العدد 100

هل يشعل النفط في شمال العراق الصراع العربي ـ الكردي؟

الخميس، 01 تشرين1/أكتوير 2015

يعتقد كثير من المراقبين أن الإدارة غير الناجحة للمصادر الطبيعية، وفي مقدمتها النفط، من حيث الإنتاج والتصدير وتوزيع العوائد، يمكن أن تصبح حافزا على نشوب واستمرار، بل وتأجج، الصراعات الأهلية والطائفية، في دولة ما، مما قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية وجيوسياسية خطيرة قد تهدد وحدة وتماسك هذه الدولة. وقدثبت صحة هذه المقولات في السنوات الأخيرة في عدد من دول منطقة الشرق الأوسط مع تنامي رفض بعض الأقليات الطائفية والعرقية للحرمان من عوائدالنفط الذي يجري تحأقدامهم.ولعل ما يجري في العراق، منذ فترة ، أحد أهم الأمثلة على ذلك. فقد أصبحت كيفية إدارة انتاج النفط وعائدات صادراته أحد أهم التحديات التي تهدد تماسك ووحدة الدولة العراقية، خاصة بعدما تفجر النزاع مؤخرا بين حكومة إقليم كردستان العراق والحكومة الاتحادية في بغداد.

ففي شهر يوليو الماضي، عادت أربيل، عاصمةإقليم كردستان العراق، إلى تصدير النفط بشكل مستقل عن بغداد في انتهاك واضح للدستور العراقي وللاتفاق القائم بينها وبين الحكومة الاتحادية بشأن إنتاج وتصدير النفط، والذي يعود التوصل إليه بين بغداد وأربيل إلى 2 ديسمبر 2014م، الأمر الذي اعتبره بعض المراقبين للشأن العراقي بمثابة صب زيت على النار المشتعلة بين العرب والأكراد،وهو ما ينذر بدفع العراق نحو هاوية التقسيم إلى ثلاثة أجزاء: كردي في الشمال، وشيعي في الجنوب والوسط، وسني (بقيادة تنظيم داعش) في الشمال والغرب.

اتفاق ديسمبر 2014

ينص الاتفاق الحالي بين الحكومة الاتحادية في بغداد وبين إقليم كردستان على قيام الأخير بتصدير 250 ألف برميل من النفط يومياً فضلاً عن 300 ألف  برميل من حقول مدينة كركوك الغنية بالنفط، (والتي أصبح الأكراد يسيطرون عليها منذ الصيف الماضي، بعد ما انهار الجيش العراقي في مواجهة تنظيم داعش) عبر خط أنابيب كردستان- جيهان (الميناء التركي) بإشراف شركة تسويق النفط العراقية "سومو" التابعة للحكومة الاتحادية، مقابل تخصيص حصة للإقليم في الموازنة الاتحادية لعام 2015 م، تبلغ حوالي مليار دولار شهريا. وتضمن هذا الاتفاق أيضاً منح1.2  تريليون دينار عراقي لقوات البيشمركة الكردية وتخصيص نسبة من موازنة وزارة الدفاع لها.

غير أن حكومة إقليم كردستان تعثرت في تنفيذ الاتفاق المذكور خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي 2015م، لمشكلات فنية، وهو الأمر الذي ردت عليه حكومة بغداد بدفع مايتراوح بين 30 و40 في المائة فقط من المدفوعات المخصصة لصالح أربيل.وفسرت الحكومة الاتحادية في بغداد موقفها بالقول إنها في ضائقة مالية شديدة بسبب تراجع كبير في عوائد تصدير النفط نتيجة انخفاض أسعار النفط عالميا، خاصة وأن قانون الموازنة الاتحادية العراقية قد اعتمد في احتساب الصادرات الاتحادية على معدل سعر لبيع النفط هو 56 دولاراًللبرميل، وعلى صادرات يومية للعراق هي 3.3 مليون برميل، منها التزام إقليم كردستان بتسليم شركة سومو العراقية 550 ألف برميل يومياً. وأضافت بغداد بالقول إن أربيل لم تسلم، منذ بداية العام ولغاية يوم (31/5/2015)،سوى حوالي 328 ألف برميل/ يوم،أي بمعدل مايقارب 60في المائة من الكمية المتفق عليها،بينما بلغت لغاية (23/8/2015) حوالي 241 ألف برميل/ يوم، أي بمعدل يقارب 44في المائة من الكمية المفترض تسليمها للحكومة الاتحادية حسب قانون الموازنة". ونتيجة لهذا التقصير من جانب أربيل، قررت بغداد عدم دفع كامل مخصصات إقليم كردستان بناء على "المادة 11/ثالثاً"من قانون الموازنة الاتحادية، والتيتنص على أنه (في حالة عدم إيفاء أي طرف بالتزاماته النفطية أو المالية المتفق عليها فيهذه الموازنة يكون الطرف الآخر غير ملزم بالإيفاء أيضاً بالتزاماته نفطية كانت أو مالية).

ومن جهتهم، فسر الأكرادعدم التزامهم بالاتفاق مع الحكومة الاتحادية بشأن إنتاج وتصدير النفط بالقول إن إقليم كردستان عانى من "أزمة مالية خانقة" وضعت الإقليم على "هاوية الإفلاس" نتيجة خفضحكومةبغدادلمخصصاتهفيموازنةالعامالجاري،بالتزامن مع ارتفاع نفقات قتالقواتالبيشمركة الكرديةضد مسلحي داعش،ونفقاتإيواءمايقدربـ1.7 مليونلاجئأجنبيوعراقينزحواإلى الإقليم منمناطقأخرىفيالبلاد. وهو ما يدفع بهم إلى التمسك بتصدير النفط بشكل مستقل بعيدا عن بغداد من أجل تلبية احتياجاتهم المالية الضرورية لتسيير الحياة في إقليم كردستان.

وتجدر الإشارة إلى أن الخلافاتبينبغدادوأربيل حول إدارةالنفطوعائداتصادراته كانت قد بلغت ذروتها في فبراير 2014م، إثرقراررئيسالوزراء العراقيالسابقنوريالمالكيتجميدحصةالإقليم تماما في الموازنةالاتحادية العراقية،فيضوءإصرارالأكرادعلىتصديرالنفطبقرار"فردي" مستقل عن بغداد،فضلا عنتهديداتللقادةالأكراد،خصوصارئيسالإقليممسعودبارزانيبطرحخيارالاستقلال عن بغدادعلىالاستفتاء الشعبي العام. وقد تسبب قطع مخصصات الموازنة الاتحادية عن الأكراد في إنهاكهم اقتصاديا بشكل ملموس،كما أدى أيضاإلىعدم دفعرواتبموظفيحكومةالإقليموقواتهالأمنية.وبعدأشهرمنالشدوالجذبوغيابمفاتيحالحل بين بغداد وأربيل،شكلظهورتنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق، المعروف بـ "داعش"، وسيطرته على مدينةالموصلفي 9 يونيو 2014 م،إثرانسحابالجيش العراقي منها، نقطةتحول ملحوظة في العلاقة بين الجانبين. حيث توصل قادة بغداد وأربيلإلىتسويةمتوازنة، في ظل حكومة الدكتور حيدر العبادي، التي كلفها رئيسالجمهوريةفؤادمعصومفيمنتصفأغسطس 2014م. ونصت هذه التسوية على موافقة الأكراد على إعطاء رئيس الوزراء العراقي الجديدمهلة مدتهاثلاثةأشهرلصرفمخصصاتإقليم كردستان في الموازنة الاتحاديةوحلالخلافاتالنفطية.وبالفعل، نجح الدكتور العباديفي التوصل إلى اتفاق بشأن النفط مع الأكراد في ديسمبر 2014م، حسبما ذكرنا سالفا. إلا أن التوتر عاد لينفجر من جديد بين بغداد وأربيل منذ منتصف العام الجاري.

 

إدارة إنتاج النفط وعائدات صادراته أهم التحديات التي تهدد وحدة دولة العراق

 اتفاق النفط بين بغداد وأربيل مات إكلينيكياً ومواقف قادة حزب الدعوة تزيد التعقيد

 تصدير النفط الشمال بمعزل عن بغداد يكرس الاستقلال ويشعل الصراع الكردي

تعثر تنفيذ اتفاق ديسمبر وتراجع أسعار النفط تحد جديد أمام استقرار العراق 

مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل

تباينت آراء الخبراء حول إمكانية احتواء التوتر المتنامي بين بغداد وأربيل في المدى المنظور. حيث رأى فريق من المحللين صعوبة عودة الطرفين إلى احترام الاتفاق بينهما فيما يتعلق بتصدير النفط ودفع مخصصات أربيل من الموازنة الاتحادية، وبالتالي تحقيق التقارب والتعاون بينهما. ويقول أنصار هذا الفريق إنالاتفاق بين الجانبين يبدو أنهقد "مات اكلينيكيا" بعدما أصبح يلقى معارضة قوية من جانب العديد من القوى السياسية المؤثرة في بغداد، ومنهاحزبالدعوةالذيينتميإليهالعبادينفسه.حيثيرى عدد من قادةالحزب، ومن بينهم رئيس الحزب الحالي ورئيسالوزراء السابق،نوري المالكي،أن الدكتور العباديقدمالكثيرمنالتنازلاتللأكراد، ومنها اتفاق النفط،فيسعيهللحفاظعلىوحدةوتماسكحكومةتحظىفيهاالأقليةمنالسنةوالأكرادبتمثيل.كما يؤكد أنصار التيار المعارض لرئيس الوزراء الحالي في الحزب الحاكم أيضا على أن اتفاق النفط الحالي مع أربيل ليس إلا وسيلة من جانب الأكراد لامتصاص أكبرقدرممكنمنمواردبغداد قبل "إعلان الاستقلال"، مشيرينإلى أن وضعإقليمكردستانالحاليمنحكمذاتيغيرمكتمللايمكناستمراره، حيث لا يمكن "جعلامرأةنصفحامل".ومما يعزز من مقولات أنصارهذا التيار أن حكومةإقليمكردستان ما تزال، حتى كتابة هذه السطور، مستمرةفيبيعالنفطبشكلمستقلعنالحكومةالاتحادية،وبالتالي فهي تبدو غير مكترثة برأب الصدع في العلاقات مع بغداد، بل وتبدو راغبة في مواصلةسيرها نحو الإعلان عن "دولةكرديةمستقلة". وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن وزارةالثرواتالطبيعيةفيإقليمكردستان قداعلنتفي 22 أغسطس 2015م،أنصادراتالنفطخلالشهرأغسطس الماضي،بلغتملياراًونصفالملياردولار،مؤكدة علىأنهاضمنتمبلغ 850 مليوندولارشهرياًحتىعام 2016 م، عنطريقبيعالنفطللمشترينمستقبلاً. وقد شدد قادة أربيل أيضا على أنوزارةماليةالإقليمهيالمسؤولةعنتسلمعوائدصادراتالنفط.

وفي مواجهة الرأي القائل بأن اتفاق النفط بين الجانبين قد "مات إكلينيكيا" وبالتالي فلا مجال للتقارب والتصالح بين بغداد وأربيل في المدى المنظور، ظهر فريق ثان يرفض تماما هذا الرأي، ويؤكد على إمكانية العودة إلى التمسك بهذا الاتفاق مرة أخرىفي ضوء حرص الجانبين على عدم جر العراق إلى حافة التقسيم.ويؤكد أنصار هذا الفريق على أن هذه العودة ضرورية ومطلوبة في الوقت الحالي، أكثر من أي وقت مضى، حتى لا يستفيد مسلحوداعش من الخلاف والتوتر بين بغداد وأربيل، خاصة وأن الحكومةالاتحادية في العاصمة العراقية كانت تعتزمإنشاءمركزقيادةمشتركمعالأكرادفيشمالالعراقمنأجلالتنسيقفيمواجهة داعش.

ومما يدعم من وجهة نظر الفريق الثاني ما تبديه أغلبية القوى الدولية من رفض للمطالب الكردية بإعلان دولة مستقلة عن بغداد، وفي مقدمتها تركيا وإيران والولايات المتحدة. فرغم الدعم المادي والمعنوي من جانب هذه القوى للأكراد في العراق، إلا أن أقصى ما استطاع الأكراد الحصول عليه منذ معاهدةسيفر،التيحاولتإضفاءطابعارسمياعلىتقسيمالأراضيالعثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وتصورتاحتماليةإقامةدولةكرديةمستقلة، هو حصولهمعلىحكمشبهذاتيفي شمالالعراق بعد الإطاحة بنظامالرئيس العراقيالراحلصدامحسين في عام 2003م، وفي ضوء هذه الحقيقة التاريخية، ليس من المحتمل أن يحظى قادة أربيل بدعم دولي في المدى المنظور لإقامة دولتهم المستقلة في شمال العراق. ومما يؤكد ذلك تصريحاتالمسؤولينالأمريكيين،والتيكانأبرزها (والذييحملدلالةمهمة) ماصدرأخيراعنوزيرالدفاعالأمريكيأشتونكارتر،عندما أكد علىأندعمالقواتالكردية في مواجهة داعشلايمكنأنيكونإلاعبربغداد. مايعنيأنعلىحكومةإقليمكردستانعدمالقيامبأيةخطوات،عسكريةأواقتصادية،تحديداًفيمايتعلقبملفالنفط،مندونالرجوعإلىالحكومةالاتحاديةفيبغداد.

وفي ضوء كل ذلك، يمكن القول إنه إذا كان من الصحيح أن بعض التطورات الأخيرة في العراق، جعلت الظروف، بصفةعامة، أكثر مواتيةللأكراد لإعلان الاستقلال عن العراق، خاصة بعدما سمحظهورتنظيمداعشللأكرادبتقويةتواجدهمعلىالأراضيالمتنازععليها مع بغداد، وبعدما توافر لهم عوائد ضخمة من تصدير النفط عن طريق تركيا.إلا أنه من الصحيح أيضا أن تفكك وإضعافالعراقليسبالضرورةمفيداللأكراد،لأنهذاسيكشف نواحيضعفهم،خاصةمنالناحيةالاقتصادية والسياسية.فالأكرادفيأرضمغلقة،بدونمنافذبحرية،وعدماستقرارالعراق والدول المجاورة لهسيؤثرعليهمفيالاستثماروالعلاقاتالتجاريةوخطوطتصديرالنفطوالغاز. وبالتالي، فمن المرجح ألا يسعى الأكرادفي المدى المنظور إلى الاستقلال عن العراق، وأقصىمايمكنهمعملههوالتماسك،خاصةفيالأراضيالمتنازععليهامعبغداد،واستغلالالفوضىالحالية في العراقلعقدصفقاتجيدةفيمايتعلقبإنتاج النفط وتصديره عبر تركيا.حيث يشير الخبراء إلى أن اقليم كردستان لديه خطط طموحة للغاية في هذا المجال. فقد صرح وزيرالمواردالطبيعيةلحكومةإقليمكردستانالعراقأشتىهورامى مؤخرا أن الإقليم لديه خطة لتصدير مليونىبرميليوميافىعام 2019م.وتوقعهورامىأنهسيكونبالإمكانتصديرنحو 3 ملايينبرميليوميامنشبكةانابيبشمالالعراقإلىالأسواقالدوليةعبرتركيا في السنوات القليلة القادمة. إلا أن هورامىربط تحقيقهذاالهدفبتشييدالبنىالتحتيةاللازمةللتصدير،وفي مقدمتهابناءخطوطالأنابيب.ومن ناحية ثانية، سيظل تحقيق هذا الهدف متوقفا على نجاح أربيل في الحصول على موافقة بغداد. في تصديرالنفطوالغازمباشرةمنجانبحكومةإقليمكردستانإلىالأسواقالدوليةدونموافقةوزارةالنفطالاتحاديةهومخالفةصريحةللدستورالعراقىوأمرتعارضهبغدادبشدة. فالدستور العراقي الصادر في عام 2005 م، ينص في مادته رقم 112 بشكل واضحعلى"أنالحكومةالاتحادية تقومبإدارةالنفطوالغازالمستخرجمنالحقولالحاليةمعحكوماتالأقاليموالمحافظاتالمنتجة. وتقومالحكومةالاتحاديةوحكوماتالأقاليموالمحافظاتالمنتجةمعابرسمالسياساتالاستراتيجيةاللازمةلتطويرثروةالنفطوالغاز".ومن جهة أخرى، تبقىسلامةتصديرالنفطمنشمالالعراقغامضة،فيظل الهجمات الإرهابية التي يشنها حزب العمال الكردستاني على خط الأنابيب الواصل بين أربيل وميناء جيهان التركي.

وربما تكون الخطواتالأخيرةالتياتخذتلتحسينالعلاقاتبينالعراق وتركيا، وهيمصالحةدفعت الولايات المتحدة إليها، تبدوالآنالرهانالأفضل،كمايقولمحللون، لضمان وحدة وتماسك العراق في المستقبل، ولضمان التوصلإلىاتفاقعلىتمريرقانونوطني جديدللنفطوالغازلتقسيمأرباحالعراقالنفطيةالكبيرة. وإذاجرىهذاالأمربنحوصحيح،فإنمنالمحتملأنتولدهذهالصفقاتعائداتضخمةللعراق،وتوزعهاالحكومةالعراقيةوفقالدستورالعراقيوبالنهايةلصالحالشعبالعراقي،ومنبينهمطبعا،منطقةكردستان.

مجلة آراء حول الخليج