العدد 96

مجلس التعاون الخليجي .. ركيزة الوحدة العربية

الإثنين، 01 حزيران/يونيو 2015

jamal

منطقة الخليج العربي ذات أهمية استراتيجية للوطن العربي وللعالم، ويُعد مجلس التعاون الخليجي نواة للوحدة العربية الكبرى، ودعامة رئيسية للعمل العربي المشترك، ويضيف رصيداً مهماً لجامعة الدول العربية، وهذا ما أكدته الأحداث التي عصفت بالمنطقة منذ مطلع الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي أي خلال مسيرة مجلس التعاون، فقد ثبت بالتجربة دور المجلس الفعال منذ حرب الخليج الأولى وحتى اجتياح ما يسمى بثورات الربيع العربي للعديد من الدول العربية، وقد كانت دول مجلس التعاون صمام الأمان لإنقاذ المنطقة العربية من انفراط عقدها من خلال المساندة وتقديم المساعدات للشعوب والحكومات العربية لتجاوز آثار هذه الأحداث أو الثورات خاصة على الصعيد الاقتصادي والمساندة السياسية والدبلوماسية.
لذلك مناط بدول مجلس التعاون في المرحلة الحالية مسؤولية كبيرة في الحفاظ على استقرار الوضع الإقليمي وما تبقى من العمل العربي المشترك ثم إعادة تأهيله، خاصة بعد أن داهمت الدول العربية الكبرى متغيرات سياسية واضطرابات أمنية وصلت أحياناً إلى حد الحروب الأهلية، الأمر الذي أثر على الدور التقليدي لهذه الدول في مسيرة العمل العربي المشترك، أو خروج بعضها من دائرة التأثير في الوقت الراهن، وفي الوقت نفسه تمتلك دول مجلس التعاون مقومات ملء الفراغ والقدرة على التأثير في مجريات الأحداث الإقليمية والعالمية، ولا سيما أنها محل ثقة وتقدير العالم و الشعوب والدول العربية والإسلامية نظراً لتميز سياستها وقراراتها بالعقلانية وعدم التهور أو الاندفاع، فتاريخها وحاضرها يخلوان من المغامرات أو الاعتداءات على الآخرين أو التدخل في شؤون الدول الأخرى، إضافة إلى مكانتها الدينية كما هو الحال للمملكة العربية السعودية، وكذلك إلى امتلاكها مصادر الثروة ، والقوة الاقتصادية لهذه الدول فهي تمتلك مجتمعة 34% من إجمالي الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط بكمية تبلغ في حدود 479.1 مليار برميل، وتنتج حوالي17.3 مليون برميل يومياً، كما إنها تختزن 22% من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي، ويقترب إجمالي الناتج المحلي لها من 1.7 تريليون دولار، وتتعامل مع العالم الخارجي بحجم تجارة عالمي قيمته 1.367تريليون دولار بين صادرات وواردات، وتأتي في المرتبة الخامسة عالميا في هذا التصنيف، حيث تحتل المرتبة الأولى الولايات المتحدة برصيد 3.882 تريليون دولار، وكندا في المرتبة العاشرة برصيد 964 مليار دولار، كما تأتي دول الخليج العربية في المرتبة الأولى عالميا من حيث الفائض في الميزان التجاري بقيمة 502مليار دولار (عام 2012)م.
كل ذلك يصب في خانة ثقل دول مجلس التعاون التي نجحت كذلك في إنشاء منظومة مشتركة قبل 34 عاماً هي منظومة مجلس التعاون الخليجي التي أعطتها قدرة جماعية في التنسيق والعمل السياسي، إضافة إلى القدرات الدفاعية المتمثلة في قوات درع الجزيرة حتى وإن كانت مازالت تحتاج إلى زيادة العدد والعتاد والقدرات التدريبية حيث يبلغ قوامها 40 ألف عنصر في الوقت الحاضر ، ويشكل مجلس التعاون في مجمل إطاره وأهدافه نواة للاتحاد الخليجي المأمول والذي تسعى إليه هذه الدول منذ نهاية عام 2011م، وجاء ذلك بعد إنجاز العديد من المشروعات المشتركة في ظل مجلس التعاون سواء على مستوى التشريعات أو تأسيس بنية الهياكل الاقتصادية المشتركة عبر مؤسسات تحت مظلة المجلس ،أدت إلى انسياب حركة التجارة والانتقال والتملك والعمل وغيرها بين دول المجلس، إضافة إلى إقرار الاستراتيجية الدفاعية الموحدة، والاتفاقية الأمنية الخليجية وتمت المصادقة عليهما في قمة المنامة عام 2012م، وهذا يؤسس إلى تنسيق أمني ودفاعي عالي المستوي، وتشكيل قوات خليجية موحدة لمواجهة آفة الإرهاب والتصدي لكافة أشكال الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، والدفاع عن سيادة واستقلال دول الخليج وتحقيق التوازن الدفاعي وملء الفراغ تحت أي ظرف من الظروف.
هذه الإجراءات التكاملية تأتي في ظل تقارب بين هذه الدول على كافة المستويات سواء من حيث تجانس الأنظمة السياسية، أو تقارب الشعوب وارتباطها بأواصر القربى والدم، مع عدم وجود حواجز طبيعية، إضافة إلى اقتصاديات وثروات طبيعية متشابهة، وأنماط اجتماعية سائدة مشتركة. كل ذلك جعل من التكامل الخليجي مطلب وضرورة له مرتكزاته وأسباب نجاحه، ولذلك فهي تدرس حالياً الصيغة الأكثر قبولاً للانتقال من التعاون للاتحاد لتفعيل المكتسبات، وتثبيت الأمن والاستقرار والدفاع عن سيادة واستقلال شعوبها وتوفير الأمن والرفاهية لمواطنيها في منطقة تموج بالمشاكل الأمنية، والسياسية، والاقتصادية مع تنامي ظاهرة الإرهاب الذي تمارسه الدول أو الجماعات التي تتدثر بعباءة الدين وتحظى بدعم دول إقليمية أو شبكات إرهابية لها امتدادها الإقليمي والدولي.
في المرحلة الحالية تتحمل دول مجلس التعاون مسؤولية تاريخية تجاه صون الأمن العربي الشامل بما لديها من استقرار في الداخل وثقل في الخارج، وبين هذا وذاك رؤية متعقلة ثاقبة لمعالجة القضايا العربية الكبرى، ومن ثم يجب التحرك المستقبلي على أسس جمع الشمل العربي وإحياء المشاريع العربية الكبرى المنبثقة عن جامعة الدول العربية مثل محكمة العدل العربية، القوات العربية المشتركة لمكافحة الإرهاب والتدخل السريع، السوق العربية المشتركة، الصناعات العربية المشتركة، وأعتقد أنه من الأهمية بمكان التركيز على البعد الاقتصادي والصناعي المشترك سواء في الصناعات المدنية الاستراتيجية أو العسكرية أو توليد الطاقة الجديدة والمتجددة، فمن الضروري الاستفادة من المزايا النسبية للدول العربية وهي عديدة ومنها ما هو مادي ومنها ما هو بشري وكفاءات نادرة لتحقيق تكامل اقتصادي وصناعي وتوطين اقتصادات المعرفة، والتكامل الاقتصادي العربي هو عنصر مهم من عناصر الأمن العربي الجماعي، وبالتزامن مع ذلك أو يسبقه تحقيق مصالحة عربية شاملة تقر الشفافية بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية وتقوم على الاحترام المتبادل واحترام رغبات الشعوب وسياسات الدول ومحاصرة التطرف والإرهاب، ومواجهة الاطماع الإقليمية والدولية وتأمين الشعوب ومكتسباتها.

مقالات لنفس الكاتب