array(1) { [0]=> object(stdClass)#11965 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 93

الدور المنتظر من المثقف الخليجي في تنمية مجتمعه

الجمعة، 01 حزيران/يونيو 2012

على الرغم من أن المثقفين في أي مجتمع لا يشكلون كتلة متجانسة موحدة الأهداف والاهتمامات، بل هم فئة متنوعة المهام والخلفيات الثقافية والإيديولوجية، إلا أن هناك عوامل تجمع بينهم بصفتهم عموماً أشد الناس التصاقاً بالمعرفة وأقربهم إلى تحكيم العقل والنقد، وأكثرهم استعداداً للتعبير الإبداعي والإنساني عن هموم البشر وتطلعاتهم، ما يضع على عاتقهم مهمة المبادرة إلى تأسيس وعي ثقافي في مجتمعهم حول مسائل إشكالية لم تستطع ثقافة مجتمعهم التأسيس لها أو عممتها بصورة قاصرة ومشوهة. وقد جرت العادة أن تتطلع المجتمعات إلى دور إنقاذي للمثقفين في أوقات المحن والأزمات السياسية أو في لحظات التحول العاصفة، كنوع من الإقرار بالوظيفة الخاصة لهم في الرد عما يستجد من تطورات، وفي إعادة بناء وعي نقدي وأفكار جديدة يفترض أنهم أقدر المعنيين ببنائها.

في هذا السياق، تعتبرقضيةالمثقفودورهوفاعليتهفيالمجتمعمنالقضايا المهمة التيتشغل بال أي مجتمع يتطلع إلى تحقيق تقدم ملموس في عملية التنمية بجوانبها المختلفة، خاصة وأن المثقف له –أو مفترض ذلك- دور كبير في واقع الناس ودنياهم، بمعنى أن يكون لديه وعي يتبعه دور اجتماعي، يصلح به الواقع المعاش. فالمثقف هو جزء من المجتمع وعليه يقع واجب الارتقاء بواقع هذا المجتمع وأن يبتعد عن النقد الهدام والتشخيص السلبي الاتجاه، بمعنى أن يكون تشخيصه نحو رصد نقاط الضعف وإيجاد سبل تجاوزها.

والحقيقة أن البعض قد يظن أن المثقف يقتصر دوره على الكتابة أو الاستقاء الثقافي، وهناك بعض المثقفين ممن أوحوا بهذا الانطباع وصار كثير منهم يعيش في صومعة فكرية، ودوره في المجتمع ضامر ولا يظهر إلا من خلال كتاب أو مقالة أو رسالة فحسب، ولا شك أن هذا خلل في المفهوم، فالمثقف إن كان قصده المعرفة والثقافة فحسب، فإنه لن يكون له دور إصلاحي ريادي في المجتمع.  

ونستطيع أن نقول أن المجتمع الذي لا يملك ثقافة ومثقفين يكون مجتمعا ناقصاً إن لم نقل مشوهاً؛ لأن الثقافة هي التي تستطيع أن تأخذ بالمجتمع وتسيره بصورة طبيعية وتجعله منسجما ومتكيفا مع التطورات الاجتماعية والحضارية السريعة.

وعلى الرغم من النهضة الشاملة التي شهدتها مجتمعات الخليج العربية على مدار العقود الأربعة الماضية، وبشكل خاص في النواحي الاقتصادية بفعل اكتشاف النفط وما ترتب عليه من مردودات اقتصادية هائلة مكنت دول الخليج من قطع أشواطاً بعيدة في عملية التنمية الاقتصادية، إلا أن المثقف الخليجي لم يأخذ بعد المكانة التي تليق به، ولم يقم في الوقت ذاته بالدور المفترض منه في المساهمة في تنمية مجتمعه.

المثقف الخليجي لم يأخذ بعد المكانة التي تليق به على الرغم من النهضة الشاملة في دول الخليج

أهم وظيفة يقوم بها المثقف في إطار مساهمته في تنمية المجتمع هي تكوين العقل النقدي

المثقفين أصبحوا اليوم أداة مهمة من أدوات التنمية لا يمكن الاستغناء عنها

في هذا السياق، أود التركيز على عدة مجالات وأدوار مهمة يمكن للمثقف الخليجي من خلالها أن يكون له دور فعال وتنموي في مجتمعه،  من خلال الإشارة إلى العناصر التالية:

(أ)- توعية المجتمع:

أي مجتمع يحتاج إلى نخبةمثقفة ترشده وتوعيهبأهميةالمتغيرات والتحولاتالتاريخيةالتييمر بها،وأن ترسم لهخريطة طريق حول كيفية استيعابها،وأنتحددلهالنماذجوالقنوات الأمثلللتعامل معها بما يخدم أهداف المصلحةالعامة. والمثقفالحقيقيلا ينبغيلهأنينحصردورهوأفقهضمنحدود تخصصهوحقله ومجاله المحدد، بل يجب أن يتسم دوره الإرشادي والتوعوي بالشمول لكافة التحولات التي يمر بها المجتمع. ويكتسب دور المثقف في هذا السياق أهمية استثنائية في عالم اليوم الذي يتسم بالعولمة والثورة في تكنولوجيا بالمعلومات التي فرضت الحاجة الماسةلوجود نخبة مثقفةتستطيع تصنيف هذا الفيض من المعلومات‏، والتفرقة بين المعلومات الصحيحة والمعلومات الخاطئة‏،‏ والمعلومات المتحيزة والمعلومات الموضوعية‏.‏

(ب)-التفاعل مع قضايا الجماهير وابتكار حلول للتعامل معها:

المثقف أساساً يجب أن يكون ملتزماً بقضايا الجماهير، يتعرف على احتياجاتها وإمكانياتها والطاقة المدخرة فيها، ويعمل في الوقت ذاته بالفكر وبالممارسة على الموازنة بين تلك الإمكانيات والاحتياجات مع ترتيبها بأولويات وثانويات حتى لا تستهلك طاقات الجماهير وتضيع هدراً في مسالك غير مسالكها الطبيعية، فمهمة المثقف هنا أن يجعل من احتياجات الجماهير منطلقا لفكره وعمله، وأن يكون قائداً لهم بفكره لا أن تقوده الجماهير بعفويتها وفوضويتها .

والمثقف عليه أن يواجه عواطف الجماهير بروح عملية حركية وخصوصاً أن العاطفة بالنسبة للجماهير تكون سيدة الموقف في كثير من القضايا، وبالتالي فإن المثقف في أعماله لا يشحن هذه العواطف ويحركها، بل يواجهها بعقلانيَة وعمل مثمر بنّاء، وتسخير للطاقات في خدمة قضايا الجماهير.

كما يكتسب المثقف موقعه ودوره في المجتمع من أسبقيته في اكتشاف فكرة جديدة ما تساهم في ابتكار حلول غير عادية للمشكلات التي يعاني منها المجتمع، أو من مكانته الخاصة في ترجمة منظومة فكرية أو أيديولوجية إلى شعارات وبرامج عملية. فالمثقف يجب ألا يكون كالكثير ممَّن يطرحون الإشكاليات التي يعجَّ بها المجتمع، ولا يعطون لها حلاً، أو يفكرون بطرق عملية في التعامل معها. فهناك فئة من المثقفين يعيشون في أزمة تكمن في إثارة الإشكاليات في وجوه المخاطبين بها، دون تبيين حلول لتلك الإشكاليات، لذا وصف كثير من المثقفين بأنّهم يعيشون في واد والناس يعيشون في واد آخر.

كما يتعين أن يكون للمثقف أثر فعَّال في إدارة الأزمة، فالمثقف الحقيقي يُستشعر وجوده في مجتمع الأزمة ويحاول قدر المستطاع أن يبذل قصارى جهده للتعامل الفعال معها، وفي السياق، قال "جرامشي" في أحد من مقالاته أن "الثقافة هي الجبهة التي يمكن إعادة إنتاج الواقع انطلاقا منها، مهما تأزم وهزم، إن بقيت متماسكة ولم تسقط".

وينبغي التأكيد كذلك على ضرورة أن يفكر المثقف عملياً في تغيير طبيعة دوره من طبيعة الاشتغال في المعرفة واعتبارها حكراً عليه إلى النزول إلى المجتمع والاشتغال معه ضمن بناء مفهوم التغيير الاجتماعي، وهذا يعتمد بشكل رئيسي على تعزيز قدرات منظمات حقوقية وبناء المجتمع المدني المقاوم الذي يقف في وجه أنواع الاستبداد.

(ج)- تكوين العقل النقدي في المجتمع:

نقد الوطن هو أعلى درجات محبته، وفي الوقت ذاته هو أداة أساسية من أدوات التغيير، وكما يقول "كانط" : "النقد أهم أداة بناء عرفها العقل الإنساني"، والنقد عند الإنسان المحب لوطنه يمثل عملية مؤلمة، وليست مسألة تشهير أو استعلاء. وكما يقول جبران خليل جبران "أنا أبكي على الشرقيين لأن الضحك على الأمراض جهل كبير. أنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة لأن الغناء أمام المصيبة غباوة عمياء".

في هذا السياق، يمكن القول أن أهم وظيفة يقوم بها المثقف في إطار مساهمته في تنمية المجتمع هي تكوين العقل النقدي. فمنذ أن أعلنت الثقافة الأوروبية ثورتها المعرفية ضد قيود التفكير،‏ وأرست مباديء الشك الفلسفي الذي من تقاليده مساءلة كل الأفكار المسبقة وحتى المعتقدات الميتافيزيقية، تم إرساء قواعد التفكير النقدي‏.‏ ويمكن القول بدون أدني مبالغة أن ممارسة التفكير النقدي الأوروبي في مسائل السياسة وموضوعات الاقتصاد ومشكلات المجتمع والثقافة بواسطة المفكرين والمثقفين‏، كان من العوامل الأساسية في دفع المجتمعات الأوروبية إلي آفاق التقدم‏.‏ ولا يعني ذلك أن التفكير النقدي بمفرده قادر علي تطوير المجتمعات، فلابد أن يصاحبه ـ كما حدث أيضاً في أوروبا ـ نهضة صناعية وتكنولوجية وعلمية‏.‏ وهكذا حين انتقلت أوروبا من نمط الإنتاج الزراعي إلي نموذج المجتمع الصناعي بكل ما يتضمنه ذلك من تطور تكنولوجي ونهضة علمية، انفتحت أمامها أبواب التقدم المجتمعي، وأصبح المجتمع الأوروبي ينضح بالحيوية بعد أن كان مجتمعاً سكونياً جامداً.ومن ثم، فإن المثقفمنوطبهممارسةالنقدالجذريوأنيكونمشبعاًبمفهوم المسئوليةوأخلاقياتها في ممارسة هذا النقد.

(د)- ترشيد الاستفادة من التجارب الأخرى:

إحدى مهمات المثقف هي تحصين المجتمع وحمايته من الغزو الفكري أو الثقافي الذي يُراد له من خلاله التأثير على ثوابته وقيمه التي يلتزم بها، دون أن يعني ذلك عدم الاستفادة من مختلف التجارب الثقافية في حياة الشعوب والاسترشاد بالجوانب الإيجابية منها.

إذا نظرنا إلى تاريخ الدور الذي لعبه المثقف الخليجي والعربي في تنمية مجتمعه، سنستطيع تحديد ثلاثة أدوار تاريخية مهمة قام بها المثقفون العرب في إطار المساهمة في تنمية مجتمعهم، الدور الأول: الكفاح ضد الاستعمار، فالمثقفون العرب لم يؤسسوا فقط لبداية نهضة عربية حديثة‏،‏ ولكنهم في عصر الاستعمار الغربي لبلادهم مارسوا النضال الوطني ضد الاستعمار، واختلطت صفة المثقف بالسياسي بالمناضل، وأصبح لدينا في الوطن العربي فئة اجتماعية جديدةتمارس النضال الوطني ضد الاستعمار، وقد دفع المثقفون العرب الثمن غاليا‏،‏ حيث وقعت عقوبات السجن علي عشرات منهم‏،‏ كما أن عدداً غير قليل أبعدوا إلي المنافي الأجنبية‏،‏ ومن بقي يناضل داخل بلده ضيق عليه في رزقه وحرياته الأساسية‏.‏ وقد توحد المثقفون العرب في تحقيق هذا الهدف بالرغم من انتماءاتهم الأيديولوجية المتنوعة‏، فقد كان منهم الماركسي والليبرالي وصاحب التوجه الإسلامي،‏ وداعية القومية العربية غير أنهم جميعا شاركوا في النضال ضد الاستعمار‏،‏ حتى تحررت في الخمسينيات كل البلاد العربية المستعمرة باستثناء فلسطين.‏

أما الدور الثاني: فهو التأسيس لبداية عصر النهضة العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال، ‏فحين حانت لحظة الاستقلال الوطني في الخمسينيات من القرن العشرين‏،‏ اندفع المثقفون العرب للمشاركة في تنمية مجتمعاتهم‏‏ وشارك كثير من مثقفي العرب في الجهد العلمي والفكري‏، لرسم ملامح التنمية المستدامة والنهضة الشاملة للمجتمع العربي‏.‏ وقام المثقفونالعرب في هذا السياق بأدوار متعددة كان أبرزهاهو تشخيص تخلف المجتمع العربي من الجوانب السياسية والاقتصادية والسياسية‏، واستنهاض همم الشعوب العربية عن طريق تطوير التعليم‏‏ وإنشاء الصحف‏‏ ورفع معدلات الوعي الجماهيري بأهمية السير في طريق النهضة الشاملة‏.‏

وتشهد سجلات الفكر العربي المعاصر علي أن المثقفين العرب لم يتوانوا عن ممارسة النقد الثقافي الشامل لسلبيات المجتمع العربي‏.‏ فعلوا ذلك كمثقفين أفراد‏،‏ نشر بعضهم من أصحاب القامات الفكرية العالية كتبا بالغة الأهمية أثرت على وعي المثقفين في المشرق والمغرب والخليج‏.‏وبعض هؤلاء المثقفين كانوا أصحاب مشاريع فكرية متكاملة‏،‏ تمثلت في سلسلة من الكتب المترابطة التي انطلقت من صياغة مشكلة بحثية رئيسية‏، تفرعت عنها مشكلات فرعية متعددة‏.‏ كما كافحوا لتطوير نظم التعليم في بلادهم ليصبح تعليما عصريا يتجاوز نظم التعليم المتخلفة السائدة ولكي يؤسسوا جامعات حديثة على النمط الغربي‏،‏ كما فعل المثقفون المصريون حين أنشأوا جامعة القاهرة والتي كانت في بدايتها جامعة أهلية اكتتب الناس لإنشائها‏.‏

أما الدور الثالث: فهو الإسهام في نقل إيجابيات الحضارة الغربية والاستفادة منها. فقد تقدم المثقفون العرب خطوات أخرى حين مارسوا التعريف بالحضارة الغربية من خلال رحلاتهم المباشرة التي قاموا بها للبلاد الأوروبية المختلفة‏، وسجلوا في كتب مهمة قراءاتهم لمظاهر هذه الحضارة وتحليلاً للأسس التي قامت عليها‏،‏ ودعوة جادة لنقل قيمها إلي البيئة العربية‏، مع مراعاة أهمية تكييفها وتعديلها حتى تتناسب مع بعض ملامح الخصوصية العربية، وذلك إدراكاً عميقاً منهم أن القيم السياسية والاجتماعية والثقافية لا تعمل في فراغ، وإنما هي محصلة التفاعل الجدلي بين القوي السياسية والاجتماعية والسياق التاريخي الذي يمر به المجتمع، والذي يتغير بالضرورة عبر العصور.‏

وهكذا يمكن القول إنه نشأت لدينا في الوطن العربي فئة خاصة من المثقفين هم الرحالة العرب‏، الذين سافروا إلي الغرب للدراسة أو السياحة أو الإطلاع‏،‏ وعادوا وسجلوا مشاهداتهم ونشروا تحليلاتهم القيمة في كتب أصبحت علامات في التاريخ الفكري الحديث‏،‏ والتي كونت تراثا خاصا يطلق عليه أدب الرحلة.‏

هذه كانت لمحة بسيطة عن الدور الذي قام به المثقفون العرب عبر التاريخ في تطوير وتنمية مجتمعاتهم سواء في مرحلة الاستعمار أو بعد الحصول على الاستقلال.

أما اليوم في عصر العولمة ومرحلة ما بعد بناء الدولة، أين دور المثقف الخليجي والعربي من المسئولية الملقاة على عاتقه في تنمية مجتمعه؟ لقد أصبحت هذه المسئولية  أصعب بكثير عما كان في السابق، خاصة أن المثقفين أصبحوا اليوم أداة مهمة من أدوات التنمية لا يمكن الاستغناء عنها، ومطالبون جميعهم - كل باختلاف انتماءاته وتوجهاته- باستكمال الدور الكبير والعظيم الذي قام به جيل السلف من المثقفين العرب.

مجلة آراء حول الخليج