انت هنا: الرئيسية العدد 141ملف العددضرورة بناء عقد استراتيجي إقليمي للخروج من الحرب في زمن المخاطر والتحديات

ضرورة بناء عقد استراتيجي إقليمي للخروج من الحرب في زمن المخاطر والتحديات

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيلول/سبتمبر 2019

مقدمة: تشهد منطقة الخليج تطورًا ملحوظًا من الزاوية الأمنية عقب عاصفة الحزم عام 2015م، ضد الحوثي في اليمن كأحد الأذرع الإيرانية في المنطقة، خاصة بعد تعليق قطر عضويتها من مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتدخل منطقة الشرق الأوسط عامة، ومنطقة الخليج خاصة جملة من التوترات الأمنية التي لطالما باتت تشكل هاجسًا كبيرًا بل خيارًا استراتيجيًا لدول المنطقة عامة على ضوء المعطيات والملابسات التي باتت تبني بموجبها دول المنطقة سياسات أيًّا كانت إيقاعاتها بل مضامينها وأشكالها وتداعياتها عليها وفي العالم.  

     ومن الأهمية بمكان بأن يحتل موضوع الأمن هذا مجددًا إحدى المشكلات المطروحة على دول الخليج تحديدًا سواءً أتعلق الأمر مع إيران بخصوص تأمين مضيق هرمز للملاحة البحرية للحاملات الأمريكية بالمنطقة، أو بالتنافس مع هذه الأخيرة مع دول الجوار كما نراها حاضرة في كل من (سوريا ولبنان والبحرين...إلخ)، أو في ميادين القتال في (اليمن).      

1. واشنطن وأزمة الخليج العربي: تحاول الإدارة الأمريكية خوفًا من دخولها الصراع المفتوح مع كل مع الصين تحت اسم الحرب الاقتصادية أو مع روسيا في بحر قزوين بسبب جزيرة القرم بأن تبادر بالضغط على إيران ما دامت أنها تسهم في تعويض خوفها من هاتين القوتين الناشئتين أو كلاهما معاً كتحالف قاري له وزنه وأبعاده الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، وذلك على أساس أن تورطها في حرب مفتوحة قد تعرضها إلى اللجوء إلى النووي مما بات مستبعدًا في الحالة الأولى خوفًا من احتمال الردع في أقصى درجاته. لكن مع إيران وبدعم إسرائيلي تحاول إدارة ترامب بالإبقاء على ترسانتها العسكرية في المنطقة على أنها ما زالت وستزال تشكل كأقوى ترسانة عسكرية في العالم.

   وعليه ما زالت القيادة العسكرية الأمريكية تتوجس خيفة من دخولها الحرب مقابل الضغط على إيران عن طريق تأمين كل من مضيق هرمز وباب المندب بنسبة 90 في المائة يقول مسؤول أمريكي، وذلك من أجل جعل قوتها العسكرية على أهبة الاستعداد من خلال دعاويها في المجتمع الدولي بجمع الحشد العسكري والمالي أو بما يُسمى بالتحالف الدولي ضد إيران. علمًا أن الرئيس ترامب يحتاج إلى نافذة دبلوماسية تمنحه القوة تجاه الملف الإيراني بعد إلغائه في 17 مايو 2018م. 

     تزامن هذا مع دعوة بريطانيا إلى الإعلان بأن أوروبا تفيد بأن تأمين الملاحة في الخليج بعد احتجاز إيران لناقلة نفط بريطانية في شهر يونيو الماضي بات ضرورة ملحة للحد من قوة إيران في المنطقة. هذا ما نفته الخارجية الألمانية على لسان وزيرها هايكو ماس على أن لا تتدخل في الحلف الدولي ضد إيران بقيادة واشنطن إلى جانب اسبانيا التي ترفض بدورها المشاركة في البعثة الأمريكية على مضيق هرمز تحديداً . 

    الأمر الذي أكدته الخارجية الروسية على لسان وزير خارجيتها في مؤتمر صحفي مؤخرًا على أن إيران ما كانت لكي تكون قضيتها بنفس الحجم كونها تشكل نزاعًا في ظل بعض الاعتبارات السياسية الداخلية التي تمر بها الولايات المتحدة من أجل كسب التأييد الشعبي ليس إلا. وعليه طالبت الخارجية الروسية ضرورة الإسراع في تسوية مشكلة بعض المواطنين الروس الموقوفين على متن ناقلة النفط Stena Impero البريطانية في أسرع وقت ممكن لكي يعودوا معافين إلى ديارهم . 

    في المقابل، حذر القيادي بالحرس الثوري الإيراني يد الله جواني بقوله : ''في حال ارتكبت واشنطن أي خطأ ضد إيران ستكون في مواجهة للمقاومة في كل المنطقة''، يضيف نفس المصدر  بأن طهران ''أبلغت واشنطن وتل أبيب بأن أي عدوان على إيران، سيواجه محور المقاومة من شرق المتوسط إلى البحر الحمر وبحر العرب وخليج عدن''.

    علمًا بأن الصراع لا يهدأ في الخليج العربي خاصة بل يطول نتيجة ظروف وملابسات بل اعتبارات جيوسياسية وجيو اقتصادية ضاربة في عمق المنطقة والتي تشمل الأمن الإقليمي في الخليج من جهة، والتدخل الأجنبي من جهة أخرى، دونما مراعاة لمؤهلات الداخل وقدارته في تخليص مستقبله على ضوء ما يتوافر عليه من طاقات وقدرات تخدم مصالحه الاستراتيجية بالدرجة الأولى .

   من زاوية أخرى، ترفض إيران المحاولات الأوروبية على رأسها البريطانية تلك المقترحات وفق شروط لحل النزاع بحسب وزير خارجيتها. بينما إيران تراهن من جهتها على تأمين علاقتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية بتعزيز أمن الحدود على طول 8 آلاف و755 كم حيث تعتصم الجماعات الإرهابية إلى جانب عمليات التهريب المتواصلة بعين المنطقة، بما يقم على فتح المجال أمام رجال المال والأعمال والسياح والصيادين لكلا الطرفين .     

2. البعد الاستراتيجي لأزمة الخليج العربي

     لا يمكن لبقاء أزمة ما بأن تدوم طويلاً؛ إلا بمعالجتها بطرق سليمة وهادفة وفق رؤية استراتيجية حتى لا تتحول إلى حرب مدمرة بل إلى تعاون وتكامل يخدم تلك الأهداف والمصالح التي تقوم عليها عن طريق طرح كامل الحلول والمقاربات للتخلص منها بعيدًا عن تعميقها؛ إن لم تكن واجهة من قبل الخصم لركب أهدافها على حساب أهداف المنطقة ودولها وشعوبها. ومن هنا يتوجب العمل بمقتضى العمل الجاد والرؤية الكيسة والنظرة المتبصرة للخروج من أوضاع متدهورة إلى أوضاع أكثر دينامية بل أكثر إنتاجية. لكن السؤال ما هي طبيعة الأزمة الخليجية التي تعصف بالمنطقة الخليجية وما هي أبعادها ومآلاتها ؟ 

   ولعل في عدم توافر الرؤية الاستراتيجية للمنطقة ذات المدى البعيد بضم كامل بلدانها، الأمر الذي قلص من مناوراتها بفتح المجال على مصرعيه لغيرها بل إلى أعدائها أكثر من أبنائها. فدول مجلس التعاون الخليجي تسعى لتحقيق خطوات أولية في مجال البناء والتنمية المحلية للدفع بالرؤية السياسية لصالح الإقليم بغية تجاوز الحاجيات الاقتصادية التي تمليها التدخلات الأجنبية لصالحها أكثر من مشكلات المنطقة وعلى حساب دولها وشعوبها.

    ولعل الأمر بات صعبًا ومعقدًا ما إن لم تتوافر ثمة رؤية استراتيجية تهدف إلى جمع الشمل أكثر من تفريقه ك – عودة قطر إلى الجادة وإلى الصف الخليجي مثلاً – بات ضرورة ملحة بعيدًا عن المنافسة الجوارية إن لم يكن تعاونًا مثمرًا بحيث أن الدولة القومية لم يعد بمقدورها دخول الحرب وأن أمامها غير التعاون الإقليمي كخيار استراتيجي بامتياز. يتزامن ذلك لا لقيادة المنطقة الخليجية فحسب، بل في التأثير في قضاياها العادلة والهامة التي تحتاج إلى إعادة بما يبني قوتها الداخلية ويعزز من قدراتها الخارجية.  بيد أن هذا الطرح وغيره بات يروق لأعداء المنطقة بأن تبقى في الضعف والتلاشي والفوضى دونما يستقيم حالها بغية طرح معادلات جادة وخيارات هادفة تخرجها مما هي فيه إلى ما ينبغي أن تكون عليه.

   ولعل في توحيد الرؤية الاستراتيجية بات أمرًا مفيدًا بل قناعة توليها الدول أينما قناعة لتجاوز مشكلاتها عبر إحداث حلول توافقية لمصالحها وأهدافها الحيوية . ويرى البعض أن ما تداركته السياسة الإمارات العربية في اليمن عن طريق خروجها من اليمن حتى وإن كان ذلك ''تموضعًا'' لا ''انسحابًا'' من عاصفة الحزم إن لم يكن ''استعدادًا للانسحاب'' مرحليًا. كما أن هذا التوجه بات يرمي بكل ثقله على خفض الأعباء العسكرية للقوت الإماراتية المرابطة في اليمن مع بقائها المتمركز في جنوبه عبر خطوط الملاحة البحرية في كل من خليج عدن ومضيق باب المندب باتجاه القرن الإفريقي.

    وإذا كان الهدف السعودي هو إضعاف التأثير الحوثي على اليمن بتسليم السلطة إلى عبد ربه منصور كونه رئيس شرعي ومعترف به دوليًا فإن ذلك يتطلب المساندة والدعم من السلطات اليمنية ـ وبدعم ومساندة المجتمع الدولي ـ  التي يجب أن تضطلع بكامل مسؤولياتها الشرعية المنوطة بها للتعاون مع المملكة السعودية في خضم التعاون وتحسين الأمن بدءً من الحدود المشتركة بين البلدين. كما أن استهداف الطيران الحوثي لكل من المطارات والموانئ الإماراتية والسعودية على التوالي دونما إيجاد حل من قبل اليمنيين أنفسهم من جهة، وغياب حلول إقليمية ودولية لليمن كبلد له عضويته في الجامعة العربية وفي هيأة الأمم المتحدة من جهة أخرى، أضحى من الرهانات الصعبة في المنطقة وتداعياتها على سمعتها في العالم .

   هذا ما جعل هذه الحرب على الأرض بين القوات النظامية السعودية والحوثيين من غير المتوقع بأن تدوم طويلاً لا لأنها مكلفة ومرهقة في آن واحد فحسب، بل كونها تعكر وضوح الرؤية بخصوص مصير المنطقة كاملاً. ولعل هذا ما حذّر منه أهل الاختصاص في الدراسات الأمنية النقدية، وخبراء العلاقات الدولية في صراع الدولة القومية والجماعات الإرهابية كونه مستنقع غير محدد وغير مضمون النتائج سلفًا. إلا أن تشبث الحوثي بتطوير مركبات جوية مسيرة قد يصل مداها إلى 2000 كم، وصولاً إلى مشارف الإمارات العربية مصرًا على مواصلة حربه مهما كلفه الجهد والوقت بهدف إضعاف الدول المتحالفة وجرها إلى الفوضى، وهذا صراع خطير يسمح للتدخلات الخارجية في دعم الحوثي ويضر بالاستقرار في المنطقة. وقد يسجل أن هناك من الجيل الثالث من منظومة ''بركان'' الصاروخية الباليستية بعيدة المدى التابعة للحوثي والتي تستهدف مواقع عسكرية في الدول العربية المجاورة لليمن.

   إلا أن الأهم في ذلك، وهو أن الحوثيين لا يمتون بصلة بالجنوب اليمني مما جعلهم يتفاوضون مع الإماراتيين على التسوية الجزئية بما يجري عليه الحال في الشمال ، الأمر الذي جعلهم لا يباركون بقاءهم في مناطق لا تمثل لهم مصالح حيوية على أوسع نطاق . 

    ولعل هذا التدارك النسبي لقضايا المنطقة تزامن بدوره مع ما يتردد عن تراجع الإمارات العربية من خلال التفاوض مع إيران لمنع تمديد ثمة لحرب مقبلة خارج النطاق المرتقب لكنها ذات عواقب معتبرة بعدما قامت جهات مجهولة سواءً - إيران أو غيرها – باستهداف ناقلات نفطية على مقربة من الفجيرة في أيار / مايو 2019م، مستبعدة إذ ذاك اتهامًا مباشرًا للسلطات الإيرانية .

    وفي هذا الصدد، تم التحذير من التسلح الذي يُطال منطقة الخليج العربي دونما استراتيجية فاعلة وهادفة من ورائه ومن بعده تنم عن قوة الداخل من خلال السيطرة على محيطها المجاور ، الأمر الذي بات يشكل هاجسًا أمنيًا بامتياز في ظل اتهامات المنظمات الإنسانية الدولية بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان يرتكبها الحوثي بسبب الأوضاع في اليمن دون حلول نهائية لحد الساعة؛ إن لم تفتح مسارات أكثر دموية غير قابلة على التريث والحكمة بإيجاد صيغ جديدة مع إيران نفسها.  هذا ما يتحسبه الكونغرس الأمريكي لاتساع رقعة الحروب بها وفي دول الجوار لها كمكسب رئيس لما بعد الحرب في إطار دعم السلام الدائم والمستديم لشعوب المنطقة ومصيرها المرتقب عن نقطة مهمة في خارطة العالم .

   الخاتمة: إن في غياب الرؤية الاستراتيجية للداخل من منطلق كل من السلم والأمن والاستقرار لتلطيف الأجواء المحلية والجهوية والإقليمية والدولية بات الشغل الشاغل للدول خوفًا من ضياعها إلى الأبد . يتماشى ذلك مع العولمة التي ما زالت ترسي دعائم جديدة ومستهدفة للدولة القومية بالدرجة الأولى. لكن في غياب استراتيجية الدولة في قضايا ماسة وهادفة أمست تملي خيارات خاطئة أو مغلوطة تبعًا لأجندات متساوية لذلك قد تدفع باتجاه الانزلاق لكامل المنطقة ولصالح الأعداء ضد أبنائها وبمزيد من اليأس والحسرة والضعف.

   ولعل الطموح الأقرب والأنسب هو انتهاج رؤية استراتيجية أكثر استدامة لتخليص هذه المنطقة الحساسة من سل الأولويات مما آلت إليه حالتها الخاصة والاستثنائية التي باتت تعصف بها .

   ومن هنا يتأكد البعد الاستراتيجي في تخليص المنطقة ومن فيها من ظروفها الصعبة لبناء عقد استراتيجي إقليمي يظفر بالنصر على الأرض وفي كل المجالات بدل الحرب والخروج منها في زمن المخاطر والتحديات في أقرب وقت ممكن والتي لطالما باتت ترهق الدول من النفقات العسكرية، بالإضافة إلى زهق الأرواح البشرية، والممتلكات العمومية والخاصة، وكلها من الخزانة العامة للدولة بحيث أن الخروج منها أو تلافيها كثيرًا ما ينم عن ذكاء الدولة وعبقريتها في المستقبل المنظور حتى لا تقبع على الدوام في العنف المولد للتطرف والإرهاب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أكاديمي بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية الجزائر 3

كلمات دليلية

الشركات المعلنة