انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتوقفة الأمن الإقليمي العربي: الواقع والشعارات

الأمن الإقليمي العربي: الواقع والشعارات

انشأ بتاريخ: الخميس، 28 آذار/مارس 2019

الأمن الإقليمي العربي يعاني من نقاط ضعف قديمة وتراكمية، يتطلب تجاوزها خطوات كثيرة تبدو صعبة نظرًا لاختلاف مفهوم الأمن الجماعي وعدم تعريف مخاطر ومهددات الأمن الإقليمي، ما ترتب عليه عدم ترتيب أولويات الأمن الإقليمي والاصطفاف لتحقيق متطلباته.

الأمن الإقليمي له عدة دوائر، فمنطقة الشرق الأوسط في دائرتها الواسعة تضم عدة دوائر منها العربية، ثم الدائرة الإقليمية الأوسع والتي تضم دول الجوار الإقليمي ولعل من أبرز مكونات هذه الدائرة حسب تأثيرها المباشر على الأمن القومي العربي هي: إيران وتركيا وإسرائيل، وهذه الدول هي في الواقع ثلاث قوميات متصارعة ولها أجندات مختلفة لكن تتفق على أهداف متقاربة أو متطابقة تجاه المنطقة العربية وإن اختلفت وسائل وأدوات وشعارات تحقيقها، وهي في مجملها السيطرة عبر مد نفوذها إلى المنطقة العربية ذات الموقع والإمكانيات.

هذه القوميات الثلاث هي القومية الفارسية، والتركية، والصهيونية، وجميعها ألبست مشاريعها القومية عباءات غير قومية لاختطاف الشعوب العربية من بين أحضان عروبتها دون الشعور بالاختطاف. فإيران ألبست مشروعها القومي الفارسي عباءة الإسلام الشيعي واتخذت من نصرة المظلومين والعداء لإسرائيل وأمريكا شعارًا، أو ما تطلق عليه تصدير الثورة الإسلامية إلى العالم الإسلامي، وهو في الحقيقة تصدير مشروعها الفارسي.

تركيا، ألبست مشروعها القومي التركي لباسًا أسمته الإسلام السني الوسطي وحشدت له جماعات الإسلام السياسي الطامحة للحكم في بلادها وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي تسعى إلى الحكم بالقوة، أو عبر الاستقواء بتركيا وغيرها.

إسرائيل، لديها مشروع قديم وتمضي بثبات إلى تنفيذه بكل الوسائل وهو التوسع في احتلال الأراضي العربية وفقًا لمشروع تيودور هرتزل في القرن التاسع عشر ذلك العنصري الذي أوصى بنقل رفاته إلى فلسطين عندما يتمكن اليهود من إقامة دولتهم فوق أرضها.

في المقابل غاب المشروع العربي للحفاظ على الأمن الإقليمي في المنطقة العربية أمام المشروعات المضادة، وتراوح الأمن القومي بين الشعارات والأيديولوجيات، دون وجود مشروع عربي للأمن قائم على مصالح وأمن شعوب المنطقة. مشروع القومية العربية الذي ظهر مع مطلع النصف الثاني من القرن العشرين بعد نشوب ثورات التحرر الوطني من الاستعمار الأوروبي، جاء مشروعًا أيديولوجيًا خطابيًا غير واقعي، بل كان تأثيره على المنطقة عكس شعاره فكان سببًا في تقسيم المنطقة وتمزيق أمنها، وكان هذا المشروع قائمًا على شطحات شخصية لزعامات، وكأنه اقتباسًا لنظرية المشروع الذي تبناه محمد علي في بدايات القرن التاسع عشر، ذلك المشروع الذي انطلق من النزعة الشخصية والطموح الذاتي لا مصلحة الشعوب، وربما كان مشروع محمد علي هو ملهم المشاريع التي جاءت في القرن العشرين ولم يستوعب الزعماء الجدد تجربة محمد علي باشا، وتلافي أخطائها.

والمتتبع للمشروع القومي العربي لا يجد فلسفة واضحة لهذا المشروع وجميعها ارتبطت بأشخاص لا بمشاريع وجميعها انتهى برحيل الأشخاص، فالمشروع القومي الناصري توقف بعد رحيل جمال عبد الناصر مباشرة، حيث أنهى سلفه الرئيس أنور السادات المشروع القومي الناصري في 15 مايو 1971م، تحت شعار ثورة التصحيح وقام باعتقال رمز العهد الناصري لإنهاء ما أسماه "مراكز القوى"، في حين لم تكن أشهر معدودة مرت على رحيل عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970م، وفي ليبيا بدد معمر القذافي مقدرات بلاده على دعم جماعات انقلابية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية باسم دعم حركات التحرر دون أن يدعم محيطه العربي.

في العراق وسوريا كان حزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه يحكم تحت شعار" أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" وانتهت الأمة العربية الواحدة تحت أقدام الجيش العراقي في الكويت العربية الصغيرة في الثاني من أغسطس 1990م، وانقسم العرب أمام هذا الاحتلال وحدث شرخ عميق مازال وسوف يظل ممتد التأثير إلى مدى لا يعلمه إلا الله، وقبل ذلك كانت قد دخلت لبنان تحت السيطرة السورية الكاملة تحت أقدام الجيش السوري البعثي في مرحلة حالكة السواد من تاريخ لبنان.

هذه المشروعات العربية القومية ذهبت مع الريح وأخذت معها قوة العرب ووحدتهم، وتركت القوميات الأخرى تنمو على الحدود وتخترق الأمن القومي بصورة واضحة وجلية بعد أحداث ما يسمى بثورات الربيع العربي، بعد أن كانت مستترة قبل هذه الأحداث.

يتبقى، إذا كان هناك أملاً ورغبة في الحفاظ على الأمن الإقليمي العربي، فالأمر يتطلب نظامًا عربيًا جماعيًا جديدًا ينطلق من تغيير ميثاق جامعة الدول العربية، ووضع مشروع عربي يقوم على المصالح والتنسيق الأمني والدفاعي، وتحديد مفهوم الأمن الإقليمي العربي وتحديد أولوياته.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة