انت هنا: الرئيسية العدد 85مقالات(القذافي) الديكتاتور الأضحوكة

(القذافي) الديكتاتور الأضحوكة

انشأ بتاريخ: السبت، 01 تشرين1/أكتوير 2011

كنت في عام 2000 – 2001 م أستاذاً زائراً في قسم العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، بواشنطن العاصمة الأمريكية. وكنت أحضر محاضرات بعض المواد الدراسية، التي تهمني، باعتباري عربياً من منطقة (الشرق الأوسط). ومن ذلك: مادة عن (الديكتاتورية)، في النظرية والتطبيق. وفي تلك المادة كان المحاضر يضرب (أمثلة) على هذا النوع البغيض من الحكومات. وأغلب تلك الأمثلة كانت – مع الأسف – من العالم العربي والإسلامي. كان الأستاذ يقدم تلك النماذج كـ (عجائب) (Wonders) من عجائب السياسة في التاريخ السياسي المعاصر.

وكان (معمر القذافي)، ونظامه، أحد أبرز وأسوأ هذه الأمثلة (العجائب) لدرجة جعلت القذافي أضحوكة الممارسة السياسية في القترة المعاصرة ،كما كان الأستاذ الأمريكي يقول: وقد استمرت هذه الأضحوكة (المهزلة السياسية) لأكثر من أربعة عقود، واستماتت للبقاء لمدة أطول، ولو على أشلاء الشعب الليبي المنكوب بهذا الرجل، وعائلته، والمحيطين به، والذين يمثلون واحداً من أغرب وأعجب وأخطر الأنظمة السياسية، في العصر الحديث. ولكن أخيراً نجح الشعب الليبي في طرد هذا الديكتاتور وأسرته.

لقد صدق ذلك الأستاذ، وتأكدت النظريات التي كان يدرسها، كجزء من علم هام، هو علم السياسة والعلاقات الدولية. ويعتبر نظام القذافي وصمة في جبين الممارسة السياسية العربية والفكر الثوري السياسي العربي الخادع. إن من المخجل، حقاً، أن تشهد دول عربية وإسلامية أنظمة سياسية مضحكة – مبكية، في هذا العصر الذي استيقظت فيه كل شعوب العالم الأخرى على المبادئ السياسية السامية، المبجلة عالمياً، وتمسكت بحقوقها المشروعة في تطبيق تلك المبادئ.

تذكرت ذلك، في الوقت الذي اندلعت فيه الثورة الشعبية الليبية، ضد هذا السياسي المهرج، أضحوكة القرنين العشرين والواحد والعشرين السياسية. وليت الأمر اقتصر على الضحك والسخرية، ولم يصل إلى درجة النكبة، التي نزلت بالشعب الليبي من جراء تسلط نظام القذافي عليه، والأمة العربية والإسلامية التي نكبت هي أيضاً بهذا القائد الثوري والذي خلع على نفسه ألقاباً مضحكة كثيرة، منها (عميد الحكام العرب)، و(ملك ملوك إفريقيا)، وما إلى ذلك من صفات لا يستحي من التشدق بها، وادعائها، أمام وسائل الإعلام العربية والعالمية. بل ويتوج هذا الفسق بارتداء ملابس غريبة عجيبة من حين لآخر.

تثبت إسرائيل بتدخلها الحالي في ليبيا ودعمها للقذافي بأنها وراء معظم نكبات ومآسي العرب

لقد دفعت ليبيا، والأمتان العربية والإسلامية، ثمناً باهظاً، نتيجة لاغتصاب هذا المجنون السلطة، وسيطرته عليها، لأكثر من أربعة عقود. استولى القذافي على السلطة في ليبيا على إثر انقلاب على الملك إدريس السنوسي، قام به مع رفاقه العسكريين يوم الأول من سبتمبر 1969 م، وذلك بتخطيط أمريكي – إسرائيلي غير مباشر، سهل للقذافي نجاح انقلابه على الشرعية الليبية، ثم تولى اليهودي (برونو كرايسكي)، مستشار النمسا السابق، والأب الروحي السياسي لمعمر القذافي، توجيهه نحو الوجهة التي سار فيها منذ عام 1971 م. كان هم كرايسكي الأول هو: تقديم خدمة لإسرائيل تتمثل في تحويل ليبيا (هذا البلد العربي الهام) إلى عبء على العرب والمسلمين، ومكسب للكيان الصهيوني الغاصب.

وقفة الغرب المتسلط الراهنة مع الثوار الليبيين تثير الكثير من القلق والشكوك

كان كرايسكي يهودياً صهيونياً مخلصاً، رغم تظاهره بالموضوعية، وانتقاده لبعض سياسات إسرائيل، من حين إلى آخر. ويبدو أن القذافي - الذي يقال إن له جذوراً يهودية – فهم المطلوب منه، وقام به خير قيام، وها هي المحصلة المأساوية لتسلطه ماثلة. وهي محصلة ربما لو عاش كرايسكي لمشاهدتها، لندم على فعلته هذه (لاعتبارات إنسانية) واستغفر من ذنبه هذا رغم صهيونيته.

ومما يؤكد ما ذكرناه انتفاض إسرائيل لمساعدة القذافي، ضد شعبه الثائر عسكرياً وسياسياً، لأن من مصلحة إسرائيل أن يتحكم القذافي وأمثاله في أقطار العرب.

وكما هو معروف، فإن القذافي ألغى كل مظاهر وعناصر الدولة في ليبيا. حتى الجيش الليبي حوله إلى كتائب منعزلة، ومرتزقة، يبدو أنها إنما أنشأت لإخضاع الشعب الليبي، والحيلولة دون ثورته ضد نظامه الظالم، ولم تنشأ للدفاع عن مصالح واستقلال ليبيا.

وقد زل لسان القذافي، عند بدء الثورة الشعبية الليبية ضده، فقال: إن هؤلاء الثوار يمثلون خطراً على أمن أوروبا، وكذلك أمن إسرائيل! وفي بداية الثورة أوفد ابنه الشبيه، سيف الاسلام، إلى إسرائيل سراً، طالباً النجدة لقوات والده وكان له ولأبيه ما أرادا. إذ رحبت إسرائيل بهذا الطلب، وسارعت بإرسال أسلحة وخبراء عسكريين إلى طرابلس، لمساعدة كتائب القذافي، ضد الشعب الليبي.

ويعزو بعض المراقبين كثيراً تراجعات الثوار الميدانية في بداية الثورة وكذلك تردد قوات حلف (ناتو) في حسم المعركة مبكراً لمصلحة الثوار، إلى الدعم الصهيوني المشار إليه. وهكذا، استخدم القذافي سلاح وعتاد ليبيا، الذي اشتراه بأموال الشعب الليبي، واستعان بإسرائيل، ومرتزقة أفارقة، لدحر واستعباد الشعب الليبي. وهكذا، تثبت إسرائيل بتدخلها الحالي في ليبيا بأنها وبطريق مباشر وغير مباشر وراء معظم نكبات ومآسي العرب. ولكن الحق انتصر في النهاية. وهاهم الثوار يطاردون القذافي (الثائر)، ليمسكوا به، ويقدمونه لمحاكمة شعبية عادلة على ما اقترفه ضد الشعب الليبي من جرائم بشعة، بعد أن سيطروا على معقل القذافي في طرابلس.

وتثير الثورة الشعبية الليبية، في الواقع، بعض التساؤلات المتعلقة بتدخل حلف (ناتو) إلى جانب الثوار. صحيح، أنه لولا هذا التدخل (المكروه) لفتك القذافي بأعداد هائلة من مواطنيه المدنيين المتظاهرين ضد تسلطه. ولكن الغرب المتسلط عود الأمة العربية على الوقوف ضد آمالها في الحرية والكرامة والاستقلال. لذلك، فإن وقفة الغرب المتسلط الراهنة مع الثوار الليبيين تثير الكثير من القلق والشكوك، التي سنتطرق إليها في مقال قادم، بإذن الله.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة