array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 91

قراءة أخرى في الموقف الروسي من الأزمة السورية

الأحد، 01 نيسان/أبريل 2012

لا يبدو أن عام 2011 هو كغيره من الأعوام بالنسبة للعالم العربي. فقد شهِدت تلك السنة، تحولات سياسية على مستوى الأنظمة، لم يكن أحدٌ يتصور أنها ستقع، وفي بلدان كانت هي الأقوى من بين اثنتين وعشرين دولة عربية. تونس، مصر، ليبيا، اليمن وسوريا. في الأولى رئيسٌ هارب، وفي الثانية رئيس يُحاكم، وفي الثالثة رئيس صريع، وفي الرابعة رئيس معزول بحصانة، وفي الخامسة رئيس يُبشر  له بمستقبل لا يقل عن أحد تلك النماذج، لكن الوقت هو الحكم.

المشكل الكبير، هو أن كل تلك التغيرات، في الدول المشار إليها، كانت مختلفة في ديناميكيتها بشكل كبير. لذا، فقد كان من الصعب أن تتم صناعة ذات المشهد في بلد بعينه، وإسقاطه على بلد آخر، يشهد ذات الفوران الشعبي. والحالة السورية، ليست استثناءً في كل ذلك. فالجغرافيا، والطبيعة الديموغرافية، وميزان القوى الداخلي، وشكل الحكم وهويته، والعلاقات الدولية التي ينتظم عليها، هي أهم متغيرات الأحداث عندما تقع. وهي في عمومها، متغيرات مترابطة، إلى الحد الذي يلعب كل واحد فيها دوراً تكميلياً للآخر.

في الموضوع السوري، فإن القيم السياسية، الخاصة بديموغرافيا البلد، وميزان القوى فيه، وشكله وعلاقاته الخارجية يُمكن ربطها بشكل أصيل، مع جغرافيته، التي هي أحد أهم تلك المتغيرات. فالجغرافيا عادة ما تؤطر السياسات الخارجية للبلدان، فتشمها بشكل مُحدد من السلوك، واختيار الموقف. بل هي تمنحها فرص الغلبة في أحيان كثيرة، عندما تتلاقى الأسِنة، ويشتد الوغى. رأينا ذلك مع بريطانيا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

هنا، ومن هذا المنطلق بالتحديد، نحاول أن نقرأ، كيف لعِبت الجغرافيا دورها، في أن يبقى النظام السوري متماسكاً ولغاية هذه اللحظة، سواء أكان الحديث عن جغرافيا المكان، أم جغرافيا السياسة، ففي الحالتين، كانت سوريا تستفيد من كلتيهِما، فضلاً عن فروض جغرافيا الآخرين، التي حتمت عليهم أن يسلكوا طريقاً مُحدداً في سياساتهم الخارجية. وإن من أهم تلك الدول، والتي لعبت دوراً محورياً في الملف السوري، روسيا، التي كانت الداعم الأساسي لدمشق، في مجلس الأمن، باستخدامها مرتين، حق النقض (فيتو)، ضد قرارين أمميين، كانا سيصدران بشأن الأزمة السورية.

وفي الحقيقة، فإن الموقف الروسي بات مُستغرباً بالنسبة للكثير من المراقبين، لكنه سيبدو طبيعياً جداً، عندما يُرى من الزاوية الجغرافية، رغم عدم نفي بقية المصالح، التي هي أساساً تكونت، وصِيغت على بناء تلك الجغرافيا، من قبيل المصالح الاقتصادية والعسكرية، والمتمثلة في الدائرة الصناعية والتجارية، وكذلك، أوضاع العلاقات العسكرية بين البلدين، ومستوى ذلك الوضع، وبالتحديد، في مجال نوعية السلاح المتبادل، والذي يلعب دوراً في عملية التوازن.

روسيا كانت الداعم الأساسي لدمشق في مجلس الأمن باستخدامها حق النقض لمرتين

الموقف الروسي حول سوريا بدا مُستغرباً للكثير من المراقبين

روسيا، وهي من الدول المقسومة قارياً، حيث تقع في الشمال الأوروآسيوي، كانت لديها مشكلة استراتيجية، تتعلق بأزمتها مع المياه الدافئة. فروسيا تاريخياً، كانت تطِل على البحر، فقط من جهة المحيط المتجمد الشمالي. وهي بحار، لا تصلح لخطوط الاتصال البحرية النشطة، ولا تمنحها فرصة الولوج إلى المسارات التجارية والعسكرية الفاعلة. كما أنها مياه لا تقربها من البؤر الجغرافية المهمة في العالم، والمرتبطة بالممرات المائية، القريبة (أو المؤدية) للمحيطات.

ويمكن ربط هذه المشكلة الاستراتيجية الروسية بحقبة تاريخية مهمة من التاريخ الروسي، وهي الفترة التي حكمت فيها الإمبراطورة كاترين الكبرى (1762- 1796)، وظهور النفس الإمبريالي لهذه الدولة. لذا، فقد كان التوجه الروسي في تلك الفترة، هو القضاء على هذه المشكلة الجغرافية، والوصول إلى مياه بحرية أكثر ديناميكية ونفعاً، وهو ما دفعها لأن تخوض حرباً ضروساً مع الدولة العثمانية، في الفترة من 1787 ولغاية العام 1792. ورغم أن روسيا كانت قد خاضت سبع حروب سابقة مع العثمانيين، قبل تلك الحرب، إلا أن هذه السنوات الخمس من الصراع، كانت حاسِمة، لأن تقضي الأمبراطورية الروسية على أزمتها في البحار.

لقد كانت أهم نتائج ذلك الصراع، هو هزيمة الجيش العثماني، والوصول إلى بحر أزوف، وهو البحر المطل اليوم على شواطئ أوكرانيا من جهة الشمال، وعلى الأراضي الروسية من الجهة الشرقية، ومن جهة الغرب على شبه جزيرة القرم. عندما وصل الجيش الروسي إلى تخوم هذا البحر، أصبح قادراً ومن خلال مضيق كيرتش، من الولوج باتجاه البحر الأسود. بالتأكيد، فإن الإنجاز الروسي، لم يكن في قدرته على الوصول للبحر الأسود، كبحر داخلي بين الجزء الجنوبي الشرقي لأوروبا وآسيا الصغرى، وإنما في قدرتها على السير باتجاه مضيق البسفور نحو بحر مرمرة، ثم عبور مضيق الدردنيل، وصولاً إلى بحر إيجه، الذي أوصلها تالياً إلى البحر الأبيض المتوسط، الذي يعتبر الوعاء البحري الاستراتيجي والتاريخي، الذي تطل عليه أراضي الشمال الإفريقي والجنوب الأوروبي.

لقد كان وصول الروس إلى هذه المياه الدافئة، انتصاراً تاريخياً هائلاً، وضعهم على مفاصل الصراع والمصالح الدولية. كما أنهم باتوا قادرين، على عبور مضيق جبل طارق في الغرب، للاتصال بمياه المحيط الأطلسي، ومن ثم الوصول إلى أوربا الغربية وشواطئ الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن الالتحاق، بخط الاتصال البحري المهم وهو رأس الرجاء الصالح. هذا التحول الجيوسياسي الروسي، منذ نهايات القرن الثامن عشر، كان حكماً على أصول، ومديات السياسة الخارجية الروسية، وفي كيفية التعامل مع دول الوسط – الغرب الأوربي.

هنا، تظهر تجليات الموقف الروسي من الأزمة السورية. فسوريا، التي تطل على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وتمتلك قناة الاتصال الاستراتيجية ما بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، باتت في قوس الاهتمام الروسي، الذي لم يكن ليكتمل إنجازه في التمدد نحو المتوسط، إلا بوجود مرسى بحري، يستطيع من خلاله إدارة عملياته البحرية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم. لذا، فقد جاءت التسهيلات السورية للبحرية الروسية، عبر منحها حق استخدام ميناء طرطوس بالغ الأهمية، مُكملة للإنجاز الروسي التمددي في البحار الدافئة.

ولكل من قرأ تاريخ منطقة الشام، سيجد، أن هذه البقعة من العالم (طرطوس)، كانت ومنذ الحقبة البيزنطية، محطة مهمة للقوى العظمى حينها، في تقوية نفوذها، والدفاع عن مصالحها في البحار. كما استخدمتها الجيوش الصليبية، في حروبها على الشرق، ما بين القرنين الحادي عشر ونهايات القرن الثالث عشر الميلادي، بشكل رئيسي. فضلاً عن أهميتها التجارية، باتجاه الداخل السوري، خصوصاً أن (طرطوس) ترتبط ارتباطاً رئيسياً بشبكة الاتصال البري السورية نحو حمص، وحلب (الوعاء التجاري) والعاصمة السورية دمشق.

لذا، فإن الروس، عادة ما يستحضرون القيمة الاستراتيجية لهذه المنطقة، ويصيغون مواقفهم الدولية عليها. ورغم أن التعاون الروسي السوري، قد بدأ عملياً منذ عام 1945، أي في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، إلا أن ذلك التعاون، استمر بشكل فاعل، وازداد أكثر، بعد طرد الرئيس السادات للخبراء الروس من الأراضي المصرية، وكان جزءاً من نفوذ القوة الروسية في هذه المنطقة من العالم. في المقابل، استفاد السوريون من ذلك النفوذ، بحصولهم على تسهيلات مهمة لتدعيم بنيتهم التحية، كبناء سدودهم المائية، ومنظومتهم الصناعية، وخطوط سكك الحديد، فضلاً عن العتاد العسكري للجيش والأمن.

في كل الأحوال، فإن الموقف الروسي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا المتغير الاستراتيجي، إلا أنه أيضاً يخشى العديد من المشكلات الأخرى، كفقدانه الامتيازات الاقتصادية، ووصول مد إسلامي سياسي بالقرب من مصالحه الحيوية، وهو يرى النفوذ الإسلامي في تونس وليبيا ومصر يتعاظم، وهو أمر تخشاه موسكو، التي لا تزال تدير معركة كسر عظم في الأراضي الشيشانية. وهنا، يظهر مدى قدرة العرب، في تقديم ما يُساعد على كسر العناد الروسي الفج، بمنحه ما منحه إياه السوريون. فالسياسة الروسية ليست مؤدلجة، بالشيوعية مثلما كان في السابق، وبالتالي فهي تتمتع بالبراغماتية، التي تتحكم فيها المصالح، ومنسوبها.

 

مجلة آراء حول الخليج