، بما يضمن الاتفاق على حد أدنى من مصادر التهديد المشتركة على الصعيدين الداخلي والخارجي .

-       إصدار القانون الخليجي الموحد لمكافحة التطرف والعنصرية والكراهية والتمييز وإشعال الفتنة الطائفية ، ونبذ التحريض على العنف وتشجيع الإرهاب .

-       الانتهاء من تشكيل القوة البحرية الخليجية المشتركة التي أقرتها قمة الدوحة عام 2014م .

-       تطوير برامج نووية مشتركة للأغراض السلمية، تطبيقًا لقرار قمة مجلس التعاون عام 2006م.

-       آلية لتنفيذ القرارات الصادرة عن اجتماعات دول المجلس بما في ذلك قرارات المجلس الاعلى.

ثانيًا-على المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

رغم التفاؤل الذي يسود على المستوى الاقتصادي للعام المقبل ، إلا أنه يظل مرهونًا باتخاذ خطوات جادة على طريق التكامل الاقتصادي استثمارًا لمزايا العمل ككتلة خليجية موحدة، ومن أبرزها:

1-    تسريع خطى تنويع الاقتصادات الخليجية للحفاظ على معدلات النمو المطلوبة ، ليس فقط لمواجهة الانخفاض في مستويات أسعار النفط ، وإنما لمواجهة الانخفاض بصفة عامة في الطلب على النفط والغاز. 

2-    استكمال منظومة النقل بالسكك الحديدية بين دول المجلس والتي تقدر تكلفتها بـ 250 مليار دولار.

3-    استكمال قيام الإتحاد الجمركي الخليجي الذي تأسس منذ 14 عامًا وتحديدًا في يناير 2003م.

4-    وضع الدليل الخليجي الموحد للمشروعات الخليجية المشتركة المرغوب قيامها من حيث الإنتاج، والتحديد الجغرافي للمناطق المسموح بإقامة استثمارات صناعية بها بكل دولة من دول المجلس، والإعلان عنها وتعميمها على المستثمرين الخليجيين.

5-    إصلاح أسوق العمل لزيادة نسبة العمالة الوطنية خاصة في القطاع الخاص، لتقليل الضغط الواقع على الاقتصادات الخليجية والحفاظ على الهوية الثقافية جراء الاعتماد على العمالة غير العربية.

6-    تخصيص نسبة من الصناديق السيادية بدول المجلس لمشروعات التنمية الصناعية وتشجيع الصناعات الخليجية التكاملية.

نهاية القول إنه رغم التحديات والأزمات التي عصفت بمجلس التعاون الخليجي على مدار ما يزيد عن ثلاثة عقود ، إلا أن هذا الكيان ظل صامدًا وراسخًا يقاوم تلك التحديات ويتعامل بحرفية مع كافة الأزمات، إدراكا بأن الوحدة والتكتل خيارًا ضروريًا للاستمرار في الوجود.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة