العدد 91

الثورية السورية وكشف الأقنعة

الأحد، 01 نيسان/أبريل 2012

كشفت الثورة السورية التي جاءت كحلقة خامسة في مسلسل الثورات الشعبية العربية العديد من الحقائق والمواقف السياسية والأخلاقية التي لم تكشفها الأزمات والثورات العربية السابقة، وأجبرت هذه الثورة الباسلة العديد من الأطراف الدولية والإقليمية على كشف أقنعة الزيف والنفاق السياسي التي لطالما تسترت بها.

لقد جاءت هذه الثورة المباركة لتضع النقاط على الحروف ولتبين لأبناء هذه الأمة المخدوعين بزيف الشعارات القومية والثورية، حقيقة ما تخفيه هذه الشعارات من دجل ونفاق سياسي، ولتبين لهم أن فاقد الشيء لا يعطيه، وبأن الأنظمة التي لا تستطيع أن تتحلى بالاخلاق والمبادئ الإنسانية في التعامل مع أبناء جلدتها لا يمكنها أن تجلب لهم العزة والكرامة والنصر من خلال رفع وتبني شعارات المقاومة الزائفة التي كبدت هذه الأمة من الخسائر المادية والبشرية ما الله به عليم، من دون أن تحقق لهم أي مكسب أو نصر مادي ملموس أو حتى معنوي، فالأراضي السورية واللبنانية مازالت إلى هذا اليوم محتلة ولم يحاول النظام السوري وحلفاؤه الأقوياء في المنطقة ولعقود طويلة من الزمن أن يحركوا ساكناً لإرجاعها أو حتى وضع استراتيجية واضحة في هذا الاتجاه وفقاً لشعار المقاومة الذي يتبجحون به، وذلك بذريعة اختلال موازين القوى والتحلي بالصبر والحكمة السياسية وتقديم المصلحة الوطنية، هذه المصلحة التي لم تستطع أن تستوعب مطالب الشعب السوري بالحرية والكرامة، وقابلتها بالقمع وبالقوة العسكرية المفرطة.

لقد كشفت الثورة السورية أيضاً الموقف الإيراني المشين، حيث لم تتورع الجمهورية التي يفترض أنها إسلامية عن دعم النظام السوري بكل ما تستطيع لقتل أبناء شعبه المسلمين المسالمين، وحشدت كل قواها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الدولية لسحق الشعب السوري في سبيل الإبقاء على نظام حليف لها في المنطقة، متناسية أنها أيدت وباركت كل الثورات العربية الأخرى بل ودعمت بعضها بالمال والسلاح، وآخر ما تفتقت عنه عقلية الملالي في طهران هو الزج بمجاميع من تنظيم القاعدة التابع لها لاختراق الثورة السورية وإحداث المزيد من الخراب والدمار بهدف تشويه الثورة وسلميتها، وللتصوير بأنها مجرد أعمال شغب إرهابية يشرع للنظام السوري مقاومتها والقضاء عليها.

ومن خلف الموقف الإيراني وغير بعيد عنه يأتي الموقف الروسي والصيني الذي أثار استغراب المجتمع الدولي بفجاجته، فهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها البلدان (فيتو) مشترك لإيقاف قرار يهدف لحماية شعب مسالم من آلة قمع النظام التي تفتك به صباح مساء على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، وبذرائع ومبررات روسية صينية واهية لم تستطع أن تخفي السبب الاقتصادي المصلحي الحقيقي من وراءها.

أما الموقف الأمريكي وإن بدا مؤيداً للثورة السورية وداعماً لها في الظاهر إلا أنه يخفي أيضاً ما يخفيه من التأثر بالموقف الإسرائيلي الذي لا يريد التفريط بالنظام السوري الحالي الذي استطاع أن يحجمه ويأمن شره لعقود طويلة من الزمن، فإسرائيل متوجسة من النظام السوري القادم ومتأكدة من أنه لن يكون وديعاً كالنظام الحالي. وبالتالي فإن الموقف الأمريكي الحالي من الثورة السورية يتسم أيضاً بالنفاق والبراغماتية.

ويحسب للثورة السورية أيضاً كشفها عن مواقف أخرى إيجابية كالموقف السعودي والخليجي وهما الموقفان الوحيدان اللذان تبنيا قولاً وفعلاً الجانب الأخلاقي في التعامل مع الثورة السورية، حيث بذل الخليجيون وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية كل الجهود الممكنة لمساندة الشعب السوري، وقادوا المساعي العربية والدولية لاستصدار قوانين وعقوبات تردع النظام السوري عن قتل وقمع شعبه، ولولا (الفيتو) الروسي-الصيني الأخير في مجلس الأمن لحقق الموقف الخليجي إنجازاً كبيراً في اتجاه نصرة الشعب السوري، وما زالت المواقف والتصريحات السعودية والخليجية الداعمة لثورة الشعب السوري مستمرة وفي تصاعد مستمر، وهي مواقف إيجابية تحسب لدول الخليج على الرغم من اتهام البعض لها بأنها أيضاً تسعى لتحقيق مكاسب سياسية ضد خصوم إقليميين على حساب الثورة السورية أو من خلالها، ولكن هذا الادعاء يمكن دحضه وتفنيده بعدة حقائق منها أن دول الخليج ما زالت لا تعرف حتى الآن شكل وطبيعة النظام السوري القادم، وبالتالي لا يمكن الجزم بأنه سيكون نظاماً موالياً لدول الخليج، بل على العكس فكل التوقعات تنصب في احتمالية وصول تيار الإخوان المسلمين لسدة الحكم في سوريا في حال نجاح الثورة وهو التيار الذي لا يحتفظ بعلاقات طيبة أو مثالية مع الأنظمة الحاكمة في دول الخليج، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تؤكد تصريحات دول الخليج وآخرها تصريح الأمير سعود الفيصل أن دول الخليج ليس لديها شيء ضد النظام في سوريا وتعايشت معه لعقود طويلة من الزمن ولكنها تريد فقط وقف المجازر ضد الشعب السوري. وهذا يدلل على أن الموقف السعودي والخليجي من الثورة السورية مبني على أساس أخلاقي تمليه العلاقات الأخوية التاريخية المتينة وصلات القربى والنسب التي تربط الشعب السوري بالشعوب الخليجية، وما يؤكد ذلك حجم التأييد الشعبي الخليجي لمواقف القيادات الخليجية من الأزمة السورية، بل ما زال البعض في الشارع الخليجي يرون أن دول الخليج ما زال لديها الكثير لتقدمه للدفاع عن الشعب السوري، ويطالبون القيادات الخليجية ببذل المزيد من الجهود والمساعي في هذا الشأن.

مجلة آراء حول الخليج