Tuesday 07 ,2020

التفاوت الدولي في مدى "القوة" و "التأثير"؟

انشأ بتاريخ: الجمعة، 01 حزيران/يونيو 2012

مقالات لنفس الكاتب

إن " قوة " (power) اى دولة تكمن في مدى ما تملكه من عناصر القوة والنفوذ والتفوق، مقارنة بغيرها من الدول الأخرى. وان مدى قوة اى دولة يتحدد بـ " مدى " ما تملكه من عناصر القوة الست الرئيسة، وهى: النظام السياسي للدولة، الموقع الجغرافي، كم ونوع السكان، الموارد الطبيعية، الإمكانات التقنية والصناعية، القدرات العسكرية. وتتفاوت دول العالم – بالطبع – في مدى القوة... تبعا لتفاوت توفر "عناصر" القوة من دولة لأخرى، ومن وقت لآخر. وهذا التفاوت أدى إلى تقسيم دول العالم نظريا – بناء على مدى قوتها – إلى سبعة أنواع... بدءا بالدولة العظمى، ثم الكبرى، فالكبيرة، فالمتوسطة، فالصغيرة، فالصغرى، وانتهاء بـ " الدويلة". ومدى قوة اى دولة – خاصة بعنصر نظامها السياسي - هو الذي يحدد  مدى قدرتها وصلابة موقفها، ويوضح مدى نفوذها في العالم. كما يحدد – في النهاية – مدى ما تحصل عليه (من الدول الأخرى) من الفوائد التي تريدها. أو، بمعنى آخر، مدى قدرتها على تحقيق أهداف سياستها الخارجية بخاصة.

 ومن ناحية أخرى، يمكن تقسيم دول العالم الحالية القوية – نسبيا – إلى قسمين: الدول ذات الأطماع الاستعمارية والاستغلالية، والدول التي لا تعرف لها أطماع استغلالية تذكر. والمقصود بـ " الأطماع الاستعمارية ": ميل الدولة المعنية للهيمنة المباشرة وغير المباشرة على بلاد أخرى بهدف:الاستفادة من إمكاناتها المختلفة، متبعة – لتحقيق ذلك – وسائل دبلوماسية واقتصادية ونفسية وعسكرية متنوعة، ومن ذلك تمكين عملاء لها من تحقيق أهداف الطامعين. وأبرز الدول الغربية التي تصنف الآن كـ" دول استعمارية " ( ( Imperial هي : أميركا، بريطانيا، فرنسا، والى حد ما ،  ألمانيا وايطاليا وهولندا.

قوة الدولة هي التي تحدد مدى قدرتها وصلابة موقفها ومدى نفوذها في العالم

العلاقات الدولية اليوم تسودها الفوضى ولا يوجد فيها سلطة عليا يحتكم إليها

وبما أن العلاقات الدولية تسود فيها " الفوضى " اى عدم وجود سلطة عليا ( حكومة عالمية ) يحتكم إليها، وتكون قراراتها ملزمة، وتمتلك وسائل الإكراه المناسبة، فان كل دولة – تقريبا – تحاول أن تأخذ من الدول الأخرى أقصى ما يمكن أخذه من فوائد ( تسميها مصالح) وبقدر ما تسمح به قوتها، وتمكنها من حيازته، رغم وجود روادع قانونية شكلية، اى قوانين وأعراف لا تقف وراءها قوى تلزم الدول بإنفاذها بالفعل.

 ولهذا، تظهر دول استعمارية، لها أطماع خارج حدودها، وتعمل على تحقيق هذه " المصالح " ( Interests). وكثيرا ما تكون هذه المصالح عبارة عن : استغلال لموارد بلدان أخرى، ومصادرة لإرادتها، وتسيير الأمور فيها بما يخدم مصالح المستغل ( أو المستعمر ) حتى وان أضر بالمصلحة العامة للبلدان الضحية.

 وإذا كانت " غابية " العلاقات الدولية، ومنطقها الوحشي، تتيح استغلال القوى للضعيف، فان القوانين والأعراف الدينية والإنسانية، بل والدولية، تحرم مثل هذا التصرف، وتقف ضد استغلال واستعباد الآخرين. ورغم ذلك، فان الدول القوية المتنفذة – ذات الأطماع الاستعمارية – تمارس هذا التسلط، وتحاول تغليف هذه الممارسة بالكثير من الحجب والتبريرات.

وهنا، لا بد من إثارة تساؤل هام لمن يقولون بأن ذلك الاستغلال أمرا طبيعيا، ناجم عن طبيعة العلاقات الدولية، وهو : ماذا عن الضحايا...؟! أليس من حقهم أن يقاوموا استغلال وابتزاز الآخرين لهم – متى حصل؟! إن كان من " حق " الأقوياء أن يستغلوا الأضعف منهم – متى رأوا ذلك – أليس من حق المستغلين ( الضحايا ) من الدول أن ترفض هذا الابتزاز، وتقاومه بكل ما تستطيع من قوة ؟!

 لا تشكك إلا قلة موتورة – مهزوزة الفكر - في حق البلاد الضحية في رفض ومقاومة اى استغلال، ومن اى جهة يأتي، وهناك دول صغيرة عدة – في العالم النامي – رفضت مثل هذا الاستغلال، وتصدت له، بما تملك من وسائل، ونجحت في ذلك، وحققت التحرر والاستقلال شبه التام، وحمت إمكاناتها المختلفة من النهب والابتزاز، فكسبت احترام نفسها، واحترام الآخرين لها – بمن فيهم دول متسلطة. وهناك دول تحافظ على أغلب مصالحها، ولا تقدم إلا " تنازلات " محدودة، وليست ضارة لها.

 أما الذين يسلمون بهذا الاستغلال، ويبررونه، ويعتبرونه أمرا طبيعيا لا يجب أن يرفض أو يقارع، فإنما يقبلون استعباد واستغلال الآخرين لهم، ولغيرهم، دون استياء أو مقاومة. صحيح، إن الاعتماد الدولي المتبادل هو سمة العصر. ولا توجد دولة تستغني عن الدول الأخرى، في سد احتياجاتها. ولكن الأصح أن هناك " مصالح مشتركة " فيما بين كل دول العالم، ولا يمكن لبلد أن ينغلق على نفسه، خشية استغلال الآخرين له. والشعوب النابهة هي التي تسعى لان تفيد، وتستفيد، لا أن تفيد وتتضرر، أو لا تستفيد. إن قبول الاستغلال – من اى جهة أتى – ليس من شيم السلوك الانسانى والسياسي الدولي الكريم والسوي.

ويمكن، في واقع الأمر، تصنيف دول العالم من الدول الكبيرة وما دون، بناء على مدى خضوعها للنفوذ الاستعماري، إلى دول " منبطحة "، ودول تفرض على الأقوى احترامها، أو عدم استغلالها إلا في أضيق الحدود. هذا، وهناك علاقة وثيقة بين طبيعة النظام السياسي للدولة ومدى خنوع الدولة للمستغل الاجنبى. فكلما كان النظام ديمقراطيا قل مدى الخنوع، والعكس صحيح. وأسباب ذلك بالغة الوضوح لمن يتأمل هذه العلاقة بموضوعية وحياد.

 وهناك الآن دعوات عالمية، لوقف هذا " الاستغلال "، وتجريمه، رحمة بكثير من الشعوب، عبر أجهزة وإجراءات من قبل منظمة الأمم المتحدة. ولكن هذا لن يتأتى، ما لم تصلح هذه المنظمة العالمية الأكبر، وتصبح أكثر عالمية وإنصافا. وهذا ما يبدو أنه بعيد المنال، بسبب ممانعة وضغوط المتسلطين الحاليين. وما أكثر المشاريع التي قدمت لإصلاح "الأمم المتحدة "، وجعلها أكثر استجابة لمصالح كل شعوب الأرض، وخاصة شعوب البلاد النامية. ولكن هذه المشاريع وأدت في مهدها، لان تبنيها لا يصب في مصلحة المستغلين. والعجيب أن ما تعتبره معظم الدول الكبرى " مصالحا " لها ما هو إلا مصالح خاصة لفئات قليلة ومحدودة فيها. وذلك يوضح بجلاء ما لجماعات الضغط في تلك الدول من سطوة ونفوذ، لم يكتفي بالهيمنة على توجهات بلادها، وإنما انصرف للسيطرة على موارد ومقدرات بلاد تقع آلاف الأميال من أوطانهم الأصلية.

 

مقالات لنفس الكاتب