التنافس الدولي وأزمة الثورة السورية

انشأ بتاريخ: الأحد، 01 نيسان/أبريل 2012

مقالات لنفس الكاتب

تواجه الثورة السورية تعقيدات على المستوى الدولي والإقليمي وحتى على المستوى الداخلي، فالدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي مختلفة في موقفها من الحالة السورية، واستعملت كل من الصين وروسيا الاتحادية حق الفيتو ضد قرار يدين النظام السوري، بينما تقف الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي في موقف مؤيد للثورة السورية، ويحكم التناقض الدولي في الموقف من الثورة السورية المصلحة القومية لكل من هذه الدول، لأنه في رؤية المدرسة الواقعية في السياسة الدولية، فالدول يحكمها في تصرفاتها مصالحها وليس الأخلاق، وعلى حد تعبير هنري كسينجر منظر السياسة الأمريكية المخضرم، فإنه لا أخلاق في السياسية الدولية.

وحتى على المستوى الإقليمي، فإن هناك خلافات حول الموقف من الثورة السورية، وكل له حساباته ومصالحه، فإسرائيل مثلاً ترى أن النظام الحالي أفضل من المجهول القادم، وتخشى الجماعات الإسلامية كما حدث في دول أخرى، وذلك رغم عدم تصريحها هي مع بقاء الأمر الواقع خاصة أن جبهة الجولان رغم احتلالها منذ عام 1967 هي أكثر الجبهات هدوءاً. وترى إيران أن النظام السوري حليف لها، وسقوطه سيكون له نتائج سياسية واستراتيجية تؤثر على مصالحها، ولذلك تدافع عن النظام السوري الحليف الاستراتيجي لها. أما العراق وحيث إنه يدور في فلك النفوذ الإيراني، فالسياسة العراقية أقرب إلى الرؤية الإيرانية، مصالح تتداخل فيها المذهبية وتوازن القوى.

أما موقف دول الخليج العربية، فهو موقف واضح وصريح في إدانة مجازر النظام السوري، والوقوف مع الشعب السوري، وموقف دول الخليج تحكمة الجوانب الإنسانية ورابطة الدم والعقيدة، ولكن أيضاً المصالح الوطنية في كسر شبكة التحالف الإيراني-السوري، خاصة مع نفوذ إيران في العراق التي قدمتها الولايات المتحدة لإيران على طبق من فضة، وخشية من الهلال الشيعي الذي تم التنبيه له أكثر من مرة من كثير من السياسيين والاستراتيجيين في المنطقة، فسوريا واسطة العقد في هذه الهلال وخروج سوريا منه يعني نهاية هذا الهلال الذي يكون قد تشكل ضمنياً، ويعني تحجيم إيران أو على حد تعبير الاستراتيجي الأمريكي جورج كنن (سياسة الاحتواء) لإيران في داخل حدودها، مما يخفف من حدة تهديدها لجيرانها.

أما على مستوى الداخل السوري وقوى المعارضة فنقطة ضعف المعارضة انقسامها على بعضها، سواء معارضة الخارج أو الداخل، ثم الأغلبية الصامته في المدن الكبرى في سوريا، مما يربك الدول الإقليمية والدولية المؤيدة للثورة، ويجعلها في حيرة في التعامل مع المجلس الانتقالي أو قيادات الداخل. والمعارضة مختلفة في مواقفها، منها مع التدخل الدولي وحتى عسكرياً وبعض المعارضة تدين وترفض أي تدخل خارجي في الثورة، والحقيقة أن الموقع الجيواستراتيجي هو الذي يملي سياسة القوى الدولية والإقليمية، ومع دخول القوات السورية لحمص وباب عمرو أصبح موقف المعارضة في حالة ضعف واضحة، فالموقع الجيواستراتيجي لها، أي سوريا، وأهميته يجعلها محل صراع دولي وإقليمي، وكان يتردد في الدوائر الرسمية والاستراتيجية في واشنطن، أنه لا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سوريا ومنذ بداية القرن العشرين والدول الكبرى تتنافس على سوريا، منذ اتفاقية سايكس بيكو 1916 بين بريطانيا وفرنسا.

التنافس الدولي بعد الحرب العالمية الثانية

تصدرت الولايات المتحدة العالم الرأسمالي في ظل الحرب الباردة، وتدخلت مباشرة في سوريا بهندسة انقلاب حسني الزعيم 1949، الذي كانت قد خططت له الاستخبارات الأمريكية (CIA) وكان الهدف مد خط أنابيب النفط إلى الساحل السوري، وهذا ما حدث، فهندست بريطانيا انقلاب سامي الحناوي ثم انقلاب أديب الشيشكلي الذي دعمته أمريكا، وحتى عندما استولى حافظ الأسد على السلطة في سوريا 1970، كانت له علاقات مع واشنطن، وكان تدخله في لبنان بدعم وموافقة أمريكية. ودعمت واشنطن سياسته في لبنان حتى 2005، وحتى موقف واشنطن الحالي من الأزمة السورية، فواشنطن ترسل تصريحات متناقضة، سحب سفيرها ثم عودته، وعدم التشجيع على تسليح المعارضة لأنها تخشى النظام القادم لأن المعارضة منقسمة على نفسها، والقادم غير واضح في رؤية واشنطن، وحتى إسرائيل التي تعايشت مع نظام الأسد 40 عاماً، لا تريد الدخول في سياسة المجهول في حالة عدم وضوح هوية النظام القادم، فكان الأسد يواجه إسرائيل باستراتيجية غير مباشرة في لبنان وليس في الجولان، ورغم محاولة واشنطن الإعلان عن إبعاد سوريا عن التحالف مع إيران، إلا أن سياسة واشنطن متضاربة مع إيران أيضاً واصبح واضحاً من تصريح أوباما أنه مح الخيار الدبلوماسي في حل أزمة المفاعل النووي الإيراني، وواشنطن تقوم بلجم إسرائيل عن توريطها في نزاع مسلح مع إيران، بل الحل الدبلوماسي في نظر واشنطن رغم الحرب الإعلامية هو الواضح في سياسة واشنطن تجاه سوريا.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد أعلن في قمته الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي، ولكن الموقف الأوروبي أقل تأثيراً من واشنطن ويلعب عامل ترشح الرئيس الفرنسي ساركوزي مرة ثانية دوراً مهماً في موقف فرنسا من الثورة السورية، ورئيس المجلس الوطني الانتقالي برهان غليون من المقربين من باريس ومقيم فيها ورغم تاريخه اليساري، فهو لا يجد التأييد الكافي في المعارضة السورية ويفتقد للكاريزما القيادية مما يفقده شرعية تزعم المعارضة في الوقت الذي هي بحاجة لقيادة تتمتع بالكاريزما الثورية، وحتى ساركوزي أعلن أن فرنسا لن تتدخل مباشرة ومن دون تفويض من مجلس الأمن وهذا لن يحدث مع إصرار كل من الصين وروسيا الاتحادية على موقفهما الرافض للتدخل الأجنبي في سوريا.

روسيا الاتحادية والصين والموقف من الأزمة السورية

إن الموقف الروسي والصيني تمليه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، فالصين التي يتوقع مع نموها الاقتصادي أن تصبح أكبر مستهلك للطاقة في المستقبل، وفي عام 2020 ستستورد 60 في المائة من حاجتها النفطية، وتعد الشريك التجاري الأول في الشرق الأوسط، حيث تفوقت في عام 2009 في حجم تجارتها مع الشرق الأوسط على الولايات المتحدة حين بلغت صادراتها 60 مليار دولار، أما التجارة البينية بين الدول العربية والصين فقد بلغت عام 2009 حوالي 107,4 مليار دولار، لذلك لا تريد الصين أن تنفرد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالمنطقة، مستفيدة مما حدث في ليبيا، فقد كان 38 ألف عامل صيني في ليبيا عند سقوط القذافي، وقدرت استثمارات الصين في ليبيا بـ 18,8 مليار دولار عدا عن بيع الأسلحة، ومع تدخل حلف الناتو، أصبحت ليبيا مسرحاً للشركات التابعة لدول الناتو، وخسرت الصين منطقة مهمة لاستثماراتها.

إن القضية في الموقف الصيني ليست قضية نظام الرئيس الأسد بل المصالح الصينية في منطقة استراتيجية (من يسيطر عليها يسيطر على نفط العالم) وبالتالي يسيطر على اقتصاد العالم.

ولذلك طرحت الصين في السابع من مارس 2012، خطتها لحل الأزمة من ست نقاط، تجاوبت معها السلطات السورية وهي تلتقي مع الخطة الروسية، أهمها رفض التدخل الأجنبي وعدم إسقاط النظام بالقوة والحوار بين جميع الأطراف من دون شروط، لأنه في نظر الصين سقوط النظام بقوة خارجية يعني أن تصبح سوريا رهينة القوى الغربية.

ويقترب الموقف الروسي من الموقف الصيني في أن روسيا فقدت سوقاً مهمة لسلاحها في ليبيا، وفي سوريا لها مصالح استراتيجية واقتصادية، فالسفن الروسية في ميناء طرطوس بالبحر المتوسط، وهناك حوالي 600 تقني روسي في ميناء طرطوس، ولها استثمارات في السياحة وقطاع الطاقة تقدر بحوالي 19,4 مليار دولار، ومصالح تجارية بحوالي 5 مليارات دولار، ولا تريد تكرار ما حدث في ليبيا حيث فقدت عقوداً مع النظام السابق ما بين 4-5 مليارات دولار، وبسبب الحصار على إيران فقد الروس حوالي 13 مليار دولار، وتعتبر موسكو أن محور الصين-روسيا-إيران وامتداده مع سوريا يحقق مصالح في الشرق الأوسط في الوقت الذي أصبح العراق تحت مظلة النفوذ الأمريكي.

الأزمة السورية والحل السياسي

إن الظروف الدولية، تدفع باتجاه الحل السياسي، فأوروبا تمر بأزمة اقتصادية لا تسمح لها بالتورط في نزاعات إقليمية لا تعرف أين تنتهي، أما الولايات المتحدة فالرئيس أوباما فاز بالرئاسة في الفترة الأولى بسبب وعوده بسحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، ومع الترشح للمرة الثانية والانسحاب من العراق لا يمكنه التورط في عمل عسكري يدفع بإرسال قوات أمريكية لسوريا، ويؤكد ذلك ما قاله وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا في مجلس الشيوخ الأمريكي بقوله (من الواضح أنه لايوجد حل بسيط أو سريع لهذه الأزمة، نعتقد أن الحل الأفضل لهذه الأزمة يمربعملية انتقالية سلمية وسياسية وديموقراطية يقودها الشعب السوري وفقاً للخطوط التيحددتها جامعة الدول العربية، حتى ولو أننا لا نستبعد أي عمل في المستقبل،فإن الإدارة تركز حالياً على مقاربات دبلوماسية وسياسية بدلاً من التركيز على تدخلعسكري.

ولا شك في أن الوضع الداخلي في كل من واشنطن والاتحاد الأوروبي، دفع إلى الهجوم الدبلوماسي الروسي - الصيني في زيارة وزير الخارجية الروسية للقاهرة، لتأكيده على الحل الدبلوماسي بالتنسيق مع الجامعة العربية، وقيام مبعوث وزير الخارجية الصيني بزيارة دمشق وتأكيده على الحل السياسي للأزمة، وحتى الأطراف العربية متفقة على الحل السياسي لأن الحل العسكري يدخل المنطقة في دوامة الفوضى التي لا تعرف نهايتها، فالوضع في العراق متفجر وقد يزداد سوءاً، وقضية الأكراد قد تتطور وتمتد إلى تركيا وتنتقل المنطقة إلى حروب طائفية وعرقية تغذيها إسرائيل والدول الاستعمارية، ويذكرنا الصراع الدولي بدبلوماسية الصراع الأوروبي في القرن التاسع عشر على إفريقيا ودول المغرب العربي، ولكن الوضع الدولي اليوم أكثر تعقيداً في دول كبرى تتصارع وتملك ترسانة نووية.

ويبقى موقف الدول الإقليمية صدى للصراع الدولي، ولكن ما يحدث في المنطقة العربية، أن إرادة الشعوب لن تقهر وحركة التغيير مستمرة، ونحن أمام شرق أوسط جديد تمليه إرادة الشعوب وليست الدول الكبرى أو الأنظمة الدكتاتورية.

مقالات لنفس الكاتب