array(1) { [0]=> object(stdClass)#11966 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 139

البحث العلمي في تركيا: التأثير ـ الأهمية ـ الرؤية المستقبلية

الإثنين، 08 تموز/يوليو 2019

اهتمت الجمهورية التركية بالبحث العلمي منذ تأسيسها، واعتبرته أحد ركائز التقدم والتنمية والازدهار، ووضعت الحكومات التركية المتوالية برامجها في تطور الأبحاث العلمية والتكنولوجية والإنسانية في كل المجالات، كما اهتمت الأحزاب السياسية في تركيا بوضع خططها وبرامجها لتطوير البحث العلمي، سواء كانت هذه الأحزاب في السلطة أو في المعارضة، وتضع ذلك في لوائح تأسيسها وبرامج عملها واهتماماتها، لأنها تلبي تطلعات الشعب التركي بالدرجة الأولى، ولمعرفتها بأن القطاع الأكبر من الشعب هم من الشباب الطموح والمتطلع لأخذ مكانته العلمية الدولية على المسرح الأوروبي والعالمي.

إن مسار البحث العلمي هو مسار الشعوب والمجتمعات والأمم الناهضة والطموحة في الرقي والتطور، فاتخذت الحكومات التركية والمؤسسات البحثية العلمية مسؤوليتها أمام شعبها وأمام الدول الأوروبية المتقدمة، بحكم سعي تركيا تأمين متطلبات الانضمام للاتحاد الأوروبي، ومواكبة الدول الأوروبية في التقديم العلمي الذي تعيشه شعوبها وتمارسه مؤسساتها العلمية والأكاديمية، فالانتماء التركي المنشود للاتحاد الأوروبي لن يتم إلا بالتقدم العلمي والخطط والبرامج التنموية التي تؤدي إليه، وهكذا أخذت ميزانيات البحث العلمي في تركيا بالازدياد بشكل مضطرد في العقود الأخيرة، وقد بلغت في عام 2017 قرابة عشرين (20) مليار دولار أمريكي.  

واقع البحث العلمي في تركيا:

تشير بعض الدراسات الرسمية الأخيرة إلى أن عدد مراكز البحث والتطوير العلمي في تركيا قد وصل إلى 900 مركز تقريبًا، وذلك وفقًا لما أفادت به وزارة العلوم والصناعة والتكنولوجيا التركية، وأن هذه المراكز تعمل في معظم الولايات التركية، وإن كان معظمها يتركز في المدن التركية الكبرى، ويعمل كل واحد منها بحسب تخصصه في تطوير الأبحاث العلمية وتطوير المشاريع الخاصة التي يتوفر لديها الكادر العلمي والإمكانيات البحثية لها، مثل أنظمة الحواسيب المتطورة وغيرها، والعمل على صناعتها بأعلى درجات التقدم العلمي العالمي، بل والمنافسة على صناعة أفضلها على المستوى الدولي، وغيرها، لأن الهدف الرئيس لمراكز البحث العلمي هو الابتكار والمنافسة وتبني الأفكار الإبداعية، ودعم مشاريع البحث الجديدة والأكثر تطورًا وتقدمًا.

إن مراكز البحث العلمي في تركيا توظف اليوم نحو 48 ألف شخص، وتعمل على أكثر من 11 ألف مشروع، وقد أخرجت حتى الآن 2500 براءة اختراع مسجلة، وتستضيف مدينة إسطنبول وحدها العدد الأكبر من مراكز البحث والتطوير في تركيا، إذ تضم أكثر من 310 مراكز، تليها ولاية كوجايلي وفيها 102 مركز، ثم ولاية بورصة وفيها 94 مركزاً، وهذه المراكز البحثية العلمية تأخذ الدعم المالي من وزارة العلوم والصناعة والتكنولوجيا التركية إذا كانت تضم 15 موظفًا أو أكثر ، من خلال الإعفاءات الضريبية والعديد من الحوافز ، كما تقدم الحكومة دعمها لمراكز التصميم التي تضم 10 موظفين أو أكثر، حيث يوجد في تركيا أكثر من 200 مركز تصميم، وتعمل هذه المراكز على تطوير منتجات القطاع الخاص وتحسينها وتنويعها، وهو ما يساهم بشكل كبير في تعزيز الميزة التنافسية الدولية لتركيا عالميًا في هذا المجال.

وظيفة المراكز البحثية في تركيا ودورها وتأثيرها:

إن الدور الأساسي لمراكز البحث العلمي في تركيا هو كونها المصدر الأساسي لمشاريع التنمية البشرية النوعية، ومشاريع التنمية الصناعية والتكنولوجية والعمرانية، حيث أن مشاريع الخطط التنموية ينبغي أن تكون علمية وارتقائية وإبداعية وتلبي حاجات الوطن النهضوية على المستوى المرحلي والاستراتيجي وفي كل المجالات، ولذلك تعمل هذه المراكز على رفد نفسها بالطاقات العلمية العالية، وتجلب العلماء المرموقين في أبحاثهم لمراكزها ومختبراتها ومؤسساتها الأكاديمية، فتعمل على إنشاء جيل من العلماء في كل التخصصات، وبالأخص من جيل الشباب المتعلم الطموح في كل التخصصات العلمية المتقدمة، ليأخذوا مكانتهم في عجلة البناء والتطوير والتقدم والازدهار لبلدهم.

إن من مهمة الدولة ممثلة بوزاراتها ومؤسساتها وهيآتها المختصة أن تقدم الرؤية الاستراتيجية للبحث والتقدم العلمي للدولة، وأن تكون الخطة معدة لعدة سنوات وربما لعقود قادمة أيضًا، وفي الغالب فإن الدولة تضع خططها التطويرية بحسب قدراتها وإمكانياتها القائمة والمتوقعة خلال سنوات قليلة، ثم الزيادة عليها وتوسيعها نوعيًا وجغرافيًا، وهي ما قامت به الحكومة التركية بتقديم رؤية استراتيجية لعام 2023م، منذ سنوات، فهذا يجعل الدولة بكافة وزاراتها ومؤسساتها التطويرية تعمل على تحقيق الرؤية الاستراتيجية عبر سنوات متواصلة، وكل بحسب تخصصه وخطته التطويرية في مجاله، والحكومة هي التي تجمع الأبحاث العلمية وتتابع تنفيذها على مستوى الوطن كله، وبالخص التي تمثل رؤية تطويرية تقدمية تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية وغيرها.

إن التحدي الأكبر لمراكز البحث العلمي هو أن تشمل كل مناحي الحياة العلمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتصنيعية والتنموية، وبالأخص في التنمية السياسية التي تقيم الدولة الديمقراطية وتؤمن الحريات العامة وتدافع عن حقوق الإنسان كما تدافع عن حرية الاعلام لكل مكونات الوطن الاجتماعية والسياسية والاثنية وغيرها، والتحدي الآخر هو إيجاد الجيل الذي يؤمن برسالة وهوية دولته وأهمية تقدمها وتطويرها ودخولها مجال التنافس الدولي في المجالات العلمية قبل غيرها.

وهذا يتطلب إيجاد الحوافز التي تشجع العاملين في هذه المجالات التطويرية بمصداقية مشروعهم، وأهمية جدوى جهودهم الواقعية، ورؤية نتائجها العملية، وعدم ضياع تضحياتهم، هذه التحديات تحتاج لعمل جاد أولاً، وفريق من العلماء والباحثين النشطاء ثانيًا، والواعيين على الأهداف الاستراتيجية التي يعملون عليها ثالثًا، وأخيرًا فريق مراقبة ومتابعة ومحاسبة لما تم انجازه وما تم الاخفاق فيه ومعالجته، فالأبحاث العلمية تواجه في مسارها بعض المشاكل والمعوقات ولكنها تتغلب عليها وتعالجها.

نماذج من المراكز البحثية في تركيا:

ـ مركز أنقرة للسياسات (APM)

مركز مختص بالشؤون السياسية، هدف المركز الرئيسي تعزيز التواصل الدولي في مواضيع السياسات الداخلية والخارجية، وتقديم الدعم لتطوير المشاركة في إنتاج الأفكار وإيجاد الحلول، حيث يقيم فعاليات ومؤتمرات لدراسة قضايا دولية، كفعالية: "الثورة التونسية والحفاظ على المكتسبات" و"وجهة النظر المستقبلية حيال العلاقات التركية ـ الروسية"، و"مؤتمر الدراسات الصينية". ولا تأثير للمركز على سياسات السلطة التركية خارجيًا.

ـ مركز العلماء والبحوث الاستراتيجية (BİLGESAM )

يجمع المركز عددًا كبيرًا من الأكاديميين والدبلوماسيين المتقاعدين العلمانيين الأتاتوركيين، ويقيم مؤتمرات عن كثير من المواضيع الإقليمية ويعدّ تقارير حولها.

ـ معهد السياسة الخارجية

هو مؤسسة بحوث مستقلة أنشئت عام 1974م، لدراسة المواضيع التي تهمّ السياسة التركية الخارجية والعلاقات الدولية. وقد وسَّعت أعمالها في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة لتشمل المشاكل الاستراتيجية والإقليمية والمشاكل الأمنية الدولية.

ـ مركز البحوث الاقتصادية والسياسات الخارجية EDAM))

يقوم على رئاسته الأكاديمي سنان أولغن، وهو موظف سابق في حلف شمال الأطلسي، ويجمع المركز شبكة من الأعضاء متكونة من قطاعات المجتمع التركي المختلفة كالأكاديميات والمجتمع المدني وعالم الأعمال والإعلام، ويجري دراساته في مواضيع متنوعة كتركيا والاتحاد الأوروبي، والسياسة الخارجية والأمن، ومراقبة الأسلحة، والطاقة والتغير المناخي، والاقتصاد والعولمة.

ـ مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية (ESAM)

هو أول مركز بحوث إسلامية في تركيا، أنشأه زعيم حركة الرؤية الوطنية الإسلامية نجم الدين أربكان عام 1969م، وقد لعب دورًا فاعلاً في الإعداد لتأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية، التي هي مؤسسة دولية متكونة من ثماني بلدان هي بنغلادش، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ومصر، ونيجيريا، وباكستان، وتركيا، اجتمعت تحت قيادة رئيس حكومة "رفاه يول" نجم الدين أربكان. حيث تَعتبر حركةُ الرؤية الوطنية مجموعةَ الدول المرحلةَ الأولى للوحدة الإسلامية.

وبعد أن أتمت مجموعة الدول الثماني تأسيسها أعدّ المركز مسوّدةً لتحويلها إلى حركة دمجٍ عالمي تضم أعضاء جديدة لتصير مجموعة الدول الستين ومن ثم مجموعة الدول المئة وستين، ولتصبح مكوّنًا يضم جميع الشعوب المضطهدة.

ويجهّز الآن لمشروع نظامِ عالَمٍ جديد عادل يضم تحت جناحه جميع الدول التي تعاني من الاستعمار العالمي وعلى رأسه الصين والهند وروسيا والبرازيل والمكسيك.

يعمل المركز اليوم مستشارًا لحزب السعادة الذي هو الحزب السياسي للرؤية الوطنية، وليس له تأثير على سياسات السلطة.

ـ منتدى العلاقات العالمية (GİF)

أُنشئ منتدى العلاقات العالمية من قبل 40 شخصًا مثّلوا تركيا في المنصات العالمية وحظوا باحترام من سياسيين وسفراء وأكاديميين وضباط وفنانين وحقوقيين وصحفيين ورجال أعمال وموظفين لدى الدولة، وحيث إن المنتدى قد تشكل من دبلوماسيين علمانيين متقاعدين فهذا يعني ضعفه أو عجزه عن التأثير بالسياسة التركية الخارجية.

ـ مركز البحوث الاستراتيجية في جنوب آسيا (GASAM)

يقوم على رئاسته نائب وزير الاتحاد الأوروبي السابق علي شاهين، ويجري المركز من خلال دراساتٍ علمية واستراتيجية بحوثًا عن السياسات الداخلية والخارجية لبلدان جنوب آسيا، التي تضم باكستان وأفغانستان والهند وبنغلادش وسيريلانكا ونيبال وبوتان وجُزُر المالديف، وبُنى تلك البلدان الاقتصادية والاجتماعية، ووجودها الثقافي والعرقي والتاريخي والديني والعسكري، وتوازنات المنطقة الاستراتيجية والجيوسياسية، والحركات الاجتماعية، والمشاكل، والمواضيع المتعلقة بالمنطقة.

يساهم المركز في تطوير علاقات تركيا بالمنطقة من خلال ندوات ومحاضرات وفعاليات نشر وتعليم ورحلات، ويضم فريق المركز شخصيات من كوادر حزب العدالة والتنمية، ويؤدي المركز وظيفة استشارة لتركيا في سياستها الخارجية والإقليمية.

ـ مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية (İNSAMER)

هو مركزُ بحوثِ وقفِ الإغاثة الإنسانية İHH، وهو مؤسسة على الخط الإسلامي تُعِدّ تقارير بحوث استراتيجية من خلال شبكة الإغاثة التي شكلتها منظمة الـ İHH حول العالم. ومع قربها من سلطة حزب العدالة والتنمية فتأثيرها على السياسة التركية الخارجية تأثيرٌ ضعيف.

ـ منتدى جامعة قوج KOÇ للبحوث الاقتصادية

أنشئ المنتدى بشراكة جامعة قوج KÜ وجمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك TÜSİAD. يعكس الآراء الاقتصادية لمجموعات رؤوس الأموال العلمانية في تركيا. ومع سعيه للمحافظة على علاقاته جيدة بالسلطة إلا أن الأمر لا يخلو من مواقف معارضة لها بين الحين والآخر.

ـ جمعية باحثي الشرق الأوسط وإفريقيا (ORADF)

أنشئت الجمعية بغرض جمع الباحثين الذين يقومون بدراسات على الشرق الأوسط وإفريقيا والمناطق التي تنتشر فيها الثقافة والحضارة الإسلاميتين. وهي من المؤسسات الفكرية النادرة التي تنشط في تركيا، ولو لم تؤثر بسياسات السلطة فلها تأثيرها على الرأي العام.

ـ مركز البحوث الاستراتيجية في الشرق الأوسط ( ORSAM)

هو مركز بحوث استراتيجية ينشط بشكل فعال مثل جمعية باحثي الشرق الأوسط وإفريقيا، ولا يتخذ موقفًا مواليًا ولا معارضًا لرئاسة الجمهورية، ويبرز المركز بسمَتِه القومية.

وهو مركز دراسي يتعمق بالمواضيع الخاصة بتركيا والشرق الأوسط ويعطي الفرصة للكثير من طلاب العلاقات الدولية والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية للعمل في إطاره فترات معينة ليطور موهبتهم التحليلية وينميها ويجعلهم على دراية أكبر بأساليب السياسة التحليلية وسياسة المقارنة بين تركيا والشرق الأوسط، ليكون على وعي أكثر بما تحتاجه تركيا لمستوى عالي من ديمقراطية وتطور وتقدم.

ـ البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA)

يتألف كادره جميعًا من أكاديميين مؤيدين لسلطة حزب العدالة والتنمية، وعلى رأسهم المنسق العام برهان الدين دوران، وقد صُمِّم على عهد رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو ليكون مركز بحوث استراتيجية لسلطة حزب العدالة والتنمية.

يصدر المركز مجلة Insight Turkey (باللغة الإنكليزية) ومجلة رؤية تركية (باللغة العربية) ومجلة شهرية باسم كريتر ، كما يمارس أنشطته في مكاتبه التي في أنقرة وإسطنبول وواشنطن وبرلين والقاهرة.

يتمتع المركز بفعالية على مستوى يؤهّله لتوجيه السياسة التركية الخارجية، لكن عدم استقلاله أكاديميًا يحول دون قيامه بتحليل وتقييم حر، حيث ينظر الرأي العام التركي إلى أتباع المركز بأنهم ناطقون باسم السلطة أكثر من كونهم أكاديميين مستقلين.

ومركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية "سيتا" له عدة أنشطة بحثية في مجال الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، التي تسعى من خلالها نشر أهداف رؤية 2023 الخاصة بهذه المجالات من خلال مشاركة هذه الأبحاث مع العديد من فئات المجتمع المختلفة، ومن خلال توفير فرصة البحث العلمي للطلاب والشباب النوابغ أيضًا، الذين يصبحون بعد ذلك موظفين في الدولة وعدد من المؤسسات المركزية المهمة وبفكرهم التطويري التنوعي الذي حصلوا عليه نتيجة عملهم في مراكز الأبحاث العلمية يصبحون عناصر مهمة وفعالة في دفع عجلة تحقيق الرؤية الاستراتيجية.

ـ معهد الفكر الاستراتيجي (SDE)

ينشط المعهد الموالي لحزب العدالة والتنمية كمؤسسة من مؤسسات وقف البحوث والفكر الاستراتيجي (SDAV) الذي أنشئ رسميًا عام 2009م، لكن الدولة لا تدعمه كما تدعم مركز (SETA) ولهذا فمجال تأثيره أضيق.

ـ مركز البحوث الاستراتيجية التركية الآسيوية (TASAM)

هو مركز على الخط القومي التركي ذو مجال فعالية ضيق.

هذه بعض المراكز البحثية القائمة في تركيا اليوم، وهي مراكز بحث سياسية وحضارية في معظمها وليست مراكز أبحاث علمية، ويمكن اعتبار ORSAM و ORADF و İNSAMER مراكز أكاديمية مقربة من حزب العدالة والتنمية تنشط في البحث وتنتج معلومات، وهي في مقابل ذلك لا تملك أدواراً فعّالة في السياسة الخارجية سواءً في العالم الغربي أو الإدارة التركية.

أما منتدى جامعة قوج للبحوث الاقتصادية وGİF وEDAM وBİLGESAM التي أنشأتها الشريحة العلمانية فهي مؤسساتٌ ضعيفة لدى إدارة أنقرة مع أنها حاضرة في العالم الدبلوماسي الغربي.

أما SETA التي هي مؤسسة بحوث فكرية تابعة لأنقرة بكل وضوح فتلقي بظلال الشك على نتاجها المعلوماتي بسبب موقعها السياسي المنافح عن السلطة أو الناطق باسمها. ومؤسسات البحوث الأخرى مؤسسات خاملة.

ومع أهمية مراكز البحث السياسية والإنسانية والفلسفية فإن الدور العمراني منوط بمراكز الأبحاث العلمية والتكنولوجية والتقنية، فهي القادرة عمليا على تطوير العلوم والتقنيات وتحديثها بشكل كبير حتى يتم مواكبة التطور والتقدم العالمي، سواء في المجال المدني أو العسكري، وقد تعمل الدولة على إخفاء أخبار ومراكز هذه الأبحاث، لأنها تعتبرها من أسرار قوتها العلمية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية، بل وتضطر الدول إلى توفير أعلى درجات الأمن والسرية لحماية مراكز بحثها العلمي وحماية علمائها من التجسس والخطف أو الاغتيال.

من مراكز البحث العلمي والتكنولوجي مؤسسة تركيا للأبحاث التكنولوجية والعلمية "توبيتاك"، التي تدعم المشاريع العلمية والتطويرية المتنوعة وتقدم الدعم التعليمي للطلاب المتفوقين لاستكمال دراستهم في أفضل الجامعات، وبعد ذلك تقوم بتوظيفهم ضمن فريقها للاستفادة من إبداعهم وأفكارهم "وأكبر مثال على ذلك أن حوالي 40 % من المهندسين الذين سيعملون في مفاعل "أك كويو" النووي" من فئة النوابغ التي تم تدريبهم وتعليمهم بواسطة توبيتاك.

كما أن أهمية مراكز البحث أن تصبح مصدر دخل اقتصادي للبلاد، وتوظيف قطاع كبير من أبناء الشعب في كافة المجالات التصنيعية، وعلى سبيل المثال تمكنت الدولة التركية من رفع مستوى صادراتها ودخلها القومي من تصدير الأسلحة العسكرية المنتجة في المصانع التركية، بعد أن أصبحت منافسة في سوق التجارة العسكرية الدولية، فقد ارتفعت صادرات تركيا من الصناعات الدفاعية والفضائية بنسبة 24.9 % في ديسمبر / كانون الأول 2018م، مقارنة بالشهر نفسه من عام 2017م، وبحسب معطيات مجلس المصدرين الأتراك، فقد بلغت قيمة صادرات الصناعات الدفاعية والفضائية في ديسمبر 253 مليونًا و496 ألف دولار .

وبحسب المعطيات، فإن صادرات الصناعات الدفاعية والفضائية سجلت رقمًا قياسيًا جديدًا، إذ بلغ إجمالي قيمتها خلال العام الماضي مليارين و35 مليون دولار، بعد أن كان آخر رقم قياسي بواقع مليار و739 مليونا في 2017.

وبلغت قيمة الصادرات بهذا المجال مليارًا و260 مليونًا عام 2012، ومليارا و388 مليونا في 2013، ومليارا 647 مليونا في 2014، ومليارا و654 مليونًا في 2015، فيما وصلت مليارًا و677 مليونًا سنة 2016م، وحصلت الولايات المتحدة على الحصة الكبرى من تلك الصادرات خلال 2018م، بواقع 726 مليون دولار، تلتها ألمانيا بـ 226 مليون دولار، فبفضل مراكز الأبحاث العلمية العسكرية أصبح في تركيا 4 من بين أكبر 100 شركة صناعات دفاعية في العالم.

خاتمة:

إن مؤسسات البحوث والدراسات في بلد مثل تركيا مهمة جدًا، فهو يتمتع بتاريخ عريق ومجال تأثير واسع في محيطه الاقليمي وعنده موقع جغرافي قوي وضاغط بحكم وقوعه في أوروبا، ولذا فإن المؤسسات والمراكز العلمية والبحثية مطالبة أن ترفع من مستوياتها العلمية، وأن يتبنى القطاع التركي الخاص ، سواء التابع لمؤسسات أو جامعات أكاديمية، أو التابعة إلى المصانع المنتجة والمصدرة لبضائعها للخارج، فهي مطالبة أن تدخل أعلى مستويات التحدي في التقدم الصناعي تقنية، وتقليلاً للكلفة، وارتفاعًا في الجودة، كما ينبغي بناء مؤسسات بحوث وهيآت استشرافية للتقدم والازدهار في تركيا تكون مستقلة وفاعلة ومبدعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي ـ تركيا

مجلة آراء حول الخليج