array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 177

الخيار الأفضل لدول الخليج هو التفاهم الاستراتيجي مع الغرب على رأسه أميركا

الأحد، 28 آب/أغسطس 2022

السؤال الكبير و الذي يحتاج إلى إجابة ( ربما لا تكون قاطعة) هل نحن أمام تطور عالمي يماثل التطور الذي حدث بعد الحربين العالميتين الأولى و الثانية ؟ أم أن الصراع المحتدم اليوم بين الغرب بشموله ورسيا وحلفائها بسب أوكرانيا هي حرب محدودة ؟ أميل كثيرًا إلى أن ما نشاهد أمامنا من حرب لها ما بعدها، هي من قبيل ( كسر العظم) بين روسيا وحلفائها وبين الغرب الديمقراطي، نحن أمام حالة يمكن أن توصف في العمق بالآتي، إن ( موت الاتحاد السوفيتي) إيدلوجيا لم  يتوف معه ( الاستبداد في الشرق) أي الحكم الشمولي الذي يرغب فيه الشخص بالبقاء في الحكم ( مدى الحياة) . فالصراع بين الحكم الشمولي كما هو في روسيا و الصين اليوم وغيرها من بلدان ( الشموليات) وبين ( الديمقراطيات) بمعناها الواسع هو الصراع الحقيقي ، وهي هنا تعني، وإن تعددت ممارساتها، أنها حرب بين فكرة  التعددية  القائمة على  ( التبادل السلمي للسلطة) وفكرة الشمولية .

تلك هي المعركة المحتدمة خلف كل ما نشاهد من صراع يموت فيه الآلاف و يتأثر به الملايين اقتصاديًا و اجتماعيًا . لقد درج بعض كتاب الغرب على الحديث عن ( المعجزة الصينية) كما درج بعض الكتاب العرب على المقارنة بين ( نجاحات الحكم الشمولي الاقتصادية) في هذا البلد أو ذاك، وفشل اقتصادي في الدول (الديمقراطية)! وكانت تلك المقارنات حجة لمن يميل إلى (حكم شمولي مع نجاح اقتصادي) إلا أن تلك المقولات تحتاج إلى نقاش، فهي أولا تتوقف أمام حقيقة أن ليس كل ( نظام شمولي) نجح اقتصاديًا، فروسيا الاتحادية شمولية، ولكن لم تحقق نجاحًا اقتصاديًا مرجوًا ، بل تفشى فيها ( الفساد والمحسوبية والتخلف العلمي) وهناك دول كثيرة تماثلها، كما أن الفشل في الديمقراطيات هو في الغالب فشل مؤقت، إذ أن الديمقراطية تصحح نفسها آجلاً أو عاجلاً ، وهو افتراض يرى أن المجتمع الحر يمكن أن تزدهر فيه العلوم و الصناعات و الابتكار . الدارس لتاريخ الاتحاد السوفيتي يمكن له أن يستنتج أن الامبراطورية التي بنيت كانت بأرجل من خشب، فقد ركزت على الصناعات العسكرية و حرب الفضاء، لكنها فشلت في الزراعة و شبكات التوزيع بشكل مذهل، ففي الوقت الذي أرسلت الدولة البشر إلى الفضاء الخارجي ظل الفلاح الروسي ( وفي الدول الحليفة لها) يقوم بعمله اليومي بالمنجل !

على محمل آخر فإن المقارنة بين روسيا و بين ألمانيا النازية أيضًا قريبة إلى الذهن الغربي، فقد قام آدولوف هتلر بقضم عدد من الدول المجاورة تحت ذريعة أن هناك أقلية ألمانية فيها أو تشكل (المجال الحيوي) للأمة الجرمانية، و قد سكت عنه الغرب، حتى توسع في أماكن أخرى في القارة الأوروبية و ظهرت طموحاتها فيما هو أوسع من ( المجال الحيوي) كما عرفته النازية، مما جعل دول الغرب الديمقراطية تشعر بالتهديد، وهكذا بدأت الحرب العالمية الثانية و التي حصدت ملايين من أرواح البشر و حطمت مدن بكاملها على رؤوس سكانها. لقد سقط الرايخ الألماني لا بسبب ضعف في قواه في العدة والعديد إنما سقط بسبب ( خوائه) السياسي و الذي اعتمد على رجل واحد ( في الغالب مهووس بالقوة) هو القائد الذي لا ترد له أوامر و أصبح القمع هو سمة ملازمة له ، ففقد الرأى الآخر و سقط  .

المقارنة واضحة من حيث الشكل والموضوع مع روسيا الاتحادية اليوم و الرئيس فلاديمير بوتن، فأولاً الحديث عن ( المجال الحيوي) و التمدد في شمال جورجيا عام 2008م، و من ثم شبه جزيرة القرم 2014 م، و أخيرًا أوكرانيا ( أو على الأقل المقاطعات الشرقية منها) وثانيًا القلق الذي تسببه تجربة ديمقراطية ولو أنها غير مكتملة في أوكرانيا، كلا العاملين جعلا من سيد الكرملين يضغط على زناد الحرب، و لكن كما هو معروف يمكن أن تطلق حربًا، و لكنك لا تستطيع أن تحدد متى تنتهي أو على أية وجه ؟.

العاملان  الخوف من ( العدوى الديمقراطية)  و (التوسع في الجوار) ذكرا الغرب بأحداث الحرب العالمية الثانية و الثمن الباهظ الذي دفع فيها، فإن تم التقاضي عن التوسع الثالث لروسيا ( أي احتلال أوكرانيا) فإن طموحات سيد الكرمل لن تنتهي و لديه مخزون طبيعي من ( الفخر الوطني) يستطيع أن يعتمد عليه في الاطمئنان على الدعم المحلي القائم بجانب منه على الفخر القومي و بجانب آخر على قوانين صارمة ضد المعارضين أو الرافضين .

من ذلك أطلقت المواقف الغربية ( الديمقراطية) وأن المعركة الدولية ليست اقتصادية فقط ،ولكنها أيضًا صراع بين  (النموذجين ) إما الشمولي ( على اختلاف درجاته) و إما ( الديمقراطي) على اختلاف درجاته .

لذلك يحاول الطرفان أن يقنعا البلدان الأخرى ( في العالم الثالث) ومنها بلادنا بالانضمام إلى معسكره أو على الأقل بالبقاء على الحياد في المرحلة الأولى .

صلب الخلاف :

اذا كان الافتراض السابق صحيح ( أي موت الأيديولوجيا الاشتراكية) مع بقاء جناحها السياسي حيًا فاعلاً  وهو  ( الشمولية السياسية) فإننا نعرف على وجه اليقين طبيعة  المسرح الذي تدور عليه قضايا الصراع الذي نحن بصدده ، لقد سقطت مراهنة الغرب أو بعضه على الأقل و القائلة ( إن التقدم الاقتصادي في كل من الصين و روسيا) سوف يقود في نهاية المطاف إلى ( تطور نحو شكل من أشكال الديمقراطية) بالتالي تميل تلك الدول إلى ترسيخ السلام العالمي و التعاون الدولي، كان ذلك الافتراض قائمًا على ما يحدث في الصين ، حيث تطورت الصين اقتصاديا بسب هجرها للطريقة ( الاشتراكية) في الإنتاج و تبنيها الطريقة الرأسمالية، وكانت الفكرة الغربية تجاه ورسيا الاتحادية أن دمجها في الاقتصاد الرأسمالي العالمي سوف يسهل تطورها السياسي ! إنما تبين أن ( الشمولية) السياسية لها جذور ثقافية و مصلحية يصعب قلعها، وأن حب السلطة في نظام شبه رأسمالي يقود إلى أن يكون النظام قمعي و توسعي أيضًا إرضاءً لفكرة قومية تصرف نظر الجمهور العام عن المشكلات التي يعانيها و خاصة  نقص في الحريات وتطعمه شعارات توسعية  في ظنها  تعوضه عن ذلك، كان ذلك الطبيعة الثانية للأنظمة الشمولية. بقية الخلافات الاقتصادية يمكن احتواؤها، ما لا يمكن التساهل معه هو التمدد العسكري في الجوار المخالف لما توصل إليه العالم بعد الحرب العالمية الثانية من معاهدات بعدم جواز ضم أراضي من دولة إلى أخرى بقوة السلاح.

العالم أوسع :

العالم ليس هو الغرب الديمقراطي فقط ( أي دول أوروبا الديمقراطية واليابان و استراليا) و ذلك الحلف الواسع من الدول، و أيضًا العالم ليس الصين أو روسيا الاتحادية وحلفاؤها، العالم أوسع  من ذلك بكثير ، من هنا فإن المعركة الدبلوماسية ( والإقناعية) الدائرة اليوم لدى الطرفين هي كيفية إقناع عدد أكبر من تلك الدول خارج نطاق المعسكرين، إلى الانضمام إلى هذا المعسكر أو ذلك أو على الأقل لزم الحياد!

نستطيع أن نلحظ هنا قضيتين في معركة الإقناع الدائرة بين المعسكرين للدول الأخرى وخاصة دول الخليج ، الأولى زيارة لافروف إلى مجلس التعاون، والثانية زيارة رئيس الجمهورية الأمريكية إلى الخليج واجتماعه مع مجموعة عربية موسعة من القادة العرب.

          لافروف في الخليج !

الحدث الأبرز في العلاقات الروسية ــ الخليجية  هي زيارة وزير خارجية روسيا الاتحادية السيد سيرجي لافروف إلى المنطقة في  مطلع شهر يونيو 2022م، وهو يسير باتجاه إنهاء العقد الثاني في وظيفته، وقد راكم خبرات في مسيرته الدبلوماسية  والزيارة  تؤهله للتأثير في الآخرين ، بدأت الزيارة بالبحرين ثم لقاء موسع مع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في الرياض .

الموضوع المطروح للنقاش وقتها  لم يكن سهلاً ، فأجندة روسيا في المقام الأول ( حشد الأنصار) و أجندة دول الخليج في المقام الأول ( لفت النظر إلى التهديدات الأمنية لدول الخليج) وخاصة من إيران . الموقف برمته ليس هينًا، فقد وضعت الحرب الروسية / الأوكرانية المنطقة أمام خيارات صعبة.

على المستوى الخليجي الشعبي سوف تجد ( قوس قزح من الآراء) تجاه الحرب الروسية الأوكرانية   من التنديد بها و وصفها ب ( العدوان) الروسي  على بلد جار من جهة ،  إلى التأييد  الكامل لروسيا ( لصد التوسع الأطلسي ) من جهة أخرى ! لا تخلو هذه المواقف من أجندات اعتادت السياسة العربية الشعبية عليها في الغالب ( ليس حبًا في حبيب ولكن كرها لعدو)!

  آما على الصعيد الرسمي فإن ( الحياد) والتفهم لكلا المنطقين الروسي و الغربي هو الظاهر على السطح  الدبلوماسي مع التأكيد على أهمية ( احترام القرارات الدولية ) وأيضًا عدم الموافقة على استخدام القوة لحل المنازعات أو تغير الحدود أو الأنظمة المستقلة القائمة .

من أجل ذلك اقترن لقاء لافروف باتصال المجموعة الخليجية بوزير خارجية أوكرانيا في نفس الوقت للاطلاع جماعيًا على وجهة نظره، و هي معروفة، ولكن الخطوة الدبلوماسية لبيان شيء من عدم الانحياز.

دول الخليج تعرف ما تعنيه (اكراهات الجغرافية) فهي لا توافق على أن تقوم جاره باحتلال ارضي جارة أخرى عن طريق الحرب و القوة  ، تحت ذريعة  أن في تلك الدولة أقلية ( عرقية أو ثقافية أو فئوية) أو لأسباب ( المجال الحيوي للدولة)!  لأن ذلك ببساطة ليس فقط خارج عن القواعد الدولية المستقرة ، ولكنه أيضًا يشكل شيء من احتمال تبرير أعمال إيران ببسط نفوذها على العراق و اليمن و لبنان وسوريا، كما أن شهيتها مفتوحة على دول الخليجّ أو أجزاء منها ! أما موقف دول الخليج  تجاه الغرب فهو( جفوة مرتفعة  النبرة ) تجاه  الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة إن الأخيرة تحمست ضد الغزو الروسي وتمهلت ضد الغزو الإيراني، وكلاهما  في العمق  ( غزوا) وهم سوية واحدة ! كما أنها تراخت في اتخاذ موقف صلب من التدخل الروسي في سوريا ، وقد ارتكب ( حماقات) سياسية وعسكرية أضرت بمصالح دول الخليج في اليمن و العراق و لبنان ! كما إنها تباطئ في اتحاذ موقف ينصف الفلسطينيين على أساس حل لهذه المعضلة التي سوف يصبح لها نصف قرن، على أساس ( حل الدولتين).

تربط دول الخليج علاقات تاريخية بالدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية مبنية على أسس أمنية وعسكرية واقتصادية، كما يربطها علاقات اقتصادية بالشرق ( الصين و الهند) والتي تتعاطف مع الموقف الروسي، إلا أن العلاقة بالغرب أطول  زمنًا و أكثر تداخلًا ، هي علاقات تحالف في الوقت إن العلاقة بالصين وروسيا علاقة زبائن !

لافروف خرج بالحد الأدنى لما يريد (لا انضمام خليجي للمقاطعة الاقتصادية الغربية) كما صرح بعد الزيارة، و لا خروج فوري من اتفاق الأوبك – بلس، النفطي التي تشكل فيه روسيا عمودًا اقتصاديًا مهمًا للحفاظ على أسعار معقولة للطاقة، خاصة في ظل ارتفاع ضخم للسلع العالمية و منها الطاقة و الغذاء.

إلا أن الأمور ليست بهذه البساطة، فلم يفوت لافروف الفرصة و دعا إلى ( عودة سوريا إلى الجامعة العربية )!، فهو ابن ( النظام السوفيتي القديم) و ( الشمولية في الحكم أقرب إلى راحته)  كما أن سوريا هي الحليف ( الشمولي ) الذي اعترض على بيان الإدانة في الجمعية العامة للأمم المتحدة للغزو الروسي في 2 مارس 2022م، دون جميع الدول العربية .فالدول العربية ومنها الخليجية وافقت على بيان الإدانة الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما سلف .

ما شهدناه من الحرب الروسية الأوكرانية حتى الآن هو ( رأس جبل الجليد) وهو مهول، ويبدو أن المعادلة للطرفين  الروسي و الغربي معادلة ( صفرية) حتى الآن ، أي أن روسيا مصممة على إخضاع أوكرانيا، وهي حتى الآن لم تفصح عن الهدف الأخير  للحرب ! و الغرب (أوروبا و الولايات المتحدة و حلفاؤهم) مصممون على ألا تحقق روسيا أي ( انتصار واضح) يشجعها على تكرار ما فعلته في أوكرانيا في الجوار ، و الساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، حتى الآن على الأقل .

الحرب أيضًا فجرت حربًا اقتصادية رديفة، على رأسها أسعار  الطاقة وأيضًا أسعار الغذاء ، لذلك فإن التضخم شبه المنفلت يدق الاقتصاديات الغربية بقسوة،  و يُسمع في نسيجيها الاجتماعي و يسقط شرائح عديدة من ذلك النسيج تحت خط الفقر، بل و حتى يغير الحكومات .

الغرب يعرف أن ( بيضة القبان) في موضوع الطاقة في منطقة الخليج، فتوجه عدد من رؤساء الحكومات مبكرًا إلى هذه الدول لإقناعها بضخ نفط أكثر في السوق دون نجاح كبير، كما فعل ريس الحكومة البريطانية (المستقيل) بورس جونسن و أيضًا رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون ، كما أن الولايات المتحدة بدأت تقتنع أن معركتها مع ( خصومها في الشرق) تمر قسرًا بدول الخليج ، وأخذت بإرسال  إشارات دبلوماسية من بينها توجه وفد عالي المستوى في 18 مايو 2022م، للتعزية  في وفاة المرحوم الشيخ خليفة بن زايد رئيس دولة الإمارات، ضم الوفد نائب الرئيس و  وزير الدفاع و وزير الخارجية، ذلك مؤشر أكثر من تعزية بروتوكولية، ومن جهة أخرى بدات واشنطن تُلين موقفها تجاه المملكة العربية السعودية و هي تعرف أنها رقمًا مهمًا في سياسة الشرق الأوسط، كما هي رقمًا مهمًا في سياسة الطاقة .

في مرحلة مقبلة فإن الخيار الأفضل لدول الخليج هو التفاهم الاستراتيجي مع الغرب و على رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد كتب صاحب هذه المداخلة  في السابق، إنك تستطيع ان تختلف مع الولايات المتحدة ،ولكن ( لا تعاديها) ذلك مضر بالأمن القومي الخليجي . واضح أن مؤشرات الديبلوماسية الأمريكية تتجه إلى تفهم أعمق لهواجس دول الخليج الأمنية،  وقد تكون زيارة الرئيس جو بايدن إلى السعودية التي تمت وسط الشهر  يوليو 2022م،  قد  وضعت النقاط على الحروف من جديد لطريق أوضح للتعاون البناء  .

على جانب آخر فقد شرعت دول الخليج المنتجة للنفط بضخ كميات منه إلى السوق العالمي بالتدرج، الأسباب المعلنة أن ذلك تم ( برخصة من الأوبك بلس) و غير المعلنة أن روسيا بدأت تبيع للدول التي تسميها ( الصديقة) منها الهند، نفطًا بأثمان مخفضة .  سوق النفط كأي سوق آخر ( انسيابي) فوجد بعض ذلك النفط المخفض التكلفة أو مشتقاته طريقه إلى دول أوروبا، مما يخل بتوازن السوق . فمن المحتمل في الأشهر القليلة القادمة و خاصة مع إقبال الشتاء أن تزداد تدفقات الطاقة الخليجية للسوق الدولي، فيحقق من جهة ضبطًا معقولاً في سرعة التضخم، و من جهة أخرى تهدئة شرائح واسعة في المجتمعات الغربية من الانقلاب على حكوماتها .

الرئيس الأمريكي في الخليج

أكثر ما يقوم  به المهتمون بالعلاقات الدولية محاولة استكشاف ما هي  العلاقة المستقبلية بين دول الخليج  و الولايات المتحدة ؟ على ضوء إعلان القمة العربية / الخليجية التي عقدت 15-16 يوليو 2022م  . و الجميع محق في محاولة الاستكشاف، حيث أن البيانين  الصادرين من  القمة السعودية ــ الأمريكية  أو العربية ــ الأمريكية يظهران التوافق العام الدبلوماسي، ولأننا على مفترق طرق بين المنهج القديم والذي استمر لعقود من (العتب) على السياسات الأمريكية، و ما يتوجب ان يكون في المستقبل . لا جدال أن ما أطلق تلك الدينامية الجديدة هي حرب روسيا على أوكرانيا من جهة، وهي حرب سوف تؤثر في شكل العلاقات الدولية ومنها علاقات الدول الكبرى بمنطقتنا العربية بشكل عام و الخليجية على وجه التحديد، ومن جهة أخرى الحاجة إلى الطاقة  .

على الرغم ان الولايات المتحدة تكثر فيها مؤسسات الدراسات والبحث وخاصة علاقتها بالعالم بما فيها عدد وازن من مراكز البحث حول دول الخليج، وكثيرًا من الدراسات تتعرف بدقة على المشكلات العالقة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة، إلا أن معظم السياسات لا تأخذ بها في الإدارات المختلفة وعلى الأقل في الأربع إدارات الأخيرة ( منذ بوش الثاني إلى جو بايدن) التفسير أن الإدارات الأمريكية تخضع أكثر و أكثر لضغوط الرأي العام ( السياسي)  في الداخل و هو رأي عام إما غير ملم أو يحمل تشوهات في ذاكرته الجمعية تجاه دول الخليج، و أيضًا بقية الدول العربية، و تبرر تلك السياسات بشعارات ذات أبعاد إنسانية تسميها ( القيم الكبرى) وبعضها ينتهك في داخلها !

الحرب الروسية ــ الأوكرانية قلبت الأمور رأسًا على عقب، فبعد مرحلة من الاسترضاء لروسيا عندما بدأت تتمدد بدءًا من عام 2008م، ( في جورجيا) ثم بعد ذلك في شبه جزيرة القرم 2014 م، و من ثم سوريا 2015م، و أخيرًا أوكرانيا، كل تلك الفترة كان الغرب يقدم التنازلات حتى عندما امتدت شهية الدب الروسي إلى أبعد من الجوار كوجوده في سوريا مثلاً ، بل طوال فترة العقد الأخير من القرن الماضي والعقدين الأوليين من القرن الحادي و العشرين، اعتمد الغرب على المواد الأولية التي يحتاجها من روسيا ،وتراكمت ثروة ضخمة للروس من تلك العلاقات الاقتصادية ، كان الرأي وقتها يعتقد أن  ربط العلاقات الاقتصادية يسهل دخول روسيا إلى النظام الرأس مالي العالمي ،وإن شاب تصرفاتها بعض المنغصات، خاصة تجاه حقوق الإنسان و سياسة اليد الثقيلة ضد المعارضين في الداخل و حتى في الخارج . كما توجهت السياسة الخارجية الأمريكية إلى الصين و الشرق، على أساس أن هناك أولوية استراتيجية تبرر ذلك، و أن قضايا الشرق الأوسط ( مزمنة) و معقدة ،وقد اخترقت أصابع الولايات المتحدة بها في كل من العراق و أفغانستان .

بعد فبراير من هذا العام و اجتياح روسيا لأوكرانيا تبدل الموقف تمامًا، وبدأت سياسات جديدة من القوى الكبرى تجاه علاقتها بالآخرين وخاصة دول الشرق الأوسط ، وبعد ( جفاء) و انصراف عن الشرق الأوسط، تبين أن سياسات غربية ضد روسيا وحتى الصين تمر جبرًا بمنطقة الشرق الأوسط و خاصة دول الخليج .

الولايات المتحدة و دول الغرب الصناعي ( بما فيها أستراليا و اليابان) قد قررت أن المعركة في أوكرانيا  معركة ( كسر عظم) أولاً لردع روسيا عن التمدد إلى الخارج، وثانيًا الإشارة إلى الصين أن أية سياسات عدائية ضد دول جارة ( بما فيها تايوان) سوف تواجه بردع قوي قد يصل إلى العسكري ، قوي ذلك الاتجاه بعد أن أظهر الأوكرانيون الكثير من البسالة والتي لم تكن في حساب لا الروس و لا الغرب . الروس اعتقدوا أنها مجرد ( عملية عسكرية) سوف تسقط النظام الأوكراني في أسابيع، وتقيم نظامًا تابعًا لها ، كما أن الغرب أخرج كل مدافع  دبلوماسيه بإشهار المقاطعة، بمجرد اندلاع الحرب ظنًا أن المعركة قصيرة .

وفرت مقاومة الأوكرانيين الفرصة للغرب بالثأر إن صح التعبير على عدم فهم موسكو لسكوتهم ، فقرروا إعانة الأوكران بعد كل يوم وأسبوع ثبات أمام الآلة العسكرية الروسية .

إلا أن الأمر لم ينته هناك فقد أصاب العالم جوعان الأول للطاقة و الثاني للغذاء وتفاقمت المشكلات الحياتية في الدول الغربية، حل أو تحفيف تلك المشكلات في الوصول إلى  أسعار طاقة ( معقولة) ولا يستطيع أن يقدم  ذلك الحل إلا دول عربية منتجة للطاقة، و على رأسها دول الخليج الغنية بهذه المادة من هنا جاءت الانعطافة الغربية و خاصة الأمريكية تجاه المنطقة بعد شيء من التجاهل لمشكلاته ليست القليلة.

ومن هنا فإن الأمر يحتاج إلى الكثير من الصراحة مع الغرب و أمريكا، حيث وقفت دول الخليج في مراحل صعبة مع الغرب، لكن عندما تنتهي تلك المراحل تقدم فلسفات مختلفة لتبرير الانصراف عن المشهد، بل وفي بعض الأوقات التحريض ضد الصديق القديم !!

الاصطفاف العالمي المقبل يحتاج أولاً إلى الوضوح والثاني الدقة في التعابير المكتوبة، وأيضًا عزمًا صادقًا على التعاون للحفاظ على علاقات متوازنة ، منها جاءت المشاورات المكثفة في شرم الشيخ وعًمان و حتى أنقره  قبل القمة في جدة ( 15 -16 ) يوليو 2022 م، من أجل تحضير المواقف و بلورتها تمهيدًا للقاء القمة في جدة ( المملكة العربية السعودية) . المنطقة لم تعد كما كانت في سبعينات القرن الماضي ولا حتى تسعينات القرن الماضي، لقد جرت مياه كثيرة تحت سطح الأحداث، القيادات تغيرت والشعوب أصبح لها طموحات مختلفة وهي الاستقرار و النمو ، دون منغصات، ومعروف من أين تأتي مجمل المنغصات للإقليم اليوم ، وكما كان استرضاء الغرب لروسيا حتى هذا العام ما شجعها على استمرار سياسة التوسع في الجوار وما خلف الجوار ، فإن السكوت عن توسع إيران يشجعها على التمادي وقضم الأراضي العربية تحت شعارات مختلفة لا تتميز كثيرًا عن شعارات بوتن، الأخير تحت ذريعة العرق و الثانية تحت ذريعة المذهب أو ( حرب الشيطان الأكبر)!!

لقد وضعت  تلك الملفات أمام الضيف الأمريكي بكل ذلك الوضوح سواء في الجلسات المعلنة او اللقاءات الخاصة الثنائية أو الجماعية وسماع رأي يعززه فعل حول المخاوف المشتركة وكيفية التصدي لها، فإن أي تعاون شكلي سيكون مغلف بعبارات دبلوماسية في الغالب فارغة من المعاني ! إلا أن قراءة متأنية للبينات التي صدرت تنم على أن هناك جهدًا حقيقيًا قد بذل من الأطراف المختلفة لتفهم الهواجس و التعاون الجاد في المستقبل، بل تفاؤل البعض للحديث على أن القمة رسمت خارطة الطريق لثمانين عامًا قادمة، و في جميع المجالات التنموية و الأمنية .

 الموقف الخليجي

منذ بدء الحرب في أوكرانيا تنادت الدول على مستوى رفيع لإدانة ( الاعتداء) و كان لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة موقفًا . في مجلس الأمن أحد دول الخليج وهي دولة الامارات المتحدة عضوًا غير دائم في المجلس، و عند التصويت على الإدانة قررت الإمارات الامتناع، ربما بسبب علمها أن قرار الإدانة الأممي لن يمر، لأن روسيا و معها الصين سوف تستخدم الفيتو و هذا ما حصل في 26 فبراير 2022 م، عشية الإعلان عن دخول القوات الروسية في ( عملية خاصة) لأراضي أوكرانيا  ،أما على صعيد الجمعية العامة، فقد كانت الإدانة للعمل الروسي في الجمعية العامة في 2 مارس 2022م،  واسعة دوليا بل وصف التصويت بأنه ( تاريخي ) حيث صوتت 141 دولة مع الإدانة و 35 امتنعت وعارضته فقط خمس دول، و صوتت كل دول الخليج مع ذلك البيان شديد اللهجة،  و لو انه بيان غير ملزم ، كما تم (طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم  المتحدة بأغلبية في الأول من أبريل 2022م) .

 فمن الناحية القانونية، و خاصة القانون الدولي،  الذي حرم الاعتداء  على دول مستقلة عضوة في الأمم المتحدة وضم أراضيها بالقوة ، فكرة الضم بالقوة هي محل اعتراض لدول الخليج و عدد كبير من دول العالم ،وقد حرمها القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية .

موقف الولايات المتحدة في قمة جدة ،وضعت كل من الصين و روسيا و إيران في كفة واحدة ، في الوقت الذي ترى دول الخليج أن إيران ( مصدر تهديد حقيقي) إلا أنها لا تذهب في اتجاه ( معاداة ) كل من الصين و روسيا ، السيد بايدن برر العودة الأمريكية إلى الشرق الأوسط حتى لا يحدث فراغ تستفيد منه كل من الصين و ورسيا، و كما تقدم فإن دول الخليج ترى أن العلاقة بينها و بين الصين و روسيا هي علاقة ( زبون اقتصادي) في حين أن العلاقة مع  الولايات المتحدة هي علاقة ( تحالف وصداقة و مصالح مشتركة)

عند كتابة هذه المطالعة كان من المبكر معرفة النتائج الواقعية لقمة جدة أو قمم جدة ، هناك الكثير من التفاؤل و القليل من الحذر ، أما النتائج فتحتاج إلى وقت منه مرور الإدارة الأمريكية بالانتخابات النصفية في نوفمبر 2022م، ، وتطورات الحرب في أوكرانيا و استشراف  نتائج محددة في المحادثات النووية بين الدول الخمس و أمريكا من جهة وبين إيران من جهة أخرى .

قد تحمل لنا الشهور القادمة بعض الآمال و لكنها في نفس الوقت محملة بالكثير من المحاذير .

إلا أن البيان السعودي ـ الأمريكي و البيان الختامي للقمم ، تشير إلى اتفاقات طويلة المدى من الولايات المتحدة ، كما أن إعلان الولايات المتحدة إنها لن تترك المنطقة ساحة خاصة لكل من الصين أو روسيا دليل على أن هناك اهتمام متجدد من الناحية الاستراتيجية.

لقد رد الجانب الآخر بسرعة بعقد قمة إيرانية / روسية / تركية في طهران ( 18-19) يوليو 2022 م، في جزء منها استمرار لسياسة التدخل للقوى الثلاث في المنطقة العربية، وهذا ما لا توافق عليه دول الخليج، كما أن التعاون العسكري بين طهران و موسكو ( طائرات مسيرة إيرانية  ) للجانب الروسي، لها تعبير تحالف واضح ، ومن اللافت أن القوى الثلاث تعلن حربها ضد الإرهاب في سوريا ،وبعضها متورط بأشكال من دعم الإرهاب .

الخلاصة

منطقة الخليج والشرق الأوسط تمر بمرحلة تحول مهمة داخلية وخارجية، و القمم التي تمت في وسط يوليو بين دول عربية، وبين الولايات المتحدة كتبت فصلا جديدًا من التعاون، و الولايات المتحدة و الغرب هو أقرب للمزاج الخليجي إن صح التعبير ، فالصين قوة اقتصادية ولكنها ليست عسكرية كما أن التفاهم معها استراتيجيًا على الأقل يحتاج إلى وقت، أما روسيا الاتحادية فهي تقيم علاقات و تتصرف مع الطرف الآخر المضاد للمصالح الخليجية بشكل استراتيجي . لذا فإن تطوير العلاقات مع الدول الغربية والولايات المتحدة يخدم مصالح دول الخليج و شعوبها، وقد أصبحت تلك العلاقة أنضج من خلال أن تكون ذات مصالح متبادلة و ليس تبعية .

مقالات لنفس الكاتب