انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالاستراتيجية الأمريكية الجديدة: السيطرة على سوق الطاقة الدولية

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة: السيطرة على سوق الطاقة الدولية

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 14 أيار 2019

تتجه سياسة الطاقة الأمريكية إلى خفض اعتمادها على واردات النفط والغاز الخليجي، والتحول نحو الاكتفاء الذاتي من الطاقة من خلال زيادة استخدام المصادر غير التقليدية من النفط الصخري. ولذلك، فإن الأسئلة الرئيسية المثارة في هذا المقال هي: كيف يكون استغلال مصادر الطاقة غير التقليدية (النفط الصخري) فعالاً في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة للولايات المتحدة، وما هو تأثير ذلك على وضع الخليج في استراتيجية الولايات المتحدة الخاصة بأمن الطاقة؟ تطرح هذه المقالة فرضية أن زيادة استخدام مصادر الطاقة غير التقليدية يُعد فعالًا في تقليل اعتماد أمريكا على النفط الخليجي، وقد يخلق منها منافسًا لمنتجي الطاقة التقليديين في المستقبل. ولقد أدى الإنتاج المحلي المتزايد للنفط والغاز بالولايات المتحدة، بفضل مصادرها غير التقليدية من الطاقة، إلى تصدير فائض تلك المنتجات إلى أجزاء أخرى من العالم. ووفقًا لبعض المحللين، فإن هذا الأمر قد يُحدث تحولاً رئيسيًا في جغرافية الطاقة الدولية في المستقبل. فمن ناحية، قدمت مسألة إدخال طاقة غير تقليدية إلى السوق، حلاً لمشكلة تركز الطاقة في منطقة بعينها، ومن ناحية أخرى، شكل هذا تحديًا لنظرية "نهاية النفط". وفيما يتعلق بالحد من الاعتماد على الطاقة المستوردة، ذكرت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2015م، تحديدًا: "لقد تغير سوق الطاقة بشكل ملحوظ، حيث أصبحت الولايات المتحدة الآن أكبر منتجي الغاز والنفط في العالم. ووصل اعتمادنا على النفط الأجنبي إلى أدنى مستوى له في آخر عشرين عامًا، وما زال في مرحلة الهبوط. وعلاوة على ذلك، ستستخدم الدول النامية طاقة أكبر من الدول المتقدمة، ومن شأن ذلك أن يغير تدفق الطاقة وكذلك علاقات المستهلكين.

سياسات ترامب بشأن الطاقة والعقوبات

تخطط الولايات المتحدة لتصبح إحدى القوى العظمى في مجال الطاقة قريبًا، وتتطلع لزيادة حصتها في سوق الطاقة الدولي. ولذلك، لا تهتم الولايات المتحدة بالتواجد الصيني في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يُعتبر الشرق الأوسط ومجلس التعاون الخليجي أحد المناطق التي تُثير اهتمام الساسة الصينيين، فالصين تستورد حصة كبيرة من النفط من الشرق الأوسط. وقد عملت الصين على مشروعات رئيسية مثل: "الحزام والطريق"، بالإضافة إلى طريق الحرير البحري، من أجل تعزيز دورها، لأن تشغيل هذه المشروعات سيعمل على تعزيز الدور الصيني في المعادلات الإقليمية والدولية. ويعتبر مشروع طريق الحرير الجديد خطة للاستثمار في البنية التحتية لأكثر من 60 دولة، وإنشاء مسارين تجاريين-طريق الحرير البري (الحزام) والبحري (الطريق) -والذي قدمته الصين عام 2013م، غير أن الولايات المتحدة ستتمكن من إحداث أثر سلبي على نمو الاقتصاد الصيني، من خلال التحكم في مسارات عبور الطاقة التي تستورد الصين من خلالها النفط والغاز. وتهتم الولايات المتحدة بزيادة حصتها في أسواق الطاقة في الصين والهند، باعتبارهما أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، لهذا ستكون الولايات المتحدة في منافسة مع دول مجلس التعاون الخليجي، أو غيرهم من الموردين للهند والصين.

وتلعب الطاقة دائمًا دورًا هامًا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فمن خلال تبني سياسة أمن الطاقة في الداخل، وفي نصف الكرة الأمريكي، تستطيع إدارة ترامب زيادة الفرص لصالحها في الخارج. ولعل أحد أهداف إدارة ترامب من العقوبات المجددة ضد قطاع الطاقة الإيراني هو خلق فرصة لمساعدة صناعة الطاقة الأمريكية عبر فرض السياسة المناسبة. ولذلك، قد يكون العثور على سوق جديد للغاز الطبيعي المسال والنفط الأمريكي أحد فوائد العقوبات الأمريكية ضد إيران. كما يقدم الغاز الصخري فرصة للولايات المتحدة لتكون رائدة في مجال تصدير الغاز المكثف حول العالم. وخلال عام 2018م، قامت أمريكا بتصدير 3 مليون برميل من الهيدروكربون السائل بشكل يومي. وتستورد كوريا الجنوبية، باعتبارها أحد مشتري النفط الإيراني، نحو 70% من النفط الإيراني بشكله المكثف، ووفقًا لوزارة النفط الإيرانية، فإن إيران تورد نحو 50% من المكثفات التي تحتاجها كوريا الجنوبية. وخلال إدارة أوباما، لم يكن بوسع الولايات المتحدة تصدير مثل هذه الكمية من السائل المكثف، ولكنها استطاعت الآن أن تصبح موردًا للسائل المكثف إلى كوريا الجنوبية. ومن المقرر في الوقت الحالي أن يزدهر الصخر الزيتي الأمريكي، وقد تستطيع الولايات المتحدة تصدير المكثفات إلى كوريا الجنوبية، وتقليل اعتماد كوريا الجنوبية على المكثفات القادمة من إيران.

ووفقًا لجوزيف ناي، تبين التقديرات أنه في حال تراجع أسعار النفط، وتبني سياسات الانكماش بواسطة أبرز مصدري النفط مثل: السعودية، كما حدث عام 2014م، سيواجه إنتاج الصخر الزيتي تحديًا هائلاً على المدى الطويل، رغم عدم وجود هذا التحدي على المدى القصير إلى المتوسط. وفي هذا الصدد، يشير "جوزيف ناي" إلى مشكلات البلدان الأخرى، مثل: الأرجنتين، أو الصين، أو الدول الأوروبية، قائلاً: "أن أمريكا لا تساهم في القيود على استخراج النفط، حيث بإمكان اقتصاد الولايات المتحدة الاستفادة بشتى الطرق من تلك التغيرات في عمليات توريد الطاقة، فقد تم خلق مئات الآلاف من الوظائف بالفعل، بعضها في المناطق الأقل نموًا. يُضاف إلى ذلك النشاط الاقتصادي الذي من شأنه تعزيز نمو إجمالي الناتج المحلي وكذلك زيادة عدد الإيرادات المالية الجديدة. وعلاوة على ذلك، يمكن لواردات الطاقة القليلة الحد من "العجز التجاري" والتحسين من ميزان المدفوعات، كما ستستفيد العديد من الصناعات الأمريكية، مثل البتروكيماويات، من النتائج الكبيرة الخاصة بتقليل تكاليف الإنتاج". ويعتبر الاختلاف في التكلفة الخاصة بإنتاج النفط غير التقليدي-أمرًا غير معتاد على صعيد إنتاج الغاز، نظرًا لأن تكلفة إنتاج حقول الغاز في الولايات المتحدة رخيصة للغاية، فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، تراجعت تكلفة استخلاص الغاز من الغاز غير التقليدي من 5 دولار لكل مليون وحدة حرارية في عام 1990م، إلى 2,3 دولار لكل مليون وحدة حرارية عام 2010م، ووفقًا للتوقعات، فمن المقرر أن يقل هذا المبلغ عن 2 دولار لكل مليون وحدة حرارية، في الخمس سنوات القادمة.

رفع القيود على صادرات النفط الإيرانية

بعد اعتماد إلغاء الحظر الذي دام لمدة 40 عامًا على صادرات النفط الخام إلى إيران في ديسمبر 2015م، كشف "جورج بيكر" عن الهدف الشامل وراء هذه الاستراتيجية، قائلاً " الآن وبعد أن وضعنا حجر الأساس، أصبح لدى الولايات المتحدة فرصة لتحقيق طموحاتها كقوة عظمى في مجال الطاقة. ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، وضعت حكومة ترامب مسألة سيطرتها على سوق الطاقة الدولي على رأس جدول أعمالها. ولهذا السبب، اعتمد ترامب سياسة الانسحاب وخلق حرب في منطقة الشرق الأوسط، بما يتماشى مع المخططات الهائلة لكبرى شركات النفط بهدف التنفيذ المبكر لهذه الاستراتيجية". ووفقًا لتقرير شركة وود ماكنزي"، من المقرر أن يُزيد إنتاج كل من الصخر الزيتي والغاز بالولايات المتحدة، بحلول عام 2020م، من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي بنسبة 2-4% أي ما يعادل 380-690 مليار دولار. ولا ينبغي أن يختلط مفهوم تقليل الاعتماد على واردات الطاقة مع الاستقلال التام للطاقة، فقد يُعطي إنهاء اعتماد الولايات المتحدة على مصادر الطاقة الأجنبية والدول المنتجة، حرية أكبر للولايات المتحدة للسعي وراء استراتيجيتها العظمى. ولكن تظل الولايات المتحدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأسواق الطاقة الدولية، فعلى سبيل المثال: قد يؤثر أي تعطيل لعملية توريد النفط الدولي على سعر البنزين في مواقع الوقود التابعة للولايات المتحدة، بالإضافة إلى إبطاء النمو الاقتصادي؛ لهذا، فإن من مصلحة واشنطن الحفاظ على الاستقرار في الأسواق العالمية. وتُعتبر هذه المسألة في منطقة الشرق الأوسط-والتي تجسد المصالح الحيوية للولايات المتحدة -أكثر وضوحًا مما هو الحال في أجزاء أخرى من العالم.

سياسة النفط الإيرانية في حقبة ما بعد العقوبات

وفي الوقت الراهن، تستخدم الدول التي تتمتع بمصادر هائلة من النفط والغاز، الطاقة كأداة للسياسة الخارجية، كما يوفر تصدير الطاقة للدول الأخرى فرصة للموردين للتأثير على توجهات السياسة الخارجية في الدول المستهلكة؛ إذ تستخدم روسيا في عهد بوتين، صادرات الطاقة بشكل فعال من أجل تعزيز نفوذها السياسي دوليًا. وقد كان من المتوقع أن تلعب صادرات الطاقة دورًا هامًا في سياسة إيران الخارجية، ولاسيما السياسة الإقليمية، حيث يكون للتطورات في مجال الطاقة تأثيرًا مباشرًا على السياسة الخارجية للدول المنتجة والمستهلكة للطاقة. وفيما يتعلق بالاستهلاك المحلي المرتفع، وآثار العقوبات المفروضة، ستواجه إيران تحديات كبيرة في سياسة الطاقة، ولطالما استجابت سياسة الطاقة الإيرانية للرغبة في زيادة الطاقة من خلال توسيع المصادر غير المستدامة للطاقة الأولية الخاصة بالوقود الحفري، والنفط الخام، على مدار الخمسة عشر عامًا الأخيرة.

وتحاول دومًا الدول التي تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، استخدام صادرات الطاقة كمصدر نفوذ في علاقاتها مع جيرانها ومع غيرها من الدول. ولا يبدو أن احتياطيات إيران من النفط، أو موقعها الجغرافي يشير إلى تعاون أي دولة مع إيران، بغض النظر عن امتلاكها للنفط والغاز والموقع الجغرافي لإيران؛ وبالتالي، ترتبط السياسية الخارجية الإيرانية ارتباطًا وثيقًا بمسألة النفط بشكل حتمي.

تبادل الطاقة

في نوفمبر الماضي، أعادت إيران فتح "بورصة الطاقة" بهدف مشاركة القطاع الخاص في مبيعات النفط، وزيادة الصادرات، والتحايل على بعض العقوبات. وقد استخدمت إيران هذه الطريقة خلال العقوبات السابقة، لكن الأهم من ذلك هو التأجير الاقتصادي لبعض المجموعات والأفراد من البورصة، وعدم وجود عائد على أموال النفط التي يبيعها القطاع الخاص لصالح الخزانة. وحتى الآن، تم وضع النفط الخام في البورصات سبع مرات، لكن الأمر لم يحقق النجاح المتوقع، ولم ترتفع صادرات النفط الإيرانية. ومع استمرار هذه العملية، لا يمكن توقع أن يكون لبورصة الطاقة تأثير إيجابي للغاية على صادرات النفط الإيرانية.

 

واردات الصين والهند من النفط القادم من دول مجلس التعاون الخليجي

الصين هي إحدى العملاء الرئيسيين للنفط الإيراني. وفي عام 2017م، استوردت الصين حوالي 70.000 برميل يوميًا من النفط من إيران. ويعتبر توريد الطاقة لاقتصاد الصين المتنامي من خلال مصادر موثوقة والتركيز على مصادر الطاقة هو المبدأ الأساسي لسياسة الطاقة بالصين. وقد تواجدت الشركات الصينية قبل المقاطعة بصورة نشطة في صناعة الطاقة من خلال توفير مصادر طاقة موثوقة للنمو الاقتصادي السريع وتعزيز دورها كممثل مؤثر في الشرق الأوسط. وكان اهتمام الصين الاستراتيجي بالتحكم في موارد الطاقة وطرق نقلها، بما في ذلك مضيق هرمز، في مقدمة قوتها ونفوذها. وبالنظر إلى أهمية أمن الطاقة بالنسبة لاقتصاد الصين والسياسة الخارجية، تميل البلاد إلى مواصلة استيراد النفط من إيران.

الهند

تعتبر الهند ثاني أكبر عملاء النفط في إيران، فبين أبريل وأغسطس لعام 2018م، استوردت الهند حوالي 000,658 برميل يوميًا من إيران. وإلى جانب استيرادها للنفط من إيران، تهتم الهند بالمشاركة في مشروعات النفط والغاز في إيران، ومن ناحية أخرى، لدى المملكة العربية السعودية دبلوماسية نشطة في سوق الطاقة الهندي، ولسوف تستخدم هذا الاستثمار في التأثير على سياسة الهند الأجنبية، وتقليل الدور الإيراني في سوق الطاقة الهندي.

وفي يوليو 2018م، استوردت الهند ما يعادل 000,228 برميل نفط يوميًا من الولايات المتحدة، وصرح وزير الطاقة الأمريكي بأن صادرات النفط الأمريكية للهند ستزداد في المستقبل. كما لدى البلدان أيضًا عقدً مدته عشرين عامًا، لتصدير الغاز الطبيعي المسال، من أجل الحفاظ على حوافز السوق الهندية مثل: تقديم التخفيضات، ونقل النفط بالناقلات الإيرانية، وتحرير الهند من كلفة تأمين الناقلات.

الاتحاد الأوروبي

ويعتبر أمن الطاقة للاتحاد الأوروبي دائمًا أحد المبادئ الرئيسية للاتحاد، إذ تستورد الدول الأوروبية حوالي 000,500 برميل من الغاز يوميًا من إيران، وسعت إيران، قبيل عقوبات إدارة أوباما، لتجهيز البنية التحتية للاتحاد الأوروبي على الأجل المتوسط، بيد أن الاستهلاك المرتفع للطاقة داخل إيران، وانعدام الاستثمار من أجل زيادة الانتاج في الحقول النشطة، جعل من المستحيل لشركات الغاز الإيرانية القيام بذلك في سياق الترتيبات الحالية، كما غادرت الشركات الأجنبية التي تعمل في ظل العقوبات المفروضة على مشروعات النفط والغاز، إيران. وتستخدم الولايات المتحدة صادرات الطاقة، ولا سيما الغاز الطبيعي المسال، لتوسيع علاقاتها مع الدول المجاورة وكذلك الحلفاء في كل مكان بالعالم، ولقد دفع كل من أمن الطاقة الخاص بالاتحاد الأوروبي، واعتماده المتعمق على الغاز الروسي، الولايات المتحدة لإلقاء نظرة خاصة على سوق الطاقة بالاتحاد الأوروبي، ومع الزيادة في صادرات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب تسارع إنشاء الممر الجنوبي، سيقتضي الغاز اعتماد الاتحاد على روسيا. وعلى نحو بطيء، يعتبر سوق شرق آسيا، خاصةً أمريكا الجنوبية واليابان، والذي يستورد غالبية الغاز المكثف من إيران، فرصة جيدة كي يلعب الغاز الطبيعي المسال دوراً في أمن الطاقة الآسيوي، ومن خلال النظر إلى حالة الواردات النفطية والغاز المسال من إيران، يمكن أن يتحدد دور الغاز الطبيعي المسال في العقوبات الإيرانية بصورة أفضل.

تأثير الصخر الزيتي على الشركاء الاقتصاديين للشرق الأوسط

تعتبر آسيا اليوم أكبر شريك اقتصادي لدى دول مجلس التعاون الخليجي، ومن المتوقع أن تظل أكبر مستهلك للطاقة التقليدية في العقود القادمة. وتعتبر كل من مصادر النفط التقليدي والغاز، العمود الفقري لاقتصادات الخليج، ومصدر الدخل الرئيسي، ففي عام 1990م، وضحت المؤشرات بلوغ أبرز ثلاثة اقتصادات في العالم: الولايات المتحدة وأوروبا، واليابان، 45% من صادرات النفط والغاز الخليجية، لكن وبعد عقدين فقط، تراجعت هذه النسبة إلى 23%. ومن المتوقع استمرار هذه العملية مع تحرر أمريكا من استيراد الطاقة، وتحولها إلى مُصدِر للطاقة.

وعلاوة على ذلك، فمن شأن ذلك أن يوثر على عقود بيع الغاز طويلة الأمد، حيث يتم تقدير أسعار الغاز بناء على قيمة سعر النفط، ومع زيادة إنتاج الغاز الطبيعي في العالم، سيتعرض هيكل تلك العقود للضغط، فسوف تُفضي عملية تنويع الموردين في سوق العملاء إلى إنهاء تسعير الغاز بناء على أسعار النفط، بالإضافة إلى الاتفاقيات قصيرة الأجل والاتفاقيات المرنة، وعلى سبيل المثال، فالعملاء الآسيويون ممن يستوردون الغاز من قطر، والذين يشترون الآن أكثر من نصف صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري بحوالي 7-5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، يسعون لاستيراد الغاز من أمريكا الشمالية لضمان الحصول على توريدات طاقة أعلى، ولقد وقعت بالفعل كل من الهند واليابان اتفاقية بهذا الشأن.

ومما لا شك فيه أن مصادر الغاز الطفيلي الجديدة "shale gas"، واستغلالها سيكون له أثر سلبي على مُصدري الغاز القدامى في منطقة الخليج، مثل: قطر وإيران، وبالتالي سيزيد الضغط على أسعار النفط. ومع ذلك، لا يبدو من المرجح أن يتأثر دور الطاقة التقليدية بشكل كبير في العقدين القادمين نتيجة الطلب المتزايد من جانب الاقتصادات النامية، وعلى وجه الخصوص في آسيا (الصين تحديدًا)، والذين لم يغيروا مصادر الطاقة لديهم للطفل الزيتي غير التقليدي، أو مصادر طاقة جديدة مثل: الرياح، والطاقة الشمسية، حيث سيستمر اعتمادهم على مصادر الطاقة التقليدية.

ازدهار الغاز الصخري وتأثيره على الصناعات البتروكيمياوية في الشرق الأوسط

يتم توجيه نسبة كبيرة من الغاز المستهلك (حوالي 46%) في الولايات المتحدة بشكل مباشر للصناعة البتروكيماوية ومعامل التكرير، فعلى سبيل المثال: يُستخدم إنتاج الايثيلين، الذي يعد عنصرًا رئيسيًا في إنتاج البلاستيك والعديد من البتروكيماويات، في نوعين من التغذية: أولاً، يتم إنتاج النفتا" naphtha "بشكل مباشر من النفط الخام، ومن ثم الغاز الطبيعي؛ ولذلك سيكون للغاز الطبيعي تأثير كبير على الصناعة البتروكيماوية من خلال خفض أسعار منتجات البترول بشكل كبير في الصناعة البتروكيماوية. وتُظهر التوقعات بأن القدرة الإنتاجية للعديد من منتجات البوليمر الأمريكية، سوف تزداد لتدرك نقطة الغليان للسوق، وبالتأكيد فإن مع دخول المنتجات البتروكيماوية الأمريكية للسوق، يفرض على بلدان مثل إيران، والمملكة العربية السعودية، وقطر، تحديد وتنفيذ سياسات جديدة من أجل تقليل الأسعار، والمحافظة على أسواقهم، حيث يتعين عليهم وضع هذه الفئة بعناية ضمن دبلوماسية الطاقة لديهم.

ازدهار الغاز الصخري، الغاز الطبيعي لمجلس التعاون الخليجي، صادرات الغاز الطبيعي المسال، وإيران

نظرًا لازدهار الغاز الصخري، سيحمل المُوَرِد الجديد للغاز أثرًا سلبيًا على رائدي تصدير الغاز الطبيعي التقليدي في المنطقة، مثل: قطر وإيران، كما سيؤدي إلى الضغط المتزايد من أجل تخفيض سعر النفط. ومع ذلك، فمن المرجح أن يتأثر الدور الرئيسي للطاقة التقليدية في الاقتصاد الدولي خلال العقدين القادمين، من خلال نمو الطلب المتزايد عليه من جانب الاقتصادات النامية، ولا سيما في آسيا (الصين)، ومن غير المرجح أن تتحول معظم البلدان الآسيوية بسهولة إلى مصادر الطاقة غير التقليدية، مثل: الغاز الصخري، أو الطاقة المتجددة؛ حيث من المتوقع أن يظل نمو تلك البلدان معتمدًا على مصادر الطاقة التقليدية، ويرجع ذلك لأسباب تقنية خاصة بمحطات المعالجة الموجودة في هذه الدول، بالإضافة لعوامل أخرى تتعلق بنوع ومكونات المادة الخام الخاصة بالنفط التقليدي، أو طاقة الغاز، والتي تتباين خصائصهما عن نظائرهما غير التقليديين. ومن المتوقع كذلك أن تبقى صادرات مجلس التعاون الخليجي من منتجات الطاقة التقليدية (الغاز الطبيعي المسال)، مستقرة في الغالب في العقدين التاليين؛ بسبب الطلب الآسيوي المتنامي، ومع ذلك فمن المرجح حدوث انخفاض في هامش الربح نتيجة الحاجة المتناقصة للطاقة الخارجية، النابعة من البلدان الاستهلاكية الأخرى.

لقد أفضت الثورة في إنتاج الصخر الزيتي إلى تراجع في قوة منتجي الطاقة التقليديين، بما في ذلك منظمة الأوبك، ودورها التقليدي باعتبارها المنظم لأسعار النفط الدولية؛ حيث تعتبر هذه الثورة، وفقًا لمعظم محللي النفط، السبب الرئيسي للتراجع الأخير في الأسعار، وعلاوة على ذلك، فلقد قللت ميزانية الأوبك التابعة بشكل كبير، من قوتها ومبادرتها بشأن فصل النفط المنافس (الصخر الزيتي)؛ لذلك وبناء على ما سبق، فمن الضرورة اعتماد سياسات قائمة على الحقائق الخاصة بسوق الطاقة الدولي المتواجد حاليًا، وذلك في بلدان مثل: إيران، وفي كل من الساحة الإقليمية والدولية. ولقد أدركت الولايات المتحدة جيدًا أنه حتى مع رفع القيود عن صادرات النفط الإيرانية، ستستمر أسعار النفط المنخفضة في العمل بوصفها مُقاطِع صامت، كما ستحد من أرباح التبادل الأجنبي من صادرات النفط الخاصة بنا؛ لهذا، أضحت الحاجة إلى تقليل اعتماد اقتصاد البلاد على عائدات النفط من أجل زيادة قدرة بلادنا على الاستجابة للتغيرات في سوق النفط الدولي، أمرًا جليًا بصورة متزايدة.

الخاتمة

وفقًا لشيل SHEL، من المتوقع أن تمثل كل من الصين والهند وحدهما نصف توقعات الطلب على الطاقة الدولية، (بزيادة 30%) في الفترة بين 2017 و2035، وتخطط الصين لزيادة حصتها من الطاقة، من نسبتها الحالية المقدرة ب 6% إلى 15% بحلول 2030م. إن هناك علامات للنمو تتمثل في منتجي الغاز، بالإضافة إلى التطلع لدور كبير في توليد الكهرباء، التأمل في إمكانية النمو في القطاعات الصناعية، والكيميائية، وقطاعات النقل، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يصبح الغاز الطبيعي المسال خيارًا واضحًا للاستخدام في السفن بدلاً من زيت الوقود الثقيل. ولا يعني تقليل الاعتماد، وفي نفس الوقت تقليل الالتزامات، وزيادة المناورات، التخلي عن المنطقة، وعلاوة على ذلك، تحتاج حكومة الولايات المتحدة، بينما تقلل من اعتمادها على الطاقة المستوردة، إلى الهيمنة على الشريان الرئيسي للطاقة الدولية، ومنطقة الخليج، ولعب دور المسيطر؛ من أجل التحكم في ترسانة الطاقة، وضمان عبورها الآمن لشركائها.

وعلى مدى الأعوام القادمة، سيغير استقلال الطاقة الأمريكي من المعالم الجيوسياسية الدولية، الذي يعد الشرق الأوسط الطرف الأكثر حساسية تجاهها، وتقترح بعض التنبؤات أن الاهتمام الأمريكي بموردي النفط في الشرق الأوسط سيتقلص مع زيادة استقلال الطاقة في الولايات المتحدة. ويعتمد ذلك بالطبع على أهمية النفط في السياسة الأجنبية للولايات المتحدة، ويبدو أن كل من ازدهار الغاز الصخري وصادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال سيؤثران على قطر أكثر من أعضاء مجلس التعاون الخليجي الآخرين، حيث تركز قطر على الحافظة المتنوعة، وعلى وجه الخصوص في تحويل حجم الاستثمار لآسيا، والأرباح من أسعار التسليم المرتفعة، بينما لن يكون بوسع إيران زيادة الإنتاج وزيادة صادرات النفط دون الاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا. وسيؤثر الانخفاض في أرباح التداول الأجنبي بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي الإيراني، وعلى صعيد قطاع الغاز الطبيعي، إن لم تتمكن إيران من الإنتاج الكاف، وتقليل الاستهلاك المحلي، سيخسر السوق التركي، الذي يعتبر سوق الغاز الأجنبي الرئيسي الوحيد، بسبب تنويع تركيا لمصادرها من الطاقة، ومن ناحية أخرى فلقد زادت كل من قطر والولايات المتحدة أيضًا من حصصهم من الغاز الطبيعي المسال.

وفي الولايات المتحدة، تعتمد الشركات البتروكيماوية بشكل معتاد على النفتا naphtha الغنية، وأحيانًا ما تكون كلفة النفط مرتفعة، ولقد كان من المتوقع أن تواجه الصناعة البتروكيماوية الأمريكية تحديًا رئيسيًا على المدى الطويل نتيجة الأسعار المرتفعة، للدرجة التي كان من المتوقع خلالها أن تحول شركات مثل: "دو" المزيد من الاستثمارات للشرق الأوسط، لكن الموقف مع وجود الغاز الصخري قد تغير بشكل ملحوظ؛ ففي هذه الأيام، بات سعر الغاز الطبيعي أول شيء يتم تغييره، كما انخفضت أسعار الغاز الطبيعي بواقع 68%. وفي عام 2012م، كانت أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة أدنى أسعار للغاز الطبيعي في العالم، ولقد جعل هذا الانخفاض في أسعار التصنيع في الولايات المتحدة إلى مستويات أدنى من أمريكا اللاتينية، وأوروبا، وحتى الصين، الشركات البتروكيماوية الأمريكية تتفوق على العديد من الأسواق البتروكيماوية حول العالم. ولقد تغيرت الصناعة البتروكيماوية نتيجة الأسعار المنخفضة لعمليات التغذية البتروكيماوية بسبب استخراج الغاز الصخري، ويتعين توجيه الآثار غير المباشرة لاستخراج الغاز الصخري على اقتصاد دول الخليج، إلى قطاعات التصنيع الخاصة بالصناعات الكيميائية والبتروكيماوية المتضررة من ذلك. ومع تطور الغاز الصخري، ستحظى المعامل البتروكيماوية المماثلة في الولايات المتحدة بعمليات تغذية أقل كلفة، وهو ما من شأنه زيادة القوة التنافسية لهذه المعامل، وإعاقة شركات التصنيع في الخليج.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة