انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالعلاقات العربية - الصينية: رؤية مستقبلية

العلاقات العربية - الصينية: رؤية مستقبلية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 31 كانون1/ديسمبر 2018

توضح رحلات ابن بطوطة، في القرن الرابع عشر، ازدهار حركة السفر والتبادل الثقافي بين الجزيرة العربية والصين، التي تعود إلى أكثر من ألفي عام مضت، وما كان حديث "خذوا العلم ولو في الصين"، الأسبق في إشارته وحجيته، إلا تصديقًا ثاقبًا لهذه الحقيقة الثقافية الموضوعية. وبينما كان العرب ما قبل الإسلام يشاركون دائمًا في التجارة، ويتناقلون أوجه الثقافة، فإن ظهور الإسلام ودولته الجديدة، التي ولدت في القرن السابع الميلادي، أحدث تحولاً في معادلة العلاقات الدولية، بما فيها العلاقة بين العرب والصينيين. فقد هيمنت الدولة الجديدة على طرق التجارة القديمة والموانئ الممتدة من البحر الأحمر إلى جنوب الصين بما امتلكته من قوة كبيرة في الجزيرة العربية. وأثمرت فتوحاتها، بجانب الدعوة ونشر الدين، عن تنشيط الروابط التجارية الصينية ـ العربية في تبادل التوابل والحرير، وغيرها. ومن خلال قراءتنا لهذا التاريخ، نستطيع أن نستكشف خصوصية هذه العلاقة، التي ربطت بين العرب والصينيين، ونستشف الدوافع وراء إطلاق مبادرات بكين التجارية الجديدة، والتي قد تبدومدهشة دون معرفة خلفيات اطلاقها.

وعلى الرغم من تدفق التجارة والأشخاص بين الجزيرة العربية والصين، فقد الكثير من أهميته على مدى القرون الأربعة الماضية، إلا أن صعود الصين وارتفاع أسعار النفط يعيدان تنشيطهما بهدوء. وبذات هذا الهدوء " استعاد طريق الحرير القديم نشاطه وحيويته السابقة." وهذا ليس تقريرًا عامًا، وإنما كانت كلمات ون جيا باو، رئيس مجلس الدولة الصيني، في سبتمبر 2012م، خلال منتدى التنمية والتعاون الاقتصادي الصيني الأوراسي الثاني، الذي عُقِد َفي أورومتشي، عاصمة إقليم شينجيانج. وأشار إلى أن "طريق الحرير متعدد الأبعاد يتكون من الطرق والسكك الحديدية والرحلات الجوية والاتصالات، وخطوط أنابيب النفط والغاز." فإذا كان بلد كبير ومتنوع مثل الصين يستطيع أن يجعل مثل هذه الانجازات علامة للتقدم؛ من خلال تعبئة السلطة الكاملة للدولة، فإن الأمر سيصبح مجرد مسألة وقت قبل أن يطالب الناس في مكان آخر الشيء نفسه من قادتهم.

ويشاطره في هذا التفاؤل بن سيمبفيندورفر، عالم الاقتصاد الصيني، ومؤلف كتاب "طريق الحرير الجديد: كيف يتحول العالم العربي الصاعد بعيدًا عن الغرب ويعيد اكتشاف الصين"، بالقول "إن الروابط تزداد قوة، لكنها صعبة كما كانت من قبل".  ويشرح سيمبفندورفر في كتابه كيف أن تعطش الصين للنفط لا يؤدي فقط إلى ارتفاع سعر النفط الخام، ولكنه أيضًا يغري التجار العرب بالحضور إلى الصين للحصول على السلع الاستهلاكية. وقد كان التجار اليمنيون هم أول من وصلوا بأعداد كبيرة في عام 2004م، وتلاهم الفلسطينيون، ثم المصريون، وبعد ذلك السوريون. ويقول إن هؤلاء التجار هم أحد المحركات التي تُساعد في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي؛ بينما يتحول مركز الجاذبية بعيدًا عن الغرب نحو الشرق.

في السنوات الأخيرة، قللت أمريكا من استيراد النفط مع تزايد الإنتاج المحلي، في حين أن اعتماد الصين على الموردين العرب يتحرك في الاتجاه المعاكس. وتشهد علاقات الصين مع الشرق الأوسط تحسنًا مضطردًا، لأنه ليس لبكين نفس الحمولة السياسية السلبية، التي لا تزال تحملها واشنطن، وعواصم غربية تجاه قضايا العرب.

وينظر الكثيرون من العرب إلى "معجزة الصين" الاقتصادية على أنها بديل أكثر استقرارًا من نماذج النمو الأمريكية والأوروبية، خاصة في أعقاب الأزمة المالية العالمية، وقد أشار سيمبفندورفر أنه كان هناك وقت يبدو فيه أن دولاً عربية مهمة تتبع المسار الاقتصادي الصيني، ولكنها لم تتحرك بالسرعة الكافية، مما دعاه للتنبيه إلى تسريع عمليات الإصلاح، وإزالة الحواجز التجارية، والبحث عن طرق جديدة لتسريع الصناعات. ويعتقد أن التردد في إجراء تعديلات اقتصادية هيكلية كهذه، في بعض البلدان العربية، تتبدى في الخوف من مخاطر إضعاف المؤسسات والمصالح الراسخة، التي تمكن من الحفاظ على السلطة الحاكمة.

مسارات التاريخ:

يعود تاريخ العلاقات بين الصين والدول العربية إلى أقدم العصور، إذ ربطت طرق الحرير البرية والبحرية الجانبين منذ أكثر من ألفي عام. وعلى مدار هذا التاريخ، كان السلام، والتعاون، والانفتاح، والمنفعة المشتركة، والتعلم من بعضهما البعض، هو دائمًا الموضوع الرئيس للتبادلات بينهما. ولم تشهد العلاقات أية انقسامات بين الصين والعرب. ويمكن تتبع أقرب اتصال بين الصين والشرق الأوسط إلى عهد أسرة هان، قبل أكثر من 2000عام. ومنذ تأسيسها عام 1949م، واستقلال الدول العربية، دخلت العلاقات بين الجانبين مراحل جديدة للتعامل الودي. ولن تنسى حركات التحرر العربية دعم الصين القوي لها للحفاظ على سيادتها وحماية مصالحها، ومكافحة التدخل الخارجي، فيما منحت الدول العربية الصين دعمًا قويًا حول قضايا عديدة.

ومع حلول القرن الحادي والعشرين، شهدت العلاقات العربية ـ الصينية تحولات جيوسياسية وجيواستراتيجية بالغة الأهمية. فقد بدأت المرحلة الحاضرة من التبادلات رفيعة المستوى بين الجانبين مع زيارة الرئيس الصيني هو جين تاو، في الفترة من 26 يناير إلى 5 فبراير عام 2004م، إلى كل من مصر والجزائر وجامعة الدول العربية، كجزء من جولته الأوروبية -الإفريقية. ومعروف أن لكل من مصر والجزائر أهمية خاصة في تاريخ العلاقات الصينيةـ العربية، إذ كانت القاهرة أول عاصمة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين عام 1956م، وتبعتها غالب العواصم العربية منذ منتصف الخمسينيات. فيما كانت الجزائر واحدة من ثلاثة بلدان اقترحت إعادة عضوية الصين الدائمة في مجلس الأمن الدولي عام 1971م.

 

 

لقد جرى في تلك الزيارة اتخاذ خطوتين دبلوماسيتين كبيرتين، إلى جانب توقيع اتفاقيات ثنائية للتعاون الاقتصادي، أولاهما: تأسيس منتدى التعاون العربي الصيني، الذي وفر آلية للتعاون، وأصبح علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين الجانبين. والثانية، طرح الرئيس هو جين تاو أربعة مبادئ توجيهية لتطوير نوع جديد من الشراكة بين الصين والدول العربية، ترتكز على تعزيز العلاقات السياسية على أساس الاحترام المتبادل، وتوثيق الروابط التجارية والاقتصادية، وتوسيع التبادلات الثقافية، وتعزيز التعاون في الشؤون الدولية، بهدف صون السلام العالمي، وتعزيز التنمية المشتركة. ففي حفل افتتاح منتدى التعاون العربي الصيني السادس، في يونيو 2014م، أعرب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن أن الصين والدول العربية يتمتعون بالتفاهم والصداقة المتبادلين منذ طريق الحرير الأصلي، وهما شركاء طبيعيون في بناء طريق الحرير الجديد، الذي بات يُعرف بمبادرة "الحزام والطريق"، أو "حزام واحد وطريق واحد"، بجهد مشترك. وقد اقترح أن يلتزم الجانبان العربي والصيني بمبدأ المناقشة، والبناء، والتعاون، لتأسيس مجتمع من المصالح المشتركة والمصير الواحد.

وتأكيدًا لهذا التوجه، كانت أول زيارة للرئيس الصيني للخارج، عام 2016م، إلى السعودية ومصر وإيران، مما يدل على أن الصين معنية بتفعيل دبلوماسية الجوار، الذي يشمل الشرق الأوسط. إذ فكرت في وضع استراتيجية "حزام واحد وطريق واحد" وأصدرت "ورقة سياسية عربية" قبل الزيارة مباشرة. ولم يمض وقت طويل، أي بداية عام 2017م، إلا وقام العاهل السعودي الملك سلمان بزيارة دولة الصين، تلبية لدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، التي اعتبرت الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية في جولته الآسيوية، التي استغرقت شهرًا كاملاً، حيث عززت فيها الرياض جهودها لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط، وتوسيع نطاق العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، خاصة في مجال الدفاع والأمن.

ومثلت الجولة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية الدولية للرئيس شي جين بينغ، ما بين 19 إلى 28 يوليو 2018م، إلى الإمارات ، وعدة دول إفريقية أخرى؛ مثل، جمهورية جنوب إفريقيا، رواندا، السنغال، وموريشيوس، حدثًا بالغ الأهمية وغير مسبوق، وحمل في ثناياه معاني كثيرة في توقيته، لكونه جاء بعد إعادة انتخابه رئيسًا للدولة الصينية، وفي ضوء مقرّرات الحزب الشيوعي الصيني بمزيدٍ من الانفتاح على العالم، وتفعيل أوسع وأشمل لمعادلات الصين الإنسانية في التجارة والاقتصاد الدوليين وفي التبادلات الثقافية المربحة للجميع، ولتيسير سُبل مبادرة "الحزام والطريق" إلى قارتي آسيا وإفريقيا، مَهد الثقافات والميراث المشترك في الحضارة البشرية الواحدة.

وبقراءة سريعة لزيارة الرئيس بينغ إلى الدول المَعنية، نرى بأنها تستهدف البناء على ما تم سابقًا، بالنسبة لدولة الإمارات، والتعزيز الأمثل للتعاون الصيني معها، من خلال المشاركة والتساوي. أما بالنسبة للدول الإفريقية، فإنه يهدف إلى رفع القدرات الاقتصادية لهذه الدول، أو لتوظيف رؤوس الأموال الصينية في مشاريع ذات فوائد مُحدّدة وملموسة، تدر عوائد على الجانبين الصيني والإفريقي، بغض النظر عن القدرة المالية لتلك البلدان، أو مساهماتها في الاقتصاد والتجارة الدوليتين، وهو ما يَعني أن الصين تُولي أهمية كبيرة للشرق الأوسط وإفريقيا، وتضعهما في مكانة متساوية، انطلاقًا من سياستها ونهجها في علاقات تعاون، تستند إلى الشرعية الدولية، بغض النظر عن أوضاع تلك الدول الاقتصادية، أو روابطها السياسية وتحالفاتها الاستراتيجية القديمة.

طاقة الاقتصاد:

إن جوهر العلاقات الاقتصادية بين الجانبين كان، وسيظل، تعزيز التعاون في مجال الطاقة. فالحاجة المتزايدة للصين على موارد الطاقة وحاجة الدول العربية للحصول على دخل مستقر من الطاقة، وتأمين إمكانيات استثمارية جديدة. لقد جعل اكتشاف حقل داتشينغ للنفط في عام 1959م، وبداية الإنتاج في عام 1963م، الصين واثقة من الاكتفاء الذاتي من النفط، إلا أن النمو الاقتصادي السريع والمستدام، في ربع القرن الماضي، حول الصين من دولة مصدرة رئيسة للنفط إلى مستورد في عام 1993م، واستمر عجزها في الطاقة يتزايد بصورة مضطردة. وهناك تنبؤات مختلفة حول استمرار هذا العجز في المستقبل. ووفقًا لهو جين تاو جيان يى، الخبير الصينى البارز في هذا المجال، فإن الجزء الهام من حاجة الصين المتزايدة للنفط سيأتي من قطاعي النقل والبتروكيماويات، وسيبقى النمو السنوي للطلب الصيني على الطاقة بمعدل حوالي 5 إلى 6 بالمئة حتى عام 2020م. ويقول أيضًا إن النفط المحلي الصيني سيزداد بنسبة 1. 6-1. 8 في المائة سنويًا، على المدى الطويل. ولذلك، فإن واردات الصين من النفط ستصل إلى 250 مليون طن، أي ما يُعادِل 825 مليون برميل، عام 2020م، وسوف ترتفع نسبة الواردات النفطية من 38 % في الوقت الحالي إلى 50-60 % عام 2020م. فقد ولت أيام الاكتفاء الذاتي من الطاقة إلى الأبد، ما لم تعثر الصين على طاقة بديلة.

تمتلك دول الشرق الأوسط حوالي ثلثي احتياطي النفط المؤكد في العالم، ولها البنية التحتية، التي لا تضاهى في نقل النفط وتكريره. وأن مستوردي النفط الرئيسيين، بما فيهم أمريكا والاتحاد الأوربي واليابان، لم يتمكنوا من تقليل اعتمادهم على نفط الشرق الأوسط، وقطعًا لن تكون الصين استثناء. والأكثر من ذلك، فإن دول الخليج العربية، باعتبارها تتمتع بصداقة تقليدية مع الصين، لها أهمية خاصة بالنسبة للسعي الصيني لأمن الطاقة. ومنذ عام 1993م، ظلت الواردات النفطية من الخليج تمثل نسبة اقتربت من 40 % من إجمالي واردات الصين. وقد ارتفعت إلى أكثر من 50 % عام 1996م، ثم زادت إلى 61 % عام 1998م، لتظل قريبة من هذه النسبة؛ ارتفاعًا وهبوطًا، إلى يومنا هذا.

إن التصدير المستقر للنفط، وبسعر معقول، هو الأمن، الذي يسعى إليه المنتجون والمصدرون. وبالتالي، فإن نمو الطلب على النفط في الصين هو أخبار جيدة لمنتجي النفط العرب، كما ثبت في السنوات القليلة الماضية. وعادة ما ينتعش سوق النفط بعد كل انهيار للأسعار في السوق العالمي، ويعزى إلى حد ما إلى تزايد الطلب على النفط في آسيا، وخاصة الصين، التي سبق أن ساهمت بنسبة 56 و30 % على التوالي للطلب العالمي المتزايد 1999-2003م، وذلك بعد الهبوط الكبير لأسعار النفط عام 1998م، من الجائز الاعتقاد بأن واردات الصين من منتجي النفط العرب ستكون عامل استقرار لدخلهم من هذه السلعة الاستراتيجية الهامة. والأكثر من ذلك، أن التوسع في مرافق الطاقة والبنية التحتية في مجرى النهر والمصب في كل من الصين وبين منتجي النفط العرب يظل فرصة عمل هائلة للجانبين.

إلى جانب زيادة واردات الصين من الطاقة من الدول العربية، ازداد التعاون الثنائي في قطاع الطاقة الأخرى في العقد الأخير من القرن الماضي. ففي منتصف 1990، بدأت شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) الاستثمار في السودان. وفي ذلك الوقت، أنجزت منشآت نفطية بطاقة تبلغ 14 مليون طن، وهو مثال جيد لاستراتيجية الصين لتطوير الطاقة في الخارج. وفي عام 1997م، وقعت CNPC اتفاقيات تعاون مع العراق حول تطوير حقلين نفطيين عراقيين. وقد توقف هذا مؤقتًا بسبب حرب العراق، وعاد التعاون مرة أخرى مع حالة الاستقرار النسبي. وشهدت الفترة ذاتها تعاونًا بين شركة الصين للبترول والكيماويات (SINOPEC)، وهي شركة صينية رئيسة أخرى في مجال الطاقة، مع شركة أرامكو السعودية في قطاع الغاز في الجزء الجنوبي من السعودية.

الانخراط السياسي:

إذا جاز لنا السؤال عما يمثله الشرق الأوسط في سياسة الصين الخارجية؟ فإن الإجابة تقول؛ إنه، بالإضافة إلى الحوافز القديمة، التي تدعم العلاقات الصينية العربية، مثل وقوف الصين مع القضايا العربية، وموقفها من عملية السلام، والدعم العربي لتوحيد الصين، فإن التقارب الصيني العربي الأخير هو أيضًا محفز سياسي هام؛ من خلال عناصر جديدة ضمن التحول الحادث في السياق الإقليمي والعالمي. ولطالما كان تحسين العلاقات مع الدول العربية، وتعزيز التعاون الاقتصادي معها، يحتل موقعًا مهمًا في استراتيجية الصين الخارجية، فإن هناك أسباب عدة لإعادة تقييم الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة للصين. ومع بداية القرن الحادي والعشرين، واقتراب الاقتصاد الصيني بشكل لا يمكن تجنبه إلى العالم بأسره، تعود الأهمية السياسية والاستراتيجية لدول الشرق الأوسط، التي تربطها بالصين روابط تاريخية وثقافية ودينية واقتصادية، خاصة موارد النفط المتوفرة في المنطقة. ولذلك، يجب أن يتم التعاون السياسي والاقتصادي بين الصين والدول العربية دون تأخير، خاصة بعد أن أصبحت مزايا هذه الدول واضحة.

إن انفتاح الصين، الذي نادت به استراتيجية الحزب الشيوعي الصيني، يعني بتركيز خاص الانفتاح على الغرب، لأن توافر الأموال والتكنولوجيا والخبرة في السوق والإدارة في الدول الغربية سيؤثر بشكل كبير على نجاح، أو فشل تحديث الصين. في مواجهة هذا الوضع، تحتاج الصين إلى إعادة تقييم البيئة الدولية وإعادة النظر في سياستها الخارجية، بما في ذلك استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط. وبالنظر إلى وضع الشرق الأوسط في الاستراتيجية العالمية للدول الغربية، وإمكانات الدول العربية الكبيرة للتعاون مع الصين في مجالات الطاقة والتجارة والمال والاستثمار، فإن سياسة صينية أكثر نشاطًا وفاعلية في قضايا المنطقة ستعمل بالتأكيد على توسيع التعاون مع الدول العربية، وتحسين فرص الأمن الاقتصادي والسياسي للصين.

ويؤشر مستوى الانخراط الصيني النشط، في الأعوام القليلة الماضية، في القضايا العربية على درجة انبعاث السياسة الخارجية الصينية، ولكن في سياق إقليمي وعالمي جديد. فهناك، بالإضافة إلى العوامل التقليدية، اتجاهات جديدة تدعم العلاقات العربية الصينية. إذ أنه تحت ضغط الاضطرابات السياسية المعقدة، يتوقع العالم العربي أن تلعب الصين، الصديقة التقليدية، دورًا مساعدًا على حل الأزمات. فبينما تسعى الصين لتحقيق التنمية السلمية، تحتاج هي الأخرى إلى دعم العالم العربي في المجتمع الدولي. وبالقطع، يريد الجانبان تعزيز تنميتهما الاقتصادية من خلال علاقات استراتيجية أوثق، حيث يكون التعاون السياسي في مقدمتها.

ونلحظ الآن أنه على عكس الأسس الأيديولوجية، التي شكلت العلاقات السياسية العربية الصينية خلال حقبة الحرب الباردة، فإن ركائز العلاقة هذه المرة أقوى وأبعد مدى. وربما تكون الروابط الاقتصادية أكثر أهمية من الاعتبارات الأيديولوجية بالنسبة للصين في الوقت الحاضر، إلا أنه إذا أُرِيد للعملاق الآسيوي أن يلعب دورًا حيويًا في المنطقة، فإن الجوانب السياسية لا بد أن يكون لها حظها المتقدم في تشكيل مستقبل العلاقات العربية الصينية. لذلك، لا يتعلق الأمر بما إذا كانت الصين ستكون شريكاً تجاريًا مهمًا أم لا، وإنما ستتعزز أهمية هذه الشراكة بالدور السياسي، الذي ستلعبه في قضايا المنطقة. وقد تجلى هذا الاتجاه بالفعل في التحركات الصينية المتئدة في العقدين الأخيرين في الشرق الأوسط، أي بعد سنوات طوال من فك الارتباط النسبي، الذي حاولت الصين خلاله تجنب التدخل الواضح في حل مشكلات محددة، باستثناء بعض الإدانات والتصريحات.

إن التحول المشهود يتمثل في تعيينها، في سبتمبر 2002م، للسيد وانغ شيجي، وهو دبلوماسي مخضرم وسفير صيني سابق في البحرين والأردن وإيران، كأول مبعوث لها في الشرق الأوسط. وفي 5 نوفمبر 2002م، بدأ السفير وانغ أول وساطة له في الشرق الأوسط. ومنذ ذلك الحين، زار وانغ العديد من دول الشرق الأوسط المشاركة في عملية السلام، بما في ذلك مصر والأردن وسوريا وفلسطين وإسرائيل. وخلال زيارته المتعددة للشرق الأوسط، أوضح الموقف الصيني بشأن مشاكل الشرق الأوسط، وحاول إقناع الأطراف المعنية بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وأظهر استعداد الصين لتقديم المزيد من المساهمات للسلام في المنطقة.

وتعلقت الخطوة الهامة الأخرى، التي اتخذتها الصين، بالشأن العراقي، إذ رغم المشاركة المحدودة لها قبل حرب العراق واثنائها، عندما نوقش مشروع القرار بشأن نقل السيادة العراقية في مجلس الأمن الدولي في مايو 2004م، فقد رفعت الصين اقتراحها، الذي يركز على السلطة الحقيقية للحكومة العراقية المؤقتة وتاريخ الانسحاب العسكري الأمريكي. وقد عكس القرار النهائي (1546) رأي الصين في هذه القضية، الذي نال دعمًا من روسيا وفرنسا وألمانيا. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن دور الصين في شؤون الشرق الأوسط لا يزال محدودًا، إلا أنه لا يمكن الاستهانة بإمكانياتها. على عكس واشنطن، التي أثارت سياستها في الشرق الأوسط شكًا واسع الانتشار في العالم العربي، خاصة بعد حرب العراق، تتمتع الصين بصور جيدة في جميع الدول العربية تقريبًا. لذا، فمن المنطقي أن تتوقع الدول العربية والمجتمع الدولي دورًا أكبر للصين في الشرق الأوسط.

بيد أنه، مع العلم بأن الصين تدعم عادة المطالب العربية، إلا أنه من غير المحتمل أن تواجه بكين الولايات المتحدة مباشرة فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط الرئيسة. بالمقارنة مع فرنسا وألمانيا، الحلفاء الأمريكيين التقليديين، كان موقف الصين من حرب العراق بقيادة أمريكا أكثر اعتدالاً، حتى أكثر من موقف الصين في حرب الخليج عام 1991م. ويُشير تصويت الصين في مجلس الأمن إلى هذه الحقيقة، إذ امتنعت عن القرارين الراميين لفرض عقوبات على السودان فيما يتعلق بأزمة دارفور في 30 يوليو و18 سبتمبر 2004م، وقرار واحد يطالب بسحب سوريا من لبنان في 2 سبتمبر من العام نفسه. رغم أنها أدهشت العالم باستخدام حق النقض "الفيتو"، يوم الثلاثاء 28 فبراير 2017م، ضد مشروع قرار لفرض عقوبات على دمشق، في ثنائية نادرة مع روسيا، التي استخدمت هي الأخرى ذات الحق، وضد نفس القرار، في مجلس الأمن.

إن التغييرات الأخيرة في المنطقة، وما تهجس به الأوساط الإعلامية والسياسية فيما صار يُعرف بـ"صفقة القرن"، توفر فرصة جيدة للصين للمشاركة في شؤون الشرق الأوسط بموقف أكثر تقدمًا وتشابكًا. في الوقت نفسه، يتطلب النمو السريع للاقتصاد الصيني أن تضع بكين بموضوعية استراتيجية تطلعية نحو الشرق الأوسط. إن الهدف من هذه الاستراتيجية ينبغي أن يكون واضحًا للغاية، ويتمثل في؛ تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين الصين والدول العربية، وتحسين البيئة الدولية للجانبين، والمساعدة مع المجتمع الدولي في تطوير الاستقرار والسلام والأمن في المنطقة. وينسحب هذا الأمر بصفة خاصة على دول الخليج العربية، لأنه لا شك أن استقرارها يتفق مع مصالح الصين وكل الدول الأخرى. ولكن لن يتحقق هذا الاستقرار في منطقة الخليج ككل إلا إذا وجدت مصالحة كاملة، وتم بناء هيكل أمني مقبول من جميع الأطراف.

توقعات المستقبل:

على الرغم من أن كيفية تحديد موقف العلاقات العربية الصينية، وموقعها في المجتمع الدولي، هو قيد النقاش في الأوساط الأكاديمية العربية والصينية، فإن "التنمية السلمية" تبدو محل اتفاق بين الجانبين. وبينما يصارع العرب أحوال الاستقرار؛ بلوغاً لهذه التنمية المتوخاة، تلج إليها الصين بشكل تدريجي، ويجري تداول ميزاتها على نطاق واسع بين كبار صانعي السياسات والعلماء. إذ إنه مع النمو الاقتصادي السريع في السنوات الأخيرة، وزيادة القوة الوطنية الشاملة للصين، ظهرت بعض المخاوف في المنطقة العربية من احتمالات التحول في اتجاهات السياسة الخارجية الصينية. إذ توجد فكرة "تهديد الصين"، بدرجات متفاوتة، في الدول العربية، كما هو الحال الولايات المتحدة، وروسيا، واليابان، وحتى في بعض دول جنوب شرق آسيا، التي تربطها بالصين علاقات أكثر كثافة.

أما إذا تركنا هذه المخاوف جانبًا، وباعتبار أن العرب هم شركاء الصين التاريخيين في التجارة وسائر الشؤون الدولية، فإن المستقبل ينبئنا بأن العالم العربي، ودول الخليج خاصة، ستكون هي المستفيد الأول من "التنمية السلمية" للجانبين. ومع ذلك، ولتنفيذ استراتيجية مشتركة لهذه "التنمية السلمية"، يحتاج العرب إلى دعم الصين في قضاياهم العادلة، وتحتاج الصين أيضًا إلى دعم العالم العربي في كل من الشرق الأوسط وإفريقيا، وعلى المستويات العالمية. إن الصين، كقوة اقتصادية، تبذل جهودًا لتعزيز وضعها السياسي الدولي، مما يجعلها بحاجة ماسة إلى اعتراف الدول العربية بدورها في الشؤون العربية أولاً، ومن ثم مؤازرتها للعب أدوار إقليمية وعالمية فاعلة ومؤثرة.

إن أهمية العلاقات السياسية في ازدياد، غير أن علاقات الصين مع الدول العربية، في العقد المقبل، ستركز بشكل أساسي على استمرارية التعاون الاقتصادي. بالنسبة للصين، سيكون من الصعب عليها الانخراط السياسي الكامل، أو تحويل التبادلات الثقافية، التي لديها فيها إمكانات كبيرة، إلى التأثير العملي في المنطقة. فمن ناحية، ترغب الصين في لعب دور أكثر أهمية في القضايا الأمنية في الشرق الأوسط، لإظهار مسؤولياتها وقدراتها كقوة صاعدة. من ناحية أخرى، تأمل الصين أيضًا في الحصول على أرباح اقتصادية وثقافية من تفاعلاتها مع العالم العربي. ورغم أن الصين انتهت من سياسة عدم التدخل، إلا أنه سيظل من غير المناسب بالنسبة لها أن تستفيد من التحريض على الصراعات، كما فعلت القوى الأوروبية تاريخيًا، وما تزال تفعل حتى اليوم، لأن القيام بذلك سيضر بمصالحها الوطنية الاقتصادية.

وعلى نحو مشابه، فإن تشجيع أحد الأطراف ضد الآخر، وهو ما تفضله الولايات المتحدة وروسيا، ليس مقاربة مجدية، لأن الجانب المظلوم؛ إما الحكومة أو المعارضة، قد يتبنى إجراءات انتقامية تعرض الصين لأضرار اقتصادية، أو حتى لهجمات إرهابية. فالصين ليست طرفًا في النزاعات في الشرق الأوسط، أو مسؤولة عن هذه الصراعات، ولا هي دولة مجاورة مباشرة لدول المنطقة، لكن مهمتها الحاسمة هي تطوير اقتصادها ومجتمعها المحلي. وبالتالي، فمن غير المتوقع أن تضطلع الصين بمسؤوليات والتزامات سياسية دولية كثيرة قد تعطل من تقدمها الخاص. ففي الواقع، سيتركز اهتمام الصين بالشرق الأوسط في العقد القادم بشكل رئيس على الاقتصاد والثقافة، وستتوجه أنشطة دبلوماسيتها إلى هذين المجالين. وعليه، ستمنح المسؤولية الدولية مكانًا ثانويًا، الذي سيجري تحقيقه من خلال المتابعة الصورية لقضايا المنطقة، وكأنها حارس سلام إيجابي.

 

الخاتمة:

تاريخيًا، كان دور الحوافز الاقتصادية هامشيًا في العلاقات الصينية ـ العربية، غير أنه تزايد في العقود الأخيرة من القرن العشرين. ومع ذلك، فإن الرغبة في توثيق العلاقات الاقتصادية بين الجانبين لها أهمية متساوية في الوقت الحالي في تعزيز العلاقات الصينية العربية، كما يتوقع أن يكون لها وضع أفضل مستقبلاً. إذ ستقوم الدول العربية والصين ببذل جهود مشتركة لتعزيز مبادرة "الحزام والطريق"، التي جاء تصميمها كإطار دبلوماسي واقتصادي، تقوم على مبدأ التشاور الواسع، والمساهمة المشتركة، والمنفعة المتبادلة. كما سيجري تحديث التعاون العملي في مجال الطاقة؛ كإنشاء البنية التحتية الأساسية، وتيسير التجارة والاستثمار كجناحين مهمين لهذا التعاون، وتبادل التقنيات العالية والجديدة في مجالات الطاقة النووية، والطاقة المتجددة، وتقنيات الأقمار الصناعية الفضائية.

لقد غدت الصين الآن جزءًا من الوضع الجيوسياسي المعقد في الشرق الأوسط، ومع اعتمادها المتزايد على النفط، فإن الانسحاب من المنطقة حتى عن طواعية سيكون مهمة شاقة. وبما أنه من الصعب على الصين العودة عن سياستها القديمة، المتمثلة في عدم التدخل واحترام سيادة الدولة، فسوف تواجه ضغوطًا متزايدة للاضطلاع بدور أكثر فعالية في مستقبل المنطقة. كما أنها ستتعرض لضغوط قوية لتأمين مصالحها الاقتصادية مع الدول العربية، دون التراجع عن رغبتها في المشاركة السياسية الآمنة. الأمر الذي يتطلب أن تلتفت دبلوماسيتها إلى دعم العرب في القضايا الملحة، وإن أدى ذلك للإخلال ببعض محددات مواقفها المعلنة من عدم الانحياز وعدم التدخل.

إن إغراء إمكانيات دول الخليج العربية كبيرة جدًا، ولكن يتعين على الصين، إن هي أرادت حصادًا أمثل منها، إنتاج صيغ استراتيجيات دبلوماسية تفضيلية لها، مقابل توجه عادل نحو بقية الدول العربية. وبينما تحافظ الصين دائمًا على علاقات دبلوماسية مع كل دول الشرق الأوسط، إلا أنها تحتاج مستقبلاً إلى إيلاء مزيد من الاهتمام لعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الجانب العربي، الذي يمثل الأغلبية. وهذا يثير تساؤلات حول الكيفية، التي ستسعى بها الصين إلى التغلب على العلاقات المعقدة، وفي بعض الأحيان المربكة، نسبة للصراعات السياسية والاجتماعية والعرقية والدينية، التي ظلت سمة بارزة في هذه المنطقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*دبلوماسي وسفير سوداني ومفكر عربي

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة