انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالإنتاج العلمي العربي مستورد.. والجامعات العربية تعيد اجترار المعارف في بيئة غير بيئتها

الإنتاج العلمي العربي مستورد.. والجامعات العربية تعيد اجترار المعارف في بيئة غير بيئتها

انشأ بتاريخ: الخميس، 11 تموز/يوليو 2019

   ترتقي الأمم وتحقق نهضتها بفعل اهتمامها بالعملية التعليمية وتطويرها وتحديثها، ويشكل التفكير الاستراتيجي إحدى الأدوات المهمة في تطوير البحث العلمي بصفة خاصة وارتقائه بالدولة بصفة عامة، لذا كانت الاستراتيجيا سمة القرن الواحد والعشرين، ولجأت الكثير من الدول إن لم نقل معظم الدول إلى استحداث مراكز دراسات استراتيجية تحاول من خلالها استشراف المستقبل وتزويد صانع القرار بالمعطيات التي من شأنها ان تساعده في اتخاذ القرار.

يلعب التفكير الاستراتيجي دورًا مهمًا في رسم السياسات العامة للدولة، بأشكالها المختلفة دفاعية اقتصادية اجتماعية ثقافية، فالتفكير الاستراتيجي لم يعد منحصرًا فقط في المفهوم الكلاسيكي الذي يعتبر أن الاستراتيجيا هي فن إدارة الحرب بل تعداه المفهوم الحديث، إلى كونه القدرة الشاملة للدولة دفاعيًا سياسيًا اقتصاديًا اجتماعيًا.

وهنا تأتي الأهمية والدور الذي ينبغي أن تلعبه المراكز في اعطاء ديناميكية للبحث العلمي في العالم العربي، الذي يشهد مجموعة تجارب في الميدان لكنها بحاجة إلى تطعيم أكثر حتى تصبح أكثر قوة في الدفع بعجلة البحث العلمي والفكر الاستراتيجي والذي بدونهما لن تستطيع دول العالم العربي تحقيق رؤيتها التنموية والاقتصادية والسياسية المنشودة.

مراكز الدراسات الاستراتيجية: الطبيعة والدور

   تلعب مراكز الدراسات الاستراتيجية عبر العالم أدوارًا كبيرة في تقديم المشورة لصانع القرار ، كما تعمل أيضًا على جمع المعلومات وانجاز بحوث وفق احصائيات وتجارب مقارنة من شأنها تنبيه صانع القرار، وتساعده أيضًا في ايجاد بدائل، أو رسم سياسة معينة إذ أن التفكير الاستراتيجي هو أداة لعمل ما يتسم باليقظة الاستراتيجية لصانع القرار، ومثال ذلك النموذج الأمريكي من خلال علب، أو مراكز التفكير أو دبابات التفكير التي لعبت ادوارًا كبيرة في تزويد وتوجيه صانع القرار ، ففي الولايات المتحدة مثلا الموظف يعمل ومراكز الدراسات الاستراتيجية تفكر أي أن الموظف ما عليه سوى تنفيذ ما تقترحه العقول الاستراتيجية، ودليل ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية بها ما يقارب 500مركز استراتيجي بصورة رسمية وما يقارب 3000مركز آخر بصورة غير رسمية، ومثال ذلك مثلاً أن اتخاذ قرار للرئيس الأمريكي ترامب تجاه فرنسا في نوفمبر 2018م، جاء بناء على معطيات قدمها مركز دراسات حدد له مجموعة من العناصر بشأن فرنسا، وهي أن نسبة البطالة مرتفعة جدًا وصلت إلى 9.1بالمئة وشعبية ماكرون تراجعت إلى 23بالمئة وطبق نموذج اقتصادي وإصلاحي غير مقبول شعبيًا بل إن ماكرون أصبح مدمن كحول جراء الضغط المتزايد عليه، فكانت الكثير من تصريحات ترامب قد سارت في هذا السياق سواء من خلال تصريحاته على وسائل الإعلام أو عبر تغريداته عبر التويتر ضمن ما يطلق عليه بدبلوماسية التويتر ، وهنا ندرك الأهمية الكبرى التي توليها الدول في العالم للعلم وللتفكير بمنهجية علمية تستند إلى الخبرة ، وتعتبر المراكز مثل دبابات التفكير أو بروكجينز أو راند إحدى أهم الأدوات التي تستند عليها أمريكا في بلورة سياساتها على المستوى الداخلي أو على مستوى صنع وتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية.

في روسيا أيضًا يلعب التفكير الاستراتيجي وعلب التفكير التي أسسها الكسندر دوغين رائد الجيوبولتيك العالمي، والعقل المدبر للاستراتيجية الروسية عالميًا بل هو من هندس تحركاتها الخارجية وإعادة ترتيب تموضعها في المناطق الجيوسياسية الحيوية ،ومثال ذلك رسم السياسة الروسية لما يطلق عليه بالجسر الجيوبولتيكي، كان فكرة مركز دارسات استراتيجية وصاحبه الكسندر دوغين، فالتوغل الروسي في منطقة الحوض المتوسط جاءت بناء على توصية من توصياته وهي ضرورة إقامة جسر ينطلق من مصر ويمر بليبيا ويمتد عبر الجزائر وينتهي بسوريا، وهذا ما تجسد فعلا من خلال تقوية علاقات الشراكة الاستراتيجية بمصر خاصة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال تبادل الزيارات وحجم صفقات السلاح وكذلك الأمر بالنسبة لليبيا وذلك من خلال انخراط روسيا بصورة واضحة ومحددة الأهداف في ليبيا لأنها ترى في ليبيا سوقًا واعدة لبيع السلاح الروسي وتعتبر الجزائر أيضًا عمقًا استراتيجيًا روسيًا فالشراكة الروسية الجزائرية لم تتغير منذ بدايتها وتعتبر الجزائر أهم شريك لبيع السلاح في إفريقيا وتنتهي الاستراتيجية بسوريا وواضح حجم التدخل الروسي في سوريا استراتيجيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا ولا توجد عبارة أدق في توصيف الأهمية السورية بالنسبة إلى روسيا من تصريح الرئيس الروسي فلادمير بوتين من أن الروس سيدافعون عن سوريا وكأنها أرض روسية. وهكذا تتجسد تلك العبارة التي درسها دارسو العلوم السياسية والعلاقات الدولية قديمًا وهي أن الدب الروسي يبحث عن مياهه الدافئة وها هو اليوم في مياهه الدافئة.

هذا المثال يدلل بصورة جلية أيضًا أن الأمم أصبحت تفكر بمنهجية علمية وليس بصورة عشوائية وهي دروس يمكن للعالم العربي الاستفادة منها للنهوض والارتقاء بأسس البحث العلمي وفق رؤية وليس فقط وفق تصورات ضحلة تعيد اجترار المعرفة المستوردة من الخارج.

ففي فرنسا عرفت تجربة في هذا المنوال ايضا، فقد أسس ايف لاكوست المركز الفرنسي للدراسات الاستراتيجية والجيوبولتيك في سبعينيات القرن الماضي، والذي كان بمثابة ركيزة معرفية لتقديم الأبحاث والدراسات التي من شأنها طبيعة المشكلات الدولية وتعقيداتها كما أبدى اهتمامًا أيضًا بدارسة الحوض المتوسط والنظم القريبة من الجوار الفرنسي والأوربي بصورة عامة من خلال سلسلة دراسات معمقة حولها.

اذًا من خلال ما سبق ذكره يتضح بصورة جلية أن الفكر الاستراتيجي كمقاربة شاملة بات أولوية ذات أهمية كبرى عند الدول الغربية بغية الاتكاء عليه من أجل رسم السياسات وهنا يتضح الجسر الموجود بين المعرفة والأفكار وبين صناعة القرار وبالتالي تعمل المراكز في طبيعتها بالتنوير بالأفكار بينما دورها هو تقويم صانع القرار وترشيد قراره.

البحث العلمي في العالم العربي: الواقع والمأمول

يمكن القول إن الواقع العربي في مجال البحث العلمي يحتاج إلى وقفة جادة لتقييمه تقييمًا موضوعيًا يعطيه ما له ويأخذ منه ما عليه وللحكم على ذلك ما إذا كنا في أزمة أم حالة متعثرة أم تطور عادي، فعلى الرغم من ازدياد عدد الجامعات في العالم العربي الذي أصبح يضاهي حوالي 400جامعة وأكثر من 7ملايين طالب من حيث الكم إلا أن إنتاج المعرفة وجعلها محركًا للاقتصاد وتحويل البحوث العلمية لتكون سندًا في العملية التنموية، بات بعيدًا نوعًا ما عن الهدف المأمول الذي من شأنه أن يبني الجسر للعبور إلى المستقبل.

والواقع أن هنالك أسباب موضوعية يمكن الاستناد إليها في ذلك فربما كان مجمل الإنتاج العلمي إنتاجًا مستوردًا من الخارج فالجامعات العربية لاتزال تعيد اجترار المعارف والنظريات التي تم إنتاجها في بيئة غير بيئتها، ضمن ما يطلق عليه باستيراد التكنولوجيات المعرفية فمعظم النظريات ولدت في محضن البيئة الغربية فالفكر السياسي الحديث أوروبي المولد كما نظريات العلاقات الدولية أيضًا هي انغلوسكسونية النشأة ناهيك عن النظريات التنموية والاقتصادية وكذلك التكنولوجيا في حد ذاتها هي ذات نشأة غربية ،هذه العوامل التاريخية التي جعلت من أوروبا مركز الإشعاع الفكري ،عبر عصر التنوير الذي كان بمثابة باكورة إنتاج الأفكار السياسية ومركز الثورة الصناعية التي حولت نسق العالم وشكله لم يشترك فيها العالم العربي أو العرب بمفهوم أدق في تأسيسها بالرغم ان العرب كان لهم تاريخ من الاجتهاد في الأفكار والإنتاج في عصور ما قبل ذلك وهي أمة أقرأ في حد ذاتها كدلالة على أن منبع الفكر كان عربيًا .

هذه الاطلالة التاريخية التي تستتبع التاريخ وتبحث عن المسببات الأساسية لغياب إنتاج المعرفة في العالم العربي، المعرفة الناجعة والفعالة ربما يمتد إلى سياق تاريخي معقد وبالتالي أي قراءة تقييمية للبحث العلمي وآفاقه ينبغي أن يبدأ أولاً بدراسة المسببات الأساسية له.

وكما سبق الإشارة إليه سابقًا رغم العدد الكمي للجامعات وعدد الطلبة المتمدرسين وحجم الأموال الكبيرة التي تنفقها الحكومات في العالم العربي على البحث العلمي إلا أن هذا كله لم يتمكن من إحداث نقلة نوعية في مجال البحث العلمي، بالرغم من أن هنالك تجارب في محيطنا مثل تجربة ماليزيا وسنغافورة والتي مرت بنفس الظروف التي مر بها العالم العربي وربما كان حجم إيراداتها ومواردها ضئيل مقارنة بالكثير من الدول في العالم العربي إلا أنها استطاعت أن تحدث النقلة في تطوير البحث العلمي من خلال تطوير المنظومة التعليمية فنهضة ماليزيا كانت نهضة تعليمية بامتياز وهي دروس يمكن الاستفادة منها عربيًا وتطويرها بالبحث عن المنهجية التي تم اتباعها في هذا السياق.

بالنظر إلى مراكز الدراسات الاستراتيجية ودورها في ترقية البحث العلمي، عرف العالم العربي مجموعة من النماذج التي دأبت أن تكون مراكز إشعاع في العالم العربي، على سبيل المثال لا الحصر نذكر تجربة مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية في مصر الذي كان تجربة رائدة في عصرها وربما كان الباكورة في تأسيس نهج جديد من التفكير في العالم العربي ولعب هذا الأخير دورًا كبيرًا في إنتاج الدراسات المتخصصة والبحث في آليات وأسباب النظام الإقليمي العربي.

كما عرفت الجزائر أيضًا تجربة في هذا السياق في فترة السبعينات من المعهد الوطني للراسات الشاملة وهو مؤسسة بحثية خلقت ديناميكية معتبرة في هذا النمط من الدراسات من خلال إنتاج سلسلة دراسات وندوات من شأنها استشراف المستقبل المحيط بدائرة الأمن القومي الجزائري.

وتقدم السعودية تجربتها من خلال مركز الخليج للأبحاث الذي أخذ مكانته كمركز متخصص يقدم الرؤية المعرفية بأشكالها المختلفة في سلسلة دراسات، مجلات تتناول المواضيع ذات الصلة بمنطقة الخليج وجوارها الممتد عربيًا وشرق -أوسطيًا.

يمكن القول إن الواقع في العالم العربي بخصوص البحث العلمي واقعًا متعثرًا ولكنه لا يعيش أزمة بكل تأكيد، لكن هنالك أسباب تاريخية تتمثل في عدم القدرة على الإبداع وغياب الإرادة في النهوض بالعملية التعليمية كما أن عدم اكتساب التكنولوجيا يجعل من أي عملية تعليمية كيفية أو كمية مجرد اجترار لأفكار الغير وبالتالي لا تغير من الواقع شئيًا.

الحلول والمقترحات الممكنة للنهوض بالبحث العلمي والتفكير الاستراتيجي:

في سياق الواقع المتعثر للعملية التعليمية والبحث العلمي في العالم العربي نقترح مجموعة الحلول التالية:

أولاً: ينبغي وجود إرادة سياسية تكون بمثابة الرؤية المتبصرة، التي من شأنها خلق مشروع دولة يقوم على أساس أن لا نهضة يحققها مجتمع دون الاهتمام الأولي بالتعليم.

ثانيًا: دراسة مجموعة من التجارب القريبة من المحيط العربي أو البعيدة منه للوقوف عليها وتمحيصها بهدف الاستفادة من منهجية نجاحها وليس اتباع أسلوبها الذي من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية.

ثالثًا: الاهتمام بالبحث العلمي من حيث مبدأ الكيف أي النوعية وليس الكم من خلال العدد الهائل من المتخرجين دون فائدة مرجوة منهم في عملية التنمية، وتحويل العدد الهائل منهم إلى منهجية جديدة تقوم على أساس التدريب أو ما يسمى في شمال إفريقيا والمغرب العربي بالتكوين المهني واستحداث وزارات بذلك تقوم بهذه العملية.

رابعًا: تخصيص ميزانية معتبرة للبحث العلمي الهادف، وجعل التعليم في سياق السياسة العليا للدولة ومرافقته من خلال تطويره ومتابعة نتائجه.

خامسًا: ربط الجامعات ومراكز الدراسات الاستراتيجية بصانع القرار السياسي وصانع القرار التنموي الاقتصادي وجعل الأخيرة مركز إشعاع لها.

سادسًا: آن الأوان لإعطاء مراكز الدراسات الاستراتيجية أهمية كبرى في سياق البحث العلمي وتطويرها وترقيته وجعلها أداة مميزة لجمع المعطيات وتحليلها، وتصبح بذلك الركيزة التي من شأنها أن تقدم المشورة السياسية لصانع القرار فالموظف يعمل وعلب التفكير تفكر.

النتيجة:

من خلال ما سبق الإشارة اليه والوقوف عليه من خلال محاولة مناقشة دور مراكز الدراسات الاستراتيجية في ترقية البحث العلمي، ينبغي القول أن أي أمة –دولة –مجتمع يريد أن يحقق نهضة وينمو ويتطور ويصبح له شأن بين الأمم والدول أن يهتم بالتعليم فالتعليم هو نبراس الأمم إلى المستقبل وجسر عبورها إلى مصاف الدول المتقدمة والمتطورة، والواقع أن التعليم في العالم العربي يعيش عثرة يمكن النهوض منها بسرعة ولكن من خلال استيعاب اللحظة التاريخية التي نمر بها وذلك من خلال جعل العلم والمعرفة ركيزة التفكير ،التفكير بمنطق الاستراتيجيا وعلب التفكير وليس الاكتفاء باستيراد النماذج التي يتم اجترارها دون الفائدة المرجوة التي تعود على التنمية والاقتصاد.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة