انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصأمن البحر الأحمر بين أمن الطاقة ومصالح القوى الإقليمية والدولية

أمن البحر الأحمر بين أمن الطاقة ومصالح القوى الإقليمية والدولية

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 14 أيار 2019

يتمتع البحر الأحمر بموقع جغرافي متميز يضفي عليه أهمية جيوـ استراتيجية كبيرة، حيث أنه يتوسط القارات والبحار العالمية، فهو ملتقى استراتيجي لثلاث قارات (إفريقيا، آسيا، أوروبا) وحلقة وصل بين ثلاث مناطق إقليمية (الشرق الأوسط، القرن الإفريقي والمحيط الهندي، منطقة الخليج). كما أنه أقصر طريق بحري يربط بين الشرق والغرب، بالإضافة إلى قربه من منابع النفط في الخليج العربي.

كما تكمن أهمية البحر الأحمر الإستراتيجية في كونه يمثل نطاقًا فرعيًا من إقليم الشرق الأوسط المضطرب بالأزمات السياسية والعسكرية التي تهدد حالة الاستقرار الأمني والسياسي في دول هذه المنطقة، أو كما حدده زبيغنيو بريجينسكي (1928_2017م) مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، بأنه القوس الذي يضم الشرق الأوسط والقرن الإفريقي ومنطقة المحيط الهندي، كما يقع ضمن الإطار الجيوبولوتيكي لمنطقة الخليج الإستراتيجية.

وهذه الحقائق جعلت منطقة البحر الأحمر مسرحًا للصراع على النفوذ من قبل القوى الإقليمية والدولية، وساهمت في انكشافها أمام التدخل الأجنبي.

وبالإضافة إلى هذه الأهمية الجيواسترتيجية للبحر الأحمر، فهو يتمتع أيضًا بأهمية اقتصادية، سواء فيما يتعلق بخطوط الملاحة البحرية التي تمر عبرها سفن النفط، من كونه ممر تجاري رئيسي يمثل الطريق الأقرب والإجباري تقريبًا بين المحيطين الأطلسي والهندي

فهو أقصر الطرق التجارية التي تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، حيث تبلغ المسافة بين لندن والخليج العربي عبر قناة السويس نحو 12 ألف كم، بينما تبلغ عبر رأس الرجاء الصالح نحو 21 ألف كم، وتتراوح التقديرات بشأن حجم التجارة المارة بالبحر الأحمر من إجمالي التجارة العالمية من 13% إلى 15%، وترى بعض التقديرات أن حجم التجارة الذي تمر عبر البحر الأحمر يبلغ أكثر من 2,4 تريليون دولار سنويًا، ويمر عبره نحو 3,3 ملايين برميل نفط يوميًا، كما أن البحر الأحمر يُعتبر مصدر دخل للدول العربية الأخرى المطلة عليه، مثل مصر واليمن وجيبوتي، لأن نسبة كبيرة من دخل هذه الدول تأتي من موانئها البحرية، أو من مناطق التجارة الحرة التي تُقام في هذه الموانئ، أو الرسوم التي تُجبى على السفن التجارية. كما يتوقع له أن يكون ممر رئيسي في شبكة طرق (مبادرة طريق الحرير والحزام الاقتصادي)* التي أطلقتها الصين.

وبالإضافة لذلك، توجد العديد من الثروات المعدنية في البحر الأحمر أهمها، البترول، والغاز الطبيعي، والكبريت، والفوسفات، والمعادن الثقيلة (حديد، زنك، نحاس، ذهب، فضة، رصاص). كما أن البحر الأحمر غني بالثروة السمكية والمتنوعة.

المبحث الثاني: عوامل تصاعد الاهتمام بأمن حوض البحر الأحمر

تضافرت، خلال الفترة الأخيرة، العديد من الأسباب التي أعادت الاهتمام العالمي بقضية أمن البحر الأحمر، والبحث في الترتيبات الأكثر ملاءمة لتحقيقه. ومن بين أبرز هذه العوامل:

1-تزايد حدة التهديدات النابعة من الدول المحيطة بالبحر الأحمر:

تزايدت حدة التهديدات النابعة من الدول المحيطة بالبحر الأحمر، والتي يمكن أن تؤثر في حرية الملاحة العالمية فيه. فبالإضافة إلى أعمال القرصنة المنطلقة من الصومال منذ سنوات، يوجد صراع مسلح داخلي -تم تدويله- مُحتدم في اليمن عند الضفة الجنوبية الشرقية للبحر الأحمر، وصراع سياسي داخلي في جيبوتي عند الضفة الجنوبية الغربية للبحر، ومواجهة مسلحة من الدولة المصرية للتنظيمات الإرهابية الناشطة في شماله بين خليجي العقبة والسويس, فضلاً عن تأزم الأوضاع في إريتريا والسودان، وإذا ما اتسعت الدائرة اللصيقة بالبحر الأحمر ذاته، لاتسع المشهد لحرب أهلية في سوريا وصراع داخلي آخر في العراق، وتنافس سياسي بين إيران والمملكة العربية السعودية, يرقى للصراع على النفوذ.

هذا بالإضافة، إلى اتجاه عدد من التنظيمات الإرهابية إلى التمركز في المنطقة المحيطة بجنوب البحر الأحمر، عبر تمركز تنظيميّ القاعدة ثم الشباب في الصومال-بعد أن كانت الأراضي الصومالية ذاتها محطة انطلاق لظاهرة القرصنة البحرية خلال نهاية العقد الماضي-الأمر الذي زاد من خطورة التهديدات المحتملة لأمن الملاحة في البحر الأحمر.

2-اكتشافات جديدة للغاز في البحر الأحمر:

هناك اكتشافات جديدة للغاز في البحر الأحمر، فمنذ عام 2012م، أعلنت شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو) عن اكتشاف حقل غاز جديد في شمال المنطقة المغمورة من البحر الأحمر على بعد 26 كم شمال غرب ميناء ضبا. ومن ذلك الحين، تتردد الأنباء عن اكتشافات جديدة في مواجهة تبوك، وفي المنطقة المواجهة لمدينة الغردقة المصرية. ومن المؤكد أن هذه الاكتشافات ليست بعيدة عن اهتمام الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

3-  تصاعد اهتمام القوى الدولية والإقليمية بأمن البحر الأحمر:

أسفرت استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، في أثناء إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، عن تراجع نسبي لمكانة، وربما هيبة، الولايات المتحدة في المنطقة. وبغض النظر عن حقيقة الأهداف الأمريكية في هذه الاستراتيجية، أو تقييم مدى نجاحها في تحقيق هذه الأهداف، والتي شكلت لأول مرة خروجًا من إدارة أمريكية عن مبدأ كارتر المستقر منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، فالأمر المؤكد أن هناك فراغًا في تحديد المسؤول عن صيانة الترتيبات الأمنية التي كانت سائدة في الشرق الأوسط, نتج عن هذه الاستراتيجية, وهذا ما ساعد على تشجيع بعض القوى الدولية (الصين, واليابان) أو القوى الإقليمية (إسرائيل، وإيران، وتركيا، ودول الخليج العربي) لتوسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر, خاصة مع ظهور قناعة لدى بعض النخب السياسية في الشرق الأوسط باحتمالية أن تعود الولايات المتحدة إلى السياسة الانعزالية. فمنذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001 قُتل في حروب الشرق الأوسط وأفغانستان، أكثر من 7 آلاف جندي أمريكي، وأصيب أكثر من 60 ألفًا، وهذه الحروب المتواصلة كلفت الولايات المتحدة أكثر من 7 تريليون دولار، بينما لا تزال الفوضى سائدة في منطقة الشرق الأوسط.

المبحث الثالث: مظاهر تصاعد الأدوار الإقليمية غير العربية وأدوار الدول الكبرى في حوض البحر الأحمر

أدت التطورات التي يشهدها العالم العربي منذ العام 2010م-وبخاصة المشكلات التي يواجها اليمن وما تبعها من تصاعد للعمليات الحربية على أراضيه-إلى صعود أدوار بعض القوى الدولية والإقليمية غير العربية التي بحثت عن محاور جديدة لتنظيم حضورها في العالم العربي بعامة ومنطقة البحر الأحمر بخاصة.

ويمكن إيجاز مظاهر تصاعد هذه الأدوار على النحو التالي:

1-المحاولات الإيرانية لاختراق دول المنطقة:

سعت إيران إلى التمدد وممارسة دور فعال في عدد من دول البحر الأحمر منذ تسعينات القرن العشرين. وعملت على بناء أذرع محلية على قاعدة مذهبية كما هي الحالة مع الحوثيين في اليمن، فضلاً عن محاولتها تعزيز وجودها العسكري والثقافي في السودان، وهو الأمر الذي أثار المخاوف السعودية بصورة خاصة، ودول الخليج بشكل عام. كما حرصت على الوجود في القرن الإفريقي*، وتعددت سياستها تجاهه، لكن تدخل دول الخليج لمنافسة النفوذ الإيراني هناك، قلص نسبيًا من فرصها في هذه المنطقة.

فمنذ عام 2009م، طورت طهران علاقاتها مع جيبوتي، حيث قدمت مساعدات اقتصادية ضخمة، وسعى الحرس الثوري الإيراني إلى إنشاء وتدريب ما عُرف حينها باسم (الحرس الثوري الإفريقي)، وأشارت بعض التقارير إلى وجود عسكري إيراني على الساحل الإريتري، وتحديدًا في أرخبيل دهلك الاستراتيجي، كما كانت هناك شكوك حول وجود الحوثيين في إثيوبيا منذ عام 2009م، وقد تمكنت السعودية والإمارات من إنهاء النفوذ الإيراني في إريتريا، بل وتوظيفها كقاعدة لوجستية لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، ففي إبريل (نيسان) 2016م، أجرى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الإريتري أسياس أفورقي جلسة مباحثات أسفرت عن اتفاق تعاون عسكري وأمني مع دول الخليج منحها حق إقامة قواعد عسكرية* لها في إريتريا.

كما وقعت دولة الإمارات عقد إيجار لمدة ثلاثين عامًا كجزء من اتفاقية شراكة مُبرمة مع إريتريا، لغرض إقامة قاعدة عسكرية للإمارات في ميناء عصب ومطار عصب المجاور. وبالمثل، وبعد تصاعد التهديدات الإيرانية بشكل واضح في أعقاب تنامي الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، واستيلائهم على العاصمة اليمنية صنعاء، وقيام التحالف العربي بقيادة الرياض بالتدخل هناك، بدأت الرياض في اتباع سياسة نشطة هدفت من خلالها إلى تحجيم النفوذ الإيراني في البحر الأحمر، وهو ما نجحت فيه بدرجة كبيرة، فقد أغلقت الخرطوم (المركز الثقافي الإيراني) وطردت موظفيه في سبتمبر (أيلول)2014م، وعمدت إلى إنهاء الوجود الإيراني على أراضيها، وتمتعت في المقابل بدعم مادي من قبل السعودية والإمارات. كما قامت الدولتان بالضغط على الإدارة الأمريكية في عهد الرئيسين الأمريكيين باراك أوباما ودونالد ترامب، لرفع العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان.

2-تصاعد الوجود العسكري التركي في إفريقيا:

شهدت تركيا منذ أواخر العقد الأخير من القرن المنصرم تصاعدًا ملحوظًا في منطقة الشرق الأوسط بعامة، والبحر الأحمر والقرن الإفريقي بخاصة. وجاء ذلك الأمر نتيجة تبلور إستراتيجية إقليمية تركية جديدة، بعد تراجع مكانتها الجيوــ استراتيجية لدى الغرب، في أعقاب انتهاء الحرب الباردة باعتبارها كانت أحد آليات الغرب لتطويق الاتحاد السوفييتي السابق. وقد كان الدور التركي في إفريقيا في بدايته منصبًا على تطوير العلاقات الاقتصادية مع دول القارة، غير أن هذا الدور قد شهد تغيرًا كبيرًا مؤخرًا، وهو ما وضح في عسكرة التفاعل التركي مع منطقة القرن الإفريقي، وذلك مع تدشين قاعدة عسكرية تركية في الصومال عام 2017م، قوامها 1500 جند، وهدفها المُعلن هو دعم الجيش الصومالي. كما تم عقد اتفاقات تحالف استراتيجي مع السودان في نفس العام، حضرها وزيرا دفاع تركيا وقطر، وأُعلن فيها عن تسلم تركيا جزيرة سواكن. وهذه التطورات قد أثارت مخاوف القوى الإقليمية الأخرى المعنية بالسودان، مثل مصر والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فاستدعاء الخرطوم لتركيا سوف يضيف مزيدًا من تعقيد العلاقات مع القاهرة، في ضوء توتر العلاقات بين القاهرة وأنقرة، بسبب تأييد الأخيرة لتنظيم الإخوان المسلمين، فضلاً عن دعمها عدد من الجماعات المتطرفة، خاصة في ليبيا. كما تمتلك كل من السعودية والإمارات استثمارات ضخمة في السودان، الأمر الذي انعكس على نظرتهما لعسكرة الدور التركي في إفريقيا على أنه تهديد في مجالهما الحيوي.

3-تنامي اهتمام الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي بالبحر الأحمر:

ركزت إسرائيل منذ نشأتها على اعتبار البحر الأحمر من مقتضيات أمنها القومي، بوصفه يقع ضمن اتجاهها الاستراتيجي الجنوبي، ليشمل الدول العربية المشاطئة له، ودول القرن الإفريقي المتحكمة في مدخله الجنوبي، بالإضافة إلى منطقة البحيرات العظمى ومنابع نهر النيل.

وفي إطار المنظور الإسرائيلي هذا، تهدف إسرائيل إلى تدويل قضية تأمين البحر الأحمر ارتباطًا بكونه ممرًا مائيًا دوليًا ينبغي أن يظل مفتوحًا لسفن الدول كافة، بما فيها إسرائيل، وأنه ليس للعرب حق السيطرة عليه، أو تقييد حرية ملاحة أية دولة فيه. ويرتبط بهذا تشكيل قوات دولية من الدول المتشاطئة على البحر الأحمر تتولى تأمينه، حتى لا تنفرد الدول العربية، صاحبة السواحل الأطول شرق البحر وغربه، بهذه المهمة، بما يشكل تهديدًا محتملاً لإسرائيل.

كما أنه من خلال هذا المنظور، سارعت إسرائيل إلى تدعيم وجودها في القرن الإفريقي بإقامة قاعدة عسكرية خاصة بها في ميناء مصوع في إريتريا، بالإضافة إلى قاعدتي رواجيات ومكهلاوي على حدود السودان، مع ضمان إقامة قواعد جوية في جزيرة حالب، وجزيرة فاطمة عند مضيق باب المندب، إضافة إلى استئجار جزيرة دهلك التي أقامت فيها تل أبيب قاعدة بحرية. وهكذا نلاحظ، أن إسرائيل تستثمر الأهمية الجيو ـ استراتيجية لهذه الجزر بما يعطيها ميزة التأثير في التوازن الدولي والإقليمي من الناحية البحرية لرصد تحركات السفن والملاحة، والتحكم في منع أي دولة عربية من ضرب حصار بحري على إسرائيل تحت أية ظروف.

4-الاستراتيجية الأمريكية في البحر الأحمر:

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحفاظ على أمن البحر الأحمر لأسباب حيوية تتعلق بأمن إسرائيل وضمان تدفق النفط عبره، وضمان عدم سيطرة قوى معادية عليه، وتأمين إمدادات الطاقة إلى الحلفاء الأوروبيين بعيدًا عن اعتمادها على الغاز الروسي، ناهيك عن ضمان أمن منطقة الخليج العربي. ورغم أنها أصبحت مؤخرًا تتشارك النفوذ مع اللاعبين الدوليين الآخرين مثل روسيا والصين، إضافة إلى أن توجه الرئيس الأمريكي الحالي يهدف لجعل دول المنطقة تدفع أكثر في سبيل الحصول على الحماية اللازمة، إلا أن المصالح الأمريكية في البحر الأحمر غير قابلة للمساومة؛ وذلك ما أكد عليه خبير الأمن القومي الأمريكي أنتوني كوردسمان حول البحر الأحمر، وهو وقف التهديدات لحرية الملاحة، ولاسيما في الخليج العربي والبحر الأحمر.

وبعد الفراغ النسبي الناتج عن اختفاء النظام الأمني الأمريكي المستقر في المنطقة، والذي أدى لاستقرارها، ترددت في مراكز الفكر الأمريكي، منذ نهايات فترة أوباما-وقدمتها إدارة ترامب في تصورها لإستراتيجية متماسكة في الشرق الأوسط-فكرة إقامة منظمة لتحالف الخليج والبحر الأحمر، أو ما يُعرف بـ (الناتو العربي) على غرار حلف شمال الأطلنطي، يضم عددًا من الدول المؤسسة، هي: مصر، والأردن، والكويت، والسعودية، والبحرين، والولايات المتحدة الأمريكية.

ويهدف هذا الحلف للحفاظ على نظام الدولة القومية، وحكم القانون بعد تحول عدد من دول المنطقة لدول فاشلة بما يؤدي لصيانة الاستقرار السياسي في المنطقة. ويقوم هذا التحالف على القوة الذاتية للأعضاء من دوله أما دور الولايات المتحدة فهو إمدادها بالمعلومات الاستخباراتية اللوجيستية، وربما المشاركة بقوات خاصة دون تدخل بري منها. وسيصبح هذا الحلف مسؤولاً عن فرض نظام أمني للمنطقة – (الخليج والبحر الأحمر) -وضمان استمراره.

5-النفوذ الصيني في منطقة القرن الإفريقي:

لا تقدم الصين تصورًا واضح الملامح كمثيله الأمريكي، لكنها تعمل على تثبيت نفوذها في منطقة القرن الإفريقي، اعتمادًا على قوتها الصلبة بالأساس (اقتصاديًا وعسكريًا) من خلال القروض الصينية بمليارات الدولارات، وبناء التحالفات الاستراتيجية مع القرن الإفريقي، وفضلاً عما تمتلكه الصين من انتشار عسكري يقوم به 2400 جندي من قوات نخبتها في مهام لحفظ السلام في إفريقيا، فإنها تستخدم وحداتها البحرية في خليج عدن لتأمين قوافل التجارة البحرية المارة به، والبالغ عددها ستة آلاف قافلة بحرية سنويًا.

ومن خلال هذا المنظور الصيني لأمن البحر الأحمر، قامت الصين بإنشاء أول قاعدة بحرية لها في الخارج في جيبوتي والتي تم افتتاحها رسميًا في أغسطس (آب) من عام 2017م، وهي مجاورة للقاعدة الأمريكية الوحيدة في القرن الإفريقي (كامب لومينير). ووفقًا للاتفاق المُبرم بين بكين وجيبوتي والذي يسري حتى عام 2026م، على الأقل قد تضم القاعدة ما يصل إلى عشرة آلاف جندي.

وبما أن دولة جيبوتي تُعد مقرًا لقواعد عسكرية لعدة دول منها الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، واليابان، فلعل هذا الأمر هو ما شجع الصين من أجل إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة. وذلك بغية إحداث نوع من التوازن مع هذه القوى الكبرى من جهة، واحتواء نفوذ هذه القوى على النحو الذي يمكن الصين من تحقيق مصالحها المتعددة في المنطقة مثل تأمين إمداداتها النفطية من إفريقيا ومن الخليج، وتوسيع نفوذها الاقتصادي في القارة الإفريقية عبر مدخلها الشرقي.

6-الدول الكبرى الأخرى والبحر الأحمر:

الدول الكبرى الأخرى سواء روسيا أو اليابان أو الدول الأوروبية ليست بعيدة عن قضية أمن البحر الأحمر فروسيا بسياستها البرجماتية الراهنة وقدراتها الاقتصادية تعتمد على ترتيب الأولويات في المنطقة وما يهمها في أمن البحر الأحمر هو ألا تنجح الولايات المتحدة في استخدامه كمسار بديل لنقل نفط الخليج إلى أوروبا كبديل عن الغاز الروسي مرورًا بإسرائيل أو الأردن أو غيرهما من الدول الحليفة للولايات المتحدة. هذا هو ما دفع الولايات المتحدة للظن بأن الوجود الصيني في جيبوتي هو واجهة لروسيا، أو في أقل التقديرات بالتعاون بينهما. أما اليابان فلديها قاعدة عسكرية بالفعل في جيبوتي، وهي حليف تقليدي للولايات المتحدة ويمكنها المشاركة أو الاستفادة من أي نظام أمني تؤسسه الولايات المتحدة الأمريكية. الأمر ذاته بالنسبة للدول الأوروبية التي لها وجود عسكري فعلي لمكافحة أعمال القرصنة، ويمكنها تطوير مهامه ومده بعد السواحل الصومالية إذا تطلب الأمر ذلك بالرغم من التواجد الضئيل لهذا الوجود في منطقة البحر الأحمر.

المبحث الرابع: أمن البحر الأحمر و (تكتل دول البحر الأحمر وخليج عدن)

1-نشأة التكتل:

خرج تكتل دول البحر الأحمر وخليج عدن والذي عُرف باسم (AARSGA)* إلى حيز التنفيذ بمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماعه مع مسؤولين من وزارات الخارجية للدول المعنية وهي: مصر، وجيبوتي، والصومال، والسودان، واليمن، والأردن، في الرياض، في 11 ديسمبر (كانون الأول) 2018م، وتأتي مبادرة الرياض هذه استكمالاً للخطوات المبدئية لاجتماع القاهرة في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2017م، والذي شمل تلك الدول بالإضافة إلى الدول الإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر. ويُتوقع أن يجتمع فريق من الخبراء وكبار المسؤولين بالقاهرة في وقت قريب لوضع خطة العمل الفنية والتنفيذية لشكل التكتل وحركته على أرض الواقع.

ويأتي تدشين هذا التكتل في توقيت مهم جدًا، لاعتبارات تتعلق بمحاولات تحقيق الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في سواحل البحر الأحمر، فالتكتل يحمل رسائل وأهدافًا في إطار حماية هذه السواحل من اعتداءات إيران والجماعات الموالية لها في المنطقة فضلاً عن تعزيز الاستقرار والأمن والتجارة والاقتصاد. وهو ما يتضح من تصريحات وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير، باعتبار إنشاء هذا التكتل يعزز الأمن والاستقرار والتنمية والاستثمار في هذه المنطقة، ويجعل منها جسرًا مهمًا للتواصل بين الحضارات.

2-الأهداف الأمنية السياسية والاقتصادية للتكتل

الأهداف الأمنية السياسية التي ارتكز عليها التحالف الجديد، تضع في اعتبارها التنافس الذي تزايد خلال الفترة الأخيرة على البحر الأحمر-كما رأينا سابقًا -ودخول قوى دولية وإقليمية على خط النفوذ في هذه السواحل لعدة اعتبارات لوجستية. وتأتي الأهمية الاستراتيجية لهذا التحالف الجديد على المستوى الأمني من الهدف الرئيسي له، وهو منع القوى الخارجية من الوجود في هذه المنطقة الحيوية, وحصار أية عمليات تقوم بها في الخفاء, خاصة مع مخاطر الميليشات الحوثية في اليمن إزاء محاولات السيطرة على الموانئ اليمنية الغربية لصالح النفوذ الإيراني، الأمر الذي ينتج عنه تهديد للأمن البحري بالقرب من مضيق باب المندب من خلال مهاجمة السفن التجارية، وناقلات النفط، والسفن الحربية, عند مرورها بالقرب من السواحل اليمنية؛ لذا تُعد مواجهة النفوذ الإيراني- بشكل أساسي- والتركي أيضًا الحلقة الأهم لمسار تشكيل هذا التحالف بين دوله المشاطئة للبحر الأحمر.

كما أن هناك مهمات أمنية أخرى تبقى أمام هذا التحالف الجديد، تتعلق بما يُسمى بــــ (الإرهاب البحري) والذي يعني هنا بالنسبة لأمن البحر الأحمر عمليات القرصنة التي شهدت تزايدًا خلال الفترة الماضية وعمليات تهريب البشر والمخدرات والتي تُعد واحدة من المخاطر التي تحتاج إلى استراتيجية مشتركة من الدول السبع المنطوية تحت راية هذا التكتل بالإضافة إلى البحث عن حلول لمحددات أمنية تتمثل في نزع وتفجير الألغام التي زرعتها بعض الجماعات في البحر الأحمر.

وفي خط مواز لنظيره الأمني -السياسي يأتي البعد الاقتصادي-الأمني لهذا التكتل، والذي ينعكس بشكل أساسي في حجم التجارة الدولية العابرة من مياه البحر الأحمر. فمنطقة البحر الأحمر تتحكم عبر مضيق باب المندب، في طرق التجارة العالمية فهو يمر منه سنويًا 25 ألف سفينة تمثل 7% من الملاحة العالمية، وتزداد فعاليته كذلك لارتباطه بقناة السويس، كما وأنه يُعد بوابة لمرور الصادرات الخليجية أولاً؛ وتشير تقارير اقتصادية أن تعطيل الملاحة به قد يؤدي لارتفاع أسعار النفط ما بين 5 دولارات و15 دولار لكل برميل. خاصة أنه من المتوقع أن يوجد هذا التكتل تعاونًا بين دوله السبع في تحقيق اكتشافات نفطية جديدة على غرار ما يجري في البحر الأبيض المتوسط.

3-نظرة استشرافية للدور الإقليمي للتكتل

إن الهدف من تكتل دول البحر الأحمر وخليج عدن غير واضح المعالم، فوزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير، لم يوضح ما إذا كان هذا التكتل عبارة عن تجمع سياسي لتعزيز التعاون العسكري والأمني بين الدول الأعضاء في الوقت الراهن، أم أنه قد يسعى لتعزيز هذا التعاون بين الدول الأعضاء في مرحلة لاحقة. ومن الممكن أن يعمل هذا التكتل إلى جانب التحالفات العسكرية القائمة في المنطقة، وبالأخص التحالف العربي في اليمن، الذي يدعم الحكومة اليمنية الشرعية في حربها ضد الميليشيات الحوثية والقائمة منذ عام 2015م.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإنه ليس من الواضح ما هي العلاقة بين هذا التكتل والتحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط (الناتو العربي) السابق ذكره والذي يحظى بدعم أمريكي، ليشمل دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى الأردن ومصر.

إلا أنه من الممكن أن يكون تكتل دول البحر الأحمر وخليج عدن في حالة تطويره المظلة الأمنية الرئيسية لمواجهة التحديات المتعددة في البحر الأحمر وخليج عدن في حالة فشل مشروع (الناتو العربي) وذلك لما يواجهه مشروع (الناتو العربي) من تحديات أهمها استمرار الأزمة القطرية فضلاً عن تباين مدركات التهديدات بين الدول المقترحة لعضوية التحالف الجديد حيث أن قطر وعمان لا يعتبران إيران مصدر تهديد وذلك بخلاف الأعضاء الآخرين المقترح انضمامهم للتحالف.

وعلى أية حال فإن نجاح الدول العربية في إيجاد هذا التكتل من عدمه يبقى مرتبطًا بالتنافس الإقليمي القائم حاليًا في الشرق الأوسط، هذا التنافس الذي تبلور في ثلاثة تحالفات رئيسية في الشرق الأوسط, هي: التحالف الإيراني القائم على تعزيز إيران لنفوذها في سوريا واليمن والعراق, وهو تحالف قائم على أساس طائفي إيديولوجي، والتحالف القطري- التركي والذي يتسم هو الآخر بطبيعة إيديولوجية حيث تدعم كل من تركيا وقطر تيار الإخوان المسلمين في جميع دول المنطقة في أعقاب الربيع العربي، وواضح ذلك بصورة أساسية في البلدان التي تعاني الصراعات, مثل ليبيا وسوريا. أما التحالف الثالث والأخير فهو التحالف الرباعي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) والذي تتبنى دوله سياسة خارجية متقاربة، منها محاولاتها استعادة الأمن والاستقرار الإقليمي في دول الأزمات، وتقليص النفوذ الإيراني والنفوذ التركي في الإقليم.

وكلما دعمت هذه التحالفات من تماسكها ووحدت رؤيتها كلما زادت الحاجة إلى إنجاح تكتل دول البحر الأحمر وخليج عدن من قبل الدول المؤسسة له.

 

*تقوم الرؤية الصينية لهذه المبادرة على استدعاء التاريخ والجغرافيا من أجل إرساء شبكة من العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع أكثر من 65 دولة في القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وإفريقيا, وذلك من خلال بعث طريق الحرير التاريخي الذي كان يربط الإمبراطورية الصينية بمختلف الدول والحضارات في الغرب. وبالتالي يشير الحزام (Belt) البري إلى طريق الحرير الذي كان ينطلق من المدن الصينية عبر جنوب آسيا ووسطها، ليصل إلى مدن وموانئ الشرق الأوسط وأوروبا المتوسطية. أما الطريق (Road) البحري، فيستدعي طريق الرحلة البحرية التي قام بها الأميرال الصيني المسلم زينج هه (Zheng He) في القرن الخامس عشر, انطلاقاً من الموانئ الصينية إلى موانئ جنوب شرق آسيا, والهند, وشرق إفريقيا, والبحر الأحمر, والخليج العربي. وتُعد هذه المبادرة التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينج (Xi Jin Ping) في سبتمبر 2013 بمنزلة الرؤية الصينية الجديدة لمكانة الصين في العلاقات الاقتصادية والإستراتيجية الدولية. فبكين تسعى إلى ربط شبكة من الشراكات والتعاون مع مختلف الدول التي يمر عبرها الحزام والطريق،مما حدا بالبعض إلى وصف هذه المبادرة بأنها مشروع مارشال صيني للقرن الحادي والعشرين.

 

*تتبنى هذه الدراسة الرأي الأوسع انتشاراً في غالبية الأدبيات الإفريقية الذي يرى أن القرن الإفريقي يضم كلاً من: الصومال، وإثيوبيا,    وإريتريا, وجيبوتي.

*تضم منطقة البحر الأحمر نحو (11) قاعدة عسكرية تتوزع بين عدة دول أبرزها: الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا, روسيا, الصين, اليابان, إسرائيل, إيران, والإمارات العربية المتحدة.

*Arab and African coastal state of the Red sea and the Gulf of Aden.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة