تشكيلات الثورة السورية السياسية وطبيعة دورها في الملف السوري

السبت، 01 آب/أغسطس 2015

ملخص
لعبت التشكيلات والمؤسسات السياسية والعسكرية والمدنية دوراً مهماً في تحولات المشهد السوري منذ بدأ الحراك الثوري، وأثَّرت في مسار الأحداث وكافة مراحل ومستويات الثورة السورية، إلا أن إرهاب الدولة الذي مارسه النظام ضد الشعب السوري، وتعنُّته ورفضه المبادرات السياسية، بالإضافة إلى تعمده تكريس جميع مؤسسات الدولة لقمع الحراك الثوري بدايةً ولمصادرتها لصالح النظام الإيراني لاحقاً، ساهم في عدم قدرة الأجسام الثورية على امتلاك أدوات التمكين، ناهيك عن بعض الأسباب الذاتية المتعلقة بجزء منها بالتضارب والخلل البُنيوي الذي يعتري بُناها التنظيمية والمرتبطة بجزئها الآخر بالاستقطاب الإقليمي والدولي الذي أفرز اضطراباً واضحاً في سلوكيات هذه الأجسام. وانطلاقاً من أهمية هذه التشكيلات وضرورة تفعيلها لتحسين الفضاء الثوري بشكل عام، تُلقي الدراسة الضوء على الخارطة السياسية الثورية وأجسامها الرسمية موضحةً بُناها وأُطرها الفكرية ودورها في عمليات التفاعل والتواصل مع كافة الفاعلين في الملف السوري، كما تعرض جملة التحديات التي تعترض وظائف هذه التشكيلات، ولعل أهمها ضرورة التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض، بالإضافة إلى وجوب تجاوز بعض العقبات الإدارية والتنظيمية التي أرهقت هذه التشكيلات السياسية خلال السنوات الماضية بالتزامن مع إدراك أثر التباعد بينها وبين الأجسام العسكرية على المشهد السوري بشكل عام، وتداعياته على الثورة السورية.


وتُبين الدراسة المتكئة على المنهج الوصفي التحليلي أهم متطلبات وأدوات التمكين لمعظم المؤسسات السياسية وضرورة تكامل وتنسيق العمل بين كافة المكونات. ولعل أهم هذه الأدوات هو إعادة تصدير الطابع الوطني للثورة وتسويقه إعلامياً وسياسياً، بالإضافة إلى الدفع باتجاه انخراط جميع المكونات السورية في فعاليات الثورة والالتحام بمشروعها. بالإضافة إلى ضرورة تشجيع وتكليف نخب سياسية جديدة لما تستدعيه المرحلة من ضخ دماء شابة بعد أن استهلك العديد من الشخصيات المعارضة على مدى أعوام الثورة، فتعزيز دور فئة الشباب في الحراك العسكري والسياسي يُساهم في ردم الفجوة المتزايدة بينهم وبين مؤسسات المعارضة السياسية. أما على المستوى المحلي فتبني اللامركزية الإدارية وفق النموذج الأنجلوساكسوني كمدخل لتمكين المجالس المحلية وتعزيزها يساعد على تحقيق الاستقرار وإعادة بناء المجتمع والدولة من جديد، كما يعد دعم المجالس المحلية ورفدها بكل الأدوات اللازمة للحكم المحلي ضرورة أساسية في المرحلة الانتقالية نظراً لدورها المحوري في كافة العمليات الأفقية للدولة. وهذا أمر يتطلب بلورة برامج تأهيل سياسي ومهني لهذه المجالس، بالإضافة إلى توفير المستلزمات المادية واللوجستية لضمان إدارة محلية رشيدة. وترى الدراسة أنه لضمان تطوير نظام عمل هذه المجالس لا بد من تطويع الواقع وتوفير الشروط الدنيا من الاستقرار كتكييف نظام الهدن، وتطوير منظومة عمل الهيئات الشرعية الموجودة عبر تأهيلها بدورات قانونية للقائمين عليها، ودمجهم مع المجالس القضائية.
وفي سبيل تفكيك موضوع البحث فقد قسمت الدراسة إلى ثلاثة أقسام تناول الأول الخارطة الثورية السياسية التي تشكلت إبان الحراك الثوري في سوريا، ثم تنتقل في قسمها الثاني لتبيان دور ومهام وتحديات الأجسام السياسية الرسمية سواء على صعيد عمل الائتلاف الوطني أو أدواته التنفيذية المتمثلة في الحكومة المؤقتة، أو على صعيد عمل المجالس المحلية، بينما يفرد القسم الأخير للتباحث في متطلبات تمكين هذه التشكيلات في سبيل تحسين الأداء العام.
أولاً خارطة الفاعلين في الحراك الثوري السوري
تحلى الشباب الثائر بعزيمة الصبر منذ اللحظة الأولى والتي شهدت عنفاً مفرطاً وجِّه نحو مجتمع ما زالت الروابط العشائرية فيه حيّة (درعا) حيث حصلت عملية عسكرية مكثفة وموسعة في درعا بقصد القضاء على حركة الاحتجاج في مهدها وإرسال رسالة إلى السوريين كافة من الذين لم يشهدوا مجازر النظام في ثمانينات القرن الماضي توضح طريقته في التعامل مع أي شخص يحاول تحريك الركود الذي يعيشه البلد. خلفت هذه العملية أضراراً بشرية ومجتمعية كبيرة، فهبت عدة مناطق في ريف دمشق وحمص وبانياس وحماه ثائرةً ضد هذا النظام ومناصرة لحقوق أبناء وطنهم في محافظة درعا.
مقدمة في الإرهاصات
تعود إرهاصات الحراك الثوري إلى 5/2/2011 إثر دعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لـ «يوم غضب سوري»، ترافق ذلك مع تصريح لرئيس النظام في 1/2 بأنه لا مجال لحدوث تظاهرات في سوريا، لأنه لا يَسودها أي سخط على النظام الحاكم حسب قوله. بالرغم من ذلك، بدأ بعض الناشطين بمُحاولة تنظيم عدة مظاهرات تضامنية مع الثورة المصرية 25/1/2011 بدأت في يوم 29 /1، واستمرت حتى 2 /2 بشكل يومي في دمشق، إلا أن الأمن السوري اعترض المتظاهرين وأنهى حراكهم، وفي 17 /2/2011 أُغلق سوق الحريقة بدمشق وتجمهر التجار والسكان في المناطق المحيطة بعد إهانة رجل الأمن لابن أحد التجار، ردد خلالها المتظاهرون لأول مرة "الشعب السوري ما بينذل"، وبعد أقل من شهر سادت حالة احتقان في مدينة درعا جنوب سوريا، بعد اعتقال عدد من الأطفال المتأثرين بالربيع العربي، بكتابة شعارات مناهضة للنظام على جدران المدرسة. وفي 15 /3/ 2011 خرجت عدة مظاهرة ضمت العشرات من الجامع الأموي، ففضت بالقوة. وتكرر الأمر ذاته في اليوم التالي، مقابل مبنى وزارة الداخلية في ساحة المرجة. في يوم الجمعة 18 مارس، خرجت مظاهرات صغيرة في مدن دمشق ودرعا وحمص وبانياس، واجهها الأمن في درعا بإطلاق النار، وبالتفريق والاعتقال في المناطق الأخرى. وطوال الأسبوع التالي، كانت درعا وقراها مسرحًا لمظاهرات حاشدة واشتباكات مع الأمن، أوقعت خلال الأسبوع 100-150 شهيداً .
مع الامتداد الأفقي للحراك الثوري، كرّست المطالب والشعارات الوطنية الجامعة مبدأ التعاضد بين فئات وشرائح اجتماعية وسطى وفقيرة واسعة، أجمعت بواسطة الدم والتضحيات على لحمة خيوط النسيج الوطني الحديث، وعلى وحدة السوريين بمختلف مدنهم وبلداتهم وقراهم، وبمختلف مكوناتهم وأطيافهم الدينية والمذهبية والأثنية، جسدتها شعارات عديدة، بل إن الشعار ذاته "بالروح بالدم نفديك يا درعا" أعلن امتداد التعاضد والتكاتف إلى مختلف المناطق، حيث تناوبت وتتالت أسماء المدن والبلدات فيه، من جنوب سوريا إلى شمالها، ومن غربها إلى شرقها. ومع تزايد سقوط الشهداء وسيلان الدم في الشوارع والساحات تغيرت لغة الشعارات ومضامينها، وراحت تطالب بإسقاط النظام ورحيل رموزه، وإظهار التضامن والتكاتف مع مختلف المدن والبلدات التي تعرضت للقمع الشديد. وقد دعم صمود المتظاهرين والانتشار المتزايد للمظاهرات مجموعة من السياسات والتكتيكات التي شكلت حافزاً دافعاً على الاستمرار كالاعتصامات (كاعتصام الكرامة) والمظاهرات الطيارة واللافتات التي تحمل قيماً إنسانية ووطنية، وسياسة الإعلام البديل (شبكة شام، التنسيقيات، مواقع إلكترونية كالثورة السورية والجرائد البديلة كالدليل)، كما لوحظ انتشار مراكز إحصاء وتوثيق للانتهاكات (كالمركز السوري لإحصاء الاحتجاجات، ومركز توثيق الانتهاكات).
ومع مرور الوقت وازدياد النهج الحكومي العنيف وأمام ضرورات التنظيم لجأ الشباب السوري بالبحث عن صيغ تنظيمية تحسن ظروف الحراك الثوري وتساهم في إيصال صوت المتظاهرين للرأي العام المحلي والعربي والعالمي، وخلال فترة وجيزة ظهر في الفضاء السوري مجموعة حراكات وتنظيمات سياسية تعنى بشؤون الحراك.
الخارطة السياسية الثورية المتشكلة
أفرزت الثورة الشعبية في سوريا خريطة جديدة للواقع السوري من حيث شبكة التحالفات بين أركان المعارضة في الداخل والخارج، وأنتج الواقع الثوري أشكالاً جديدة للتعبير عن مطالب الثوار، وتنظيم العمل الجماهيري في مواجهة السلطة. تمثل ذلك في تشكيل شبكات ولجان تنسيق في مختلف أحياء المدن والقرى السورية.
1- التنسيقيات وتحولاتها
نتيجة لضعف الأحزاب السياسية قبل الثورة، ولانتفاء فعاليتها، ولعدم وجود خبرة تراكمية لحركات الاحتجاج لدى قوى الثورة، خاصة الشباب منهم، وفي محاولة منهم لتلافي نقص الخبرة الاحتجاجية، بدأت القوى الثورية بتشكيل " لجان تنسيق"، أخذت طابعاً سياسياً استراتيجياً بتوسيع مهام التنسيقيات على مستوى الأحياء بكتابة اللافتات وتنظيم المسيرات، وتصويرها ورفعها على الإنترنت. وبشكل عام، شكلت التنسيقيات من شباب لا ينتمون لتنظيمات سياسية، وليس لديهم انتماءات أيديولوجية، ثم اتسعت التنسيقيات لتشمل نشطاء سياسيين وحقوقيين.
ومع زيادة فرط التنسيقيات بكثرة إلى حد أضحى فيه لكل حي تنسيقة أو أكثر، غاب الواقع التنظيمي المأمول من الفكرة نتيجة الضخ اللامتناهي للأخبار وتفاصيلها، وبحكم إدراك الشبان استحالة إسقاط النظام في فترة قصيرة وبالإضافة إلى أسباب تتعلق بتحسين الظروف الأمنية وتنسيق العمل تم التوجه إلى تشكيل تنسيقيات موحدة في إطار التقسيم الإداري في سوريا على مستوى المحافظات، التي ستكون مقدمة لتوحيدها في إطار جامع لها، يوحد خطابها السياسي وينظم عملها الميداني، وهو ما تمثل في ظهور أول هيأة ذات شخصية اعتبارية تمارس عملها في الإطار الافتراضي - الميداني ، وهو ما عرف باتحاد تنسيقيات الثورة السورية الذي أصبح يُحاكي بعمله بصورة أو بأخرى شكل حزب سياسي له أنصاره في مختلف المحافظات حيث ضم منذ إنشائه في أيار/ مايو 2011 أكثر من 80 تنسيقية وأضحى الجسم التنظيمي الأكبر للحراك الثوري وشكل 80% من الهيأة العامة للثورة السورية التي تأسست في 18 آب/أغسطس والتي ضمت التنسيقيات لمتابعة الحراك وتنظيمه، وممثلو التنسيقيات الذين يقومون بانتخاب ممثل لهم في مجالس المناطق والذين بدورهم يؤلفون مجالس قيادة المناطق ويتصدون لمهام الدعم والتنظيم سواء على المستوى اللوجستي أو الإعلامي .
2- حراكات وفعاليات سياسية معارضة
إن الحديث عن دور للمعارضة الداخلية قبل الثورة السورية، سواء المتمثلة في أشكال حزبية أو تجمعات وشخصيات معارضة، ضعيف للغاية، ليس لقلة عدد المعارضين، ولكن لضعف فاعلية المعارضة، نتيجة للأسلوب القمعي من قبل النظام الحاكم. فمنذ وصول حزب البعث للسلطة في 8 /3/ 1963، قام بتصفية المعارضة حتى القريبة منه، سواء الناصريون أو القوميون العرب أو الإسلاميون أو الإخوان. ولكن كان هناك بعض أشكال الرفض للنظام الحاكم من قبل أطراف المعارضة، التي تجسدت فيما يسمى إعلان دمشق الذي وقع في 16/10/ 2005، ويُعد أول تحرك سياسي في مواجهة النظام البعثي الحاكم. وضم كافة الأطياف السياسية والأيديولوجية من حزب المستقبل السوري، والإخوان المسلمين، والأحزاب الكردية إلى حزب الاتحاد الاشتراكي الناصري، وحزب العمل الشيوعي، ومجموعة من المثقفين، ونشطاء المجتمع المدني، ورجال الأعمال مثل رياض سيف الذي وقّع إعلان دمشق من السجن.
ولكن كواقع الحركات الاحتجاجية التي ظهرت خلال السنوات العشر الماضية في الوطن العربي، كانت تعتمد على النخبة السياسية، وتفتقر لقنوات الامتداد الشعبي، فيؤدي ذلك في النهاية لضعف الحركة، وكثرة الانشقاقات بداخلها.
وفي سياق المشهد الثوري السياسي في الداخل، نشأت تكتلات من النخب السياسية والشبابية غير المنتمية إلى الأحزاب التقليدية والمنخرطين في النشاط الثوري المحلي شكلت ما سمي بـ"اللقاء الوطني" والذي كان له عدة لقاءات سرية على المستوى السوري، وضم المئات من القيادات أو الشخصيات المؤثرة. تشكل اللقاء في الشهر التاسع من عام 2011.
وفي المقابل بدأت بعض القوى السياسية والحزبية التقليدية من الأحزاب الصغيرة بإنشاء حركات وتشكيلات مدنية وسياسية معارضة، مثل: هيأة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي و"تيار بناء الدولة السورية"، و"حركة معاً"، و"تجمع نبض للشباب المدني"، و "ائتلاف اليسار السوري"، "رابطة العلمانيين السوريين"، إلا أن هذه التجمعات والحركات والهيآت والتي تضم في المجمل نخبة من المثقفين والسياسيين، اتسمت بعدم الفاعلية ومحدودية التأثير في المشهد السياسي العام.
كما تم الإعلان في 10 كانون الأول 2011 نقابة الصحفيين بالقاهرة عن تأسيس التيار الوطني السوري ، الذي وضع لنفسه جملة أهداف لم ينجح في تحقيقها لأسباب عدة تتعلق بطبيعة تطورات الملف السوري ومتغيراته المتسارعة، ومن جملة هذه الأهداف إيجاد صيغة سياسية للثورة لتدافع عن مطالبها. وفي 4 أيلول 2011 أُسِّس المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية ويضمّ 40 مجلساً ثورياً من كل بلدة ومدينة رئيسة في سوريا. وتُشرف مجالس قيادة الثورة على أنشطة المجالس الثورية المحلية في كل محافظة رئيسة، ويحظى كل مجلس قيادي بممثّلَين (يكونان داخل سورياعادةً) في المجلس الأعلى الذي يتألّف من المكاتب التالية: مكتب الخدمات، ومكتب الإعلام، ومكتب الإغاثة، والمكتب اللوجستي، والمكتب السياسي . كما ركّز المجلس الأعلى في البداية على العمل الثوري السلمي عبر تنظيم التظاهرات المناهضة للنظام ونشر المعلومات عن الثورة. يفتقر المجلس إلى الجهد الإعلامي حسب التنظيم الذي تتميز به المنظمات الأخرى، كما أنه ليس معروفاً بقدرها. وقد كان المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية من الأعضاء المؤسِّسين في المجلس الوطني السوري في تشرين الأول 2011، ويُعَدّ الأقوى والأفضل تمثيلاً ضمن المجلس من بين الشبكات الشعبية المدنية كافة في سوريا
3- حركة الضباط السوريين الأحرار السلمية
أعلن المقدَّم في الجيش السوري حسين هرموش انشقاقه عن الجيش في 10 /6/ 2011 خلال الحملة على مدينة جسر الشغور معَ عددٍ من رفاقه، مبرراً ذلك بسبب "قتل المدنيين العزل من قبل أجهزة النظام". وبعد انشقاقه بقليل أعلنَ تأسيس حركة لواء الضباط الأحرار، ووجَّه نداءً إلى كافة عسكريِّي الجيش للانشقاق والالتحاق بهذه الحركة. ليشكل هذا التاريخ فيما بعد محطة مفصلية في السياق الثوري. عبرت حركة الضباط الأحرار السوريين عن نفسها بأنها حركة تغيير سلمي أخذت شكلاً عسكرياً ثورياً. يسجل لهذه الحركة:
• أنها احتجاجٌ صريح على تحول الجيش عن واجبه ومهمته الأساسية. وهو أول انقسامٍ في المؤسسة العسكرية الذي يعد المحفز الأساس لمعظم الضباط المنشقين في تلك الفترة.
• رفضها المشاركة بالجرائم التي يقوم بها النظام السوري ضد المدنيين يؤكد زيف ادعاءات النظام آنذاك.
• إن لواء الضباط الأحرار بوصفه لصالح الوطن والشعب والمسمى الأشمل والذي تعهد بقبول كل أطياف المجتمع بالانضمام إليه من مثقفين وسياسيين وتمكين الأخوة من بعض الأقليات التي حرمت من الدخول والترفع في الجيش (الطائفي) كالكرد وغيرهم الانتساب إلى الحركة، على حد تعبير بيان التأسيس. يعتبر النواة الحقيقية لأي مشروع بناء جيش وطني في المستقبل .
4- المجلس الوطني السوري:
منذ انطلاق الثورة السورية عملت قوى المعارضة على توحيد جهودها لتشكيل واجهة سياسية تجمع الآراء المعارضة الفردية وتدمجها ضمن إطار جامع، من أجل دعم حقوق الشعب السوري وثورته والوصول بها إلى غايتها. وعلى مدى أكثر من خمسة أشهر تبلورت الرؤية بخصوص إيجاد المظلة السياسية التي تجمع الشخصيات الوطنية والقوى المساهمة في الثورة، وتطور الدور المطلوب منها مع تطور مسار الأحداث، وصولاً إلى إسقاط النظام، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي. فأتت فكرة المجلس الوطني السوري كإكمال لتجربة الحراك السوري في تجميع قوى المعارضة، إذ تأكدت الحاجة إلى تشكيل مجلس يضم الكفاءات الوطنية والشخصيات الفاعلة، ويعمل بمثابة مظلة سياسية للثورة السورية في المحافل الدولية دعماً لقضية الشعب السوري العادلة في التحرر من الاستبداد وبناء دولته المدنية الديمقراطية، ولأجل ذلك تشكل المجلس الوطني السوري في تركيبته الأولى في شهر أغسطس/آب 2011، ثم أعلن عنه رسمياً بعد ضم عدد من الشخصيات في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2011 بإسطنبول ، وترأسه المعارض والأكاديمي السوري برهان غليون. طرح المجلس عدة أهداف تتمثل في تأمين الدعم السياسي للثورة السورية، وحدة الصف الوطني في مرحلة التغيير، ضمان عدم حدوث فراغ سياسي، بلورة خارطة الطريق للتغيير الديمقراطي في سوريا، إيصال صوت الثورة السورية ومطالبها إلى المجتمع الدولي.
وظهرت في تلك المرحلة ملامح التعثر وصعوبة الطريق. وتعود أسباب هذا التعثر لأسباب موضوعية ولأسباب ذاتية تتعلق بنوعية القيادة والتمحور الأيديولوجي كانخفاض مستوى الثقة بين أجنحته وبدء الاستقطابات الداخلية بين الإسلاميين والمحافظين واليساريين والليبراليين والقوميين، بالإضافة لأسباب تنظيمية وإشكالات في العلاقات العامة. ولعل أهم ملمح اتسم به هذا الجسم هو ضعف فاعلية التواصل مع الحراك الثوري ومطالبة المجلس بما لا يمكن لمعارضة القيام به. كما أنه لم يواكب الزخم السياسي لتحرر مناطق جغرافية شاسعة من سيطرة النظام ونشوء المجالس المحلية كواقع جديد يستدعي تشكيل حكومة مؤقتة تنازع حكومة النظام على الشرعية الدولية.
ثانياً: الأجسام السياسية الرسمية وتحديات المرحلة
مع توالي جهود جمع قوى المعارضة في هيئة أو ائتلاف جديد، برز عُرف بـ"مبادرة رياض سيف"، حيث لاقت "المبادرة الوطنية السورية" قبولاً ودعماً قوياً لدى قوى دولية وإقليمية وعربية. وبعد ثلاثة أيام من النقاشات والاجتماعات في لقاء تشاوري في الدوحة-قطر، اتفق المجتمعون على تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" ، حيث أُعلن عنه في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، وضم ممثلين عن العديد من قوى وهيئات المعارضة السياسية السورية، إلى جانب شخصيات مستقلة، وممثلون عن قوى الحراك والمجالس المحلية للمحافظات السورية.
الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية: البُنية والمنجزات والتحديات
ضم "ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية" ممثلين عن "المجلس الوطني السوري"، والمجالس المحلية لجميع المحافظات السورية، والعديد من الشخصيات الوطنية المستقلة، وممثل عن الشخصيات المنشقة عن النظام. كما ضم ممثلين عن الهيئة العامة للثورة السورية، ولجان التنسيق المحلية، والمجلس الثوري لعشائر سورية، ورابطة العلماء السوريين، ورابطة الكتاب السوريين الأحرار، والمنتدى السوري للأعمال، وتيار مواطنة، وهيئة أمناء الثورة، وحركة معاً، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي (جناح منشق عن الحزب الذي يتزعمه حسن عبد العظيم)، والكتلة الوطنية الديمقراطية السورية، وممثلين عن الحركة التركمانية الديمقراطية السورية، والكتلة الوطنية التركمانية السورية، وممثلاً عن المنظمة الآشورية الديمقراطية، وممثلين عن مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر. وبعد توسعة الائتلاف، انضمت "الكتلة الديمقراطية"، وممثلون عن الحراك المدني، وعن المجالس العسكرية للجيش الحر، وقد أنضم ممثلون عن المكون الكردي، وهم أعضاء في أحزاب المجلس الكردي السوري، ليصبح العدد الإجمالي لأعضاء الائتلاف 121 عضواً.
وقد أكدت وثائق الائتلاف على الحفاظ على السيادة الوطنية، واستقلالية القرار الوطني السوري، والحفاظ على وحدة التراب الوطني السوري، ووحدة الشعب السوري، وعلى رفض الحوار مع النظام السوري، وألا يبدأ الحل السياسي في سوريا، إلا بتنحي بشار الأسد، ومعه رموز السلطة القامعة، وضمان محاسبة المسؤولين منهم عن دماء السوريين، مع التأكيد على قيام سوريا المدنية التعددية الديمقراطية.
تعاقب على رئاسة الائتلاف معاذ الخطيب الذي استقال من منصبه في 24 مارس/آذار 2013، ثم تولى جورج صبرة الرئاسة بالنيابة إلى أن انتخب أحمد الجربا رئيساً يوم 6 أغسطس/آب 2013، وفي 8 يوليو/تموز 2014 انتخب هادي البحرة رئيساً للائتلاف. ومع بداية العام 2015، وتحديدا في 4 يناير/كانون الثاني، انتُخب خالد خوجة في منصب رئيس الائتلاف . تكون الائتلاف في البداية من 63 مقعد، وأمام الدعوات المطالبة بتوسيع دائرة تمثيل جميع الأطراف بلغ أعضاؤه 121.
ويؤكد الائتلاف في أدبياته أنه يهدف إلى دعم القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية والجيش الحر، وإنشاء صندوق دعم الشعب السوري بتنسيق دولي، وإنشاء اللجنة الوطنية السورية. وأوضح أن من ثوابته الحفاظ على السيادة واستقلالية القرار الوطني السوري، وذلك إلى جانب إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه وأجهزته الأمنية، والحرص على قيام دولة مدينة ديمقراطية.
أما بالنسبة لأجهزته فيتكون الائتلاف من مكتب وحدة تنسيق الدعم، ومكتب الهيئة الوطنية العليا للتربية والتعليم العالي، ومكتب الهيئة الصحية السورية، إضافة إلى لجان أخرى كوحدة المجالس المحلية ومكتب مجلس السلم الأهلي وغيره.
يمكن القول عموماً منذ نشأة الائتلاف إلى اليوم ورغم كسب الصفة التمثيلية عن الشعب السوري وبالتالي الشرعية السياسية، حيث تم اعتراف الإقليمي والدولي بالائتلاف الوطني بصفته الممثل الشرعي للشعب السوري والمظلة التي تجتمع تحت لوائها كافة مجموعات المعارضة، وتم ذلك في الاجتماع الوزاري الرابع لأصدقاء الشعب السوري الذي عقد مراكش بتاريخ 12 ديسمبر 2012، بمشاركة ممثلي أكثر من 130 بلدا من الدول الأعضاء في "المجموعة" من بينهم حوالي 60 وزيراً، إضافة إلى المعارضة السورية، وممثلي عدة منظمات دولية وإقليمية ومنظمات غير حكومية . إلا ان هناك جملة من الضرورات لا بد من تبنيها لضمان الفاعلية والتموضع الرئيسي، وتتمثل فيما يلي:
• تجاوز بعض العقبات الإدارية والتنظيمية التي أرهقت الجسم السياسي خلال السنوات الماضية، والتي طالما ولدت درجة عالية من الاستقطاب السياسي في مراحل سابقة، وحالت دون الرشاقة السياسية المطلوبة من الائتلاف كجسم ثوري من المفترض أن يكون مرناً وفقاً للمعطيات المتغيرة، وقد انعكس ذلك في اتساق تصريحات أعضاء الائتلاف، وخاصة بين منصب كل من الرئيس ونوابه والأمين العام.
• عدم الاكتفاء بالحلول الإسعافية التي لا تؤسس لمعالجة شاملة، فالائتلاف مازال يعاني من مشاكل بنيوية أكثر أهمية لم يطرأ عليها أي تغير في كل الفترات الرئاسية، و المتعلقة بهذا الجسم منذ بداية تأسيسه، ولعل أهمها إشكالية "الهيئات الأربع ذات الصلاحية الواحدة"، حيث يوزع الائتلاف السلطات بيد (الأمانة العامة، الهيئة السياسية، الهيئة العامة، الرئاسة) إلا أن من يتتبع القانون الداخلي سيجد أن تلك السلطات غير منفصلة تتمتع بنفس الصلاحيات وتصدر نفس القرارات، كما تعود قرارات كل تلك الأجهزة للهيئة العامة للمصادقة عليها، والتي بدورها تستطيع إلغاء أي قرار متخذ، تلك الإشكالية رافقت الائتلاف منذ بداية تأسيسه لتستمر في عهد الخوجة دون إحداث أي تغيير، وتم استغلالها لتكون مدخلاً مهماً للتعطيل وتغذية الاستقطاب.
• السعي للخروج من منطق المعارضة الضيق إلى منطق الدولة الأوسع، قولاً وممارسة، وذلك من شأنه إيصال عدة رسائل سواء لكافة المكونات المحلية أو حتى على صعيد الدول التي تدعي عدم كفاءة بديل الأسد.
• إدراك أثر التباعد بين الأجسام السياسية والعسكرية على المشهد السوري بشكل عام، وتداعياته على الثورة السورية وهذا بدوره سيدفع كافة الجهود باتجاه الانفتاح على مختلف القوى في الداخل السوري؛ المدني منها والسياسي والعسكري، في إطار التشاور والاتفاق على رؤية سياسية موحدة لمستقبل سوريا.
يبقى تحدي التحول من كيان سياسي شبه حزبي معارض، إلى مؤسسة حكم قادرة على قيادة الثورة والتأثير بمجرى الأمور على الأرض. هو التحدي الأساس الذي سيضمن تحسيناً في الأداء والممارسة، فحتى هذه اللحظة لا تزال الممارسة السياسية للقوى المكونة للائتلاف تعكس خلطاً ببن أدوات ومفاهيم العمل السياسي الحزبي المعارض (الذي اعتادت عليه تاريخياً) وبين مفاهيم وأدوات الحكم وممارسة السيادة. هذا الخلط لم يكن ليوجد لو كنا بحالة طبيعية ديمقراطية ضمن نظام دستوري واضح يفصل بين السلطات، وتكون هيئته التشريعية منتخبة، مع وجود كادر مؤسساتي تكنوقراطي بيروقراطي (بمفهوم ماكس فيبر المؤسسي)، دون أن تتأثر الوظيفة العامة الخدمية أو السيادية بشكل كبير أو تتخلل بنيتها. ولعل من أبرز الأدلة على استعصاء مكونات الائتلاف السياسية داخل الحالة "المعارضة" تتمثل عادة بضعف كفاءة المرشحين الذين تقدمهم مختلف الأطراف السياسية كممثلين لها لشغل المناصب التنفيذية، حيث يتغلب الولاء السياسي على الكفاءة الإدارية والمهنية؛ وهو أمر لابد من تجاوزه في المرحلة القادمة.
الحكومة السورية المؤقتة وأولوياتها المنشودة
قام أعضاء الائتلاف الوطني بانتخاب غسان هيتو كأول رئيس وزراء للحكومة المؤقتة في سورية وذلك في اجتماع الهيئة العامة للائتلاف عقد في اسطنبول في 19 مارس/آذار 2013، ثم ترأسها في 14 سبتمبر2013 أحمد طعمة. وتتألف الحكومة من عشرة وزارات وهي: وزارة المالية والاقتصاد، وزارة التربية والتعليم، وزارة العدل، وزارة البنى التحتية والزراعة والموارد المائية ، وزارة الإدارة المحلية والإغاثة واللاجئين ، وزارة الثقافة والأسرة ، وزارة الاتصالات والنقل والصناعة، وزارة الطاقة و الثروة المعدنية، وزارة الدفاع ،وزارة الصحة.
مما لا شك فيه أن الحكومة المؤقتة هي مطلب ثوري بامتياز، ويعترض مسيرتها جملة من التحديات والعوائق ناهيك عن العوائق المالية والتي تعود أسبابها إلى سياسات الدعم في دول أصدقاء الشعب السوري بالإضافة إلى عجز ذاتي إداري وتقني وتأخر في البحث عن موارد ذاتية متجددة، فإنه تبرز عدة تحديات وظيفية نذكر منها :
• الانتقال من أدوات اللعبة السياسية الحزبية إلى أدوات الحكم وفرض السيطرة وممارسة الحكم والسيادة على المناطق المحررة أولوية رئيسة في برنامج عمل المعارضة ومن دونها ستكون أعمال الحكومة هي أعمال إعلامية ذات تأثير محدود جداً، فحكومة ثورية لا تعمل في الداخل المحرر سيكون مصيرها الفشل والتعرض المستمر للاتهامات التي منها الاتهام بالتقاعس وعدم الالتحام مع الحراك الثوري الداخلي وعرضتها للاستقطاب والابتزاز الخارجي. ولعلّ من أهم النتائج المتأتية والمرجوة من العمل في الداخل هو خلق متغير جديد يجمع بين الشرعية الشعبية وثقة المجتمع الدولي بصيغ عمل الحكومة الجديدة، هذا المتغير من شأنه أن يُسهم في خلق واقع جيوسياسي مهم ويُعيد للأفعال الثورية صفاتها المتمثلة بالنضال والمقاومة وكسر وقهر الظروف في سبيل الحاضنة الشعبية. وهو أمرٌ يتطلب تحقيقه إنجاز الانتقال من المعارضة إلى السلطة.
• وتبرز الحاجة الملحة لأن تتوفر في الحكومة المقبلة الشروط التالية:
1- أن تعمل الحكومة داخل الأراضي المحررة، لا أن تعمل عبر الحدود حتى تتمكن من التأثير المباشر على الحياة اليومية للمواطنين، وتكتسب الشرعية اللازمة لترسيخ وجودها.
2- الحصول على موارد تمويل ذاتية والبحث عن بدائل ذاتية تغني بالحد الأدنى عن المطلب السياسي المخفي وراء الدعم الخارجي، الأمر الذي كان يؤثر على صورة الحكومة ويجعل عملها أقرب إلى منظمة غير حكومية، أو بأحسن الأحوال "وحدة تنسيق دعم جديدة بكادر أكبر وأصحاب ألقاب إدارية أكثر". إن البحث عن سبل الاكتفاء الذاتي سيسمح للحكومة كمرحلة أولى بدفع رواتب موظفيها بالحد الأدنى، على أن تنتقل سريعاً إلى توفير التمويل اللازم لمشاريع البنى التحتية والخدمية. ولعل المصدر الأول الذي سيكون متوفراً لأي سلطة تنفيذية تتواجد داخل الأراضي المحررة يتمثل بالسيطرة على المعابر الحدودية، ليس بمعنى القوة فحسب، وإنما القدرة على إدارته وحمايته وتسيير أموره. وهذا يتطلب رؤية متكاملة لإدارة المعابر تبدأ بالهيكلية والوظيفة والقاعدة القانونية مروراَ بالحماية والحرص الأمني وتنتهي بالجمركة.
3- تبني استراتيجية عمل واضحة وخطة لتنفيذها تسمح للمراقب السياسي أو المواطن بتقييم أدائها، ناهيك عن وجوب تمتع الحكومة بالحرص الأمني الذي يراعي مصالح الثورة وبما لا يهدد أمن دول الجوار.
4- ضمانها المحافظة على الصفة التمثيلية والتوافقية (إن كان على صعيد أطياف المعارضة أو على صعيد الشارع السوري ككل).
5- تعزيز التكامل مع المجالس المحلية التي نجحت إلى حد ما في إدارة مناطقها، والتوصل مع المجلس الأعلى للإدارة المحلية إلى صيغة عمل تنظم العلاقة فيما بينهما.
6- إجراء تقييمات دقيقة وشاملة لأدائها والذي يتمثل في القدرة على تحويل المدخلات إلى مخرجات، من خلال أهداف تسعى "الحكومة المؤقتة" إلى تحقيقها ضمن فترة زمنية محددة بواسطة عمل مجموعة أفراد، وترجمتها لقرارات، ضمن التنفيذ الدوري لخطط العمل. يرافق هذا الأداء عملية تقييم النتائج، ومتابعة وتقييم كلّي يمكّن من تقويم الأداء للتأكد من سيره بشكل يحقق الأهداف التي يتمّ من أجلها، كل ذلك ضمن إدارة استراتيجية تضع مؤشرات قياس للخطط والمشروعات الاستراتيجية باستصحاب مؤشرات القياس العالمية والإقليمية من جهة، وبالتركيز على مؤشرات قياس تراعى خصوصية المرحلة من جهة أخرى.
7- يجب الأخذ بعين الاعتبار عدة محددات فنية رئيسة في العمل التنفيذي للحكومة تستوجب رؤى ومشاريع متكاملة (توصف الإشكالات وتقدم بدائل بصيغ قانونية تضمن العدالة) نذكر من هذه المحددات على سبيل الذكر لا الحصر:
• على الصعيد المالي فإنه يجب أن يكون العدد الأكبر من الموظفين في الداخل بالإضافة إلى ضرورة وجود ميزانية للحكومة ولكل وزارة على حدا، ووجود معايير للإنفاق الحكومي وعدالة في الصرف بين المحافظات.
• الاهتمام بالوضع الخدمي خاصة ملفات الجرحى والكادر الطبي والتعليم بكل مراحله ووسائله وأدواته.
• وعلى الصعيد الزراعي يجب شمل منطقة الجزيرة في مشاريع الحكومة نظراً لما تحتويه من موارد مهمة، ووضع خطط إنتاجية وتسويقية لتحسين الأداء الزراعي ولتسويق المواسم الزراعية.
• البدء بعمليات البحث عن موارد مائية خاضعة لسيطرة الحكومة تماماً كحفر الآبار وجر مياه الأنهار.
• التعامل مع الملف الإنساني بحرفية ومهنية عالية.
إن نجاح النقاط السابقة أعلاه يتطلب بشكل أساس السيطرة على الأرض من خلال احتكار "سلطة الإكراه" من قوات الشرطة وأجهزة تنفيذ القانون، بالتوازي مع وجود سلطات قضائية مدنية مختصة وخبيرة، تستطيع متابعة الخصومات الناشئة بين المواطنين من جهة، وتسمح للحكومة بملاحقة مرتكبي الجرائم الجنائية من جهة ثانية، وهذا لا يتم إلا بتوافق الفاعلين الإقليمين بالتزامن مع ضرورة التكامل بين الأدوات السياسية والعسكرية الثورية في سبيل بلورة مشروع سياسي بديل.
المجالس المحلية: حالة تنفيذية ذات شرعية شعبية
مع انحسار سيطرة قوات نظام الأسد عن كثير من المناطق السورية وظهور فراغ إداري تم تشكيل مجالس الوحدات الإدارية على المستوى المحلي، لتكون تجربة المجلس المدني في الزبداني بريف دمشق 6 آذار 2012 أول تجربة موثقة للمعارضة في تشكيل المجالس المحلية، تبعها تجارب أخرى في عدد من المدن والبلدات السورية التي شعرت بأهمية الفكرة. كان المنتدى السوري للأعمال الجهة السورية الأولى التي دعمت تشكيل المجالس المحلية إضافة لعدد من الدول الغربية وذلك حسب تقرير مركز الحوار الإنساني (HD) .
وقد عقدت وحدة المجالس المحلية عدة لقاءات بين مجموعة من ممثلي المحافظات السورية منذ بداية 2012 لدعم فكرة دعم المجالس الناشئة والتي تبلورت بحلول شهر أيلول 2012 تمخض عنها ما يلي:
1. تشكيل مجالس محلية في كل محافظة.
2. اعتماد ممثلي المجالس المحلية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بمعدل ممثل عن كل محافظة.
3. إقرار النظام الداخلي.
4. إقرار الهيكل التنظيمي الموحد الذي يحوي تسعة مكاتب خدمية تخصصية.
5. تشكيل مجموعة من اللجان (الإعلامية، المالية، المشاريع).
6. إقرار معايير توزيع المنح وكذلك آليات التوثيق الموحدة.
يتكون نظام الإدارة المحلية للمعارضة من بُنى رسمية وغير رسمية كانت أولها وحدة المجالس المحلية (آذار 2013)، وزارة الإدارة المحلية والإغاثة وشؤون اللاجئين (12 تشرين الثاني 2013)، المجلس الأعلى للإدارة المحلية (آذار 2014) ويمثل الأخير اتحاداً بين أغلب مجالس المحافظات. تتباين المجالس المحلية فيما بينها من حيث الأداء وفقاً لعوامل عدة منها: الموارد، الموقع الجغرافي، المؤثر الخارجي، وطبيعة السيطرة. عملت المجالس على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين بكافة أطيافهم في مجالات الصحة والتعليم والدفاع المدني والطرق والنظافة والأمن الغذائي. وقدمت أغلب المجالس إنجازات رغم محدودية الموارد المالية المتاحة خلال عام 2013 في أغلب المحافظات ساهمت في تثبيت شرعية المجالس ميدانياً كمرجعية لأهل كل منطقة.
اعتمد تشكيل المجالس المحلية على القانون السوري 107 مع تعديلات عديدة تم التوافق عليها بين أغلبية ممثلي المجالس في سلسلة لقاءات نسقتها وحدة المجالس المحلية خلال الثلاثة أشهر الأولى من 2013. ووصل عدد المجالس الفرعية على مستوى المدن والقرى والبلدات إلى 950 مجلس محلي. وكان تشكيل أغلبية المجالس على أساس التوافق المجتمعي بين الهيئات الثورية الفاعلة في كل منطقة، ثم تطورت آليات التشكيل مع تبني النظام الأساسي الذي تم التوافق عليه. ويتم التصويت المحلي للدوائر الانتخابية لكل منطقة أو ناحية إدارية لتشكيل الهيئة العامة الناخبة للمحافظة والتي بدورها تنتخب أو تتوافق على مجلس للمحافظة وهو الذي ينتخب الرئيس ونائبه والمكتب التنفيذي للمحافظة، وبالتالي ترتبط المجالس الفرعية بمجالس المحافظات وعددها 14.
ومن الطبيعي أن يختلف دور المجالس المحلية وفقاً للعوامل السابقة وخصوصاً طبيعة القوى المسيطرة على بيئة عمل المجلس، وهنا يمكن تصنيف هذه الأدوار بحسب مناطق السيطرة إلى أربعة تقسيمات رئيسية:
1. منطقة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "دور تابع-مكمل": رغم اختفاء العديد من المجالس المحلية إثر تمدد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية إلا أن بعضها استمر بالعمل إما بشكل سري أو علني وفق ترتيبات معينة ، بحيث اقتصر دورها على سد الفراغ في قطاع الخدمات الأساسية التي يواجه فيها التنظيم ضعفاً كقطاع الصحة على سبيل المثال دون أن يشمل قطاعات أساسية مثل التعليم، ويمكن القول بأن موقف التنظيم من المجالس المحلية تحكمه اعتبارات عدة وهي:1) إدارة الولاية أو القطاع، 2) قدرة التنظيم على تقديم الخدمات الأساسية، 3) اعتبارات أمنية.
2. منطقة سيطرة النظام "دور منسق": تخضع المجالس المحلية في مناطق سيطرة النظام للتشكيك بوجودها ودورها، ولعل طابع السريّة الذي تفرضه التهديدات الأمنية المتأتية من النظام هي ما يعزز هذه الرواية، ولكن ذلك لا ينفي وجود تلك المجالس التي هي في حقيقتها لجان إغاثة محلية أو هيئات محلية ثورية تحت مسمى مجلس محلي، حيث تمارس المهام الأولية للحراك الثوري موظفةً شبكة الجمعيات المحلية القائمة.
3. منطقة سيطرة المعارضة "دور تنظيمي": يتّسع دور المجالس المحلية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والتابعة للمعارضة حيث تقوم وبشكل متفاوت وفقاً لعدة محددات بلعب دور في إدارة الشؤون المحلية وتقديم الخدمات الأساسية لا سيما في المجال الإغاثي والتعليمي والدفاع المدني والبنية التحتية.
4. منطقة سيطرة الكرد "دور هامشي": غابت المجالس المحلية التابعة للمعارضة السورية لا سيما بعد توقف الدعم عنها وإعلان الإدارة الذاتية الديمقراطية وإن بقي لها أثر فيمارس عند توفر الدعم من خلال أفراد وبالتنسيق مع القوى الكردية، أما المجالس القائمة حالياً فتتبع لكل من المجلس الوطني الكردي ومجلس شعب غرب كردستان.
كما تتفاوت المجالس المحلية من حيث توفر الموارد ونوعها، حيث فعّلت بعض المجالس مواردها الذاتية وفرضت رسوم معينة على بعض الخدمات، في حين لم تستثمر مجالس أخرى مواردها الذاتية، وفي كلا الحالتين يبقى الدعم الخارجي هو المورد الرئيسي للمجالس المحلية على الرغم من أنه دعم غير مستقر ويخضع لتجاذبات السياسة ومصالح الداعمين. ولتتمكن المجالس المحلية من أداء وظائفها لا بد أن تتوفر لها عدة مقومات كالشرعية ونظام رقابة واضح واستراتيجية تواصل بالإضافة إلى موارد مالية وبشرية.
ثالثاً: نحو تمكين تشكيلات الثورة
تتولى هيئات ومؤسسات الثورة مهاماً عدة تسهم في بلورة وتجسيد المشروع الثوري الحضاري والذي يضمن قيم الكرامة والحرية والعيش المشترك، ولاتزال تبحث عن كافة الأسباب المشروعة وطنياً في سبيل إنجاح الثورة في تغيير النظام السياسي الحاكم في سورية، وما التجمعات الوطنية بدءً من التنسيقية ومروراً بالمجلس الوطني وانتهاءً بالائتلاف إلا أفعالاً تبتغي تحقيق هذه الغاية، إلا أن طول أمد الأزمة وتردد المجتمع الإقليمي والدولي في معالجة انتهاكات وتجاوزات النظام في حقوق الإنسان بالإضافة إلى التحولات المتسارعة ذات الارتدادات الأمنية على النظام الإقليمي ساهم في كثرة الفاعليين في الملف السوري وزاد من تعقيد مدخلات الحل السياسي. ولكن ومع مطلع العام الخامس للثورة ومع تنامي الرغبة بالعمل الثوري المشترك وزيادة التنسيق بين المكونات العسكرية بدأت الملامح العامة لمعادلة الصراع تنقل من التوازن النسبي إلى الرجحان لصالح كفة قوى المقاومة الوطنية. ومما لا شك فيه أن بروز تغييرات عميقة في بُنية النظام الإقليمي وإعادة تعريف الصيغ التحالفية الإقليمية الناشئة لصد النفوذ الإيراني المتنامي في الفضاء العربي لعبت دوراً إيجابياً في هذا الانتقال. ولضمان فاعلية هذه المؤسسات والهيئات في المراحل القادمة سواء على مستوى الإعداد للمرحلة الانتقالية أو بالاتفاق على طريقة الانتقال ووصولاً إلى هيئة الحكم الانتقالية لا بد من العمل على توفير متطلبات وفق المحاور التالية:
أولاً: سياسياً ينبغي أن ترتقي أدوات تأثير مؤسسات المعارضة إلى حرفية الدولة وتنتقل من أطر عمل الضيق للمؤسسات إلى النطاق العام الشامل، مع ضرورة إدراك أهمية تفعيل التواصل مع جميع المكونات السورية عبر إعادة تصدير الطابع الوطني للثورة وتسويقه إعلامياً وسياسياً، وفتح قنوات تواصل معهم. بالإضافة إلى تشجيع وتكليف نخب سياسية جديدة لما تستدعيه المرحلة من ضخ دماء شابة بعد ان استهلك العديد من الشخصيات المعارضة على مدى أعوام الثورة، ناهيك عن أدائهم السياسي المتواضع والذي عجز إلى حد كبير من إقناع حاضنة الثورة. كما أن تعزيز دور فئة الشباب في الحراك العسكري والسياسي والعمل على ردم الفجوة المتزايدة بينهم وبين مؤسسات المعارضة السياسية وذلك من خلال التأسيس لسياسيات ناجعة لإشراك الشباب في العمل السياسي إما عبر مؤتمرات مشتركة أو ندوات مباشرة، أو عن طريق تشجيعهم وتبني مشاريعهم الثورية.
ثانياً: محلياً ونظراً لعدم قدرة أي من المجتمعات المحلية على الاستقلالية بمفردها وإقامة كيان ذاتي قابل للحياة وهو ما أكدته رواية التاريخ وحقائق الواقع الراهن، من خلال عدم جدوى طروحات المركزية الإدارية التي لا تتماشى مع ضرورات التغير من جهة، ومن جهة أخرى عدم قدرة المجالس المحلية على أداء وظائفها ومواجهة تحدياتها دون دعم حكومة مركزية، وبالتالي يأتي تبني اللامركزية الإدارية وفق النموذج الأنجلوساكسوني كمدخل لتمكين المجالس المحلية وتعزيزها وبما يساعد على تحقيق الاستقرار وإعادة بناء المجتمع والدولة من جديد، لما يوفره من عدة مزايا أهمها إتاحة المجال لتنمية المجتمعات المحلية من خلال منح المجالس صلاحية إدارة شؤونها بنفسها، وتوفير المرونة للمجالس المحلية لتقديم الخدمات الأساسية للسكان بما يعينهم على الاستقرار بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية، ناهيك عن القدرة على التعامل بطريقة بنّاءة مع خصوصية الفئات المجتمعية المكونة للمجتمع السوري وبما يشكل نقطة التقاء وسط بين دعاة المركزية ودعاة الفيدرالية.
كما يعد تمكين المجالس المحلية ورفدها بكل الأدوات اللازمة للحكم المحلي ضرورة أساسية في المرحلة الانتقالية نظراً لدورها المحوري في كافة العمليات الأفقية للدولة، وهذا أمر يتطلب بلورة برامج تأهيل سياسي ومهني لهذه المجالس، بالإضافة إلى توفير الدعم المادي واللوجستي لضمان إدارة محلية رشيدة. ولضمان تطوير نظام عمل هذه المجالس لا بد من تطويع الواقع وتوفير الشروط الدنيا من الاستقرار كتكييف نظام الهدن، وتطوير منظومة عمل الهيئات الشرعية الموجودة عبر تأهيلها بدورات قانونية للقائمين عليها، إضافةً لدمجهم مع المجالس القضائية والعمل على تفعيل مهمة النائب العام.
يجدر التنويه ختاماً وحتى نضمن فاعلية كل التشكيلات بمختلف أنواعها لا بد من تدعيم قوى المقاومة الوطنية عبر تأهيل المكاتب السياسية للكتائب العسكرية والتي لم تتمكن من ممارسة دورها الاستشاري الطبيعي حيث بقي مناط القرار السياسي مركزي عند قائد الكتيبة الذي فشل إلى حد كبير من تفويض هذه المهمة لأهلها، لذلك لابد من تفعيلها ودعمها بما يلزم من خبراء سياسيين واستشاريين قانونيين، حيث أن تمكين هذه المكاتب مالياً ولوجستياً عبر جعلهم ضباط ارتباط بالإضافة إلى تمثيلهم في معظم فعاليات مؤسسات الثورة المحلية والإقليمية سيدعم دورهم ووظيفتهم في فصائلهم ويحافظ على تواصلهم مع مختلف فئات المعارضة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل الكتائب الجهادية السلفية وتتطلب تلك العملية فرز الكتائب القابلة للتأهيل فوراً والمتمنعة حالياً، ومن ثم العمل مع الصنف الأول على تأهيل قادتها شرعياً وسياسياً، بالإضافة للعمل على إعادة دمج العناصر في الحياة المدنية من خلال الهيئات والفعاليات المدنية المختلفة، وتوضيح بعض المفاهيم الإشكالية والخلافية كالإرهاب، والدولة المدنية، والديمقراطية. وأخيراً يتوجب علينا تقديم مشروع مؤسسة عسكرية واضح يضمن حقوقهم المستقبلية، وفتح قنوات تواصل بين الكتائب وبين المؤسسات السياسية في سبيل إزالة كل المفاهيم المسبقة السلبية.

مقالات لنفس الكاتب