انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتوقفة الاقتصاد العربي: الواقع والمأمول

الاقتصاد العربي: الواقع والمأمول

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 12 حزيران/يونيو 2019

الدول العربية سبقت غيرها من التكتلات الاقتصادية الأخرى في تبني التكامل، حيث بدأت تفكر في التعاون الاقتصادي منذ نشأة جامعة الدول العربية في منتصف أربعينيات القرن العشرين، حيث كان هاجس الجامعة منذ تأسيسها هو الأمن وتحدي قيام إسرائيل، ثم الهاجس الاقتصادي وكيفية تأسيس السوق العربية المشتركة وتحقيق نهضة اقتصادية، ولكن بسبب الظروف التي مرت بها المنطقة ظل الملف الاقتصادي يراوح مكانه بسبب تشرزم جهود الدول العربية ما بين حركات التحرر الوطني، ودور إسرائيل في  تشتيت الجهد العربي وتوجه جل الاقتصادات العربية نحو المجهود الحربي، إضافة إلى الصراعات الإقليمية، والتوتر العربي ـ العربي، والنعرات التي سادت المنطقة خلال عقدي الخمسينيات و الستينيات  التي فرقت أكثر مما وحدت، وجاء كل ذلك على حساب التكامل الاقتصادي العربي، وأيضًا على حساب التنمية المحلية في كثير من البلدان العربية، وظل الاقتصاد العربي يراوح مكانه، فحتى الآن مازال الناتج الإجمالي العربي  الجماعي قرابة 2.7 تريليون دولار، بينما الناتج المحلي الإجمالي لدولة واحدة فقط مثل فرنسا يبلغ 2.8 تريليون دولار ، وهو نفس الناتج الإجمالي المحلي لبريطانيا أيضًا، وحتى حجم الناتج الإجمالي المحلي العربي مع قلته يتباين من دولة إلى أخرى، فدول مجلس التعاون الخليجي تستأثر  بحوالي 61.5% من إجمالي الناتج العربي أي بما يعادل 1.66 تريليون دولار، بينما يبلغ مجموع النواتج الإجمالية للدول العربية الأخرى مجتمعة  1.04 تريليون دولار، وتأتي المملكة العربية السعودية على رأس القائمة بـ 28.5 % أي قرابة ثلث الناتج الإجمالي العربي بما يزيد عن 770 مليار دولار.

وعلى مستوى التجارة البينية العربية، وحجم التجارة العربية الكلية من إجمالي التجارة العالمية،  تأتي الأرقام متواضعة جدًا رغم أن الدول العربية سباقة في الدعوة إلى إنشاء السوق العربية المشتركة، حيث تم إنشاء مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في عام 1964م، ومع ذلك تظل نسبة التجارة العربية البينية دون الـ 10% من إجمالي التجارة الخارجية العربية ككل، ونصف قيمة هذا الرقم المتواضع من تجارة النفط، وتساهم دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 71% من إجمالي التجارة البينية العربية التي تبلغ قيمتها الإجمالية 164.6 مليار دولار. ويستمر الخلل في التوزيع الجغرافي لحجم التجارة العربية فمثلًا 10 دول عربية من بين 22 دولة تستحوذ على أكثر من 92% من إجمالي حجم التجارة الخارجية ومنها دولتان تستحوذان على أكثر من 52% من إجمالي حجم التجارة.

إذًا الأمر يتطلب المراجعة لمعالجة خلل الميزان التجاري العربي، وكذلك في الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية الفقيرة أو التي دون المداخيل المعقولة، لذلك من الضروري إعادة تفعيل اقتصادات الدول العربية والانخراط في خطط تنمية حقيقية تعتمد على الفرص المتاحة والممكنة، وعلى المزايا النسبية لكل دولة، ثم التكامل على المستوى الجماعي، فعلى المستوى الوطني يجب الاستفادة من المزايا النسبية لكل دولة وتفعيلها، وأن يكون الإنتاج هدفها الرئيسي، مع ضرورة الاهتمام بمستوى التعليم على أن تكون مخرجاته موائمة لاحتياجات سوق العمل والتوجه نحو توطين اقتصادات المعرفة، وزيادة نسبة الصناعة وخصوصًا الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تناسب اقتصادات هذه الدول وتتيح فرصًا جديدة للعمل والتشغيل لتقليل نسبة البطالة، خاصة أن النسبة العظمى من المجتمعات العربية شابة وتبحث عن فرص عمل، وكذلك التوسع في قطاع الخدمات والسياحة، وتقديم الخدمات اللوجستية عبر الموانئ والمطارات وغيرها، والاستعداد للمشاركة الإيجابية في محطات طريق الحرير الصيني الذي سوف يمر على عدد كبير من الدول العربية.

وعلى المستوى الجماعي، يجب على جامعة الدول العربية أن تبحث عن صيغة جديدة واقعية للتكامل الاقتصادي العربي، وتعيد النظر في المجالس الاقتصادية التي تم تشكيلها قبل أكثر من 60 عامًا، والتي لم تر النور بعد ومازالت مجرد مسميات على الورق في أروقة الجامعة دون وجود حقيقي لها في الواقع، والعمل على إيجاد صيغ برجماتية للتكامل الاقتصادي تعتمد على التعاون والتكامل وليس التنافس خاصة بين الاقتصادات المتماثلة، وتوزيع الأدوار فيما يتعلق بالخدمات، والبحث عن استثمارات مشتركة لتوفير الغذاء للشعوب العربية حيث يمكن الاستفادة من الأراضي الشاسعة الموجودة في دولة مثل السودان، مع إحياء المشاريع الصناعية العربية المشتركة التي انطلقت ثم سرعان ما توقفت، فوجود التكتلات الاقتصادية في العالم، والقوى الصاعدة منطلقة إلى الأمام والعالم لن ينتظر الفقراء أو الضعفاء.   

كلمات دليلية

الشركات المعلنة