ظلت إيران منذ اندلاع الثورة على نظام الشاه في نهاية سبعينيات القرن العشرين تعتمد على سياسة خاصة ونهج مستمر ضد دول الجوار العربي والإسلامي من منطلق أنها أمة مغايرة لدول الجوار في النهج والعقيدة ، وأخذ النظام الحاكم في طهران يروج لسياسة ترتكز على ما أسماه بتصدير الثورة والثأر للمظلومية التاريخية، ونشر التشيع بلا هوادة في دول الجوار المباشر أو الجوار الأبعد في إفريقيا ودول آسيا الوسطى، وكأن هذه الدول أرض فضاء، أو لم تعرف أو تسمع عن الإسلام من قبل، وسخرت لنشر فلسفتها كل إمكانياتها المادية على حساب تنمية المجتمع الإيراني وتوفير متطلبات شعبه، واعتمدت في ذلك على عدة أدوات و أذرع لتكون رأس الحربة لتمددها في دول الجوار الإقليمي . كما حدث في استخدام وتجييش حزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن، و افتتاح ما أسمته المراكز الثقافية في الدول الإفريقية والآسيوية، متجاهلة الدول وحكوماتها واعتمدت على هذه الأذرع فيما اعتبرته الحرب بالوكالة، وتمادت في ذلك ،ما جعل قادتها في ظل نشوة التمدد، يتباهون أنهم يحكمون أربع دول عربية وأن نفوذ دولتهم أمتد إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط لأول مرة في التاريخ، إضافة إلى تحكمها في مضيق باب المندب، واستغلت إيران أحداث ما يسمى بثورات الربيع العربي ليمتد نفوذها بشكل علني إلى دول هذه الثورات كما حدث في السودان وحتى مصر عندما أرادت أن تقيم علاقات مع القاهرة في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين، وأرادت في ذلك الوقت اتخاذ أخطر قرار تحت شعار (السياحة في مصر)، حيث اختارت منطقتين لسياحة الإيرانيين هما شبه جزيرة سيناء ومحافظات أقصى الصعيد في مصر وهي قنا والأقصر وأسوان، ولم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل مدروسًا بعناية، فرغم أن هذه المناطق ليست من مناطق الآثار الإسلامية، أو بها أضرحة لآل بيت النبي محمد عليه الصلاة والسلام كما يروجون لمحبتهم ، بل لأن سيناء على حدود حماس في غزة، ومحافظات الصعيد وهي سنية المذهب لكن تنتشر بها الطرق الصوفية التي يمكن اختراقها تحت شعار حب آل البيت وهناك الناس بسطاء وقد ينساقون وراء هذه الأكاذيب ومن ثم نشر المذهب الشيعي.
وفي هذه الأثناء أرادت طهران توجيه أنظار الشعب الإيراني إلى مكاسب خارجية أو الترويج لنظرية العدو الوهمي الخارجي لحشد فسيفساء الشعب الإيراني متعدد الأعراق والقوميات خلف حكام إيران وتغيير اتجاه هدر أموال الشعب على دعم ميليشيات خارجية لا تعود بالنفع على الشعب الإيراني، وفي كل ذلك نسيت أو تناست طهران أهمية دول الجوار العربي والإسلامي في دعمهما خلال الأزمات الملمات، فيكفي دول مجلس التعاون الخليجي أن التاريخ سوف يسجل أنها لم تشارك في هذه الحرب، بل لم ترد على الهجمات التي انطلقت على أراضيها من إيران والتزمت الحياد رغم قصف منشآتها قصفًا متكررًا ومتواليًا، بل حاولت تفادي هذه الحرب قبل وقوعها عبر الوساطات المتكررة، كما أن باكستان الدولة المسلمة ذات الأغلبية السنية بذلت وما زالت تبذل جهودًا مضنية في استضافة المفاوضات واستمرار الهدن بين أمريكا وإيران، وانقذت إيران من ويلات الحرب المستعرة ، كل هذه الجهود من دول مجلس التعاون الخليجي ومن باكستان تُسقط مزاعم إيران حول ما تسميه العداء السني / الشيعي وافتعال الخلافات المذهبية والطائفية ومحاولات شق الصف الإسلامي رغم تعايش المذاهب الإسلامية على مر التاريخ ومنذ أن نشأت هذه المذاهب، وما حدث ومازال يحدث من دول الخليج العربية وباكستان يؤكد أنها دول محبة للسلام، ولا تعاني من عقد طائفية أو مذهبية، وأنها تؤمن بالتعايش السلمي وتنبذ الحروب والتعصب، وتسعى للتعاون، ويتبقى أن تتعامل إيران مع هذه الدول بروح التسامح والعايش مع الآخر ونبذ الكراهية.
وعلى صعيد ذي صلة، يجب على الدول الإقليمية أن تتبنى استراتيجية أمنية لتثبيت السلام والاستقرار وإحلال التنمية والتعاون بدلًا من الصراع والحروب، على أن ترتكز هذه الاستراتيجية على تحييد الممرات المائية والمضايق باعتبارها ممرات دولية ولا تخضع لملكية دول محددة لمجرد إشرافها على حدود هذه المضايق كما تفعل إيران مع مضيق هرمز، بل يجب تفعيل القانون الدولي البحري، لا قانون الغاب والهيمنة وفرض الأمر الواقع عنوة.






