بعد الاتفاق النووي.. كيف يتعامل العرب مع إيران؟

الثلاثاء، 01 أيلول/سبتمبر 2015

هل تنكسر قاعدة التوتر في العلاقات العربية مع إيران التي سادت على امتداد العقود الماضية؟ وهل تتغير علاقات إيران مع العالم العربي؟ وكيف يؤدي الاتفاق النووي إلى تغيير سياسات إيران تجاه دول الخليج؟ وهل يمكن للعرب أن يسهموا في الدفع نحو التغيير في السياسات الإيرانية عبر آليات الداخل الإيراني؟ وما ملامح السياسات الإيرانية المقبلة تجاه العالم العربي؟

فعلى الرغم من أن القاعدة في العلاقات العربية ـ الإيرانية منذ ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979 ظلت على حالها من التوتر المستمر، إلا أنه لن يكون مستغربا لو شهدت الفترة المقبلة انكسارا لهذه القاعدة. فلم يكن أحد يتوقع أن تسقط لغة الخطاب بين "الشيطان الأكبر" و"محور الشر"، وها هي الآن سقطت. وليس ذلك من باب الأمنيات أو الإيمان بالحتمية التاريخية، بقدر ما يستند إلى خبرات الحياة الدولية التي تدفع الدول للتعلم من تجاربها، وأيضا لاختلاف وتطور الواقع الدولي حاليا عن فترات السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وهو الأمر الذي أثر على كل صانعي القرار في العالم.

ومنذ البداية، لم تكن مخاوف دول الخليج العربية من إيران مبالغ فيها، ففي ظل الشاه، وفي ظل الجمهورية الإسلامية تنامت المخاوف الخليجية من السياسات التوسعية والنعرة الاستعلائية للدولة الإيرانية. وتشير البيانات الصادرة عن قمم مجلس التعاون الخليجي منذ قمته الأولى في أبوظبي 1981 إلى أن المجلس كان توجهه منذ البداية استقلاليا تحرريا، من زاوية تفضيلاته الخليجية وللأوضاع في الخليج، فأكد حرصه على صيانة أمن منطقة الخليج، ورفضالسعي إلى الاستقواء بالخارج، أو السماحبوجود أساطيل وقوات أجنبية في مياه الخليج. وضمن هذا السياق أكد بيان قمة أبوظبي مايو 1981 على أن أصحاب الجلالة والسمو "أكدوا رفضهم المطلق لأي تدخل أجنبي في المنطقة مهما كان مصدره، وطالبوا بضرورة إبعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية وخاصه تواجد الأساطيل العسكرية والقواعد الأجنبية لما فيه مصلحتها ومصلحة العالم". كما أكد بيان القمة الثانية بالرياض نوفمبر 1981 "رفضه للمحاولات التي تقوم بها القوى الأخرى التي تستهدف إيجاد مواقع لها في منطقة الخليج .. وتهدف الى تأمين نفوذ للقوى الاجنبية في المنطقة".ويؤكد ذلك أنه كانت هناك أجراس إنذار خليجية مبكرة أظهرت من خلالها دول المجلس بجلاء أن هناك مخاطر من استجلاب قوات أجنبية إلى مياه الخليج، وأن استمرار الحرب العراقية -الإيرانية من شأنه أن يدفع إلى ذلك. 

الاتفاق النووي يشبه سقوط جدار برلينمن المرجح أن يؤدي إلى إشعال حرب ساخنة في الداخل الإيراني 

الاتفاق.. والارتداد اعكسي للانفتاح:

من المبكر الحكم على التحولات في السياسة الإيرانية بعد الاتفاق النووي، رغم وجود العديد من المؤشرات وصدور عدد من الإشارات من جانب طهران تكشف عن النية والرغبة في التغيير وتصدير خطاب جديد للعالم العربي ودول الخليج، وذلك لصعوبة تغيير القناعات والعقول والنفوس بين يوم وليلة، فضلا عن أن البعض يصعب أن يتخلوا بسرعة عن الصور الذهنية المتراكمة والأطر المفاهيمية والقناعات الإدراكية فيما يتعلق بالآخرين، خصوصا من جرى تصنيفهم منذ البداية في خانة الخصوم والأعداء. ولا يمكن لإيران أن تنتقل من خانة الخصم إلى خانة الصديق مرة واحدة.

من المؤشرات على استمرارية السياسة الإيرانية وربما تصاعد أدوارها في المنطقة العربية، استمرار أدوار ميليشيات "حزب الله" و"الحشد الشعبي" و"الحرس الثوري" في العراق وسوريا، واستمرار القبض على خلايا تابعة لإيران تخطط لممارسات العنف بعدد من دول الخليج، من ذلك ما أعلنته كل من مملكة البحرين والكويت عن إحباط مخططات إرهابية والقبض على خلايا تخطط للعنف (تنظيم "سرايا الأشتر" في البحرين وحادث «سترة» الذي تسبب في مقتل رجلي شرطة وإصابة ستة، وارتباط التفجير بالحرس الثوري الإيراني، وخلية "العبدلي" في الكويت التي اتهمت بالارتباط بحزب الله، ونقلت ترسانة الأسلحة التي بحوزتها عن طريق إيران)، والتي تشير جميعها إلى استمرار السياسات التدخلية الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية ودول الخليج، وأن التحول في سياسات إيران مع الولايات المتحدة والغرب لم يغير سياساتها تجاه العالم العربي. 

ويعزز ذلك أيضا تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين التي تشير إلى استمرار النهج المتشدد الاستعلائي والهجومي في إدارة العلاقات مع العرب، من ذلك ما عزاه علي سعيدي، ممثل الولي الفقيه في الحرس الثوري، الذي قال إن الدول الغربیة تريد حرمان إيران من عمقها الاستراتيجي في اليمن ولبنان وسوريا وغزة والبحرين، معتبرا أن العمق الاستراتيجي الإيراني في العالم العربي هو الذي لعب دورا كبيرا في جلوس الغربيين على طاولة المفاوضات النووية مع طهران، ومضيفا أن «العمق الاستراتيجي سبب نفوذنا في المنطقة"، و"أن خسارة هذا العامل الأساسي ستعزلنا". وتأكيد مستشار المرشد للشؤون الدولية (على أكبر ولايتي) أن إيران ستواصل تعزيز محور المقاومة، وأن الاتفاق النووي سيمنحها زخما لـ "مساندة الأصدقاء" في المنطقة. وهناك الكثير والكثير من التصريحات المماثلة التي لا تشير فقط إلى استمرارية السياسات، وإنما إلى الرغبة المتزايدة فيتكريس التدخل في الجوار العربي، وهناك من يتوعد هذا الجوار بعد أن تفرغ إيران من موضوع الاتفاق النووي برمته.

مع ذلك، لا يمكن التغاضي عن مؤشرات إيجابية تشير إلى إمكان التحسن في العلاقات بعد الاتفاق. فمن المهم قراءة كل إيران، وليس الاكتفاء بالنصف المؤيد لوجهة النظر التقليدية في النظرة العربية لإيران، فلا يجب الاقتصار في قراءة إيران على المتشددين وإنما الإصلاحيين أيضا، خصوصا وأنه على الأرجح أن تتدعم فرص الإصلاحيين في إيران المستقبل أكثر من المحافظين بعدما أبرم الاتفاق النووي في عهد رئيس ووزير خارجية إصلاحيين. وهو ما يعزز من دور الإصلاحيين في بنية السلطة مستقبلا، فضلا عن ذلك فإن الاتفاق ما كان ليبرم لولا توافر قاعدة اجتماعية إصلاحية وفاقية تتزايد في الداخل الإيراني. ومن المؤشرات الإيجابية ما هو ملموس من تراجع نبرة إيران في عدد من الملفات التدخلية في سياستها إزاء العالم العربي، من ذلك مبادرتها المعدلة بشأن سوريا، والتي لم تأت على ذكر الرئيس بشار الأسد، وهو موقف أقل تشددا من الموقف الروسي. ويتسق مع ذلك أيضا موقفها الأقل تشددا من اليمن، والذي يبدو مختلفا عن موقفها خلال الأيام الأولى لحرب عاصفة الحزم، التي قامت فيها بتحريك قطع عسكرية إلى باب المندب. ويتسق مع ذلك أيضا تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني ضمن فعاليات المؤتمر العالمي السادس «لأهل البيت»، الذي انعقد في العاصمة طهران 14 أغسطس الذي قال فيه أنه: «ليس لدينا هلال شيعي، لدينا بدر وقمر إسلامي". ودعوة وزير الخارجية محمد جواد ظريف في مقاله الشهير الذي نشرته بعض الصحف العربية، والذي جاء عنوانه لافتا (الجار ثم الدار... توصية أخلاقية أم ضرورة استراتيجية؟)، والذي دعا فيه إلى تشكيل "مجمع للحوار الإقليمي" بين جميع الدول الإسلامية بالشرق الأوسط، محددا أهداف مشتركة ومبادئ عامة تعترف بها دول المنطقة، وتتمثل في: احترام سيادة ووحدة تراب جميع الدول واستقلالها السياسي وعدم انتهاك حدودها، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتسوية الخلافات سلميا، ومنع التهديد أو استخدام القوة، والسعي لإحلال السلام والاستقرار وتحقيق التقدم والسعادة في المنطقة.

وتبدو إيران -رغم الاحتفاء الداخلي بالاتفاق النووي-في حالة حذر من تبعاته وتفجر بركان المطالب الداخلية، هناك مخاوف وهواجس من انعكاسات الاتفاق على الثورة، عبر عنها المرشد علي خامنئي الذي اتهم الولايات المتحدة والدول الغربية باستغلال التوافق النووي للتسلل إلى بلاده، مؤكدا أنه لن يسمح باستغلال نتائج المفاوضات النووية «للنفوذ الاقتصادي والسياسي والثقافي الأميركي» وأنه سيمنع ذلك بكل ما أوتي من قوة. وهو أيضا ما صرح به المتحدث باسم الحكومة محمد رضا نوبخت الذي قال إن حكومة روحاني «لن تسمح بالنفوذ إلى الداخل وستدافع عن القلاع الاقتصادية والسياسية والثقافية، وما ألمح إليه علي أكبر ولايتي الذي أشار إلى أن أمريكا تعمل من أجل «ترويض إيران ومحاولة استعادتها". ويشير كل ذلك إلى إدراك بالخوف من الاتفاق، والحذر من تبعاته على الداخل، فبالنسبة لإيران فإن الاتفاق أشبه بسقوط جدار برلين أو بانتهاء الحرب الباردة، التي من المرجح أن تشعل حربا ساخنة في الداخل. فإذا كان تردي الشؤون الداخلية وتراجع الخدمات أمرا يمكن الصبر عليه في فترة الندرة والحرب مع الخارج، فعلى الأرجح فإنه لن تكون هناك حجج مقنعة لاستمرار هذه الأوضاع بعد الاتفاق، وسوف يتعين على نخبة الحكم منذ الآن إشباع الظمأ الداخلي للحريات والإصلاحات والغنى والثراء، وسيكون على هذه النخبة التعامل مع نوعية جديدة من التعاملات والشركاء الدوليين في مجالات لم تعتد التعامل معها في السابق، على وقع الانفتاح على العالم، بما فيه من مردودات اقتصادية وسياسية وثقافية على الداخل.          

على العرب استعادة طاقات القوى الناعمة حتى لا يخضع العقل العربي إلى الاستلاب في إطار مشروعية إقليمية  

دورة التغيير البيولوجي والسياسي:

تشير تجارب الدول إلى ثلاثة نماذج للتحول الداخلي بالدول التي تشهد انفتاحا بعد حقبة من العزلة، يكون لها انعكاسها على السلوك الدولي لها تاليا وعلى سياستها الخارجية؛ فهناك دول تتجه بعد الانفتاح إلى الانقلاب على تحالفاتها الدولية السابقة، وإعادة رسم سياستها الخارجية لتتجه من النقيض إلى النقيض، فإذا كانت راديكالية وثورية فإنها تتجه لأن تكون برجماتية منفتحة، ولا تستطيع -إزاء موجات التغيير الشامل المفاجئ-تحقيق الانفتاح الرشيد الذي يبقي نهجها السياسي وتوجهها الأيديولوجي أو خطها الاشتراكي، ولا تستطيع اللحاق بركب العالم الجديد الموعودة باللحاق به، ومن ثم تنتهي إلى نموذج تطور سياسي وتنموي مشوه، وحالة أقرب إلى التبعية في قرارها السياسي. وربما النموذج الأشهر على ذلك حالة مصر، التي انتهى بها نهج الانفتاح على الغرب بعد معاهدة السلام 1979، إلى هجمة انفتاحيه وتغريب ونموذج تنموي مشوه،مرت على أثره بعصر ممتد من السياسات المتناقضة التي أتت على كثير من عناصر شخصيتها الأصلية في العلاقات الدولية. وانتهى الأمر بأن انشغلت بأوضاعها الداخلية وانفتحت عليها هموم الداخل بعد ثورة 2011.

وهناك نموذج لدول تمكنت من كسر حلقة التغريب والعبور على التدخلات الشرسة للغرب في شؤونها الداخلية، وتمكنت تاليا من ابتكار نموذج تنموي أصبح منافسا للغرب اقتصاديا وتكنولوجيا وعلميا، وهو نموذج الصين، التي ولدت ثورة من داخل ثورة، وعلى الرغم من انهيار الشيوعية والاشتراكية، فقد نجت بنموذجها التنموي والاقتصادي والسياسي الذي بات أكبر منافس للنموذج الغربي. ومن تلك النماذج أيضا النموذج الروسي الذي انتهى بعد سنوات اضطراب قليلة في التسعينيات إلى استئناف مكانة ودور روسيا المنافس للغرب وللولايات المتحدة.

ازدواجية السلطة في إيران تعترض مسيرة التغيير والصراع مرشح للتصاعد بين المحافظين والإصلاحيي

 

وإذا كان من الصعب الاستدلال بالنموذجين الصيني والروسي في حالة استشراف مسارات التحول الداخلي والدولي للنموذج الإيراني، لفارق الحجم والقدرات، فإن هناك نماذج لدول تحجرت أمام التغيير، ورفضت انتهاج مسار الانفتاح المفروض عليها، مثل حالة كوريا الشمالية، وهي حالة فريدة بين عالم الدول على خريطة الكرة الأرضية، وهو نموذج قررت إيران ألا تستسلم لمثله أو تتعايش معه. ومن المرجح أن إدارة أوباما حين توجهت نحو كل من إيران وكوبا تحركت بواقع الوعي بكل هذه النماذج، وعلى أمل أن تنشغل الدولتين بنفسيهما، وأن يمكن الاتفاق مع كل منهما من مد الأيادي الغربية في الداخل الإيراني والكوبي، ومن ثم التعويل على التغيير الداخلي، الذي يحدث بفعل تلقائي ناجم عن تهدم بنيان ووهم الصراع الأكبر مع الولايات المتحدة، ليتجه تركيز المواطن على الصراعات الفتاكة التي لا تنتهي في الداخل حول لقمة العيش والصحة والتعليم.. وغيرها. فحين يسقط جدار برلين الإيراني الذي حافظ على لحمة الشعب في الداخل، والذي عاش لعقود على أوهام الصراع مع الشيطان الأكبر، فإنه من المرجح أن تبدأ الصراعات الداخلية تظهر على السطح، ولن يكون غريبا أن تشهد إيران خلال أشهر أو سنوات اضطرابات داخلية ومظاهرات ضد عدم العدالة الاجتماعية، وربما مظاهرات للإثنيات والطوائف والنحل والمذاهب، بل أيضا مظاهرات ضد الزلازل التي تضرب إيران دوما، بحجة الإهمال الحكومي في مواجهتها.

 فإلى أي الطرق تسير إيران؟ هل تسير نحو نموذج الثورة الثقافية والتطوير والنهوض الداخلي، وإعادة اكتشاف وامتلاك أصول الشخصية الإيرانية على نحو يقيها من الارتدادات العكسية للانفتاح، أم ينطبق عليها قانون التغير في العلاقة مع الغرب؟ هل تنتهي إلى نموذج مصر بعد عقود، أم تستفيد من نموذجي الصين وروسيا؟ أم ينتهي بها الحال إلى دولة منعزلة في العالم على غرار كوريا الشمالية، وذلك إذا فكرت في الارتداد والمراوغة في اتفاقها النووي؟

وعلى الرغم من صعوبة استشراف مسارات التوجه الإيراني نحو العالم العربي في ظل هذه الاحتمالات، إلا أنه من المرجح أن تؤثر عوامل أربعة في اتجاهين مختلفين في التوجهات السياسية العربية لإيران، الاثنان (الأولان) منها يلعبان دور المحفز، بينما يلعب (الأخيران) دور الكابح، على النحو التالي:

(1) دورة التغيير الجيلي:فبحكم العامل البيولوجي، فإن أغلب جيل الثورة والقيادات الرمزية للجمهورية التي أسسها الإمام الخوميني هم الآن في أواخر العمر، وتشهد الثورة الإيرانية هرما وشيخوخة جيليه في مختلف المؤسسات، وعلى الأرجح أن يؤدي رحيل هذا الجيل الأول لدولة الخميني إلى تغيير في الفكر والسياسة وإدارة الحكم، ومع انتهاء ورحيل شعار الشيطان الأكبر سوف تنتهي وتزول معه مظاهر وأمور أخرى عديدة. وسيتعزز -مع الاتفاق النووي- دور التكنوقراطيين المؤمنين بالمساومة والتعايش والانفتاح على الخارج وعلى الغرب. هذا التغير البيولوجي وتجديد الدماء في النخبة الإيرانية سيعمل على تعزيز رياح التغيير مع الجوار العربي، ويعزز انتهاج مداخل غير ثورية، وربما التخلي عن وتقليص التدخلات الإيرانية في الدول العربية، بفعل تقديرات المصالح الجديدة التي تختلف عن السابق، فإذا كانت مصالح إيران الثورية تركزت مع حزب الله وسوريا والطوائف الشيعية، فإن مصالح إيران الجديدة على الأرجح سوف تتجه إلى زيادة تقديرات المصالح الاقتصادية على السياسية، وحتى لا تخسر المكاسب المادية والاقتصادية، فإن رغبتها في التدخل في الجوار سوف تتراجع.

(2) الأثر التدريجي للانفتاح:العامل الثاني ضمن العوامل المحفزة على التحول الإيجابي في السياسة الإيرانية نحو العالم العربي هو الأثر التدريجي للانفتاح، حيث أنه حينما تقرر إيران التوافق مع أشد خصومها (الولايات المتحدة) فيما تعتقد بأنه الصراع الأكبر، فإنها في الأغلب سوف تتضاءل لديها قيمة الصراعات الأصغر. ويصعب عليها إعادة إلباس عباءة الصراع العقيدي والأيديولوجي على قوى أخرى إقليمية بعد أن يكون جمهورها ومجتمعها قد أشبعا بمفاهيم وشعارات الصراع الأكبر. وفي الأغلب تكون تحولات الدولة في ظل رؤية أشمل، بحيث لا تعطي للقضايا الأصغر ميزة حرمانها من جني ثمار الاتفاق الأكبر والاستفادة من تعظيم الصفقة مع العالم. وخلال الفترة الماضية دفع البعض بأن هناك موجة إيرانية عقابية عنيفة ضد العرب، وأنها إذا كانت مارست سياساتها العربية هذه أثناء صراعها مع أمريكا فكيف ستفعل بعد التخلص من الحمولة الثقيلة للصراع الأكبر، وفي الحقيقة فإن هذا ضد التفسير المنطقي، فلم تكن أغلب تدخلات إيران في العالم العربي خلال الفترة السابقة إلا جزءا من إدارة المعركة مع الغرب والعالم، وهو ما يعني أن هناك فرصة لتراجع إيران عن خطها الراهن، والتخلص من بعض الحمولات والأثقال على سياستها الخارجية. يدفع إلى ذلك أيضا الخوف على المكاسب، فإذا كانت إيران الثورة قد تجرعت السم في الأيديولوجيا والعقيدة السياسية بعقد الاتفاق النووي، فإنها على الأرجح لن تسمح للعراقيل الطفيفة بحرمانها من جني ثمار الاتفاق. فضلا عن ذلك هناك حالة جوع اقتصادي وثقافي ومعرفي ومعلوماتي في إيران بعد حصار دام عقودا طويلة، وهو ما يجعل احتمالات التغيير أساسية واتجاها لارجعة عنه، يعزز من ذلك أن الازدهار الاقتصادي له تبعاته، وهو تقليص القدرة على المغامرة السياسية، حرصا على استقرار المكاسب الاقتصادية، وأن الاعتياد على أنماط حياة الرفاهية والرخاء له تبعاته، حينيغل أيادي الدول على الاجتراء على المغامرات العسكرية والسياسية، وكما للفقر جموحه وجرأته حين يخفض تكلفة القرار، فإن للازدهار تبعاته المذلة التي تفرض على الدول التزام الاستقرار والتمسك بعتباته، فضلا عن حاجتهالمراعاة حاجات مواطنيها الذين تكون شهيتهم قد انفتحت على حياة الرفاهية والاسترخاء بعيدا عن أجواء الحروب. لذلك هناك احتمال بأن قطار التغيير في إيران قد انطلق ولا مجال لكبحه أو فرملته.      

 

في مقابل العاملين سالفي الذكر الخاصين بدورة التغيير الجيلي، وبالأثر التدريجي للانفتاح، واللذان يعملان لمصلحة توقع التغيير في سياسات إيران تجاه العالم العربي، هناك عاملان آخران يعملان ضد هذه القاعدة، وقد يجعلا إيران تنجو من خبرات وتجارب الدول السابقة عليها، ومن ثم يساعدان على صمودها وقتا في وجه موجات التغيير ولا يدفعاها إلى تغيير سياساتها إزاء العالم العربي، هذان العاملان هما:

(3) مؤسسات حماية الثورة: تضطلع المؤسسات الثورية في إيران مثل الحرس الثوري (الباسدران) وقوات التعبئة الشعبية (الباسيج) ومؤسسة الولي الفقيه ومجلس صيانة الدستور ومؤسسة تشخيص مصلحة النظام.. وغيرها، بدور كبير في الحفاظ على تركيبة النظام الإيراني وحراسة القيم، وذلك أحد الأمور التي تجعل الدولة الإيرانية مختلفة، فازدواجية السلطة قد تكون كابحا ضد التغيير، حيث تتأسس شرعية المؤسسات الثورية على الخط المتشدد والمحافظ والاستعدائي من السياسات، وهو الخط الذي يضمن استمرار مصالحها ومكانتها السياسية داخل النظام، وهو ما قد يقف في وجه مساعي التغيير ويكرس قاعدة الاستمرارية. فبعد عقود من الثورة، فإن هذه المؤسسات أصبحت أكثر رسوخا وجمودا ضد محاولات التطوير والإصلاح. ومن المرجح أن تزداد طاقات المقاومة والرفض للتغييروالتغريب من جانب هذه المؤسسات، وأن تقوم ببعض الممارسات التعبوية لتأكيد قيم الثورة داخليا. ومن الطبيعي أن تقاتل هذه المؤسسات ضد أي توجهات إصلاحية أو تطويرية داخل النظام. وسوف تمر إيران بصراعات طويلة قبل أن تتراجع أدوار هذه المؤسسات وتتخلى عن بعض صلاحياتها. فضلا عن ذلك فإن وسائل وأدوات التعامل التي طورتها هذه المؤسسات يصعب أن تتغير بين يوم وليلة. لعل ذلك ما جعل بعضها يقف في وجه التغيير، وهي هنا لا تعبر عن تماسك أيديولوجي فقط، وإنما أيضا عن تماسك لوبيات مصلحية تدافع عن كياناتها. وعلى الأرجح سوف تظل بعض هذه المؤسسات الأدنى تبطش بمعارضيها في الداخل، وتحتفظ بعلاقاتها مع عملائها في الإقليم، حتى لو أتت لها توجيهات بتغيير وإنهاء هذه النوعية من العلاقات، وسوف تعمل على الاحتفاظ بالغلاف الأيديولوجي للنظام لفترة مقبلة، وهو ما قد يحول دون تغير خطابها نحو العالم العربي.      

(4) دورة الاتفاق النووي: يساعد على استمرارية السياسات الإيرانية تجاه العالم العربي أن الاتفاق النووي حدد فترات متعددة وتدريجية لتطبيق الالتزامات الإيرانية، بعضها يمتد لـ 15 سنة وبعضها لعشر سنوات وبعضها لخمس. ومن شأن ذلك أن يتيح لإيران تجريب واختبار قدرتها على الالتزام،وتقدير التأثيرات السلبية والإيجابية لكل خطوة على طريق تطبيق تعهداتها الدولية. وهو ما يعني أنها يمكنها في فترات مختلفة ولأسباب متعددة تتعلق بالتقييم السلبي أو الإيجابي لأثر الاتفاق أن تقرر البقاء فيه أو التخلي عنه، وهو ما يعني أن الاتفاق قام بالأساس على تأجيل الصدام، وترحيل المواجهة لفترة زمنية، خلالها قدتتمكن الأطراف من بناء جسور الثقة وتواصل تطبيق تعهداتها، ومن ثم تنتهي إلى اتفاق نهائي يتلاشى معه احتمالات تجدد للصراع، أو ربما أنها تعيد تقييم وتقدير حساباتها وفقا لاعتبارات تتعلق بتأثير الاتفاق على الوضع الداخلي أو على دورها في الإقليم، أو على تعامل الطرف الآخر معها، أو حتى على تأثير الاتفاق على التماسك الداخلي والمكون الثوري الأيديولوجي أو العقيدي، وهو ما يعني أن هناك محطات متعددة قد تنفض إيران يدها من الاتفاق. وأحد الاحتمالات أن ينتهي التقييم الإيراني لمكاسب وخسائر الاتفاق بعد سنوات إلى اعتباره كان سلبيا، على نحو تندفع بعده إيران للتحلل منه، والعودة لسياساتها الثورية والراديكالية. وكل ذلك يرجح انتهاج أنماط سياسات غير مستقرة لإيران في الإقليم، وخضوع الإقليم لتغيرات التقدير الإيراني للاتفاق، واضطراب العلاقات العربية لإيران عند محطات مختلفة.

هكذا ستظل إيران تمتلك الفرامل والمكابح الداخلية الخاصة بالمؤسسات الثورية ودورة الاتفاق النووي التي تمكنها من العودة إلى ذات النمط من السياساتفي أي وقت، وهو ما سيجعل علاقاتها العربية غير مستقرة، ليس فقط بفعل صراعات المحافظين والإصلاحيين، وإنما بفعل دورة القلق المستمرة الناتجة عن ما يولده الاتفاق من دورية التقييم الداخلي له. هكذا تمكن بنود الاتفاق إيران على مدى فترات متفاوتة من إعادة تقييم منتجه وتقدير مكاسبه وخسائره، ووفقا لذلك تقرر الاستمرار فيه أو التخلي عنه. وهو ما لا يدخلها في مسار عشوائي طويل تنتهي منه إلى وضعية شبيهة بحالة مصر التي انتهت بثورة بعد 40 عاما على معاهدة السلام، حيث تمكن فترات التقييم القصيرة 5 – 10 – 15 سنة من إعادة ترتيب العقل الإيراني والقراءة الجيدة والفاحصة لنتائج الاتفاق على الثورة والدولة. 

 كيف يتعامل العرب مع إيران؟

من أكثر المشكلات التي ستطرأ على العلاقات العربية الإيرانية خلال الفترة المقبلة،هي عدم امتلاك العرب لرؤية بشأن إدارة العلاقة مع إيران. ومن المهم قبل كل شيء امتلاك هذه الرؤية، حيث أن التحركات الانفرادية في ذلك سوف تنتهي ليس فقط إلى استمرار اختراق إيران للعالم العربي، وإنما إلى أن تصبح في خلال سنوات الدولة القابضة على شبكة التفاعلات في الإقليم. ويتطلب امتلاك الرؤية الثقة بالذات أولا، وليس الانسحاق أمام الآخر، حيث أن كثيرا من العرب الآن يبدؤون كلامهم عن إيران بالتقليل العمدي أو غير المقصود للذات. بعضالعرب يمتدحون أسلوب التفاوض الإيراني، ويتحدثون عن إيران التي تفاوضت مع الغرب لنحو عقد ونيف ولم تتنازل عن برنامجها وأهدافها، ويتحدثون عن براعة المفاوض الإيراني وقصور قدرات المفاوض العربي، وهو ما يعكس قلة ثقة بالذات تؤثر بلا شك تاليا في إدارة العلاقات العربية مع إيران على أرض الواقع.

وضع طبيعي أن يكون العالم العربي منطقة جاذبة تسعى القوى الإقليمية للتأثير فيها والهيمنة عليها، وذلك يعطي للعالم العربي ثقلا في السياسات الدولية وعلى خريطة العالم، ومن ثم من المهم النظر إلى المنطقة والصراع عليها من منظور ما تملك من مكانة وثروات وطاقات وكونها منطقة فريدة في خصائصها العالمية، وهو ما يجعل منها نقطة تأثير، كما أنه من الطبيعي أيضا أن تتصارع القوى على العالم العربي، في ضوء حجم الدول العربية (22 دولة)، ليست كلها على نفس الدرجة من الحجم والقوة، فضلا عن تكوينها الطائفي والسياسي والاثني المتعدد، فضلا عن كونها محطا للأطماع الدولية بتحكمهافي الممرات الاستراتيجية الهامة للعالم. ولأن نظرية الأمن القومي العربي منذ طرحها في الأربعينيات مع نشأة الجامعة العربية تحمل نفسها مسؤولية عالم عربي كبير، واسع ومترامي الأطراف، فمن الطبيعي أن تعاني من ثقل وعبء التزامات هذا المفهوم، وأن تشعر بالإجهاد والتعب إزاء تخطيط السياسات قبالة وحدات سياسية كبرى مثل إيران أو تركيا أو إسرائيل، وهي على وضعيتها المتعددة والمتصارعة. لذلك من الطبيعي جدا أن توجه انتقادات شديدة لعالم عربي كبير مترامي الأطراف تحمل قواه الرئيسية لنفسها مسؤولية الحفاظ على أمنه من المحيط إلى الخليج.

 3 سيناريوهات تنتظر عودة طهران بعد العزلة وليس من المستبعد أن تشهد إيران اضطرابات داخلية خلال شهور 

 

وبداية تصحيح الرؤية العربية نحو الجمهورية الإسلامية لابد أن تنطلق من توحيد أو تقريب النظرة العربية لإيران، والتوافق أولا حول ما إذا كانت عدوا أم صديقا، ووفق أي وصف نتعامل معها، وإذا كانت كذلك مزدوجة التوصيف(عدوا كامنا أو صديقا محتملا)، كيف يمكن تفعيل قوى الصداقة وتقليص طاقات العداء داخلها نحو العرب؟ هل يمتلك العرب أوراق تأثير في الوضع الإيراني الداخلي؟ وكيف يمتلكون تلك الأوراق إذا لم تكن بحوزتهم الآن؟ المهم في وجهة النظر هذه امتلاك الثقة قبالة إيران بعد الاتفاق النووي. ولدى العرب في هذه اللحظة التاريخية عناصر قوة مهمة يمكنهم مضاعفتها، ولديهم القدرة على امتلاك قرارهم القومي قبالة إيران، وفي حرب اليمن نموذج ناصع.

إن خلاصة الرؤية التي تطرحها هذه الورقة البحثية للتعامل مع إيران تقوم على ثلاثة دعائم أساسية، تتأسس جميعها على افتراض استمرار سياسات إيران التدخلية في العالم العربي، والهدف هو بناء علاقات عربية -إيرانية من منظور الدول وليس بمدخل جماعات ما دون الدولة، لأن النهج التدخلي الحالي لإيران هو نهج تخريب لا يستهدف الاستقرار في علاقات الدول بالإقليم:  

أولا: قص الأصابع وشد الترهلات:فأول ما ينبغي أن يعمل عليه العالم العربي هو حرمان إيران من أيادي نفوذها الداخلية في الدول العربية، ما يعني ضرورة إنهاء وضعية الكيانات التابعة لإيران والتي تمكنت من التوغل على حق الدول القائمة منذ فترة، استغلالا لحالة الفوضى أو فراغ السلطة. وهو ما يعني أن تتزامن حملات الدول العربية على خلايا العنف السلفية مع حملات مماثلة على كيانات الولاء المزدوج الطائفية أو المتطيفة التابعة لإيران في الدول العربية. أو على الأقل منحها فرصة ووقت لتصحيح أوضاعها، وإثبات انتمائها وولائها للكيان الوطني. ويمكن من خلال ذلك اختبار ما إن كانت هناك إيران جديدة حقا أم لا، حيث أن بناء علاقات صحيحة مع إيران يتطلب أولا نية معلنة ومختبرة من جانبها للتواؤم مع تصحيح الكيانات التي شايعتها وتمكنت من بنائها في الدول العربية في لحظة صراعها مع الغرب ومن وراء ظهر الحكومات والدول، وقبولها هي ذاتها اقتصار شمول عباءتها الوطنية على حدودها كدولة طبيعية وليس كدولة ثورة تريد تصديرها للخارج. وهو مايعني اختبار إيران في ثلاثة بنود أساسية: قطع علاقتها بخلايا العنف النائمة والمثيلة لتلك التي جري القبض عليها في الكويت والبحرين والسعودية وربما تقديم خرائط بها، وتوضيح مسؤوليتها عن ذلك، وتصحيح علاقتها بالجماعات والقوى الشيعية بدول الخليج باعتبار ذلك شأنا داخليا لا ينبغي الدخول فيه بأي شكل من الأشكال، وثالثا مدى التقدم في علاقاتها مع الدول العربية القائمة بمدخل الدول والأنظمة وليس بمدخل تحتي يكرس شبكات العنف. إذن المقايضة بين إيران والدول العربية في هذا الجانب تكون بتطبيع العلاقات مقابل قطع الصلة بمنظمات العنف، وتفكيك روابط الموالاة والتماهي مع المواطنين الشيعة بأي صورة كانت، والتعامل من خلال قناة الدولة – دولة.  

مصالح إيران الجديدة سوف تتجه إلى تغليب الاقتصاد على السياسة مع تراجع رغبتها للتدخل في دول الجوار     

ثانيا: تمتين تحالف القلب العربي: الطلب إلى الجامعة العربية التصدي لأطماع إيران أو صدور قرارات من الجامعة بذلك يعني اللاشيء، وسيكون تكرارا بلا معني للتجربة العربية مع إسرائيل، لكن اللغة التي تفهمها القوى الإقليمية، هي لغة الندية والتكافؤ. صحيح أن طاقات العالم العربي بأكمله أكبر من طاقات محصلة مجموع أي تكتل قوى داخله، ولكن النظرة الواقعية والخبرة العملية تشيران إلى صعوبة جمع كل الدول العربية على إدراك خطر تهديدي واحد، وهو ما يعني ضرورة تقوية تحالف القلب العربي في مواجهة تدخلات القوى الإقليمية. ويقصد بتحالف القلب العربي هو التحالف الخليجي - المصري عامة، والثلاثي السعودي المصري الإماراتي على نحو خاص. فمن شأن صمود وتعزيز هذا التحالف أن يصحح علاقات العرب بالقوى الإقليمية. ويعني ذلك ضرورة تكريس مؤسسة هذا التحالف وتبنيه منهجا لتشبيك القوى الصلبة عبر مؤسسة قوة عربية أو دعم مشروع القوة العربية المشتركة، وتوزيع الأدوار فيما يتعلق بالمسرح الاستراتيجي الإقليمي. ومن الضروري أن ينطلق هذا التحالف في مناطق الأزمات العربية بسرعة، ومن خلال آليات القوى الصلبة التي تقضي بشكل مستمر على الثغرات والثقوب في منظومة الأمن القومي. ويترافق مع ذلك تمتين البحرية العربية في الخليج والبحر الأحمر. ولا يكفي امتلاك هذا التحالف أدوات القوى الصلبة والوجود المركزي والرئيسي في الخليج ومناطق التغلغل العربية المفتوحة أمام إيران، وإنما أيضا الاستمرار على خط استعادة طاقات القوى الناعمة العربية حتى لا يخضع العقل العربي للاستلاب في إطار مشروعات إقليمية أوسع. وفي سياق ذلك تأتي مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة لمشروع مارشال لإنقاذ الدول العربية الثلاث سوريا واليمن وليبيا كبادرة أمل عربية تنتشل ذمام المبادأة من القوى الإقليمية، كما يأتي ما نشر عن صفقة سعودية مصرية مشتركة لتعزيز سلاح البحرية العربي بشراء حاملتي طائرات فرنسيتين كبادرة على تحقق الطموح العربي بقوة بحرية وبتعزيز التعاون العربي وفق كراسة ومنهج تخطيط عسكري مشترك.

ثالثا: الهجوم الداخلي المعاكس: على مدى السنوات الماضية، ظلت العلاقات العربية الإيرانية على صفيح ساخن، وربما لم يمض شهر دون الإعلان أو الكشف عن دلائل ومظاهر للتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية العربية، من إعلام معاد ومحرض على مدار الساعة، وتصريحات تهديدية، أو تصرفات وسلوكيات تدخلية نشطة، أو القبض على خلايا تجسس أو خلايا عنف، أو تهديدات عسكرية، أو تدخلات مباشرة وتحريض للمكونات الشيعية بدول الخليج. وخلال هذه الفترة لم يعمل العرب مطلقا على تبني نهج تدخلي مماثل في إدارة العلاقة مع إيران. وفي الوقت الذي تباهت فيه إيران باحتلال أربع عواصم عربية، تمتعت الدولة الإيرانية بالأمان الكامل من جانب جيرانها العرب، وأدارت ملفها النووي دون أدنى ضغط عربي على شؤونها الداخلية. وهنا -بعد الاتفاق-من المهم إعادة التفكير بمناهج إدارة العلاقة مع إيران على نحو يجعل العرب يستعيدون زمام المبادأة، وهو ما ينبغي توسيع الرؤية العربية وفحص مداخل جديدة للتعامل مع حالة إيران، ليس عبر مداخل هدامة وتخريبية، وإنما بمداخل تساعد على تصحيح الوضع الداخلي في إيران ومساعدة الأجنحة والقوى التي تحتاج المساعدة لإحداث التغيير. ومن المرجح أن توفر السنوات المقبلة -بعد الاتفاق النووي-إمكانية لإحداث هذا التغيير. وربما يحتاج العرب لمبادرات جريئة في المجال السياسي، بمستوى الجرأة الاقتصادية للإمارات، التي كان لديها من الأفق وسعة الخيال ما مكن تجارتها مع إيرانمنأنتبلغ 17 ملياردولارفي 2014،وزيادةرحلاتالطيراناليومية، برغم الخلاف السياسي. وهو ما يطرح السؤال لماذا تبدو بعض الدول العربية عملاقا اقتصاديا في التعامل مع إيران، بينما لا زال البعض يتعاملمعها بنقص ثقة سياسية كبير.

قد يكون لدى بعض العرب طموح بتغيير إيران وبتشجيع الانقلاب أو الثورة الداخلية التي تأتي ببدائل مختلفة عن الشاه أو الخميني، ولكن هذه البدائل غير مأمونة، خصوصا في ظل تطور القدرات العسكرية الإيرانية وتعدد مراكز القوة التابعة للدولة والثورة، وهو ما يعني أن أي اضطراب داخلي سوف تكون له مردوداته السلبية على الخليج. لذلك فإن أحد أدوات العرب في نشدان التغيير في إيران هو التدخل عبر أدوات القوة الناعمة، ويتطلب ذلك مبادرات ذات خيال سياسي، تجعل إيران بعد الاتفاق تقف بشكل مستمر في موقع الدفاع لا الهجوم.  

مقالات لنفس الكاتب