array(1) { [0]=> object(stdClass)#11965 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 93

المشهد الاجتماعي في دول الخليج ما بين الضبط الاجتماعي ومواجهة التغيير

الجمعة، 01 حزيران/يونيو 2012

ظهرت دعوة الامام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حقبة زمنية بلغ فيها الانحطاط الفكري مبلغه ، واختلطت السنن بالبدع والخرافات ،وغلب التقليد على الاتباع ، مع غياب سلطة اقليمية ترعى شؤون الناس وتمنعهم من الاقتتال القبلي والصراعات الثأرية في بيئة محدودة الموارد تطبق مبادئ العدالة والشريعة وفق دولة القانون لا وفق شريعة الغاب السائدة في نجد آنذاك او وفق شريعة العرف القبلي الذي لا تخضع له كل القبائل وكل الافراد وكانت ثورة على الجمود والتقليد في ذلك الوقت .

وادرك الشيخ محمد بن عبد الوهاب ان أي حضارة لا يمكن ان تقوم في ظل عرف قبلي ، وان الرسول صلى الله عليه وسلم اسس المدينة المنورة كعاصمة للدولة الاسلامية ،أي اسس دولة القانون التي تحكم بحكم الشريعة لا بحكم العرف والتقاليد التي تغلِّب التبعية والتقليد على حكم الشريعة التي تحرر الانسان من كافة القيود التي تعيق تقدمه وبناء دولة ذات سيادة وذات جيش يحمي الامة من أي اعتداء كي يتفرغ الفرد للتنمية بدلا من ان ينشغل كافة الافراد بحماية قبيلتهم من الاقتتال القبلي الذي هو سمة الجاهلية وسمة شريعة الغاب، وعادة ما ينتصر فيها القوي على الضعيف ، بينما الدولة تحمي الضعيف والقوي وتساوي بينهما تحت مظلة القانون.

ومن خلال زيارات الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمكة لاداء فريضة الحج اكتشف ان وحدة الامة ووحدة المصير المتمثلة في حج الناس في لباس واحد وتجمعهم كلمة واحدة وهي كلمة التوحيد لا فرق بين غنيهم ولا فقيرهم، جسدت لديه تصورا جديدا لتكوين الوحدة بناء على كلمة التوحيد التي هي مصدر القوة، تقضي على التشتت والتفرق السائد في نجد .

فأطلق صيحة كبرى مدوية في الجسد الناعس ليبعده عن عصبيات القبيلة التي تتعارض مع روح الاسلام والتي تساهم في التفكك والتشتت ، وبادر الى تطبيق قاعدة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تصلح الاعوجاج السائد لاصلاح المجتمع وابعاده عن البدع والخرافات السائدة انذاك .

يمكن للنموذج الاسلامي ان يشارك في تصويب عيوب الديمقراطية الغربية

المجتمعات الخليجية عليها ان تناضل ضد التطرف الديني وضد تطرف الفكر الغربي 

فمشروعه الاصلاحي هو قيام مجتمع اسلامي موحِّد وموحَّد ولا يمكن ان يتم ذلك الا من خلال تكوين دولة قوية وسلطة موحدة تحل مكان السلطات القبلية المتعددة التي تتناحر وتتقاتل على فقر البيئة ويزيد من فقرها ويعزز من هجرة القبائل الى خارج الجزيرة بسبب الوضع السياسي السائد انذاك .

والدولة التي كان يطمح لها الامام المجدد دولة تقيم العدل وتطبق الشريعة الاسلامية تذيب من خلالها الفوارق وتعزز لقيام دولة حضارية تحكم بالقانون بدلا عن العرف القبلي السائد في ذلك الوقت والذي قد لا تخضع له كل القبائل او كل فرد في القبيلة بينما حكم الدولة ملزم لجميع القبائل ولجميع الافراد دون استثناء احد مهما بلغت مكانته ، وتحل الدولة مكان تعدد الامارات وتنهي تعدد الولاءات .

وكان الامام المجدد على عكس غيره يركز على الكليات اكثر مما يركز على الجزئيات ، ويركز على الجوهر اكثر مما يركز على القشور والعوارض، ويلتمس في كل ذلك الحكمة ما اهله لان يقود ثورته التصحيحية لمدة ستون عاما كان فيها وعيه وعي كوني استلهمه من الجذور الاسلامية التي تلقاها خلال فترة سفره، مكنته من تكوين ثورة اصلاحية قابلة للحياة .

وعاب الامام على بعض علماء الدين غلظتهم في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتبرهم بانهم مخطئون في ذلك وهو ما يؤدي الى التفرقة وذكرهم بقول الله سبحانه وتعالى ( يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) .

هذا هو جوهر المشروع الاصلاحي الذي تبناه المجدد الاصلاحي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ،بينما هناك جهات شوهت دعوته الاصلاحية وزيفتها ،على الرغم من أنه كان يرى ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن ان يتم الا تحت مظلة دولة تضمن حفظ مقاصد الشرع ومصالح العباد ، ودائما ما كان يرى ان المصلحة لا تتم الا من خلال الاجتماع على ولاة امور يتولون القيام على اداء الامانة وهو جدل لا يزال قائم حتى اليوم ويثير اشكاليات كبيرة اخرت اندماج المجتمع السعودي في المجتمع العالمي بل اعاق تنميته وهو ما جعل خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز يعيد هيكلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تستمر في الخط الاصلاحي الذي تبناه امام الدعوة .

فاثيرت حول الدعوة الاصلاحية الكثير من الشبهات والنقد من قبل خصومها او من قبل المنتفعين في ذلك الوقت بشكل متعمد لانهم حرموا من تلك المنافع او من قبل الاتباع بشكل غير متعمد بل نتيجة فهم واتباع خاطئ ، وهناك من حكم على الدعوة الاصلاحية من خلال الأتباع وليس من خلال خطوات الدعوة الاصلية التي نادى بها الامام محمد بن عبد الوهاب .

والحقيقة ان الدعوة تعرضت للكثير من التحريف والتشويه واتهمت زورا وبهتانا بان الشيخ ينكر امورا معلومة من الدين بالضرورة كالشفاعة وكرامات الاولياء وكرست الصهيونية العالمية المساهمة في تعزيز مثل هذه الافتراءات عن طريق مذاهب اسلامية مناهضة للدعوة الاصلاحية حتى يزداد الهجوم على هذه الحركة التصحيحية لتقوية الانقسام المذهبي في المنطقة، وهذه الحركة التصحيحية هي نتاج تحالف بين حركتين دينية وسياسية نتج عنها قيام دولة استمرت حتى يومنا الحاضر تحمي الحرمين الشريفين واصبحت محور ومرتكز العالمين العربي والاسلامي وفاعل دولي.

ولكن الدعوة كثورة على الجمود لم تصمد في الازمنة اللاحقة وتحولت نفسها الى جمود في وجه التغيرات ولم تتمكن من التلاقي ما بين المقدس والدنيوي، واذا اهمل الغرب البعد الغيبي فان الدعوة في دول الخليج ابتليت بالخلط بين الحقيقة الاجتماعية وبين الحقيقة الخاصة بالرسالة الدينية التي نصب بعض العلماء انفسهم مراجع لها، لا يمكن تجاوزهم، ويفسرون هذه العلاقة على طريقته الخاصة ، واصبحت دول الخليج وكانها تقف امام كل اشكال الحداثة والتغيير بل ان الحداثة نفسها تم تحريمها بما فيها الديمقراطية، ولم يتمكنوا من تفسير العلاقة ما بين الشورى والديمقراطية كآليات حكم .

بينما الشورى والديمقراطية هما آليتان لا تتعارضان لتنظيم عمل المؤسسات وضمان حقوق جميع الافراد دون استثناء في اطار من التكامل المنشود بين الشورى وآليات الديمقراطية .

والشورى هي رابط بين مجتمع متعدد المشارب السياسية والفكرية والاجتماعية وبين الدولة التي يجب ان تقوم بواجب تطبيق الحقوق وكفل حق الحريات على اعتبار ان الدولة تقوم على مبادئ الحق والعدل والمساواة وهي عبارة عن تعاقد يبلوره الدستور الجامع للتنظيمات التي تقوم عليها الدولة .

والشريعة الاسلامية اتت باطار عام للحكم ولم تفصل في كيفية بناء مؤسسات الحكم واعتبرت ان الشورى ضامن للحكم وتركت للناس على مر العصور صياغة اطر تتناسب مع كل زمن ومع كل عصر ومع كل مكان .

ونتيجة ضعف المسلمين خلال القرون الاخيرة كان هناك في المقابل تطور المجتمعات الغربية استطاعت ان تبني نموذجا ناجحا للحكم يتناسب مع متطلبات العصر، في حين ان المسلمين لم يتمكنوا من بناء نموذج حكم اسلامي يتناسب مع متطلبات العصر من اجل التكفل باقامة العدل في الارض الذي امرهم به اسلامهم.

والقران الكريم ضرب لنا مثلين الاول استشارة بلقيس قومها ( قالت يا أيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ) بينما في المقابل ذكر القران الكريم قصة فرعون الذي يرفض استشارة قومه ( قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) وجعل فرعون نفسه مصدر التشريع ومصدر الالهام ومصدر الحقيقة بينما الشورى تجعل الامة هي مصدر الحقيقة بناء على اسس ومبادئ مستمدة من القران الحكيم .

فمسائل الديمقراطية وحرية الراي والمعارضة تحولت الى رؤية كونية وهي لا تتعارض مع مفاهيم ومصطلحات الحكم في الاسلام ، وان كانت المفاهيم الاسلامية ومصطلحاته غير فعالة وغير واقعية لان المسلمون لم يطوروا تلك المفاهيم والمصطلحات خلال القرون الاخيرة بما يتوافق مع الزمن والوقت خصوصا فيما يتعلق بالعمق الفكري والقانوني حول المشاركة السياسية والتداول السلمي للحكم ، قد تكون بسبب سيادة انظمة شمولية واستبدادية قمعية سادت في العالم الاسلامي في العقود الاخيرة ومن قبلها كانت البلاد الاسلامية بلاد مستعمرة كرست جهودها من اجل تحرير بلدانها وعندما حصلت على حريتها دخلت زمن الثورات المسلحة التي تحولت فيما بعد الى انظمة قمعية وانظمة شمولية .

فالتساؤل حول مدى ملائمة بعض مفاهيم الديمقراطية والآليات السياسية المعاصرة للشورى ، اذ انه ليس من المطلوب ان تتوافق تلك المفاهيم وتلك الممارسات لدى تلك الامم ولكن يمكن المقارنة بينها وبين تطبيق الافضل بصرف النظر عن مصدر تلك التطبيقات المهم انها لا تتعارض مع مبادئ الشريعة الاسلامية بل انها تتوافق في كثير من اهداف وغايات تلك الممارسات مع مبادئ الشريعة الاسلامية فيصبح تطبيقها مبدا شرعي .

وعلى المسلمين ان يشاركوا المجتمعات المتقدمة لان التجربة الانسانية اثبتت ان التنوع والتعدد في الافكار والمسارات أجل وانفع للانسانية واكثر اغناءً واثراءً، خصوصا اذا ما رافقه التعاون والتسامح الدولي وهي مبادئ دعى اليها الاسلام .

وهذا لا يعني ان الديمقراطية هي النهاية لما توصل إليه البشر، بل على العكس هناك عيوب كثيرة تعتري وتكتنف الديمقراطية ويمكن للنموذج الاسلامي ان يشارك في تصويب هذه العيوب من اجل التوصل الى نموذج افضل يحقق الرضى للبشر ويتفادى العيوب التي تقلل من اهمية الديمقراطية، خصوصا فيما يتعلق بمرحلة التصويت التي لم يشارك فيها الا القليل من الناس، كما ان من اكبر عيوب الديمقراطية ان يجد الناخب نفسه مسيرا بنظام القاعدة .

والسؤال المهم هو هل كل ناخب قادر على ان يختار من يمثله؟ ام ان "اهل الحل والعقد" النموذج الذي توصل إليه المسلمون كآلية من آليات نظام الشورى هو افضل؟، ومن يشاور الحاكم ؟ في قول الله سبحانه وتعالى ( وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم ).. هل يشاور المجتمع باكمله ام انه يشاور اصحاب الاختصاص ، وهناك آيات اخرى تجيب على بعض هذه الاسئلة (فاسال به خبيرا) وفي آية اخرى (واذا جاءهم أمر من الأمن او الخوف اذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ).

والحق ليس دائما مع الاكثرية وقد يكون مع الاقلية او مع افراد قلائل ولكنهم اصحاب علم وخبرة واختصاص وهكذا ( يرفع الله الذين آمنوا منكم واوتوا العلم درجات ) ، وان كان الاسلام قد نهى الفرد الذي يرى نفسه على الحق بعدم الخروج على الجماعة حفاظا على تماسكها وعدم نزوعها نحو الاقتتال والصراع، كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( ان الذئب يأكل من الغنم القاصية) ( ويد الله مع الجماعة)، هذه تساؤلات محقة بحاجة الى دراسات علمية مستفيضة وعميقة لتقترح آليات افضل كي تصل إلى نموذج اقوى واكثر مصداقية لتصبح قاعدة رضا لا قاعدة احتكام مثلما هو في ديمقراطية اليوم لتطوير ديمقراطية عالمية قابلة للتطوير والتجديد .

وكانت مكانة العلماء الدينيين في الجزيرة العربية تفوق مكانة بقية العلماء الاخرين، حيث كان العالم الديني المسؤول الأول والاخير عن الضبط الاجتماعي، وكانوا سببا في مواجه الحداثة التي تعتبر عندهم محرمة ، فكانوا يفسرون قول الله سبحانه وتعالى ( يرفع الله الذين امنوا منكم واتوا العلم درجات ) بأن الآية تتحدث فقط عن رفع مكانة العالم الديني، بينما بقية العلماء الآخرين لا تنطبق عليهم الآية، فوضعوا لانفسهم مكانة لا يستحقونها على غرار مكانة البابا والغوا مكانة بقية العلماء الاخرين حتى لا يتصدوا للتقليد ويغيروا من الضبط الاجتماعي بما يتناسب مع الحداثة لانهم في الأصل يعتبرونها تغريبا، هدفه استباحة المجتمعات الخليجية لنشر الرذيلة والاباحية ،حتى اصبح المجتمع الخليجي يعيش حالة من الانغلاق الفكري والاجتماعي ويعاني عدداً من التحديات الاجتماعية التي حولته الى قنابل موقوته قابلة للانفجار ولم يتم معالجتها حتى اليوم الا بمسكنات، ولا تزال تلك التحديات بعيدة عن الحلول الجذرية .

ولا زال المجتمع الخليجي منذ عقود منشغل في البحث عن شرعية كشف وجه المرأة وحكم الاختلاط وسواقة المرأة للسيارة وقضايا كثيرة لم تحسم حتى اليوم اعاقته من ان يتحول الى احد مراكز القوى المنتجة ، ولم يشارك في الاكتشافات الجديدة .

كل هذا بسبب ارتباط المجتمعات الخلييجة بالحيثيات التاريخية الخاصة وليست ظاهرة ملازمة للدين او لتعاليم الاسلام حرمته من الانفتاح على عقليات جديدة تتخطى حتى فلسفة الانوار في اوربا .

فعلى المجتمعات الخليجة ان تناضل على جبهتين ضد التطرف الديني وايضا ضد تطرف الفكر الغربي المعادي للتقاليد ويجب ان يتحول الجهاد الذي يسوقه المتطرفون من المسلمين الى الجهاد الذي غرسه الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس اصحابة وامته الى يوم القيامة وهو نموذج شامل للحياة وليست له خصوصية تنحصر بالقتال .

فالمجتمع الخليجي يمر بمراحل من الرهاب الى السماح ولم يصل بعد الى التسامح والانفتاح على العلم وعلى الاخر، ومشاركة العالم قدراته التنافسية بسبب اشكالية في فهم تأويل آيات القرآن الكريم لان بعض العلماء لا يعترفون بان الخطاب القرآني في اجزاء كثيرة منه خطاب مجازي خصوصا في الجوانب التي لها علاقة مباشرة بالمجتمعات الاسلامية وغير الاسلامية لان الخطاب القرآني في اساسه خطابا عالميا وليس قوميا او محليا .

والخطاب المجازي الغير متصل بالجوانب العقدية والغيبية خطاب يفتح آفاق المعنى اضافة الى كشف الاستخدامات المختلفة للمجاز وعلاقتها بالتفاعل الاجتماعي والانساني العالمي ،لذلك هناك فوارق ما بين المعنى وآثار المعنى وظلال المعنى تلك التمييزات التي الغاها العديد من العلماء في دول الخليج بعد امام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولم ينجحوا في البناء على ما توصل اليه بما يتناسب مع المستجدات والمتغيرات المحلية والاقليمية والعالمية التي تتماشى مع روح الدين الاسلامي بعيدا عن التشجنجات والانغلاق الفكري الذي خرج من عباءته الفكر التكفيري والقاعدي .

مجلة آراء حول الخليج