انت هنا: الرئيسية العدد 141ملف العددإيران تسعى لتعميق وجودها في اليمن لإيجاد موطئ قدم في الخليج عبر مرحلة انتقالية

إيران تسعى لتعميق وجودها في اليمن لإيجاد موطئ قدم في الخليج عبر مرحلة انتقالية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيلول/سبتمبر 2019

عشية الانتفاضات العربية التي اجتاحت العالم العربي في عام 2011م، بعد فترة وجيزة من إقدام بائع تونسي على الانتحار بإشعال النيران في نفسه، لم تستطع اليمن أيضًا، شأنها شأن العديد من البلدان الأخرى في المنطقة، مقاومة موجة التغيير السياسي. ومن خلال انتقال العدوى من الآخرين والسير على خطى المتظاهرين الآخرين والمتمردين في المناطق المجاورة من العالم العربي، احتشدت أعداد كبيرة من اليمنيين في الشوارع في تظاهرة "يوم الغضب" وتيمنًا بميدان التحرير في مصر، أطلق المحتجون اليمنيون على ساحتهم المزدحمة في صنعاء "ساحة التغيير". كما طالبوا بالإطاحة بمنظومة حكم رئيسهم، علي عبد الله صالح، وهو الوحيد الذي حكم اليمن المنقسمة والموحدة على حد سواء على مدى السنوات الثلاث والثلاثين الماضية. وتجسدت مطالب المتظاهرين في شعار "لا تفاوض، لا حوار، يستقيل أو يهرب".وكان الرئيس صالح، قبل هذه الأحداث بوقت قصير،قد دفع بموجة جديدة من التعديلات الدستورية كان من شأنها إلغاء حدود مدة ولايته تمامًا، بما يمهد له الطريق لتولي منصب الرئيس مدى الحياة.

 

وبدأت شرارة الانتفاضة الجماهيرية في اليمن بعد يوم واحد من الإطاحة برئيس تونس، زين العابدين بن علي، في أثناء مسيرة طلبة جامعيين في شوارع تعز وصنعاء. وبالمعنى الحقيقي للكلمة، كان الشعب اليمين بأسره في الشارع احتجاجًا على طول مدة حكم الرئيس صالح. ومع انتشار الحركة في جميع أنحاء البلاد، قدم الحوثيون كل دعمهم للاحتجاج المناهض لصالح ووجه زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، خطابًا إلى المتظاهرين اتهم فيه الرئيس صالح بتسليم السيادة الوطنية إلى الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الأجنبية الأخرى. وبالمثل، أعربت حراك،"، وهي حركة انفصالية في جنوب اليمن، عن تعاطفها التام مع الفصيل المناهض لصالح، كما تعهدت بالتعاون التام معهم، أي المحتجين في الشمال، حيث أنها لم تكن راضية عن الأنظمة بسبب سياساتها المتمركزة في الشمال. وربما كانت هذه هي اللحظة المناسبة لكي يستغل القادة الجنوبيون المشاعر المعادية لصالح لتعزيز حركتهم الانفصالية. ولقد رأوا أن أحلامهم في دولة منفصلة تتحقق في شمال ضعيف ودولة هشة.

وإلى جانب الحوثيين والحراك، تَمَثَل العنصر الثالث في المجال السياسي المتجدد في "حزب الإصلاح"، الذي كان يعرف في وقت سابق باسم التجمع اليمني للإصلاح. وانضم حزب الإصلاح، إلى جانب الأحزاب الإسلامية الأخرى في المنطقة، إلى الاحتجاج في مرحلة لاحقة. فمع حشد الحركة للقوى المناهضة للنظام وانتشارها على نطاق واسع، لم تكن تستطيع أن تظل مترددة. وكانت زيادة عدد الانشقاقات عن النظام بمثابة ضربة أخرى لجهود صالح لإنقاذه. وقد شهدت اليمن أهم انشقاق في مارس عندما أعلن أحد أبرز شخصيات حزب الإصلاح دعمه لقوات المعارضة، وهو اللواء علي محسن الأحمر، والقائد القبلي وقائد أبناء قبيلة حاشد الشيخ عبد الله الأحمر، وقائد الفرقة المدرعة الأولى في اليمن، والقائد العسكري لصالح، وابن عمه ومؤسس حزب الإصلاح القديم. وفي محاولة مبكرة لمبادرة مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية لتسليم السلطة، وقع الاختيار للرئاسة على، علي محسن الأحمر. وفي اليوم نفسه، أعلن الجنرال محمد علي محسن، قائد المنطقة الشرقية اليمنية تخليه عن الرئيس صالح. ولذلك ظهرت، منذ البداية، أربع حركات رئيسية من شأنها أن تحدد المسار السياسي لليمن: الإصلاح وحراك والحوثيين والجماعات الفردية، بما في ذلك الجماعات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

الفصائل الداخلية والانقسامات الطائفية

لم يكن من السهل التوصل إلى اتفاق في بلد مثل اليمن، يتسم بطبيعته بالانقسامات متعددة المستويات، وهو ما وصفه بجدارة الرئيس صالح نفسه "إن حكم اليمن مثل الرقص على رؤوس الثعابين". وسرعان ما أصبح تنفيذ مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي أشبه بلعبة "الغميضة". حيث رفض صالح في الماضي التوقيع على الاتفاق على نقل السلطة في ثلاث مناسبات مختلفة بحجة أو بأخرى. وقال في البداية أنه لن يتخلى عن السلطة إلا بعد مغادرة "إخوة الأحمر"[1] البلاد، كما طالب صالح بعدم السماح لقطر بالمشاركة في مراسم تسليم السلطة بسبب التغطية السلبية لقناة الجزيرة الفضائية في أثناء نقلها عنه. وأخيرًا، كان على قطر أن تتخلى عن المشاركة في المراسم. وفي وقت لاحق من أجل عرقلة الاتفاق، زعم أن رجاله حاصروا منزل الدبلوماسي الإماراتي في صنعاء وداهموا منزل إخوة الأحمر كذلك. وقد أدت لعبة الغميضة هذه إلى تصاعد العنف بين الحرس الجمهوري لصالح والقوات القبلية الموالية للإخوة الأحمر والقبائل الموالية للحوثيين. وفي خضم كل هذه الأمور، استقال صالح في المقام الأول بسبب الخوف من إلغاء الحصانة الممنوحة له في الاتفاق والضغوط المتزايدة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وقبل ذلك، نُقل جوًا إلى المملكة العربية السعودية في يونيو 2011م، لتلقي العلاج بعد تعرضه للإصابة في محاولة اغتيال. وقد أخرجه الاتفاق من السلطة ولكن ليس من السياسة الوطنية.

 

لقد شهد المسار السياسي في العالم العربي العديد من التشابكات على الجبهتين الدبلوماسية والاستراتيجية، وشهدت اليمن شيئًا مماثلًا، حيث كان صالح والحوثييون هما المنافسين اللدودين على ساحة السياسة الوطنية لليمن-. وخلال فترة ولايته الطويلة التي دامت 33 عامًا، فشل صالح في كسب تأييد الحوثيين وخاض الطرفان كلاهما ستة حروب وحشية بين عامي 2004 و2010م، وفي إحدى الحروب، في سبتمبر 2004م، قُتل حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس الحركة الحوثية والأخ الأكبر لقائد ميليشيات الحوثي الحالي عبد الملك الحوثي.

 

وقد تغيرت ديناميكية العلاقة بينهما بشكل كبير بعد مبادرة مجلس التعاون الخليجي التي تم توقيعها على مضض عندما تصافح عبد الملك الحوثي، والرئيس المخلوع صالح لهزيمة القوى السياسية الأخرى: حزب الإصلاح وحراك. وندد كل من صالح والحوثيين بحكومة هادي المعترف بها دوليًا من جانب الأمم المتحدة، وشكلوا درعًا موحدًا ضد القوات المدعومة خليجيًا في شمال اليمن.

 

ولكن منذ أغسطس 2017م، يبدو أن التحالف ينهار وأن كلا الطرفين يعتريهما القلق بشأن تزايد قوة كل منهما. وقد اتهم كل منهما الآخر بالسيطرة على الحركة واختطافها. وعشية الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام، احتشد الآلاف من أنصار صالح في شوارع صنعاء حيث انتقد صالح الحوثيين بشدة ووصفهم بالميليشيات، الأمر الذي جعل العلاقة على وشك الانهيار. واتهمهم في خطابه بتحويل البلاد إلى وكيل لإيران والتعدي على سلطته. كما أدان أولئك الذين يريدون إنهاء حكمه وقال إن الذين يقومون بذلك لديهم فهم خاطئ للديمقراطية. وفي حين طلب الأمين العام للحزب السيد زكا من الحوثيين محاربة الفساد في أراضيهم الخاضعة للحكم أولًا، وإعطاء الرواتب للموظفين بدلاً من العبث بالنظام التعليمي وتغيير الثوابت الدينية لتحقيق أجندة إيران. ومن ناحية أخرى، جاءت الانتقادات عندما استهدف الحوثيون صالح وقواته من أجل التلاعب بالوضع الحالي لتحقيق مكاسبهم السياسية الخاصة. ومن دون ذكر أي اسم، اتهم الزعيم الحوثي عبد الملك الحوثي الكثيرين بالطعن في الظهر وقال إن هناك أشخاص يتآمرون ضد الأمة ويدخلون في تحالف من شأنه تقويض السيادة الوطنية.

 

دور المشاركين الإقليميين وعملية "عاصفة الحزم"

 

لا تعتبر الانقسامات السياسية والدينية أو الانقسامات بين الشمال والجنوب في اليمن هي فقط ما أحبط كافة محاولات تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد حتى الآن، بل إن تورط الجهات الفاعلة الإقليمية (إيران) في العملية السياسية، قد أعاقها بنفس القدر. وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، شهد المجتمع العالمي كيف استطاعت الجهات الفاعلة خارج الإقليم خنق عملية الانتقال السياسي في المنطقة.

 

لقد تجاوزت الحرب اليمنية، شأنها شأن الحروب الأخرى في المنطقة، حدود السياسة المحلية ولم تعد الأزمة ظاهرة محلية. وترجع أهمية اليمن إلى كل من إيران والمملكة العربية السعودية بسبب موقعها الاستراتيجي. ومما لا شك فيه أن علاقة المملكة العربية السعودية أعمق بكثير من إيران مع اليمن. وتورط إيران أو دعمها للحوثيين ليس بنفس القدر الذي نراه في حالة سوريا أو العراق أو لبنان.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن إيران، تتطلع إلى اليمن بعد أن عززت نفسها في دمشق وبغداد وبيروت، حيث ترغب في التعاون مع الحوثيين. ومن خلال تعميق وجودها الاستراتيجي في اليمن، لا تحاول إيران كسب حليف قريب آخر في المنطقة فحسب، بل تحاول أيضًا إيجاد موطئ قدم قوي في الخليج عبر مرحلة انتقالية. ويبدو أن أربعة عقود من أحلام الخميني في تصدير الثورة الإسلامية تتحقق الآن. ولقد أصبحت إيران قوة أساسية – إن لم تكن القوة الحاسمة – في خضم أسوأ الحروب في المنطقة.

فشل مساعي السلام

يعتبر أهم الاتفاقات المتعاقبة والأساس الأول لها هو اتفاق نقل السلطة الموقع برعاية مجلس التعاون الخليجي في نوفمبر 2011م، حيث سمحت تلك المبادرة للسيد صالح بلعب دور أكبر في الشؤون الأمنية والعسكرية للبلد. وبموجب الاتفاق، كان من المقرر أن يخوض السيد هادي انتخابات حرة لمنصب الرئيس لمدة عامين، وأن يتم تقاسم السلطة بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك (وهي جماعة معارضة تحت قيادة حزب الإصلاح) ولم يكن السيد هادي، لكونه من الجنوبيين، مقبولًا لدى الكثيرين. وأكثر من ذلك، لم يكن حزب المؤتمر الشعبي العام متعاونًا في تنفيذ الاتفاق. كما أحبطت سياسات السيد هادي المتمركزة في الجنوب، وعداءه للموالين لصالح، جميع احتمالات الانتقال السلمي. ويبدو أن مبادرة مجلس التعاون الخليجي فشلت لأن الحوثيين في الشمال وحراك في الجنوب وشباب الانتفاضة قد استُبعدوا من العملية السياسية.

ويعتبر مؤتمر الحوار الوطني، الذي أعلن عنه في مارس 2013م، واستمر حتى يناير 2014م، من أهم الجهود الرئيسية الأخرى الرامية إلى إدراج جميع الفصائل المتحاربة على الطاولة. ودعا المؤتمر إلى إرساء أسس ديمقراطية فيدرالية في اليمن. وكان محور التركيز الرئيسي لـ "المؤتمر الوطني الديمقراطي" على إعادة تشكيل الحدود الداخلية، وكذلك إعادة تعريف هيكل الدولة، وتحقيق الإصلاح السياسي، لكنه فشل في تحقيق أي تقدم بسبب الترسيم المقترح للبلاد الذي عارضه الحوثيون. وبالمثل، في سبتمبر 2014م، وقّعت كافة الأطراف المعنية الأساسية، بمن فيهم رئيس اليمن والحوثيين وممثلي المؤتمر الشعبي العام والعديد من الأحزاب الصغيرة، اتفاق السلم والشراكة الوطنية. وبموجب الاتفاق الجديد، كان من المقرر تشكيل حكومة تكنوقراطية جديدة في غضون شهر واحد بعد توقيع الاتفاق، ولكنها تعرقلت أيضًا بسبب الخلافات الداخلية بين الأطراف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*زميل باحث ــــــ المجلس الهندي للشؤون العالمي ــــــ نيودلهي

 

[1] هم الأسرة السياسية الأكثر نفوذا في البلاد وكانت دائما جزءا لا يتجزأ من السياسة الوطنية

كلمات دليلية

الشركات المعلنة